التربية والتعليمتقارير ودراساتعام

كيف تُبقي على ذكائك في عصر الذكاء الاصطناعي: علم التفكير النقدي

هيلين بيرسون

ترجمة: د. عبدالله الشهري

 

 

في مطلع هذا العام، أدرك الباحث التربوي ليشيانغ يان أن بوسع طلابه توكيل الذكاء الاصطناعي بجميع أعمال المقرر الجامعي الذي يدرّسه. كان يان، الذي يدرّس في جامعة تسينغهوا في بكين بالصين، يستخدم نظام وكيل ذكاء اصطناعي يُدعى «كودكس» لإعداد مقرر إلكتروني على منصة لإدارة التعلم. لكن سرعان ما اتضح له أن هذا النظام البارع يستطيع، هكذا استقلالاً، إنجاز جميع التكليفات، والإجابة عن الأسئلة، والمشاركة في المناقشات، “من دون أن ينخرط المتعلم فكريًا” على الإطلاق.

جعلت هذه التجربة يان يعتقد أن تعليم الطلاب كيفية الاستدلال والتفكير أصبح “أهم من أي وقت مضى”، وهو لم يتفرد بهذا الرأي. ففي استطلاع أُجري عام 2025 وشمل أكثر من ألف من أعضاء هيئات التدريس في الولايات المتحدة، ونفذته رابطة الكليات والجامعات الأمريكية، قال 90% منهم إنهم يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي التوليدي سيُضعف مهارات التفكير النقدي لدى الطلاب. وصرح نحو 20% من طلاب التعليم العالي الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي بأنهم يكابدون بالفعل صعوبة أكبر في معالجة المشكلات من دونه، وذلك وفقًا لإجابات أكثر من ثمانية آلاف مشارك في استطلاع عالمي أُجري هذا العام.

يقول عالم النفس المعرفي دانيال ويلينغهام، من جامعة فرجينيا في شارلوتسفيل: “يحدث التعلم نتيجة للمعالجة المعرفية، وهذه المعالجة تتطلب جهدًا في العادة، وهذا هو الجهد الذي يلغيه الذكاء الاصطناعي فعليًا”. ويضيف: “ينتاب الناس قلق بالغ حيال ذلك”.

ويُعدّ العلم أحد المجالات المهمة المهددة بفعل ثورة الذكاء الاصطناعي في النماذج اللغوية الكبيرة، إذ يلزم الناس فيه تقويم النظريات والبيانات تقويمًا نقديًا. يقول توماس نيغرين، الباحث في التربية والتفكير النقدي بجامعة أوبسالا في السويد: “ثمة خطر في أن يعهد الطلاب إلى الذكاء الاصطناعي بالأنشطة نفسها التي ينمو من خلالها التفكير العلمي، وهي: صياغة الفرضيات، وتفسير الأدلة، والنظر في البدائل، والتعامل مع عدم اليقين”.

لكن ما زال هناك أمل، فقد مكث المتخصصون في التربية والإدراك سنوات يدرسون التفكير النقدي وسبل تنميته، ولدى بعضهم إرشادات مفيدة للحفاظ على حدة الذهن في عصر الذكاء الاصطناعي. يقول ستيفان فنسنت لانكران، الذي قاد برنامجًا استمر عشرة أعوام لدراسة التفكير النقدي في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في باريس: “أصبحت تنمية التفكير النقدي ومهارات التفكير العليا أكثر أهمية من ذي قبل”.

ما التفكير النقدي؟

اسأل خمسة أشخاص عن تعريف التفكير النقدي، وستحصل على خمس إجابات مختلفة. (وقد جربت ذلك). يقول ويلينغهام: “يعتبر التفكير النقدي، إلى حد ما، ذروة سنام الإدراك البشري”، ويضيف: “إنه أشبه شيء بمصطلح جامع للحالات التي يفكر فيها الناس تفكيرًا سليمًا”. ومن أسباب تعدد التعريفات أن المصطلح مستعمل استعمالًا واسعًا في التعليم والخطاب اليومي، لكن استعماله أقل لدى الباحثين في الإدراك. فهؤلاء يتحدثون بدلًا من ذلك عن عمليات عليا منفصلة، مثل الذاكرة والاستدلال واتخاذ القرار وحل المشكلات، وهي عمليات تنطوي على آليات دماغية مختلفة، وإن تداخل بعضها في بعض.

ويرى الباحثون أن ثمة استراتيجيات عامة مشتركة في التفكير النقدي. ومن أبرزها القدرة على تأمل إمكانات أو وجهات نظر مختلفة عن وجهة نظرنا، مثلما يفعل العالِم حين يوازن بين فرضيات مختلفة.

غير أن ممارسة التفكير النقدي تتطلب مهارات ومعرفة بالمجال المعني؛ ومن ثم فإن مقدرة شخص ما على ممارسته في مجال ما لا تعني أنه قادر على ذلك في مجال آخر. على سبيل المثال، لا يجيد أطباء الأعصاب تشخيص حالات أمراض القلب إجادة خاصة، كما أظهرت إحدى الدراسات[1].

هل يُضعف الذكاء الاصطناعي هذه المهارة؟

إن المخاوف من تدني مستوى الطلاب الفكري ليست بجديدة. ففي عام 1983، حذّر تقرير صادر عن اللجنة الوطنية للتميز في التعليم في الولايات المتحدة من أن كثيرًا من الطلاب في سن السابعة عشرة تعوزهم “المهارات الفكرية ’العليا‘ التي ينبغي أن نتوقعها منهم”. وخلال العقود القليلة الماضية، أصبح التفكير النقدي هدفًا لكثير من الأنظمة التعليمية، كما يقول فنسنت لانكران. وتعدّه الآن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» أولوية تعليمية، كما أنه مدرج في المناهج المدرسية لجميع دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تقريبًا. ويمثل فنسنت لانكران لذلك بمقرر يبحث فيه الطلاب أسباب داء السكري من النوع الثاني، بحيث يراجعون أفكارهم كلما تعرفوا إلى وجهات نظر مختلفة، مثل إسهام الجينات والعوامل البيئية في الإصابة بالمرض. لكن لا يعني هذا أن الهدف قد تحقق. يقول ويلينغهام بنبرة متشائمة: “ليس هناك ما يحملنا كثيرًا على اعتقاد أننا كنا نؤدي عملًا رائعًا” في تعليم التفكير النقدي في الماضي، “ثم جاء الذكاء الاصطناعي فهدم كل ما حققناه” لطلاب اليوم.

تعج المدارس والجامعات بروايات يسردها المعلمون عن طلاب ضعفت – في رأيهم – قدرتهم على حل المشكلات وتقييم المعلومات بأنفسهم، لأنهم يعهدون بهذه الأعمال إلى الذكاء الاصطناعي. وتؤيد بعض البحوث القول بأن الذكاء الاصطناعي ربما أفضى إلى تآكل المهارات. فقد توصلت دراسة أُجريت عام 2024 إلى أن طلاب المرحلة الثانوية كانوا أقدر على حل المسائل الرياضية حين تيسر لهم استخدام ذكاء اصطناعي توليدي شبيه بـ «تشات جي بي تي»، لكن أداءهم، بعد حرمانهم منه، كان أسوأ من أداء الطلاب الذين لم يتيسر لهم استخدام الأداة من الأصل[2].

والبحوث على وجه العموم لا تبين بوضوح حتى الآن أثر الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعلم والتفكير النقدي. ويرجع ذلك، وفقًا للباحثين، إلى حداثة أدوات الذكاء الاصطناعي وتنوعها، وتعارض نتائج الدراسات المنجزة حتى الآن، وقلة الدراسات الصارمة أو الطويلة الأمد[3]. يقول يان، الذي راجع أدبيات هذا المجال: “يمكن للأدوات أن تساعد، لكنها قد تتسبب أيضًا بأثر سلبي. فالتأثير يسير في الاتجاهين بالفعل”.

وتشير بعض الدراسات إلى أن أدوات الذكاء الاصطناعي يمكن أن تساعد الناس على التعلم إذا تفادوا الحصول على الإجابات الجاهزة وحصلوا بدلاً منها على أثر رجعي تفاعلي أو مهمات تشجع الطلاب على التفكير وحل المشكلات. يقول يان أيضًا: “إن الأمر يتعلق بكيفية تصميم المهمة”.

لكن ويلينغهام ويان يقران بأن الناس ميالون إلى طلب الإجابات السريعة بدلًا من استخدام الذكاء الاصطناعي على نحو يقتضي عملًا شاقًا. وحينما طلب يان من الطلاب استخدام نظام ذكاء اصطناعي مصمم لحثهم على التفكير بأنفسهم، رأى بعضهم يغلقه وينتقل إلى ’تشات جي بي تي‘. وعقب على هذا بقوله: “إنه لأمر صادم بعض الشيء، لكن هذا هو الواقع، أليس كذلك؟”.

وقد تسهم البحوث المقبلة في توضيح الأمر. ففي يونيو، أعلنت مؤسسة الوقف التعليمي، وهي منظمة بحثية غير ربحية مقرها لندن، أنها ستنفق ما يصل إلى 2.5 مليون جنيه إسترليني (3.4 ملايين دولار أمريكي) على دراسات صارمة تبحث أثر الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعلم والفهم والذاكرة وحل المشكلات. يقول ويلينغهام: “من الجيد أن هناك من يُجري هذه الدراسات”، مع أنه ما زال يتوقع أن الرؤية غير مبشرة، ويقول: “سيستغرق ظهور هذا التراجع بعض الوقت، لكنه يبدو على الأرجح أنه لا مناص منه”.

كيف يُعلَّم التفكير النقدي؟

يقول الباحثون إن اختلاف التفكير النقدي باختلاف المجالات أحد أسباب صعوبة تعليمه. يقول عالم النفس التربوي بول كيرشنر، الذي يعمل في الجامعة المفتوحة في هولندا ويقيم في هيرلن: “إنه ليس مهارة عامة مستقلة عن سياقها؛ بل يجب تدريسه تبعًا لتخصصات محددة”. وهذا يعني تزويد الناس بالمعرفة المتخصصة ومهارات الاستدلال اللازمة في كل مجال. ويوضح أن التفكير النقدي في التاريخ قد يتطلب مقابلة السجلات والشواهد المادية للتحقق منها، في حين قد تتطلب ممارسته في العلوم فهم العلاقات بين النظرية والفرضية والمنهج والدليل.

أما المشكلة الثانية فهي أن التفكير النقدي كثيرًا ما يقتضي التعرف إلى استراتيجيات الاستدلال المجردة، وهذا أمر صعب. فقد يتعلم الطالب في الصف، مثلًا، الفرق بين الارتباط والسببية، ثم يعجز عن اكتشاف الخلط بينهما حين يصادفه لاحقًا في الواقع.

ولذلك يوصي ويلينغهام المعلمين بتحديد أهم مهارات الاستدلال، وإدماجها في المناهج، والتحقق من حصول الطلاب على قدر وافر من التدريب عليها، بما في ذلك التدرب على أنواع مختلفة من المسائل. ويقول كيرشنر إن من الجوانب المهمة أيضًا وجود منهج مترابط ينمّي المعرفة والمهارات والتفكير النقدي عبر المواد المختلفة وعلى امتداد السنوات الدراسية.

وكان المشروع الذي قاده فنسنت لانكران في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من أكبر الجهود الرامية إلى فحص تعليم التفكير النقدي في المدارس وتطوير مواده واختبارها؛ إذ شارك فيه نحو 800 معلم، وشمل إعداد نماذج لخطط الدروس والمناهج الدراسية.

ويقر فنسنت لانكران بأنه ليست هناك أدلة صارمة متكاثرة على أفضل سبل تعليم التفكير النقدي. ويعود ذلك جزئيًا إلى أن قياس هذه المهارات بطريقة معيارية – وهو أمر ضروري لاختبار فاعلية أي استراتيجية – أصعب من قياس مهارات الرياضيات أو القراءة. وتعمل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حاليًا مع شركة تعليمية تُدعى «ماكات»، ومقرها لندن، على تطوير تقييم معياري للتفكير النقدي موجّه إلى طلاب المرحلة الثانوية والمرحلة الجامعية.

مجلة نيتشر

– – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – 

[1] Remy, R. M. J. P., Schmidt, H. G. & Boshuizen, H. P. A. Cogn. Instr. 20, 27–45 (2002).

[2] Bastani, H. et al. Proc. Natl Acad. Sci. USA 122, e2422633122 (2025).

[3] Yan, L., Greiff, S., Lodge, J. M. & Gašević, D. Nature Rev. Psychol. 4, 435–436 (2025).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى