الدين

توريط السلف!

د. فهد بن صالح العجلان

من الملاحظ بجلاءٍ في عصرنا ظهور ما يمكن أن نسمِّيه بظاهرة “توريط السلف”، وذلك بأن ينسب بعض الناس إلى عموم سلف هذه الأمَّة أو بعض أكابرهم معنى فاسدًا، ويحتج في الدفاع عن هذا المعنى الفاسد بوضع أئمة السلف أمامه، فإذا أُنكر عليه ما في هذا المعنى من مخالفةٍ للشرع، أو العقل، أو ما يترتَّب عليه من مفاسد كبيرة، هوَّن من هذا كلِّه بذكر أعلامٍ كبارٍ يعظمهم الناس، فالنكير على تبني هذه المعاني الفاسدة ليس على المتحدث، بل يجب أن يصوَّب نحو أولئك الأعلام الكبار. هذه الطريقة ستؤثر بلا شك على فئةٍ من الناس فتتقبَّل هذه المعاني بغض النظر عما فيها من إشكالٍ أو فسادٍ، وذلك تعظيمًا منهم لمن نُسبت إليه من سلف هذه الأمة، فيعتقد صحة ما فيها، ولا يعارضها بشيءٍ، وقد يتحمَّس أكثر فيطرد هذه المعاني، ويلتزم بلوازمها، ويشنع القول على من يخالفها.

ولكن مهما كبرت هذه الفئة فستبقى محصورة، وأما الجمهور الأكبر من الناس فسيجد إشكالًا عظيمًا في نسبة هذه المعاني الفاسدة إلى هؤلاء الأكابر، فكيف يقول علماء الإسلام الذين نثق بتقواهم، واتساع علمهم، وصدق مقصدهم، وكمال عقولهم مثل هذه المعاني الفاسدة؟! هذا المسلك في الحقيقة هو توريطٌ للسلف، وإساءةٌ لهم، بوضعهم في مقابل العقل الصحيح، وفي مقابل الاعتدال والإنصاف، وفي مقابل المصلحة الواجبة، وهو مسلكٌ كاذبٌ عليهم، وظالمٌ لهم، لأنَّهم أكمل الناس علمًا، وعقلًا، وعدلًا، واستقامة، وهو ما أدركه جمهور علماء الأمة فلم ينسبوا إليهم مثل هذه المعاني، بل اجتهدوا في بيان حقيقة حالهم، وتصحيح المواقف الخاطئة في فهم أقوالهم، ووضع ما قد يشكل، أو يكون غلطًا في موضعه الطبيعي، فهم ليسوا معصومين، لكنهم أفضل الناس، وغلطهم أقل من غلط غيرهم،  وخيرهم أعظم من الخير فيمن بعدهم، وإجماعهم حجةٌ معتبرةٌ لأنهم لا يجمعون إلا على معانٍ شرعيةٍ قطعيةٍ معتبرةٍ.

تتترَّس ظاهرة توريط السلف بأسماء العلماء والأكابر في وجه من ينكر قولهم، فتلحظ أنهم لا يدفعون التشنيع على هذا القول بذكر الدلائل من كتاب الله، أو سنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم على أقوالهم الفاسدة، ولا يجيبون عما يشكل عليهم من لوازم، ولا يتعرَّضون لما يترتَّب عليها من مفاسد وعواقب، وإنما يتترَّسون بأسماء الأكابر: قال الأوزاعي، وذكر أحمد، وهو قول إسحاق، وفيه قصة سفيان، وحكاه أبو حاتم الرَّازي، وهكذا. وليتهم يكتفون بهذا، بل يزيدون في الضغط على الناس: بأنَّ من يُغلِّط هؤلاء المعاصرين أو يَنسِبهم إلى غلوٍ، أو يطعن في فهمهم، أو ينتقص من عقلهم فهو في الحقيقة مستطيلٌ على أساطين السلف، ومنتقصٌ لهؤلاء الأعلام، بل هو من الأساس إنما يريد الطعن في هؤلاء الأعلام لكنه يخشاهم، فينتقد فلانًا وفلانًا من المعاصرين نيابة عن أولئك الأعلام!

وهذه طريقةٌ خطرةٌ جدًا، ومفاسدها ظاهرةٌ لكل عاقل، فهي ستضع أكثر الناس من غير المتخصصين المعتنين بهذه الموضوعات أمام مساراتٍ:

الأول: الإعراض عن هذا الباب كله، برفض هذه المعاني الباطلة، واحترام هؤلاء الأئمة، دون علمٍ مفصَّل بوجه ذلك، ولا قدرةٍ على الإجابة عن الإشكالات، وهذا خير هذه المسارات.

الثاني: السكوت على مضضٍ، مع تسرُّب نفورٍ من هؤلاء الأعلام، وشكٍّ في طريقتهم، وعدم ارتياحٍ لمسلكهم، وشعورٍ بوجود إشكالاتٍ في منهجهم، فهو يظهر احترامًا لا تصدِّقُه قناعة قلبية تامَّة، وهي مفسدةٌ عظيمةٌ يسهل بسببها تقبُّل هذه النفوس بعد ذلك لأي موجةٍ تجرفها نحو المعتقدات الفاسدة.

الثالث: الطعن في هؤلاء الأعلام، والاستشهاد بهذه المعاني الباطلة للتدليل بها على مخالفتهم للعدل، أو التشهي في الأحكام، أو التهاون في حقوق العباد، ونحو ذلك، واستغلال ذلك لتمرير جملةٍ من الاعتقادات الفاسدة المنحرفة.

وهذا يكشف لك خطورة المواقف المغالية، فهي تغلو في النظر فتحدث غلوًا مقابلًا، وتزيد في النظر فتحدث نقصًا معاكسًا، وهذه طبيعةٌ بشريةٌ في الانحرافات كافَّة، فبدلًا من المسلك المعتدل الصحيح الذي يظهر السلف على ما هم عليهم تبرزهم هذه الظاهرة في صورةٍ منفرة توقع الناس في إشكالٍ حقيقي في كيفية التعامل معهم، فيتوزَّعون في مواقف كثيرةٍ، سببها هذا القصور الفاضح في تصوير موقف السلف.

***

وحتى تدرك الفرق في “توريط السلف” والموقف المعتدل الذي يعرض منهج السلف، ويكشف حقيقته، ويظهر براهينه، قارن ما يفعله هؤلاء بطريقة أبي العباس شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله تعالى عليه، فكلا الطرفين يتحدَّثان عن سلفٍ تاريخي واحدٍ، وعن ذات الأعلام، ونفس الموضوعات، وعين الآثار، لكنَّك تخرج من أبي العبَّاس وأنت تلحظ عبقرية هؤلاء الأئمة رضي الله عنهم، وكمال عقولهم، وما هم عليه من إنصافٍ وعدلٍ وحفظٍ لمصالح الدين والدنيا، ونظرٍ عميق في دلائل الكتاب والسنة، وحكمةٍ نافذة في حفظ الدين، فيزيدك بيان الشيخ تعظيمًا للسلف، وفهمًا لدقائق نظرهم، وحرصًا على اتباعهم.

كما تخرج من أبي العباس وأنت تلحظ درجات التعامل مع مواقف السلف: التمييز بين إجماعهم، وقول جمهورهم، وقول آحادهم، ثم التمييز بين ما فعلوه اتباعًا لنصٍ مُحكمٍ، وما سلكوه تقديرًا مصلحيًّا، والتمييز بين القول القطعي، والقول الاجتهادي، ثم هذا الاجتهادي منه ما هو سائغٌ معتبرٌ شرعًا، ومنه ما لا يسوغ مع عذر صاحبه وأجره على اجتهاده، بل وتجد أنَّ منه ما قد يقع معصية وذنبًا يغفر الله لصاحبه، فهذا شيءٌ فطريٌّ لا يخلو منه البشر، فهذا التمييز مما يزيد منهج السلف في نظر أهل الإسلام جلاء وبهاء. وفي مقابل ذلك، حين تتجه إلى المعاصرين المورطين للسلف تشهد صورة مختلفة تمامًا، حيث تلوح لك المعاني الفاسدة متقدمة بين يدي أعلام السلف، فيجد المسلم نفسه في صراعٍ بين المعاني المشكلة والباطلة وهؤلاء الأئمة الكبار، وأنَّه لو تَرَك هذه المعاني أو حتى لو توقَّف فيها فإنه بهذا يكون قد ترك منهج السلف، واتبع خصومهم، وركن إلى البدعة، فمآل هذا المسلك التوريطي هو إضعافٌ لمنهج السلف في نفوس الناس، وتجرئة على الاستهانة بشأنهم، وكسر الاحترام العظيم الذي في نفوس الناس تجاههم، وكل هذا لأجل تمرير المفهوم الفاسد لمنهج السلف.

***

بطبيعة الحال هذا التوريط للسلف هو من النسبة الخاطئة للسلف، وتسميتنا له هنا بتوريط السلف هو من التوسُّع في العبارة للتشديد على خطورة هذا المسلك، وإلا فهو تنفيرٌ عن منهجهم يضر من تأثَّر به، ولن يضرَّ هؤلاء الأكابر في شيءٍ، وهو أيضًا مضرٌّ بالواجب الشرعي في اتباع منهجهم القائم على دلائل الكتاب والسنة، فظاهرة توريط السلف وهي تدَّعي اتباع السلف تتسبَّب من حيث تشعر أو لا تشعر في إضعاف منهج السلف، وفي تحريك الأسباب المثيرة لترك الناس له، وفي تقوية المسالك البدعية المخالفة للسلف. ولهذا فأسعد الناس بهؤلاء المورطين هم خصوم السلف وأعداؤهم، وكلَّما زادت خصومة الشخص للسلف زاد فرحه بهم، واستغلَّ أقوالهم ومواقفهم في التنفير عن الحق الذي كان عليه السلف، بل أصبح بعضهم يقول بوضوحٍ: إنَّ هؤلاء المورطين هم المعبِّرون الصادقون عن فهم السلف، والطريف أنَّ هؤلاء المورِّطين للسلف يفرحون بهذا الثناء، وقد يستشهد بعضهم بمثله من باب أنَّ هذا من قبيل “والحق ما شهدت به الأعداء”، ولا يستوعبون أنَّ السبب في ذلك هو أنَّ هذا الخصم يريد استغلالهم لتشويه منهج السلف، لأنهم أفضل مثالٍ على صدق التشويه!

ومما يزيد إشكال توريط السلف أمران:

الأول: أنَّ ما ينسبه هؤلاء للسلف ليس كله غلطًا، بل فيه معانٍ كثيرة صحيحة، لكنَّ هذا يختلط مع المعاني الفاسدة، فيتسبَّب في إضعاف هذه المعاني جميعًا.

الثاني: أنَّ هؤلاء الناس يشددون النكير على من يخالفهم في هذه المعاني، ويحكمون عليه بترك إجماع السلف، ومخالفة طريقة القرون المفضَّلة، وسلوك الإحداث في الدين، فلا يجعلون قولهم الفاسد هو أحد محتملات كلام السلف -وأنَّه الراجح- مع كون كلام السلف محتملًا لغيره وإن كان مرجوحًا عندهم، بل يرون أنَّ من يخالف فهمهم للسلف فهو محدثٌ مبتدعٌ ضالٌّ، بل قد يكون كافرًا، وهذا مما يزيد من حمأة توريط السلف.

الخلاصة من هذا كلِّه: أنَّ المعاني الفاسدة إذا نُسِبَت إلى معظَّمٍ، فإنها لن تنقلب صوابًا، والباطل لن يكون حقًا بمجرد أن تقول هو قول فلان وفلان، بل هذا سيفتح الإشكال على القائل نفسه، وكثيرٌ من الناس إن لم يكن أكثرهم لا يحسنون التعامل بإنصافٍ مع الأغلاط سواءً صحَّت نسبتها إلى أصحابها أم لم تصح، فهذا سيفتح باب الاستطالة على هؤلاء الأكابر، أو سوء الظن بهم أو الإعراض الكلي عنهم كما سبق ذكر هذه المسارات.

***

ولعلي أضرب على هذه المعاني الفاسدة أربعة أمثلةٍ، أكشف ما فيها من معانٍ باطلة، وآثار نسبتها إلى السلف، وأبيِّن المعنى الحق الذي كان عليه السلف، من الدعوى الفاسدة التي نسبت إليهم:

المثال الأول: الاستدلال بما جاء عن بعض السلف من تفضيل حال الفاسق على حال المبتدع،[1] وتوهُّم أنَّ هذا مع ما جاء من التشديد في حال أهل البدع وهجرهم والجلوس معهم يعني أنَّ كلَّ من وقع في بدعةٍ فهو شرٌّ من أهل المعاصي جميعًا، وأنَّ أهل الفسق والفجور مهما فعلوا يستحقُّون من الولاء والفضل والمنزلة في الإسلام وبين المسلمين ما لا يستحقُّه من وقع في بدعةٍ، وبناءً عليه يشنَّع على من يشكك في ذلك فيرى أنَّ بعض أهل البدع قد يكون خيرًا من كثيرٍ من أهل السنَّة وكأنَّه قد قال أمرًا منكرًا مصادمًا لفقه السلف! وهذا معنى ظاهر الفساد، يدرك العاميُّ من الناس غلطه، فلا يجوز أن ينسب مثل هذا إلى هؤلاء الأئمة، فهذه المقولات يجب أن تُحمَل على معنى شرعي صحيح، فيقال: هي متعلِّقةٌ بجنس البدع وأنَّها شرٌّ من المعاصي لا الحكم على عين كل بدعةٍ أنها شرٌّ من كل معصيةٍ، ولا أنَّ كلَّ من وقع في بدعةٍ فهو شرٌ من كل من وقع في معصيةٍ، أو هي متعلقة بجنس المبتدعة في مقابل جنس الفسَّاق، أو هي متعلِّقةٌ بمن كَفَر ببدعته لأنَّ المسلم خيرٌ من الكافر على كل حال، ولا يجوز أن يُفهَمَ منها أنَّ كلَّ صاحب بدعةٍ فهو شرٌ من أصحاب الفسوق مهما فعلوا، وأنَّه يجب أن يبغض ويعادى أشدَّ منهم، وأنَّ خطره أشدُّ من خطر المعاصي مهما كانت.

لازم هذا الفهم المنسوب إلى السلف: أنَّ أشد الناس فجورًا ممن يوغل في انتهاك المحرَّمات، وفعل الفواحش، ذلك المعرض عن دينه، المفرِّط في أداء الصلوات، وبقية الأركان، هو خيرٌ وأحسن حالًا إن لم يقع في بدعةٍ اعتقاديةٍ من العالم العابد التقي الصالح الذي وقع في بعض البدع الاعتقادية غلطًا وتأوٌّلًا، ولم يحكم عليه بالكفر بعينه. وهذا معنى لا يقبله عاقلٌ، بل يستدلُّ العقلاء به على ضعف عقل من يقوله، فكيف يُنسب إلى سادة العقلاء، وجهابذة الفقه والفهم.

فهذا المعنى المنسوب إلى السلف ظاهر البطلان لما فيه من مخالفة العدل، وقواعد الشرع، ولا يجوز نسبة مثل هذا المعنى إلى السلف الصالح، لأنَّه يقوم على مقارنةٍ قاصرةٍ جدًا تلحظ جزءًا من المعاني الشرعية وتهمل سائرها، وليس مثل هذا من فقه السلف في شيءٍ، وينكشف لك القصور في هذه المقارنة ببيان الأخطاء التالية:

الخطأ الأول: الاقتصارُ على بعض الدين دون بعض، فالتفاضل في الشرع يقوم على الدين كله: العلم والعمل، الظاهر والباطن، الحسنات والسيئات، الأوامر والنواهي، فمن مجموع ذلك يُعرف فضل الشخص وما يجب له أو عليه، وليس الاقتصار على جانبٍ من الدين وهو الاعتقاد، بل إنما يجب للشخص من الحب والبراء بقدر ما قام من واجبات الشرع وحقق من فضائله، وينال من الإنكار والبراءة بقدر ما ابتعد عن ذلك. ويزيد الإشكال هنا أيضًا: غياب تحديد وزن البدعة، بل جعلها عامَّة تشمل كل البدع، مع أنَّ البدع الاعتقادية تتفاوت في قوتها وضعفها، فهو حُكم على سيئة البدعة بأنَّها هي الفيصل بغض النظر عن نوعها، وهذا قصورٌ آخر، كما يزداد فساده أكثر عند بعض الناس لأنهم قد يدخلون فيه أيضًا البدع العملية، وعامَّة هذه البدع هي من الصغائر، فكيف أصبحت شرًّا من كبائر الذنوب؟!

الخطأ الثاني: إهمالُ النظر في العوامل المؤثرة في التفاضل، فالحكم يجب أن يلاحظ العوامل المؤثرة جميعًا، ومن أهمها هنا: أثر التأوَّل، وأنَّ من يقع في البدع قد يكون معذورًا بجهله أو تقليده أو اجتهاده، ولا يساوى من وقع في مخالفة الشرع عنادًا وإعراضًا وإهمالًا بمن ارتكب ذلك غلطًا وخطأً بسبب تأويل. وفي ملاحظة هذا المعنى من أثر التأوَّل في هذه المقارنة يقول فقيه المالكية عبد الرحمن ابن القاسم: (‌وقد ‌يكونُ ‌في ‌غير ‌أهل ‌البدع من هو أشرُّ من أهل البدع، لأنَّ أهل البدع فعلوا شيئًا بتأويلٍ تأوَّلوا أنهَّم على الحق، فكان حالهم أخفَّ ممَّن أتى الكبائر مجاهرةً وهو عالمٌ أنَّ الله تبارك وتعالى قد حرَّمها ونهى عنها)[2].

الخطأ الثالث: الغفلة عن معنى التفاضل الجزئي، وجعل ما هو شرٌّ من وجهٍ أشر من كل وجهٍ، فتشديد العلماء على أهل البدع بالهجر والعقوبة والتحذير أكثر من أهل الفسق والفجور لا يعني أنَّهم شرٌّ منهم مطلقًا من كل وجهٍ، وإنما المراد: أن فيهم من المعنى المؤثِّر ما ليس في أكثر العصاة، وذلك من جهة دعوتهم لهذه البدع، وتأثُّر المصاحب لهم، وتمسُّكهم بها، ونحو ذلك مما لا يوجد مثله في المعاصي، فهو نظرٌ مصلحيٌّ يدرك الفرق بين البابين، غير أنَّ هذا لا يعني أنَّ كلَّ صاحب بدعةٍ فهو شرٌ من مرتكب الفسق من كل وجهٍ، فهذه غفلةٌ عن هذا المعنى، وذهولُ بتحويل النظر الجزئي إلى معنى كلي عام، فقد يُستعمل مع من وقع في بدعةٍ من الهجر والتشديد ما يزجره عنها ويمنع من الاقتداء به ما لا يفعل مع أهل المعصية، مراعاة لمصلحة حفظ دين النَّاس وإن كان في نفسه فاضلًا معذورًا.

وفيه خطأٌ من وجهٍ آخر، وهو الغفلة عن تفاوت أحوال العصاة من جهة الأثر، فلا يصح أن يجعل كل مبتدع ٍفهو أضرُّ من كلِّ عاصٍ من جهة التأثير، بل قد يكون العكس، فقد يكون في المعصية ما هو أضر من جهة قوة انتشارها، واتساع أثرها بما لا يحصل مع أصحاب البدع، فيجب الحذر والتشديد في حقهم أكثر.

فهذا النظر قصَّر من جهتين:

الأولى: وسَّع مفهوم المقارنة فجعل أهل البدع شرًّا من كل وجهٍ، ولم يلحظ أنه قد يكون شرًّا من وجهٍ دون وجه.

الثانية: لم يلحظ هذا الشر الجزئي، وأنَّه ليس مطلقًا مع كل بدعةٍ في كل زمانٍ وحالٍ، فقد يكون من المعاصي أو بعض الأزمنة أو بعض الأحوال ما هو أشدُّ من البدع من جهة تأثيرها، بما يوجب التحذير منها أكثر.

***

المثال الثاني: ومن المعاني الباطلة التي تنسب إلى السلف: الاستدلال بما جاء عن السلف من مقولات كثيرةٍ في التعامل مع أهل البدع من هجرهم، وترك السلام عليهم، أو عيادتهم، أو الرواية عنهم، أو الصلاة عليهم إلى غيرها من الأحكام، وجعل ذلك أصلًا عقديًّا كليًّا وحكمًا مستقرًّا ثابتًا، فيقال: يجب هذا مع كل مبتدعٍ في كلِّ زمانٍ ومكانٍ وحالٍ.

وهذا الفهمُ مشكلٌ على فقه السلف، لأنَّه يُخصِّصُ عموم دلائل الكتاب والسنَّة، فالمبتدع إن لم يُكفَّر ببدعته فهو من المسلمين، وتشمله النصوص الواردة في حق المسلم على المسلم، وفيما يجب للمسلم ويجب عليه، فالقول بأنَّ هذا كله حرام، يعني إخراجه من دلالة العموم، ولا يصح أن يخصَّص عموم الكتاب والسنَّة بمثل هذه الأقوال، كما لا يصح أن يخصَّص مطلقًا بدعوى المصلحة لأنَّ هذا من قبيل تقديم المصلحة على النص، فتفسير موقفهم بهذه الطريقة هو نسبة معانٍ فاسدة إليهم، وهذا الفهم الخاطئ يؤدي إلى تخطئة السلف أنفسهم، وهو ما قد يدفع بعض الناس في عصرنا إلى تغليطهم أو الاستطالة عليهم أيضًا بأنهم تركوا العمل بالنصوص وقدموا آراءهم وعقولهم. وأما المعنى الصحيح لهذا فهو ما حرَّره ابن تيمية بجلاءٍ من أنَّ هذا الهجر هو موقفٌ مصلحيٌّ، وأنَّ هذا الحكم يتأثَّر بغلبة المصالح أو المفاسد، فيتأثَّر بقوة البدعة، وحال المبتدع، وظهور السنَّة، والقدرة والإمكان، وأثر الهجر، وقد يكون الأصلح هو التأليف لهم والدفع بالتي هي أحسن، وهذا كله يختلف باختلاف الأحوال والأزمنة والأمكنة.

ولأنَّ الأمرَ منوطٌ بمثل هذه المصلحة الشرعية فإذا كان الهجرُ ليس فيه مصلحةٌ أو انزجارٌ، أو قد يترتَّب عليه مفاسدٌ، أو تركٌ لبعض الواجبات فإنَّ هذا الهجر ليس مشروعًا، وإذا كان فيه مصلحةٌ ومفسدةٌ فيراعى الأغلب منهما. وهذا لا يعني نسيان هذا مطلقًا، أو الغفلة عن منكر البدعة ومخالفة الشريعة، لأنَّ هذا من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيجب بغض المنكر، والسعي لإزالته، فيقوم به بقدر ما يمكن ولا يسقط مطلقًا[3]. وبناء على هذا الفهم لموقف السلف، فالحكم حينئذٍ هو من العمل بالنصوص جميعًا، فقد جاء من النصوص ما يدل على مشروعية هجر العاصي وعقوبته، كما هجر النبيُّ صلى الله عليه وسلم المتخلِّفين الثلاثة عن غزوة تبوك[4]، وتَرَك الصلاة عن قاتل نفسه[5]، وكان يترك الصلاةَ في أول الأمر على من تَرَك دَيْنًا لا وفاء له[6]، وكما ورد عن الصحابة مثل هذا كعقوبة عمر لصبيغ [7]، وغير ذلك.

فحقيقةُ هذا الأمر أنَّه من تخصيص النص بالنص، أو بعبارة أخرى هو من قبيل تخصيص النص بمصلحةٍ شرعيَّةٍ قد جاء الشرع باعتبارها، فهو فقهٌ عميقٌ، قد أعمل النصوص جميعًا، ونظر في مصلحة الناس وحفظ دينهم، فهذا النظر موافقٌ للنصوص، ومحققٌ للمصلحة، وأما إذا قيل إنَّه أصلٌ كليٌّ مطِّردٌ، يُحرِّم هذه الأحكام كلَّها في كل زمان ومكان، فهو مشكلٌ على النصوص، وهو معطلٌ للنظر المصلحي الواجب، وهو يثير الإشكال على منهج السلف بنسبتهم إلى مثل هذا المعنى الخاطئ.

كما أنَّ هذا هو الموافق للواقع العملي لطريقة أئمة السلف، فلم يتعاملوا مع كافَّة من وقع في البدع بطريقةٍ واحدةٍ، ولا طبَّقوا جميع الأحكام على كل من وقع في البدع الاعتقادية، ولهذا تركوا الرواية عن بعضهم زجرًا لهم، ورووا عن كثيرٍ منهم لغلبة المصلحة في ذلك. وبطبيعة الحال: فالقول بأنَّ هذا موقفٌ مصلحيٌّ لا يعني تسويغ أي تعامل بدعوى المصلحة، كما لا يسوغ قبول أي فهمٍ للنص بدعوى اتباع النص.

***

المثال الثالث: ومن المعاني الفاسدة: الاستناد إلى منهج السلف والاحتجاج بأقوالهم في تكفير جملةٍ كبيرةٍ من علماء المسلمين، والتي ذكر ابن تيمية في مثل ذلك: أنَّ تسليط الجهال على تكفير أمثالهم من أعظم المنكرات. واللافت أنَّ حالة التسلُّط تجاوزت هذا المعنى الذي يتحدَّث عنه الشيخ، فليت أمر فسادهم يقتصر على تكفير هؤلاء العلماء، بل يتوسَّع لتكفير أو الاستطالة على من لم يكفرهم أو حتى توقَّف في تكفيرهم.

وقد ذكرتُ في مقالة “التسلسل في التكفير” إلزامًا لهم بأنَّ هذه الطريقة يلزم منها تكفير جمهور علماء هذه الأمة، وأن يبقى سيف التكفير بيد هؤلاء الجهال مسلَّطًا لا يكاد يسلم منه أحدٌ، ولم أجد جوابًا يدفع هذا الإلزام، بل ظهرت أجوبةٌ تؤكد الإشكال المذكور في المقالة، بل تلتزمه وتقول به، فهي صرَّحت باللازم فأصبح قولًا وليس مجرد لازم، فأصبح يقال: من لم يكفِّر أعيانًا من هؤلاء؛ فهو كافرٌ بعينه! ومعنى هذا القول: أنَّك -على أصولهم- لا بد أن تكفِّر الأشعرية، وتكفِّر عددًا من علماء الإسلام ممن لم يكفِّرهم، وهذا يعني تكفير عامَّة علماء الأمة من قرون، بل لا يكاد يسلم لك أحدٌ ممن تحقق فيه هذا الشرط، وما أقلَّ من سينجو من هذا الاختبار!

واستحضر هنا أنَّ هذا الكلام يشاع في الفضاء العام، فيكون حكمًا مفتوحًا لضعفاء العقول وقاصري الأفهام ليجتهد كلُّ واحدٍ منهم في تنزيل هذا الوصف على من يراه، ولو عارضتَهم يومًا من الدهر فلا إخالك ناجيًا! لك أن تستحضر أنَّ هذا المعنى المتوحش في تكفير المسلمين منسوبٌ إلى منهج السلف، ويوضع في مقدمته أنَّه قول فلانٍ وفلانٍ من أعلام المسلمين، فأيُّ تشويهٍ، وأيُّ تبشيعٍ لمنهج أولئك الاسلاف أعظم من هذا؟! ولا أحسب أنَّ أشد خصوم أئمة السلف يريد شيئًا أكثر من هذا، ويا لها من فتنةٍ على عموم المسلمين حين يجدون أنفسهم بين خيارين لا ثالث لهما: قبول هذه المعاني، أو مخالفة السلف والخروج عن سبيل المؤمنين!

فلا شك أنَّ مثل هذا المعنى فتنة لكثيرٍ من المسلمين، حين يرون سوط التكفير ينال هذا الجمهور الواسع من المسلمين في قرونٍ متطاولةٍ، وينال غيرهم ممن لم يكفرهم، وهو يتمدَّد بحسب التقديرات الشخصية فلا ضابط له، فمثل هذا لا يمكن أن يكون معنى شرعيًا لمجرد أنَّه ينسب إلى منهج السلف، بل حقيقته نسبة أشد المعاني فسادًا إلى السلف، وقد يكون سببًا لنفور كثيرٍ من الناس عن الحق، أو حتى ردتهم عنه. بطبيعة الحال: هذا الأمر لن يحرك في هؤلاء المورطين شعرة، فالمهم هو أن يصرح بما دلَّه فهمه القاصر وما جمد عليه من ظواهر آثار السلف بلا بصيرةٍ، ولا يبالي بعد ذلك بعواقب الأمور، ولا بما يحصل من مصلحةٍ أو مفسدةٍ، فهي حركيَّةٌ مذمومةٌ يتنزَّهون عنها! ثم يلحظ هنا مفسدةٌ عظيمةٌ أخرى، وهي تعطيل أثر التأول، والاجتهاد، والخطأ، كأنَّه ليس أي أثر، مع أنَّ الدلائل الشرعية والعقلية الدالة عليه كثيرة، وقد بسطها ابن تيمية بما لا مزيد عليه، فهذا يحدث ورطة أخرى للناس مع منهج السلف.

لك أن تتخيَّل عاميًا من عوام المسلمين في عصرنا وهو يسمع أنَّ الأعداد التي لا يحصيهم إلا الله من الفقهاء والمحدثين والمفسرين واللغويين والعبَّاد والصالحين وغيرهم، في قرونٍ كثيرةٍ، ومن أمصارٍ متفرقةٍ، وأحوالٍ متباينة، هم كلهم كفار لا يجوز الترحم عليهم، ولا الاستغفار لهم، وأنهم من أهل النار، ليس هذا فحسب، بل من لم يكفِّر هؤلاء أيضًا فهو في أقل أحواله مبتدعٌ مخالفٌ لمنهج السلف، وقد يكون كافرًا، والاختلاف في تكفير من لم يكفر مفتوح للاجتهادات التقديرية، فكل شخص يجتهد في التكفير بحسب ما يفهمه من كلام السلف، وكل هذه الفوضى المدمِّرة منسوبةٌ إلى السلف، وتوقَّع باسم فلانٍ وفلانٍ من الأكابر!

ولك أن تستحضر مرة أخرى: حال عالمٍ صالحٍ تقي يشهد أنَّ لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيم الصلاة والزكاة والصيام والحج، ويؤمن بأركان الإيمان، وبالجنة والنار والبعث ومفصِّل أحوال يوم القيامة، ويؤمن بالقرآن، ويسلم بأحكامه، ويتبع الرسول صلى الله عليه وسلم في مفصَّل حياته، حتى في دقائق السنن، وهو مجتهدٌ في طاعة الله، متحرِّزٌ عن المحرَّمات، وقد استفرغ حياته كلها حتى عرفه الناس بالعبادة، وتعليم الدين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعرفوا صدقه وحبه لله ورسوله، وتعظيمه لأحكامه، وذبه عنها حتى لقي الله، وصلَّى عليه المسلمون، وذكروه بالخير، واستمر نفعه قرونًا بعد ذلك، لكن هذا كله لا ينفعه في الدنيا، ولا يجيز لنا طلب رحمة الله له لأنه غلط في تأويل بعض الصفات لظنه أن هذا مما يجب أن ينزَّه الله عنه!

 وليس هذا حال شخصٍ واحدٍ، بل حال أممٍ كثيرةٍ، لا يبقى لهم من إيمانهم بالله، وشهادة التوحيد، واتباعهم لرسوله، وفعلهم للطاعات شيءٌ لأنهم غلطوا في مسائل معينة لظنهم أنَّ هذا مما يجب تنزيه الله عنه، والتبس عليه الأمر فحسبوا أنَّ هذا هو ما يريده الله منهم! ثم يتمدَّد هذا التكفير بعد ذلك ليشمل صالحي أهل العلم وأكابرهم ممن ينكر هذا التكفير، ويرى وجود عذرٍ ومانعٍ يحول بيننا وبينه وقد قامت عليه الدلائل، فيلحق هؤلاء أيضًا بإخوانهم، أو يكتفى بذمَّهم، والطعن في مخالفتهم لمنهج السلف! ليس هذا إغلاقًا لأصل التكفير بسبب هذه الطاعات والحسنات، وإنما هذا يوجب تشديد الاحتياط، والتأكيد على التأني والتريُّث، والتبصُّر بخطورة الأمر، واستحضار الموانع الصارفة، واستحضار عظمة الباب، ولو تمكَّن عشر هذه المعاني العظيمة في القلب لما وقع المسلم في هذا التوحُّش على إخوانه المسلمين.

فهذه الصورة المركبة منافيةٌ للعدل، ومنافيةٌ لأصول الشريعة الدالة على الرحمة، والتيسير، وسعة عفو الله، ومنافيةٌ لما جاء من فضل شهادة التوحيد، وما جاء في فضل المصلين، وجزاء الطاعات، والاحتياط في عصمة الإسلام، وما ثبت له من الإيمان بقينٍ، ومنافية لفضل هذه الأمَّة وأنها أمة مرحومة، فنسبة هذا إلى السلف توريطٌ وتشويهٌ أي تشويه. وليس هذا تهوينًا من هذه الأغلاط، ولا تسويغًا لها، بل يجب إنكارها، وبيان الحق فيها، والرد على الشبهات المثارة فيها، وبذل غاية الجهد في بيان السنَّة ورد البدعة، وإنما ذلك بمنهجٍ عادلٍ رحيمٍ: يُبَين الحق، ويرحم الخلق، يجمع الناس على السُنَّة، ولا يفرقهم عنها، ويقربهم من الخير ويكثره، ويباعدهم عن الشر ويخففه، وهو مسلك منافٍ جذريًا لمنهج توريط السلف، فهو يثير الخصومات على الحق، وينفر الناس عنه، ونسبة مثل هذه المعاني الفاسدة إلى منهج السلف هو من أبرز معالم هذا التنفير.

***

المثال الرابع: ومن المعاني الفاسدة التي تنسب إليهم: فهم أقوالهم على كيفيةٍ تجعلها غير معقولة المعنى، فيجمد بعض الناس على ما يقرأ من ظاهر اللفظ فيجعله أصلًا كليًّا ينسبه إلى السلف، بل يحكي الإجماع عليه، وهو شيءٌ غير معقول المعنى، فيؤول هذا إلى إزراءٍ بعقولهم، وإضعافٍ لأفهامهم. يأتي بعضهم مثلًا إلى عبارة أبي زرعة وأبي حاتم الرازيين رحمة الله عليهما التي تقول: (ومن زعم أنَّ القرآن مخلوقٌ فهو كافرٌ بالله العظيم كفرًا ينقل عن المِلَّةِ، ومن شكَّ في كفره ممن يفهم فهو كافرٌ). فيستخرج منها إجماع السلف القطعي على تكفير من يقول بخلق القرآن بدون اشتراطٍ للحجة، فكل من قاله فهو كافرٌ بلا شرطٍ، بدليل أنَّهم ذكروا هذا القيد هنا في الشاك، وذكر غيرهما في مواضع أخرى في الواقفة أو اللفظية، فهؤلاء من قد يعذرون بخلاف القول بخلق القرآن فلم يذكروا فيه أيَّ شرطٍ.

فيقررون أمرين:

الأمر الأول: أنَّ القول بخلق القرآن كفرٌ، ولا يشترط فيه إقامة الحجة، فكل من قاله فهو كافرٌ بعينه بلا تفصيلٍ، ولا نظرٍ في حاله.

الأمر الثاني: أنَّ العالم يكفر بعينه في مسألة اللفظ أو الوقف ونحوها بلا تفصيل، ولا يلتفت إلى عذره، وإنما العذر في الجاهل فقط.

وهذان الأمران بهذه الكيفية مشكلان، ونسبتهما إلى السلف نسبة تجهيل لهم، واستخفافٍ بعقولهم بأنهم يقولون ما لا معنى له، وبيان ذلك ما يلي:

أنَّه لا معنى أن تقول: يشترط إقامة الحجة في مسألةٍ معينة هي اللفظية أو التوقف في كفرهم، ولا يشترط في مسألةٍ أخرى هي القول بخلق القرآن، وأنَّ هذا التفصيل يجب أن يبقى لازمًا في كل زمان ومكان، لأنَّ الحجة قد تقوم في الثانية، ولا تقوم الحجة في الأولى، فقيام الحجة أمرٌ نسبيٌّ يختلف بحسب الزمان والمكان والحال، فالمعنى المعقول أن تقول إنَّ عدم اشتراط إقامة الحجة هنا مبنيٌّ على أنَّهم رأوا أنَّ الحجة قد أقيمت عليهم، بخلاف المسألة الثانية فهي بحاجة لإقامة الحجة، وأما أن يقال إنَّ القول بخلق القرآن بذاته يكفر به كل مسلم بعينه، وهو أمرٌ كليٌّ يبقى في كل زمانٍ ومكانٍ بلا شرط إقامة الحجة حتى ولو تحقق فيها غياب الحق والتباسه، بل لا ينظر أصلًا إلى هذا الحال فهذا كلامٌ غير معقول، ولا يسير على معنى واضحٍ.

ثم القول بأنَّ الجاهل يُعذر والعالم لا يعذر كلامٌ لا معنى له أيضًا، فهذا متعلقٌ بحالٍ معينةٍ يكون الأمر قد يخفى على غير العالم، فإذا كان عالمًا فقد زال عذره، بخلاف الجاهل فهو معذور حتى يعلَّم، لكن لا يصح أن يقال إنَّ هذا ضابطٌ لكل زمان ومكان، فيكون الرجل المعرض عن الشرع لأنَّه جاهل مسلمٌ معذورٌ، وأما العالم المتبع للحق المجتهد في معرفة الأحكام إذا غلط فهو كافرٌ غير معذورٍ! فالعالم أولى بالعذر من الجاهل، من جهة ما هو عليه من اتباع الشرع، ومن جهة قوة عذره، فبأي مستندٍ صحيحٍ يقال يعذر هذا مطلقًا ولا يعذر هذا مطلقًا؟! كيف يعذر من خفي عليه الحق بسبب إعراضه، ولا يعذر من خفي عليه الحق بسبب التباسه عليه مع كونه أطلب له وأحرص عليه! وفي هذا المعنى يقول ابن تيمية بعد أن ذكر العذر بالجهل في قصة الشاك في البعث وقدرة الله: (والمتأوُّل من أهل الاجتهاد الحريص على متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم أولى بالمغفرة من مثل هذا)[8].

فالخلل نشأ من الجمود اللفظي على ظواهر بعض العبارات دون نظرٍ في المعاني، والطريف أنَّهم أصبحوا يعارضون بفهمهم القاصر فهمَ بعض أئمة السلف، فإذا احتُجَّ عليهم بمثل قول ابن أبي عاصمٍ: (ومن قال: مخلوق، ممن قامت عليه ‌الحجة فكافرٌ بالله العظيم، ومن قال من قبل أن تقوم عليه ‌الحجة فلا شيء عليه)[9].

قالوا: هذا مخالفٌ لإجماع السلف، ومنافٍ لطريقتهم، فاتباعهم أولى من الأخذ بقول ابن أبي عاصم، بل هي شبهةٌ عرضت لابن أبي عاصم! مع أنَّ الحق أنه لا تعارض بينهما، فلا بد من إقامة الحجة في هذه المسائل جميعًا، وهو من الأصول المستقرَّة، وليس عدم ذكرها في بعض كلام السلف يعني أنهم لا يشترطونها مطلقًا، وإنما هي متعلقة بحالٍ قد أقيمت فيه الحجة، أو متعلقة بالحكم على المقولة لا الحكم على الأعيان.

ولهذا لو كان في الأمر إجماعٌ حقيقيٌّ ظاهرٌ لما خفي على مثل ابن أبي عاصم، وهو معاصرٌ لهم، فيكون جاهلًا بإجماعٍ قطعيٍّ ظاهرٍ يحكيه أهل عصره، وقد فُتِحَ علمه على بعض المورطين المعاصرين بسبب جمودهم العقلي الظاهر وتنقيرهم في الألفاظ بلا بصيرة! ولم يتفرَّد ابن أبي عاصم أيضًا بهذا النقل الذي يغلَّط فيه ويدعى مخالفته للإجماع لأنه خالف فهمهم الظاهري الجامد، بل حكى مثل هذا المعنى أئمةٌ آخرون كالشافعي والبخاري رحمهما الله.

***

ومن المثير للسخرية هنا: أنَّه يسهل إلزامهم بتكفير ابن أبي عاصم بسبب مقولته هذه، فهو لم يكفِّر من يقول بخلق القرآن مطلقًا، وإنما اشترط عليه قيام الحجة، وظاهر عبارة الإمامين الرَّازيين: (ومن شكَّ في كفره ممن يفهم فهو كافرٌ) أنه كافرٌ، لأنَّه من أكثر الناس علمًا وفهمًا، ولا عذر له في عدم تكفيرهم. يجيبون عادة: بأنَّ المقصود هو تكفير القول نفسه، وأما عدم تكفير الأعيان فلا يكفَّر من لم يكفرهم بسبب العذر، فابن أبي عاصم يكفِّر القول، لكنه يتكلَّم عن الأعيان.

والرد على هذا الجواب بحسب طريقتهم في الفهم سهلٌ جدًّا، لأمرين:

1-أن العبارة تتحدَّث عن تكفير الأعيان لا الأقوال، فهي تقول: من لم يكفِّره، وليس من لم يكفِّر القول، أو لم يعتقد كفر القول.

2-أنَّهم يستشهدون بهذه العبارة على أن السلف يكفِّرون الأعيان، فلماذا أصبحت أوَّل العبارة متعلِّقة بتكفير الأعيان، وأما العبارة الثانية في تكفير من لم يكفِّر فقد تحولت إلى تكفير القول وليس بالأعيان؟!

ثمَّ إن سَلِموا من تكفير ابن أبي عاصم رحمة الله عليه، فلن يسلموا أبدًا من لازم تكفير أبي نصر السجزي رحمه الله، فالشرط الذي ذكروه متحققٌّ فيه، فأبو نصر السجزي يقول: (واتفق المنتمون إلى السنَّة بأجمعهم على أنه غير مخلوق، وأنَّ القائل بخلقه كافر، فأكثرهم قال: إنه كافر كفرًا ينقل عن الملة، ومنهم من قال: هو كافرٌ بقول غير الحق في هذه المسألة، والصحيح الأوّل)[10]. فالسجزي يحكي الخلاف في تكفير القول نفسه، وينسب إلى بعض أهل السنَّة القول بعدم التكفير، فلم يكفِّر من قال بأنَّ القول بخلق القرآن ليس كفرًا، بل نسبه إلى السنَّة، فعلى جوابكم الذي تريدون به دفع التكفير عن ابن أبي عاصم من أنَّه لا بدَّ أن يكفر الفعل، فالسجزي لم يتحقق فيه هذا المعنى، فحسب هذه القواعد التوريطية فهو كافرٌ بعينه، ومن نسب إليهم القول بعدم التكفير من أهل السنَّة هم كفارٌ أيضًا مثله!

فهذا الإلزام يكشف لك عن بشاعة طريقة القوم في التعامل مع آثار السلف، كيف يسهل جرُّهم إلى تكفير أعلام المسلمين بكل سهولة، فانظر هنا كيف يثار التكفير على إمامٍ بحجم ابن أبي عاصم، لا لشيءٍ، إلا لقوله: لا يكفر من قال بخلق القرآن إلا بعد إقامة الحجة، وعلى مثل أبي نصر السجزي لأنَّه حكى خلافًا في نوع الكفر الذي تكلَّم فيه السلف!

***

ولتدرك أنَّ فهمهم للسلف يجري على طريقةٍ غير معقولة ولا مفهومة، فهم يقيدون كلام المتقدمين كله بكلام أبي زرعة وأبي حاتم، فأكثر كلام السلف في تكفير القول بخلق القرآن وتكفير من لم يكفر ليس فيه أي قيد، فجاؤوا فتسلَّطوا على كل كلامٍ قبل أبي حاتم وأبي زرعة بالتقييد لأنَّ التقييد جاء في كلامهما! بينما لما جاء ابن أبي عاصم فقيَّد أصل التكفير بخلق القرآن بقيام الحجة حكموا أنَّه مخالف لإجماع السلف وعرضت له شبهة! فعجبًا، لم لا يكون كلام أبي زرعة وأبي حاتم مخالفًا أيضًا لكلام من قبلهم، فيكون قولًا لهم، كما قلتم في كلام ابن أبي عاصم، فهو فهمٌ قاصرٌ على الألفاظ ويتحكَّم فيها، فيتمسَّك بظاهر لفظٍ، ويتحكَّم به على ألفاظٍ أخرى، ويرد ألفاظًا أخرى لأنها خالفت، فهو جسدٌ جامدٌ على الألفاظ، لم ينفخ فيه روح العقل والمعاني! ثم لنفترض جدلًا أن هذا الحرف قد سقط من رسالة أبي زرعة وأبي حاتم فلم يصلنا، وأنَّ ما يشابهها من العبارات الدالة على اشتراط الفهم في تكفير من لم يكفر، افترضوا أنها لم تصل، هل سنقول يجب تكفير من لم يكفر مطلقًا بلا قيد! وأنَّ هذا ما يجب علينا اعتقاده لولا أنَّه وصلتنا عبارة أبي زرعة وأبي حاتم فأنقذتنا، وإلا كنَّا ملزمين بتكفير كل من لم يكفر بدون أي شرط، ولو لم تقم عليه الحجة! فمثل هذا يكشف لك عن المنهج غير المعقول، واللفظي الذي لا معنى له، ثم يقال بعد ذلك هذا هو قول السلف كلهم!

***

ومن الإزراء بعقول السلف أيضًا: الاستشهاد بما جاء عن عددٍ منهم من قولهم من لم يكفِّر بكذا فهو كافرٌ، فيجمد على أدنى ما يلوح من ظاهر لفظٍ فيجعلها مناطًا للتكفير بأنَّك إذا لم تكفِّر هذا فأنت كافرٌ! وقد ذكرتُ في مقالة “التسلسل في التكفير” الخلل في فهم هذه العبارات، وأنَّ حمل هذه المقولات على ظاهرها إزراءٌ بعقولهم، ثم هو توريطٌ لهم، فأين الدليل من كتاب الله، وأين الدليل من سنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم على أن المسلم يخرج من الإسلام لأنه لم يُكفِّر أحدًا من الناس؟! ومن المعلوم أنَّ المسلم إذا توقَّف في تكفير أي مسلمٍ فلأنَّه لم يظهر له سبب كفره، أو لاحتياطٍ عنده، أو لعدم معرفته، ونحو هذه الأسباب، فأين شواهد الكتاب والسنَّة على تكفير مثله؟

وأين وقع مثل هذا، وأين شواهد ذلك في سيرة الصحابة رضي الله عنه، وفي عهد التابعين؟ فنسبة مثل هذا المعنى الفاسد إزراءٌ بفقه السلف، وأنهم يكفرون المسلمين بلا بينةٍ، ولا أثارة من علمٍ، كما أنَّهم يمتحنون الناس بأمورٍ محدثةٍ ليست في كتاب الله ولا سنة رسوله، وحاشاهم، فقد كان من أصولهم الكبرى رد الناس إلى محكمات الدين، والاكتفاء بما جاء فيه، والنهي عن الجدل، والمراء، والخصومات، والامتحان في الدين.

ويدلك على سقامة هذا الفهم أنَّك لا تجد في عصور أولئك السلف أنهم امتحنوا أحدًا بقضية تكفير من لم يكفره، ولا أوقفوه أو استتابوه، ولا كفروا أحدًا بسببه، بما يعني أنَّ هذا الفهم ليس له علاقة بمنهجهم. وقضية تكفير من لم يكفر، أو تكفير العاذر هي من أعظم مداخل الغلو في عصرنا، بل لا يريد أشد الغلاة شيئًا أكثر من هذا، ويزيدها فحشًا وتوحشًّا أنَّ حبال قيودها منوطة بعقول أصحابها، فكلُّ إنسان يضع القيود التي يراها محققة لفهم السلف، ومن صدق منهم في أصله، وطرد منهجه فإنه سيكفر جمهور علماء هذه الأمة وعامتها، بل لن يبقي منهم أحدًا، ولك أن تستذكر أنَّ هذا كله اتباع لمنهج السلف، فأي غلوٍ بعده لم ينسب إليهم؟!

***

هذه نماذج للمعاني الفاسدة التي تنسب إلى السلف، وبيانٌ لآثارها الخطرة على الناس، وعلى دينهم، وهذه المعاني تزداد توسُّعًا كلَّما ضعف عقل الإنسان وقصر علمه، فيأخذ بظاهر كل أثرٍ يجده منسوبًا إلى عالمٍ من علماء السلف دون تمييزٍ لمعنى هذا الأثر، وما يقيِّد إطلاقه، أو يخصِّص عمومه، وإنما يُجري كل الآثار التي يقرأها على ظواهرها التي تبدو له بأدنى نظر.

وهذا الخلل في نسبة المعاني الفاسدة ناشئٌ من الغلط في منهجية التفقُّه والنظر في آثار السلف، وهو يرجع لعدَّة أسبابٍ، وكل سببٍ يمكن أن يمثَّل له بأمثلةٍ تكشف المعاني الفاسدة التي مرت بسببه، لكننا سنقتصر هنا على عدِّها إجمالًا، فنقول من هذه الأسباب المؤثرة:

1- الجمود على ظواهر الألفاظ، مع القصور في فهم المعاني، وملاحظة المقاصد، ومراعاة السياقات المؤثرة، وهذا المعنى مؤثرٌ في النظر إلى دلائل الكتاب والسنة، وينتج معاني سقيمة مذمومة، فكيف إذا كان في كلام غير الوحي.

2- عدم التفريق بين القول الذي عليه إجماع السلف، أو هو قول جمهورهم، والقول الذي ينسب إلى بعض أفرادهم.

3- عدم التمييز بين درجات ما ينسب إلى بعض السلف، فقد يكون حقًّا قطعيًّا، أو صوابًا ظنيًا، أو اجتهادًا سائغًا، كما قد يكون اجتهادًا غير سائغٍ وهو معذور فيه، كما قد يقعون في ذنوبٍ مغتفرة في بحر حسناتهم.

4- عدم التمييز بين القول الذي يكون حكمًا عامًا، والحكم المتعلق بوقائع الأعيان أو الحال، والذي يكون مخصوصًا بواقعةٍ معينةٍ، أو حالٍ مخصوصةٍ وما يشابهها، وإذا كان هذا النظر يراعى في دلائل الكتاب والسنة فكيف بغير الوحي.

5- عدم التمييز بين النظر المتعلق بفهم الدليل، وبيان الحكم، والنظر المتعلق بالمصلحة والسياسة الشرعية.

6- إهمال الشروط والموانع المتعلقة بالحكم، فقد يكون الكلام في حكمٍ له شروط، أو لا يستقيم مع الموانع، أو متعلِّقا بالقول لا بكل قائل، فيجعل ذلك حكمًا عامًا بلا نظرٍ ولا التفات إلى هذه المعاني.

7- إهمال النظر إلى المعاني الشرعية، والاستناد إلى بعض أقوال السلف وكأنَّها حجة بذاتها لا تحتاج إلى شيءٍ آخر، بل وحتى لو عارضها دليلٌ من كتابٍ أو سنةٍ.

 8- عدم التمييز بين الحكم المتعلق بالأحوال الجزئية، وأن يكون أصلًا كليًّا عامًّا.

وبطبيعة الحال أنَّ هذه الأسباب هي فرعٌ عن أصل القصور في التأهيل العلمي للكلام في هذه الأبواب، والخوض في هذه المسائل، وتزداد كثافة كلما ضعف هذا الأصل.

***

خلاصة الأمر: أنَّ المعاني الفاسدة لن تنقلب حقًا بمجرد أن تنسبها إلى معظَّمٍ من أئمة السلف، وعقول السلف أوسع، وعلومهم أعظم من أن تقبل مثل هذه المعاني الباطلة، وإنما نشأ هذا من غلطٍ بسبب قصور علم أو ضعف عقل، ترتب عليه التمسك بالمعاني الخاطئة، وشدة التعلق بها، وامتحان الناس بها بدعوى أنَّ هذا منهج السلف، فأصبح هذا فتنة لطرفين:

الفئة التي تعتقد أنَّ هذا هو منهج السلف حقًّا، فأضحوا بسببه لا يرعوون عن باطلٍ، ولا يستشنعون منكرًا، يفتح فاه فيكفر قرونًا وأممًا ومجتمعاتٍ ولا يطرف له فيها عين، لأنه يرى صنيعه هو صنيع السلف نفسه! الفئة التي تعتقد أنَّ هذه معانٍ فاسدة، ثم ترى أنها منسوبة إلى منهج السلف، فيكون هذا سبباً لنفورهم، أو طعنهم في السلف، أو ربما تركهم للدين. وبضدها تتميَّزُ الأشياء، فأنت أمام مسلكين من مسالك فهم كلام السلف وتفسير مواقفهم:

هذا المسلك التوريطي الذي ينسب إلى السلف مثل هذه المعاني الباطلة، ولا يلاحظ العواقب، ولا تهمه المصالح ما دام يظن هذا هو ظاهر كلام السلف، وهو من آثار تقصير هؤلاء المورِّطين في العلم، وضعفهم في العقل والفهم. مسلك فقهاء الإسلام، وعلمائه من قرون، ممن عرفوا منهج السلف حقًا، وفهموه صدقًا، ومن أبرزهم شيخ الإسلام ابن تيمية، فحين تقرأ للشيخ تجد الاعتدال في التعامل مع السلف، وإظهار شرفهم ومكانتهم، واتباعهم في أحكام الشرع، وحمل كلامهم على أحسن المحامل، وتفسيره بما يتوافق مع دلائل الكتاب والسنة، ونقد بعض ما قد يكون محلًا للنقد، فيزيدك هذا إجلالًا لهم وتقديرًا لهم بما يستحقون، وما يليق بحالهم ومقامهم العظيم في الإسلام في حفظ أحكامه، وبيان الشرع، والاستقامة على الإيمان والطاعة، والتجرد للحق، والإخلاص في طلبه وصدق اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم.

أعرف أنهم سيقولون: هذا تقليدٌ لابن تيمية، ونحن نقلد السلف.

وإثارة هذا الكلام كاشفٌ عن الضعف في العلم والعقل الذي نتكلَّم عنه، فهو يتصوَّر أنَّ النزاع  هو بين اتباع ابن تيمية، أو اتباع السلف، فيحسب أنَّه أولى بالحق، وأقوى حجة، وأبصر بالمعاني لأنَّه متبعٌ للسلف، ولا يتفطَّن أنَّ البحث هو في فهم منهج السلف، وتفسيره، ومعرفته، هل هو ما عرفه أمثال ابن تيمية، ومن بعده ومن قبله من فقهاء الإسلام وعلمائه، أو هو ما هو موجودٌ في المقالات والصوتيات التي يتابعها؟!

 

***

[1] انظر في هذه المقولات: طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (1/184)، شرح السنة للبربهاري (121-122)، الشرح والإبانة لابن بطَّة (79-80)، ذمُّ الكلام وأهله لأبي إسماعيل الهروي (428)، حلية الأولياء لأبي نعيم (6/325).

[2] تفسير الموطأ لأبي المطرف القَنَازِعي (1/237)، وانظر: (1/136).

[3] انظر فيما سبق ذكره من الموقف: مجموع الفتاوى (28/210-213)، جامع المسائل (8/74-76). وانظر في تأصيل هذا المعنى أيضًا في كلام الشيخ: مجموع الفتاوى (3/286)، (10/376-377)، (23/342-343)، (24/174-175)، (24/285-286)، (28/204-206)، (28/216-217)، منهاج السنَّة النبوية (1/63-66)، (4/526-527).

[4] أخرجه البخاري (6/3) برقم (4418)، ومسلم (4/2120) برقم (2769) من حديث كعب بن مالك رضي الله عنه.

[5] أخرجه مسلم (2/672) برقم (978)، من حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه.

[6] أخرجه البخاري (3/97) برقم (2298)، ومسلم (7/67) برقم (5371) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. كما أخرج البخاري (3/94) برقم (2289) قصة ترك الصلاة على صاحب الدين حتى تكفل به أبو قتادة، من حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه.

[7] أخرجه مالك في الموطأ (3/647)، وعبد الرزاق في المصنف (10/437).

[8] مجموع الفتاوى (3/231).

[9] السنة لابن ابي عاصم (2/ 645)

[10] رسالة السجزي إلى أهل زبيد (153).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى