د. فهد بن صالح العجلان
الحمد لله، وصلَّى الله وسلَّم على حبيبنا وقدوتنا وسيدنا محمدٍ، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فهذه المادة ليست ترجمةً للإمام أبي حنيفة رحمه الله، وليس فيها شيءٌ من سيرته أو فضائله، أو بيان فقهه، بل يمكن الرجوع في ذلك إلى مظانها المعروفة. إنما هو حديثٌ عن ظاهرةٍ معاصرةٍ تتقصَّدُ الطعنَ في الإمام أبي حنيفة، وتتعمَّد الانتقاص منه، ويتتابع أصحابها على نقد الإمام، وإظهار النقولات التي تطعن فيه. هذه الظاهرة المعاصرة ليست حديثة الورود، غير أنَّ شبكات التواصل الاجتماعي ساهمت مؤخرًا في بروز هذه الظاهرة على السطح، واتساع دائرة المهتمين بها. ويمكن تحديد هذه الظاهرة بأنَّها الطعن المتقصِّد للإمام أبي حنيفة بهدف الانتقاص منه، والتحذير منه ومن مذهبه. فهو طعنٌ وذمٌّ وحطٌّ شديدٌ: وليس مجرد نقدٍ علمي لبعض أقوال الإمام، أو مناقشة أصوله، أو نقد بعض اختياراته الفقهية. كما أنَّه متقصِّد: فهو ليس نقدًا عابرًا اقتضاه بحثٌ فقهي، أو دراسةٌ عقديةٌ في كتابٍ، أو معالجةٌ تاريخيةٌ معيَّنةٌ، فجاء النقد في حدود هذه الحاجة، وإنما هو تتابعٌ معاصرٌ على الحديث عن الإمام، وإثارة موضوعه في فضاءٍ عامٍ كشبكات التواصل بمناسبةٍ وبغير مناسبةٍ. وهذا الطعن المتقصد يهدف للانتقاص من الإمام والتقليل من شأنه وبيان عيوبه.
تتجلَّى هذه الظاهرة في عدة صور:
1- الطعن في دين هذا الإمام، فيحكم عليه بعضهم بالكفر، أو يقول إنَّه مشكوكٌ في إسلامه، وقد يكتفي بعضهم بالإصرار على تبديعه وتضليله.
2- الطعن في اتباع الإمام لسنَّة الرسول صلى الله عليه وسلم، فيصورون هذا الإمام في صورة المعاند لسنَّة الرسول صلى الله عليه وسلم، يُقدم قوله على صريح قول النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يبالي بكلام الرسول إذا خالف قياسه ومعقوله، بل ويقال في حقه أنَّه والعياذ بالله يحطُّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
3- الحكم ببطلان التمذهب بمذهبه، وأنَّ مذهب الحنفية ليس من المذاهب الفقهية المعتبرة، ولا يسوغ لمسلمٍ اتباعه ولا تقليده.
4- الانتقاص من الإمام وتعمُّد تحقيره والتقليل منه بذكر بعض الأوصاف القادحة بهدف الانتقاص كالإرجاء، والقول بخلق القرآن.
5- وسمُ الإمام بصفاتٍ ذميمةٍ كقلَّة الورع، والتحايل على الشرع.
6- تجهيلُ الإمامِ، والاستهانةُ بفقهه، والحكمُ بأنَّه لا يعرف الأحاديث.
7- الطعنُ فيمن يعظِّم الإمام ويثني عليه ويدافع عنه بأنَّه يخالف منهج السلف، وأنَّه كاذبٌ أو متناقض في دعوى اتباع السلف.
8- السخريةُ ببعض آراء الإمام، وبعض فتاوى أصحاب مذهبه، وجعل بعض هذه المسائل مادَّة للتندُّر والاستهزاء.
ونحو ذلك مما فيه طعنٌ، وحطٌ، ومبالغة في الإساءة والذم لهذا الإمام رحمة الله عليه.
ولهذه الظاهرة المعاصرة عدةُ سمات:
السمة الأولى: أنَّ هذه الظاهرة لا توجبها حاجةٌ معاصرةٌ أو سببٌ دافعٌ يستحثها، فليس ثمَّ نازلةٌ معيَّنةٌ تقتضي الكلام في أبي حنيفة، ولا يوجد سببٌ معاصرٌ يتعلَّق بالإمام أو بمذهبه يقتضي الحديث عنه، بل هو حديثٌ متقصَّد ابتداءً بلا حاجة، وإنما السبب هو لأجل الكلام في الإمام، وإظهار استحقاقه للذم والطعن، وأنَّ المتأخرين قد حادوا عن ذلك، وخالفوا طريقة السلف، فجعلوا من هذه المسألة شعارًا للفرق بين متبعي السلف ومتبعي الخلف.
والمقصود هنا الظاهرة الموجودة في شبكات التواصل وما قاربها، وأما الحديث عن الإمام أبي حنيفة فثمَّ سببٌ آخر استثار هذا الأمر سنأتي عليه إن شاء الله.
السمة الثانية: أنَّ مادة حضورها البارز هو شبكات التواصل، ولعلك لا تجد لها حضورًا ظاهرًا خارج هذا الفضاء.
السمة الثالثة: أنَّ هذه الظاهرة لا يشارك فيها أحدٌ من العلماء المعروفين، فأحسن أحوال من يشارك في هذه الظاهرة هم عددٌ قليلٌ من المنتسبين إلى طلبة العلم، وفيهم أسماءٌ مستعارةٌ، أو مجموعةٌ من الشباب غير المعروفين.
السمة الرابعة: اعتمادها على مقولات علماء الحديث وفقهاء السلف، فيكثر في هذه الحسابات نقلُ الروايات الواردة في ذم أبي حنيفة، وتداولها، والاعتماد عليها عند النقاش، والبناء على ما فيها.
وهذه السمة الرابعة هي الأساس الذي يستند إليه كافَّة من يشارك في هذه الظاهرة، وهو أنَّ كثيرًَا من علماء السلف قد انتقدوا أبا حنيفة، وطعنوا فيه، وذمُّوه، فيرون أنَّ من اتباع منهج السلف مواصلة هذا الذم والطعن، وأنَّ من عقيدتهم عقيدة أهل الأثر وجوب السير على طريق العيب والقدح، وأما مسلك الثناء عليه واعتبار مذهبه فهو مسلكٌ متأخرٌ مخالفٌ لطريقة السلف.
ولأجل هذا سنتحدث بشيء من التفصيل عن النقد التاريخي الذي وقع على أبي حنيفة، ونحلل مقولاته، للكشف عن حجم الغلط الذي وقع فيه المستطيلون على أبي حنيفة من المعاصرين. وقبل الدخول في ذلك يجب التقديم بتقرير أصلٍ مهمٍ، وهو اتفاقُ عامَّة المسلمين وكافَّة فقهاء الإسلام من قرونٍ طويلةٍ على تقدير أبي حنيفة، والترحم عليه، واعتباره من علماء الأمة، والاعتداد بمذهبه، والأخذ برأيه في الفقه.
هذا الاتفاق استمرَّ مدةً طويلة تزيد على قرونٍ متتابعةٍ، اتفق فيها كافة العلماء على تعدد أمصارهم، وتنوع مذاهبهم الفقهية، واختلاف اتجاهاتهم العقدية على هذا المعنى، فلم يكن أبو حنيفة يُذكر عندهم إلا بخيرٍ. كما أنَّ قول أبي حنيفة أصبح معتبرًا عند كافة العلماء طيلة هذه السنوات الطويلة في كافة الأمصار، وترتَّب عليه أنْ حُكِم في دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم بقول أبي حنيفة، واعتبر الجميع قوله في ذلك سائغًا، واعتبروا تقليده مؤثرًا في الديانة، والقضاء. هذا الاتفاق الطويل هو قول علماء المسلمين، وذوي التقوى والصلاح منهم، وفرسان الجهاد، والقائمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأصحاب التعبُّد والذكر، وأهل الولاية والقضاء والسياسة، فهذا التتابع الطويل يدل على أمرين أساسيين:
الأول: فضلُ هذا الإمام وجلالة قدره، فهذا الثناء الطويل المتتابع من فضلاء هذه الأمة طيلة قرون، هو تزكيةٌ وثناءٌ عليه، كما أنَّ هذا القبول العظيم الممتد، وتقليد الجمهور الكبير من الناس له في دينهم، وإقرار عامة الناس لهم هو من دلالة فضل هذا الإمام ومكانته.
ولهذا لما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية حكم الشهادة لمعيَّنٍ بالجنة، قال: (وقال طائفةٌ: بل من استفاض من بين الناس إيمانُه وتقواهُ، واتفق المسلمون على الثناء عليه كعمر بن عبد العزيز والحسن البصري وسفيان الثوري وأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والفضيل بن عياض وأبي سليمان الداراني ومعروف الكرخي وعبد الله بن المبارك رضي الله عنهم وغيرهم. شهدنا لهم بالجنة). ثم ساق الدليل على ذلك.
ويقول ابن أبي الخير العمراني الشافعي: (وأنا أشْرُفُ أبا حنيفة من هذه المقالة، لأنَّ الله سبحانه جعله إمامًا لخلقٍ كثيرٍ من أهل الأرض، والله أكرمُ أن يجعل الناس تابعين في الدين لرجلٍ من أهل النار).
فهذه الإمامةُ في الدين مرتبةٌ جليلةٌ لا يمكن أن ينالها من لا يستحق، ولهذا يقول ابن تيمية: (وإنما غرضنا هنا أنَّ هذه الحيلة التي هي محرمةٌ في نفسها لا يجوز أن ينسب إلى إمامٍ أنَّه أمر بها، فإنَّ ذلك قدحٌ في إمامته، وذلك قدحٌ في الأمة حيث ائتموا بمن لا يصلح للإمامة، وفي ذلك نسبةٌ لبعض الأئمة إلى تكفيرٍ أو تفسيقٍ، وهذا غير جائز).
الثاني: اعتبار قوله، وصحة مذهبه الفقهي، فهذا المذهب قد كان حكمًا استبيحت به الدماء والأموال والأعراض، ورضي بذلك أهل الاسلام، واتفقوا على العمل به، ولا يعني تصحيح كل ما في المذهب، لكنهم اعتبروا أنَّه مذهب سائغ وطريق معتبر في فهم الكتاب والسنة.
وقد ترتَّب على هذا معنى شرعيٌّ عظيمٌ، وهو الاجتماعُ مع الإمام وأتباعه على الحق، والقيامُ معهم على تطبيق أحكام الإسلام، مع التراحم والتغافر وإحسان الظن، وترك الإنكار في مسائل الاجتهاد، فمع كثرة الاختلاف بين المذاهب إلا أنَّ كلمة العلماء خلال قرونٍ طويلةٍ كانت متتابعة على أهمية اجتماع كلمة المسلمين على الحق، والتخفيف من آثار الاختلاف، واحتواء ما قد يقع بسببه من تعصُّبٍ وأغلاطٍ وانحرافاتٍ. واللافت هنا: أنَّه مع هذا المسار الطويل والذي يمتد لمئات السنين، ومع اختلاف الأمصار والأعصار والدول، ومع تباين المذاهب والطبائع والأحوال، إلا أنَّ كلمة الفقهاء متفقةٌ طيلة هذه المدة على اعتبار ما عليه هذه المذاهب الفقهية الأربعة، واعتبار أئمتها، وذكر محاسنهم، والكف عن أي طعن يسيء إليهم. وبطبيعة الحال أنَّ هذا التوافق ليس بسبب غياب أي نقدٍ أو طعنٍ يمكن أن يقال -بحقٍ أو بباطلٍ أو بتأوُّلٍ-، بل لأنَّ ثمَّ مصالح شرعيَّةً ظاهرةً وحقائق بينةً أوجبت لهم ضرورة هذا الاجتماع والتوافق، وأنَّ مصالح دين الناس ودنياهم لا تستقيم إلا بمثل هذا التوافق، وأنَّ هذا الاختلاف متحقق قدرًا وشرعًا، فلا يمكن إزاحته، وأنَّ هذا الطريق هو الأقرب للعقل، والمصلحة، ولتحقيق مقاصد الشرع.
فلأجل هذه المعاني الكليَّة القطعيَّة الظاهرة اتفقت كلمة عامة علماء الأمة على هذا المسلك، وهي معانٍ من القوَّة والظهور والبيان ما جعلها سببًا لهذا التوافق الظاهر اللافت مع كل هذا الاختلاف في المذهب، والاعتقاد، والأزمنة والأمكنة. وكلام الفقهاء في هذا كثيرٌ جدًا، يصفون أبا حنيفة بالإمامة، ويذكرونه بالخير، ويرون اعتباره مذهبه وصحة تقليده، كما يحتجون بقوله في العقائد في عامة المسائل التي وافق فيها السنَّة. فمن المنتسبين إلى مذهب الإمام أحمد، خذ من الأسماء مثلًا: عبد القادر الجيلاني (ت562هـ)، وعبد الغني المقدسي (600هـ)، وابن قدامة المقدسي (620هـ)، وابن تيمية (728)، وابن عبد الهادي (744هـ)، وابن القيم (751هـ)، وابن مفلح (763هـ)، وابن رجب (795هـ)، وابن المبرد (909هـ)، وغيرهم، وكل هؤلاء من أئمة الحنابلة وكبار السلفيين في زمانهم.
واستمر الحال على ذلك، فنجد هذا ظاهرًا في مدرسة الشيخ محمد بن الوهاب رحمه الله، وهي المدرسة التي رفعت راية الحنابلة، وراية السلفية، فتجد تعظيم أبي حنيفة ظاهرًا عند الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأبنائه، وطلاب مدرسته بعد ذلك حتى عصرنا الحاضر. وأحيل في معرفة بعض مقولاتهم إلى ما جمعه الشيخ محمد براء ياسين وفقه الله في مادة نافعة بعنوان: جهود علماء الحنابلة في الدفاع عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله. وتلحظ أنَّ كافة الاسماء التي ذكرت هي أسماء أعلامٍ كبارٍ ممن اشتهروا بنصرة المعتقد السلفي، وعرفهم الناس بذلك، فهم أخبر الناس بمنهج السلف وما كانوا عليه. ومن أبرز هذه الأسماء هنا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه، فهو من أخبر الناس بطريقة السلف، وأعرف الناس بمفصَّل ما ينقول عنهم، وأشد الناس تعظيمًا ونصرة لهم في الأصول والفروع، ومع ذلك، فلم يكن هذا مانعًا له من الثناء الكبير على أبي حنيفة، وبيان فضله، وحفظ مكانته، وتجنب الطعن فيه، وكلامه في هذا كثير منتشر.
يقول ابن تيمية: (فإنَّ أئمة الإسلام الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، ولهم في الأمة لسانُ صدقٍ من الصحابة والتابعين وتابعيهم) ثم ذكر منهم أبا حنيفة، وسيأتي نصوصٌ من كلامه في الذب عن الإمام أبي حنيفة. ونجد مثل هذا الثناء أيضًا عند العلماء السلفيين من المذاهب الأخرى: كابن عبد البر (463هـ)، وأبي المظفر السمعاني (489هـ)، والبغوي (516هـ)، وابن أبي الخير العمراني (558هـ)، وقوام السنَّة (535هـ)، والمزي (742هـ)، والذهبي (748هـ)، وابن كثير (774هـ)، وغيرهم. وقد تعمَّدت الاقتصار على الأسماء الكبيرة من العلماء السلفيين دون غيرهم، لقطع أدنى توهُّمٍ أنَّ مثل هذا التوافق يخالف المنهج السلفي، فهؤلاء هم أبرز أنصاره. ومن كلمات العلماء الدالَّة على هذا الاستقرار كلام الفقيه الحنبلي المشهور يوسف بن عبد الهادي المعروف بابن المبرد، حيث صنَّف كتابًا في أحاديث أبي حنيفة رحمه الله، كما صنف كتابًا آخر في مناقب أبي حنيفة، ومما جاء فيه: (وهؤلاء الأئمة الأربعة، الذي أعتقده وأدين الله به أنه لا يجوز لأحدٍ لا سيَّما في زماننا الكلام فيهم بوجهٍ من الوجوه).
ويقول: (والذي أعتقده وأدين الله به تحريمُ ذلك، وتحريمُ الكلام في العلماء، وفي أركان الدين، فمن تكلَّم في أحدٍ من الأئمة فقد وقع في إثمٍ عظيمٍ، وارتكب ذنبًا كبيرًا، وتجده في الغالب لا يُفلِحُ، ولا يُنتج له أمرٌ، ومن فعل ذلك وجب على كل أحدٍ من الحكام وولاة الأمور أن يضربه، ويُعاقبه، ويردعه عن ذلك بكل نوعٍ من العقاب والنكال، بل ويتعيَّن على كل أحدٍ من المسلمين الإنكارُ عليه والقيامُ عليه).
ومن قبله قال ابن رجب رحمه الله في كتابه: الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة: (فاقتضت حكمةُ الله سبحانه أن ضَبطَ الدين وحفظه: بأن نَصبَ للناس أئمةً مجتمعًا على علمهم ودرايتهم وبلوغهم الغاية المقصودة في مرتبة العِلْم بالأحكام والفتوى، من أهل الرأي والحديث.
فصار الناس كلُّهم يعولون في الفتاوى عليهم، ويرجعون في معرفة الأحكام إليهم.
وأقام الله من يضبط مذاهبهم ويحرر قواعدهم، حتى ضُبط مذهبُ كل إمامٍ منهم وأصولُه، وقواعدُه وفصوله، حتى تُردَّ إِلَى ذلك الأحكامُ ويُضبَط الكلامُ في مسائل الحلال والحرام، وكان ذلك من لُطفِ الله بعباده المؤمنين، ومن جُملة عوائده الحسنة في حفظ هذا الدين).
ثم استمر الحال كذلك في عصرنا، فتجد عامة الفقهاء على هذه الكلمة، ولا حاجة لذكر الأسماء والمقولات، فيسهل الوصول إلى العشرات منهم بأدنى مجهود. وهذا التوافق بطبيعة الحال لا ينفي وجود بعض الوقائع اليسيرة المتفرقة من التعصُّب مع أبي حنيفة، وما قد يقع من اعتداءاتٍ بسبب ذلك، كما يقع هذا التعصُّب من المذاهب الأخرى، وهذه الوقائع هي مما قوَّى ضرورة هذا الاجتماع.
وقد يقال: إن هذا التوافق إنما هو بسبب الخوف من سطوة الحنفية، وتعديهم على من ينتقد أبا حنيفة، فهو سكوتُ اضطرارٍ، ليس فيه إقرارٌ أو موافقةٌ.
وهذا تفسيرٌ بعيد جدًا، فهذه السطوة قد تقع في بعض الأزمنة أو الأمكنة أو الأحوال، لكنها لا تستمر في كل حال، كما أنَّ الدولة في كثيرٍ من العصور كانت لغيرهم، وكان المغرب العربي كله مختصًا بمذهب المالكية، وكثيرٌ من الدول كانت للشافعية، كما أنَّ دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب كانت حنبلية سلفية، وهذا ظاهرٌ أيضًا في مثل عصرنا. وغاية ما في هذا السبب أن يكون سببًا له تأثيرٌ في تقوية هذا التوافق، لا أنه السبب الوحيد، كما أنَّ مقصوده ليس سطوة الإكراه والخوف، وإنما دفع الضرر ودرء الشقاق والفتنة بين المسلمين، والتي كانت من المصالح التي روعيت في هذا الاستقرار الممتد. ويقال هنا أيضًا: أنه لم يحصل قط على مر التاريخ التواطؤ على السكوت-بل والثناء-على صاحب بدعةٍ مغلَّظةٍ بسبب الإكراه والخوف، بل كان أهل السنة يخاصمون من يعتقدون ضلاله، ويظهرون منافرته، ومواقف وكتابات أهل العلم من أهل السنة في ذلك أشهر من أن تذكر، حتى مع مرور أزمانٍ وأحوالٍ صار فيها لهؤلاء سطوة وقوة.
وأبو حنيفة حسب ما يصفه أرباب هذه الفتنة بلغ من الحال ما يجعله في مصاف أصحاب البدع المغلظة، فكيف اتفق له من بين سائر أهل البدع، أن تتابع القرون والقرون، ليس في السكوت عنه وحسب، بل والثناء عليه واعتماد أقواله، وعده من أئمة العلم والدين. وقد استخفَّت هذه الظاهرة العصرية بمخالفة هذا الاستقرار التاريخي الممتد، وتغافلوا عن هذه المصالح الظاهرة، وهذه الحقائق الشرعية البينة، تمسكًا بما جاء من مروياتٍ تاريخيةٍ في الطعن في أبي حنيفة، وهي رواياتٌ معروفةٌ، فهي موجودة في كتبٍ تراثيَّةٍ شهيرةٍ، فلم تكن خافيةً على علماء المسلمين الذين اتفقوا على إمامة أبي حنيفة، والكف عن الطعن فيه، لأنَّهم فهموها، وعرفوا مرادها، ولم يروا مثل هذا يعارض الحكم بإمامته واعتبار مذهبه، ولحظوا مع ذلك مصالح في الدين والدنيا، بخلاف بعض المعاصرين الذي فتنوا بهذه الروايات، ودخلوا في قضايا كبيرة من بوابتها.
فسنتحدث أولًا عن الموقف من أبي حنيفة، ثم عن المطاعن التي كانت على أبي حنيفة. وأصل هذا الإشكال أنَّ ثم نقودًا شديدةً لأبي حنيفة صدرت من طائفةٍ من أعيان الطبقة المعاصرة له من أهل الحديث، كسفيان ومالك وحماد بن سلمة وأيوب ونعيم بن حماد والأوزاعي والفزاري وشريك رحمة الله عليهم أجمعين، ثم الطبقة التي تليها من المحدثين كعبد الرحمن بن مهدي ثمَّ أحمد بن حنبل وأبي حاتم وأبي زرعة رضي الله عنهم أجمعين. فقد كان جمهور المحدثين في ذلك على خلافٍ ونقدٍ لأبي حنيفة، ثمَّ ضعف الأمر بعد ذلك كثيرًا، واقتصر غالبًا على بعض المحدثين، وعلى حكايتها في بعض المصنفات، وبقي إلى مدةٍ حتى اتفقت الكلمة على الكف، وإحسان القول في الأئمة جميعًا.
حيث تلحظ أنَّ اعتبار أبي حنيفة كان ظاهرًا في تقدير فقهه عند العلماء المتقدمين ممن كتب في الاختلاف الفقهي، كعبد الله بن الحكم في المختصر الصغير، والشافعي في الأم، ثمَّ ابن قتيبة في الأشربة، والمروزي في اختلاف الفقهاء، والطبري في اختلاف الفقهاء، وابن المنذر في الأوسط، والطحاوي في اختلاف الفقهاء، والخطابي في إعلام السنن وفي شرح البخاري، ولا يمكن أن يذكر رأي أبي حنيفة في البحث الفقهي، وينظر في أدلته، ويرجح بين الأقوال إلا وقد اعتبروا مذهبه.
كما كان تقدير أبي حنيفة مسلك ظاهر عند متقدمي المالكية والشافعية، كما يلحظ دخول الاحتجاج بأبي حنيفة في كتب العقائد عند المحدثين بعد ذلك، كما عند اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة. ثمَّ بعد ذلك استقر الأمر على الاعتداد بمذهبه الفقهي، واعتبار إمامته، والسكوت عن الخوض في ذلك، وهذا الاستقرار في تجنُّب الطعن والذم لم يخصَّ مذهب أبي حنيفة فقط، بل حتى المذاهب الأخرى كان الطعن المتبادل موجودًا بينهم، وإن كان بدرجة أقل، ثم توافق الجميع على هذا التقدير المستمر.
وقد سلك الناس في سبيل دفع هذه المطاعن عن أبي حنيفة أربعة مسالك: مسلكين خاطئين، ومسلكين صحيحين.
أما المسلكان الخاطئان فهما:
المسلك الأول: إنكار وجود هذه المطاعن، أو إنكار ثبوتها مطلقًا، وقد يتجه بعضهم إلى إنكار كتبٍ بأكملها لوجود هذه المرويات، فيطعن مثلًا في كتاب السنَّة لعبد الله بن أحمد، وهذا لا يغني من الحق شيئًا، فهو في الحقيقة مكابرةٌ في الحقائق، والمرويات ليست شيئًا غريبًا صدمنا بوجوده في كتابٍ معيَّنٍ حتى ينتهي أمرها بإنكار هذا الكتاب، فالمقولات معروفةٌ ومصادرها كثيرة.
المسلك الثاني: الطعن في الناقدين لأبي حنيفة، وذلك بذكر أنَّ الحامل لهم أو لكثيرٍ منهم الحسدُ أو الجهلُ، أو أنَّ عقولهم ضاقت عن فقه الإمام أبي حنيفة، أو الاستخفاف بفقه الأئمة بأنهم ينكرون القياس مطلقًا، أو ينكرون مطلق الأخذ بالرأي، والإزراء بطريقة فهمهم للنصوص وأنهم لا يعقلون المعاني ويقتصرون على نقل الألفاظ دون فقهٍ، وكذا من يطعن فيهم بسبب ما كانوا عليه من الإيمان بصفات الله، أو أنَّ هذا من كلام الأقران.
وهذا كمن يصلح خدشًا فيهدم قصرًا، فالدفاع عن الإمام أبي حنيفة لا يجوز أن يكون سببًا لارتكاب ما هو أعظم، وهو الطعن في جملةٍ كبيرةٍ من علماء الحديث وسلف هذه الأمة، لا يعني أنَّهم معصومون من الخطأ أو الزلل، لكن هذا شيءٌ، ووصف كثيرٍ منهم بهذه الأوصاف القادحة شيء آخر، فهو طعنٌ في عدالتهم وبعقولهم من جهةٍ، وهو أيضًا جهلٌ بحقيقة هذه الخصومة والاختلاف الذي جرى، فلم تكن هذه المطاعن منكرةً غريبةً لا تُفهم إلا بدوافع شخصيَّةٍ أو نفسيَّةٍ، بل هي مطاعن لها سياقٌ واضحٌ معروفٌ.
والكلام في الأقران ونحوه قد يحمل عليه بعض المقولات أو بعض الأشخاص لكن لا يتصوَّر أن يكون هو الدافع لكل هذه المقولات الكثيرة. وهذه الطريقة على ما فيها من ظلمٍ وبغي على أئمة الإسلام، وما فيها من جهلٍ بحقيقة الحال، هي في الحقيقة توسَّع الإشكال وتضخمه، ولا تدفع هذه المطاعن عن أبي حنيفة، لأنَّها تستثير النفوس للذب عن أئمة الاسلام، ثم الخوض في هذه المطاعن، والتقصي فيها، فيتسع النزاع ويزيد الاختلاف، وهذه نتيجة طبيعية لنقص العلم والعدل. والطريف أنَّ أصحاب هذا المسلك يتهمون مخالفيهم ويتهمون الفقهاء بالتعصُّب وهم غارقون فيه.
وقد كان الواجب كما يقول المعلمي: (وكما أنَّ الإنصاف يقضي أن لا يُتَّخذ ما ثبت عن الأئمة كسفيان الثوري وغيره من قولهم في أبي حنيفة ما يقتضي أنها لا تقوم الحجةُ بما يتفرد بروايته ذريعةً إلى الطعن في فقهه جملة وفي مذهبه، فكذلك يقضي أن لا يتَّخذَ ما يستدلُّ به على فقهه جملة ذريعةً إلى رد كلام أئمة الفن في روايته).
وأما المسلكان الصحيحان في التعامل مع هذه المرويات:
المسلك الأول: مسلكٌ إجماليٌ يقوم على الكف عن الخوض في هذه القضايا، وتجنب ما يثير الاختلاف والتفرق، والتأكيد على حفظ مقامات الأئمة جميعًا، والثناء عليهم، وإحسان الظن بهم جميعًا، وتجنُّب نقل مثل هذه الرويات، وذكر أنَّ منها ما لا يثبت، وأنَّ ما ثبت فله وجهٌ يُعذرون فيه جميعًا، وأنَّ تجنُّب مثل هذه المرويات لا يضر دين الناس، ولا يحتاجون إليه.
وهذه طريقةٌ صحيحةٌ، وفيها عقلٌ وحكمةٌ، ونافعةٌ جدًا، وربما هي الأنسب لأكثر الناس.
المسلك الثاني: المسلك التفصيلي الذي يقوم على دراسة هذه المطاعن في سياقها، وبيان حالها، وذكر ما وقع من الإمام من خطأ أو زلة لا يتابع عليها، مع حفظ مقام الإمام، وبيان فضله، وتجنُّب إثارة ما يفتح باب الفساد على المسلمين.
وهذا مسلكٌ مهمٌ أيضًَا، وقد لا ينتفع كثيرٌ من الناس إلا به، وهو ما سنسير عليه في هذه المحاضرة.
ملخص المطاعن:
يمكن تلخيص المطاعن والانتقادات التي وجِّهت للإمام أبي حنيفة رضي الله عنه في ستة مطاعن أساسيَّة، هي الأساس الذي تدور عليها المرويات المنقولة في نقد الإمام، سواءً نصَّت الرواية على هذه المطاعن، أو كانت المطاعن هي السبب المحرك لها، وهي:
المطعن الأول: الإرجاء.
وهو من أهم الانتقادات على الإمام، حيث كان أبو حنيفة يقول بقول مرجئة الفقهاء في الإيمان، وهو أنَّ الايمان في القلب واللسان، ولا يجعل أعمال الجوارح من الإيمان، وهو قول مرجئة الفقهاء. وهذا المذهب قد انتقده علماء السنة لمخالفته الحقَّ في جانبين:
الأول: التعبير أو اللفظ، حيث تركوا تسمية العمل الظاهر باسم الإيمان مع وجود الدلائل على ذلك من الكتاب والسنة.
الثاني: الآثار العمليَّة لهذا الخلاف، حيث يلزم منه صحَّة الإيمان مع انتفاء العمل الظاهر كله، وأنَّ الإيمان لا يزيد ولا ينقص، ونحو ذلك، مما فيه مخالفة صريحة لأدلة الكتاب والسنة.
وهذا القول لا شك في غلط الإمام رحمه الله فيه، غير أنَّه في هذا متأوِّلٌ لم يقصد مخالفة الحق، وقد اجتهد في معرفة الحق فهو معذورٌ، وقد سبقه إلى ذلك جملةٌ كبيرةٌ من العلماء الأجلَّاء من كبار علماء التابعين ومن بعدهم ممن رمي بهذا الإرجاء: كإبراهيم التيمي، وطلق بن حبيب، وعمرو بن مرة، وذرٍّ بن عبد الله الهمداني، وابنه عمر، وحماد بن أبي سليمان، وعبد العزيز بن أبي روَّاد، وغيرهم كثير من أهل الديانة، والعلم، والفضل، والمقام العظيم في الإسلام.
يقول أبو عبيد في كتاب الإيمان مبينًا حالهم: (اعلم رحمك الله أنَّ أهل العلم والعناية بالدين افترقوا في هذا الأمر فرقتين، فقال أحدهما: الإيمان بالإخلاص لله بالقلوب، وشهادة الألسنة، وعمل الجوارح، وقالت الفرقة الأخرى بل الإيمان بالقلوب والألسنة، فأما الأعمال فإنَّما هي تقوى وبرٌّ وليست من الإيمان). فجعلهم من أهل العلم والدين، وقد انتقدهم في هذا الكتاب ورد غلطهم. ثم قال أبو عبيد معتذرًا لهم: (على أنهم وإن كانوا لنا مفارقين فإنهم ذهبوا إلى مذهبٍ قد يقع الغلط في مثله، ثم حدثت فرقةٌ ثالثةٌ شذَّت عن الطائفتين جميعًا ليست من أهل العلم ولا الدين، فقالوا: الإيمان معرفة بالقلوب بالله وحده، وإن لم يكن هناك قول ولا عمل، وهذا منسلخ عندنا من قول أهل الملة الحنيفيّة).
ويقول ابن تيمية: (وهذه الشبهة التي أوقعتهم مع علم كثيرٍ منهم وعبادته وحسن إسلامه وإيمانه، ولهذا دخل في إرجاء الفقهاء جماعةٌ هم عند الأمة أهلُ علمٍ ودينٍ). ولابن تيمية كلامٌ محرَّرٌ كثيرٌ واسعٌ في الحديث عن مرجئة الفقهاء، ذكر فيه أنَّ هذه البدعة من أخف البدع، وذكر أنَّ خلافهم مع الجماعة خلافٌ يسيرٌ، فقال: (وإنما المقصود: أنَّ فقهاء المرجئة، خلافهم مع الجماعة خلافٌ يسيرٌ، وبعضه لفظيٌّ، ولم يُعرف بين الأئمة المشهورين بالفتيا خلافٌ إلا في هذا؛ فإنَّ ذلك قول طائفة من فقهاء الكوفيين: كحماد بن أبي سليمان، وصاحبه أبي حنيفة، وأصحاب أبي حنيفة). وذكر أنَّ خلافهم في هذا من جنس اختلاف الفقهاء في الفروع فقال: (فإنَّ بدعتهم من جنس اختلاف الفقهاء في الفروع، وكثيرٌ من كلامهم يعود النزاع فيه إلى نزاعٍ في الألفاظ والأسماء: ولهذا يسمَّى الكلامُ في مسائلهم باب الأسماء وهذا من نزاع الفقهاء، لكن يتعلَّق بأصل الدين: فكان المنازع فيه مبتدعًا).
كما أنَّ الشيخ يحكم بأنَّ النزاع كثيرٌ منه لفظي، وذكر في موضع آخر أنَّ عامته لفظي، فقال: (فكان في الأعمال هل هي من الإيمان وفي الاستثناء ونحو ذلك، عامته نزاعٌ لفظيٌّ). ويدلك على هذا التقارب أنَّ حماد بن أبي سليمان كان يقول لشعبة: (أنت منا إلا قطرة يعني في الإرجاء). فالنزاع في هذه المسألة منه لفظي ومنه عملي، فإن أقروا بعمل القلب قلَّ الخلاف، وإذا أقرَّوا بعد ذلك بأنَّ العمل وإن لم يكن من الإيمان هو لازم لما في القلب أصبح الخلاف لفظيًا. وقد كان الموقف الشرعي أن يحفظ لهم حقهم ومقامهم، ويحفظ للحق مقامه، فلا يقبل قولهم لمكانتهم، ولا يستطال عليهم بسبب قولهم، وهذا هو الموقف الشرعي المعتدل الذي يقيم الحق كاملًا، فلا يفتتن بمقامهم فيقبل ما هو باطل لأجل مكانة القائلين به، ولا يغلو بالقول الحق فيستطيل به على من يخالفه. وهذه قضية منهجية كبرى يجب العناية بها، فهي لا تخصُّ أبا حنيفة وحده، بل ستشمل أمةً كبيرةً من علماء السلف، فقد وقعت عدَّةُ بدعٍ في زمن التابعين ومن بعدهم، وقد تأثَّر بها عددٌ كبيرٌ من العلماء في عصر التابعين ومن بعدهم، وهذه البدع هي أربعُ بدعٍ ظاهرةٍ في ذلك الزمان: الإرجاء، والقدر، والتشيع، والنصب.
فكثر التشيع في أهل الكوفة، حتى قال الإمام أحمد: (أهلُ الكوفة كلُّهم يفضلون عليًّا على عثمان، إلا رجلين: طلحة بن مصرف وعبد الله بن إدريس)، والمقصود التشيع الخفيف الذي يعني تفضيل علي على عثمان رضي الله عنهم أجمعين. ولشيوع ذلك عندهم قال الإمام أحمد فيهم: (إذا أصبتَ الكوفيَّ صاحبَ سنَّةٍ فهو يفوق الناس، وقال: هم أصحاب قرآن)، حتى كان هذا قول إمام أهل السنَّة سفيان الثوري في أول أمره، ثم لما قدم البصرة تبيَّنت له المسألة ورجع عن قوله. وكثر القدر في البصرة حتى قال الإمام أحمد: (لو فتَّشت أهل البصرة وجدتَ ثلثهم قدرية). وكثر النصب في الشام حتى قال الأوزاعي: (كانوا يستحبُّون أن يتحدثوا بأحاديث فضائل أهل البيت ليردُّوا أهل الشام عما كانوا يأخذون فيه). ويكشف لك عن كثرة هذا النوع من البدع، ما ذكره علي بن المديني ، قال: (قلتُ ليحيى بن سعيد القطان: إنَّ عبد الرحمن بن مهدي قال: أنا أتركُ من أهل الحديث كلَّ من كان رأسًا في البدعة، فضحك يحيى بن سعيد فقال: كيف يصنع بقتادة؟ كيف يصنع بعمر بن ذر الهمداني؟ كيف يصنع بابن أبي روَّاد؟ وعد يحيى قومًا أمسكتُ عن ذكرهم ، ثم قال يحيى: إن ترك عبد الرحمن هذا الضرب ترك كثيرًا).
ولهذا قال علي بن المديني: (لو تركتَ أهل البصرة لحال القدر، ولو تركتَ أهل الكوفة لذلك الرأي، يعني التشيُّع خربت الكتب). يعني لذهب الحديث، وهذا يكشف لك عن دور هؤلاء الأكابر في حفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأثرهم في وصول سنته إلينا. وهذه البدع كانت من دقائق العلم التي خفيت على هؤلاء الأجلاء، وفي ذلك حكمةٌ عظيمةٌ، فلعلها امتحانٌ من الله، لإظهار شرف من سلم منها، ولئلا يتَّبَع أحدٌ على كل قوله مهما كان، وليظهر ضعف الإنسان أنه معرَّضٌ للغلط مهما بلغ من الفهم والعلم. وهم أهل صدقٍ وتجرُّدٍ واتباعٍ للحق، فغلطهم مغفورٌ، ولا يجوز أن تهمل فضائلهم بسبب ما وقعوا فيه من غلطٍ اعتقدوا أنَّه هو الحق، فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. كما أنَّ شأن هذه البدع قد كان يخفى في أول الأمر على بعض أهل العلم، ثم بعد ظهور السنَّة ضعف الاختلاف فيها حتى كاد يندثر، وهذا ظاهر في مثل القول بالسيف، وفي النفور من آل البيت، وفي التفضيل بين علي وعثمان، وأما الإرجاء فله شأنٌ آخر.
نعود إلى الإرجاء، فبعض المعاصرين يطعن في أبي حنيفة بسبب الإرجاء، ويستند إلى كلام المتقدمين في ذم المرجئة، والإشكال أنَّ هذه الطريقة السقيمة لن تقف عند أبي حنيفة، فهذه الطعون ستجري على بقية الائمة وأكابر هذه الأمة.
فقد جاء عن السلف مقولاتٌ شديدةٌ في ذم المرجئة، كما قال إبراهيم النخعي: (تركت المرجئةُ الدينَ أرقَّ من ثوب سابري). أي: ثوبٌ رقيقٌ. وكان سعيد بن جبير يقول: (مَثَلُ المرجئة مثل الصابئين) وقال مرَّة: (مَثَلُ اليهود). وقال منصور بن المعتمر: (أعداء الله المرجئة والرافضة). كما جاءت نصوصٌ كثيرةٌ شديدةٌ عند المتقدمين في هجر المبتدعة، وعدم السلام والكلام معهم، وأهل الإرجاء من أمثال هؤلاء الأفاضل هم من أبرز المقصودين بها.
وهذه النقول الشديدة يجب فهمها وفق أصلين مهمين:
الأول: أنَّ الكلام في الأوصاف، لا يلزم أن يتحقَّق في الأعيان.
الثاني: أنَّ التشديد والهجر والعقوبة هي تصرفاتٌ مصلحيَّةٌ وليست أحكامًا ثابتة دائمة في كل زمان ومكان.
فالتشديد في العبارة له أثرٌ مصلحيٌّ ظاهرٌ، وهو تحذير الناس من التتابع على هذا الغلط، ولهذا يقول ابن تيمية: (ولما كان قد نُسِبَ إلى الإرجاء والتفضيل قومٌ مشاهيرُ متَّبعون: تكلَّم أئمةُ السنَّة المشاهير في ذم المرجئة المفضلة تنفيرًا عن مقالتهم). فقد كان لهؤلاء الأعلام أثرٌ عظيمٌ في نشر هذه البدعة، لما لهم من فضلٍ ومكانةٍ، ولهذا قال المغيرة: (لم يزل في الناس بقيةٌ حتى دخل عمرو بن مرة في الإرجاء، فتهافت الناس فيه). وهو من دقيق فقه السلف وعميق بصيرتهم، حيث لحظوا الآثار والمآلات الخطرة لمثل هذه الأقوال، وكما يقول ابن تيمية: (صار ذلك الخطأ اليسير في اللفظ سبباً لخطأ عظيمٍ في العقائد والأعمال، فلهذا عَظُمُ القول في ذم الإرجاء). ويقول ابن عبد البر: (ونقموا أيضا على أبي حنيفة الإرجاء، ومن أهل العلم من ينسب إلى الإرجاء كثيرٌ لم يَعْنَ أحدٌ بنقلِ قبيحِ ما قيل فيه كما عَنُوا بذلك في أبي حنيفة لإمامته).
وهنا أمرٌ ينبغي مراعاته عند الكلام عن الطبقات المتقدمة من علماء الإسلام، فالأقوال المحدثة أول ظهورها، وقبل أن يشيع كلام أهل السنة في ردها وتفنيدها، كثيرًا ما يدخل فيها بعض الكبار ممن نشأ على السنة، بسبب الاشتباه وحداثة الشبهة، فلذلك نجد في أعيان الطبقات الأولى من أهل الحديث من دخل في بدع النصب والتشيع والارجاء وغير ذلك، ثم بعدما تحرر الكلام في تلك المذاهب، وشاع كلام أهل السنة في نقضها وتفنيدها، صارت نسبة أولئك القدماء لتلك المذاهب تذكر فقط عند الحاجة لها، ولم يجر أهل العلم على ذكرها بغرض الحط والقدح على من مضى من الأكابر والأعيان، كما كان يفعله معاصروهم الذين كان لهم في ذلك غرض صحيح يتعلق بمحاصرة البدعة وتعريتها.
الإشكال هنا أن يأتي بعض المعاصرين فيتمسَّك بحرفية هذه العبارات دون فقهٍ ولا بصيرةٍ، فيطعن بسببها في مثل أبي حنيفة، وشيخه حماد بن أبي سليمان رحمهم الله جميعًا. وحتى تفهم الاشكال دعني أحكي لك بعض المقولات في بعض أعيان المرجئة هؤلاء: قال فقيه العراق التابعي الشهير إبراهيم النخعي: (ما أحدٌ ممن يتكلَّم أحرى أن يطلب به وجه الله عز وجل من إبراهيم التيمي، ولوددتُ أنه خرج منه كفافًا). ويقول الحافظ المحدث مسعر بن كدام رحمه الله: (سمعت عبد الملك بن ميسرة ونحن في جنازة عمرو بن مرة وهو يقول: إني لأحسبه خير أهل الأرض). وقال سفيان بن عيينة: (قلتُ لمسعر: من أفضل من رأيت؟ قال: عمرو بن مرة).
وقال أبو زرعة: (سمعت أحمد بن حنبل، وذُكِرَ عنده إبراهيم بن طهمان، وكان متكئًا من علَّةٍ فاستوى جالسًا، وقال: لا ينبغي أن يذكر الصالحون فيتكأ، ثم قال أحمد: حدثني رجل من أصحاب ابن المبارك، قال: رأيت ابن المبارك في المنام، ومعه شيخٌ مهيبٌ، فقلتُ: من هذا معك؟ قال: أما تعرف؟ هذا سفيان الثوري، قلت: من أين أقبلتم؟ قال: نحن نزور كلَّ يومٍ إبراهيم بن طهمان، قلت: وأين ترونه؟ قال: في دار الصديقين دار يحيى بن زكريا).
فهذه وغيرها تزكياتٌ عظيمةٌ لمثل هؤلاء، لم أنقل كلام الذهبي أو ابن تيمية أو ابن كثير حتى لا يقال هذه طريقة المتأخرين، وإنما هذا كلام فقهاء السلف المتقدمين فيهم. فهنا ستلحظ أنَّك أمام إشكالٍ حقيقيٍ ظاهرٍ، كيف تقال مثل هذه العبارات الشديدة في مثل هؤلاء الأكابر؟! فالطريقة العصرية التي تستدلُّ بحرفية كلام السلف في ذم المرجئة على الطعن في أبي حنيفة بسبب الإرجاء يلزمهم أن يُكملوا الطعن في بقية الأعلام، وهذا سيحدث إشكالا كبيرًا، كيف تقال هذه العبارات الشديدة في مثل هؤلاء المشهود لهم بالفضل والعلم والمقام الحسن؟! وكيف يُختَزَلُ فضلُ الشيخ ودينُه وعلمُه في غلطٍ وقع فيه متاولًا فيكون فيه هذا السوء كله؟
فهذه الطريقة العصرية تقع فيما أسْمَيتُهُ بتوريط السلف، وذلك بنسبة المعاني الفاسدة إليهم بسوء فهمهم لها، فهي تشوه فقه السلف في الحقيقة، إذ تحمل مقولاتهم على صورةٍ ظاهرةٍ حرفيَّةٍ شديدة الاشكال! بينما الحق في شيء آخر، فهذه العبارات الشديدة هي متجهة أولًا إلى الوصف والفعل لا إلى الشخص، ثم هي إذا توجَّهت إلى الشخص فلا بد أن يكون للمصلحة في ذلك أثرٌُ ظاهرٌ، لأنَّ من وقع في الارجاء كانوا أسماءً كبيرة مؤثرة في الناس، فكان لا بد من تشديد القول عليهم من أكابر السلف حتى لا يكون فضل أولئك الذين وقعوا في البدعة سببًا لقبول بدعتهم. فهذا التشديد نفعه المصلحي ظاهرٌ، فهو سياسةٌ شرعيَّةٌ وهجرٌ تربويٌّ مصلحيٌّ، وليس أصلًا كليًّا عامًّا، وهو يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة وقوة السنة وضعفها، ولهذا قد يَرِدُ عن العالم الشدَّة في حالٍ، وما يخالفها في حالٍ، ولا تعارض، فيأمر بالهجر ويأمر بالصلة، فالإمام أحمد مع شدته على أهل الرأي روى إبراهيم الحربي: (قيل لأحمد: إنَّ أصحاب أبي حنيفة يمرُّون علينا فلا يسلمون، فقال: سلموا أنتم عليهم). وهو مستقيمٌ مع هذا الأصل.
يقول المعلمي في شرح هذا المعنى المصلحي عند المتقدمين: (فلهذا كـان مـن أهـل العـلـم والـفـضـل مـن إذا رأى جماعةً اتَّبعُـوا بـعـضَ الأفاضل في أمرٍ يرى أنه ليس لهم اتباعُه فيه -إما لأنَّ حالَهم غيرُ حالِه، وإما لأنه يراه أخطأ – أطلقَ كلماتٍ يظهر منها الغضُّ مِن ذاك الفاضل، لكي يكفَّ الناس عن الغلو فيه الحامل لهم على اتباعه فيما ليس لهم أن يتبعوه فيه). وقد نبَّه المعلمي إلى أنَّ كلام العلماء في بعض قد يكون مقصوده الذمَّ لا قصدَ الحكم، ويكون من باب الوعظ والنصيحة لا قصد الحكم كما هو ظاهر العبارة، وأنه قد يأتي بعبارةٍ خشنةٍ شديدةٍ بقصد المبالغة في الإصلاح. وهذا معنى مهم في فهم كلام العلماء، وهو يحل إشكال كثيرٍ من النقول الواردة عن السلف، ومن أمثلة ذلك، ما جاء عن الزهري من قوله: (ما رأيت قومًا أنقض لعرى الإسلام من أهل مكة). يقول ابن عبد البر: (وهذا ابن شهاب قد أطلق على أهل مكة في زمانه أنهم ينقضون عرى الإسلام ما استثنى منهم أحدًا، وفيهم من جلة العلماء من لا خفاء لجلالته في الدين، وأظن ذلك والله أعلم لما روي عنهم في الصرف ومتعة النساء).
لكن بعض المعاصرين فتنوا بمثل هذه العبارات فجعلوها أصلا كليًا مطردًا، فوقعوا في غلطٍ ظاهرٍ فيه ظلمٌ وبغيٌ على المسلمين، كما جعلوا كلام السلف بسبب سوء فهمهم مشكلًا. إذن، وقوع أبي حنيفة في بدعة الارجاء هو من جنس أغلاط كثيرٍ من أئمة الإسلام الكبار الذي وقعوا فيها وفيما يشابهها، صَدَقُوا وغَلِطُوا، وهم أهل ديانةٍ وصدقٍ، فلا يقال بأنهم آثمون في شيءٍ من ذلك، بل هم مجتهدون صادقون متأولون، لكن لا يجوز متابعتهم على هذا الأمر، ولهذا لا يزال بيان الحق مستمرًا، فيجب توضيح الحق في المسألة، وبيان الدليل عليه، والرد على الشبهات فيه، دون حاجةٍ إلى الطعن في أحدٍ ممن اجتهد فغلط. فالاشكال أنَّ هذه الطريقة في الاستطالة على أبي حنيفة هي منهجٌ فاسدٌ لن يقتصر على أبي حنيفة، وسكوت بعضهم عن طرد هذا المنهج فيستطيل على بقية السلف قد يكون جهلًا منهم أو لأي سبب آخر، لكن هذا أصلٌ فاسدٌ ويجب الوعي بآثاره.
فإذا جاء أحدهم فقال: إنَّ السلف قد أجمعوا على تبديعه بسبب الإرجاء فهو غارقٌ في زلق هذا الاشكال، فيقال: إذا كان المقصود بيان غلطه، وتجنُّب متابعته في هذا، كما يتجنَّب متابعة غيره ممن غلط في أي مسألة فنعم، وهذا ما نكرره كثيرًا، وإن كان المقصود أن تحكُمَ عليه بالفسق مثلًا، أو تحكم بأن حاله حالٌ سوءٍ كحال أهل الكبائر أو أقبح، أو أن تجعل التبديع وصفًا ملازمًا له تلمِزُهُ بهِ و تعيُّرهُ وتحقِّرهُ، أو نحو هذا مما فيه حطٌ وطعنٌ وقدحٌ، فيلزمك أن يكون هذا في كل من وقع في بدعةٍ من كبار هذه الأمة وفضلائها، وأن يستطال عليهم بدعوى الاجماع على تبديعهم، وهو لازمٌ قبيحٌ لمن عقل ما يقول.
المطعن الثاني: القول بالسيف، وهو جواز الخروج على ولاة الجور.
وهي من المسائل المعروفة آنذاك، فقد ذهب عددٌ من الفقهاء المتقدمين إلى جواز الخروج على ولاة الجور، وهو مخالفٌ لما صحَّ من أحاديث كثيرة تأمر بالصبر، وتنهى عن القتال بسبب المعاصي، وقد استقرَّ قول أهل السنة على هذا، ثم تتابع العلماء على ذكر هذه المسألة في كتب عقائد أهل السنَّة، لأنَّ القول بخلافها أصبح من صفات الخوارج المستحلين لدماء أهل القبلة.
غير أنَّ الغلط فيها هو من جنس الغلط في البدعة السابقة التي تكلمنا عليها، فقد سبق أبا حنيفة علماءٌ كبارٌ أجلاءُ من الصدر الأول، فكان القول فيها كالقول في الإرجاء: لا يُتَابَعُون على قولهم، ولا يُستطَالُ عليهم بسببها.
وتلحظ هنا أنَّ هذه المسألة كانت سبب تشديد بعض السلف على أبي حنيفة، كما قال الأوزاعي: (احتملنا من أبي حنيفة كل شيء حتى جاءنا بالسيف). وذلك لأنَّ أحداث الخروج كانت من أسباب الفتن بين المسلمين، فكانوا يرون أثر هذا القول من أبي حنيفة على بعض الناس، وقد وقعت بين أبي إسحاق الفزاري وأبي حنيفة قصةٌ تؤكد هذا، فقال أبو إسحاق: (لما قُتِلَ أخي جئتُ الكوفة فسألت عن أخي، فقالوا: استفتى أبا حنيفة في الخروج مع إبراهيم، فأفتاه فقلتُ له: تفتي أخي بالخروج معه يعني: إبراهيم؟ فقال: نعم، وهو خيرٌ منك).
وهو من الفقه العميق في التفريق بين القول الذي يشيعه الإنسان في حياته، ويترتب عليه مفسدةٌ ظاهرةٌ قائمةٌ، فيشدَّدُ القول في حقه حتى يُدفَع ضررُ هذا الرأي، وأما حين يتحوَّل الأمر لحدثٍ تاريخيٍ مضى فإنَّ الوضع يختلف، وليس من الحكمة ولا من العدل أن يُساوى بين الحالتين دون وعي بالفرق بينهما. ومن أظهر النماذج على ذلك: تأكيدُ أهل السنة على الكف عما شجر بين الصحابة في أحداث الفتنة، مع أنَّ في مواقف واجتهادات بعضهم-رضي الله عنهم- ما أفضى إلى دماءٍ وفتنةٍ. لكن لم يعد في نقد تلك المواقف والتنقير فيها ثمرةٌ تُرجى، بل صار ذلك مفسدةً ظاهرةً، ولهذا يقول الأعمش: (حدَّثناهم بغضب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فاتخذوه دينًا).
وقد استقرَّ مذهبُ الحنفية على تحريم الخروج كما هو المستقر عند غيرهم، ومنهم من ينسب ذلك إلى الإمام نفسه، كما قد ذكر ذلك القول الطحاوي في عقيدته التي نقل فيها عقيدة الائمة الثلاثة، فمما جاء فيها قوله: (ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا، وإن جاروا).
المطعن الثالث: الضعف في الحديث.
اختلف نقَّادُ الحديث في الحكم على الإمام أبي حنيفة في الحديث، فذهب كثيرٌ منهم إلى الحكم على روايته بالضعف والاضطراب كالبخاري ومسلم والنسائي وغيرهم، كما ذهب آخرون إلى توثيقه كيحيى بن معين وغيره. وهذا في الحقيقة نقدٌ محدَّدٌ متعلق بالرواية، ولا يمسُّ الحكم على ديانته، ولا فضله، ولا ينقصُ من قدره في شيءٍ. فالحكم على الرواي بأنه ضعيف لا يعني نفي فضله أو إمامته، فكثيرٌ من الضعفاء في الحديث هم فضلاءُ وأعلامٌ وعبادٌ كبارٌ. بل إنَّ عددًا من الأعلام المشاهير ممن هم أئمةٌ في بعض العلوم كان يحكم بضعفهم في الحديث، فقد يكون إمامًا في القراءات، أو التفسير، أو الفقه والافتاء، أو السيرة، أو اللغة، ويكون ضعيفًا في الحديث، أو متكلمًا فيه، والأمثلة في هذا كثيرة ومعروفة. والظنُّ أنَّ القول بتضعيف الراوي في الحديث يعني الطعن في عدالته والانتقاص من دينه هو فهمٌ عاميٌّ جاهلٌ. وهذا يدل في الحقيقة على صلابة علم الرواية الحديثية، وأنَّه شديد التجرد للحق، فالمقصود هو صيانة حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فلا مجاملة فيه لأحدٍ لمقامه العلمي أو الاجتماعي أو السياسي أو غير ذلك.
قال أبو حفص ابن شاهين: (وهذا الكلام في أبي حنيفة طريق ثقة طريقُ الروايات واضطرابُها وما فيها من الخطأ، لا أنَّه كان يَضَعُ حديثًا، ولا يركِّبُ إسنادًا على متن ولا متنًا على إسنادٍ، ولا يدَّعِي لقاءَ من لم يلقه، كان أرفعَ من ذلك وأنبلَ). ومن التعصُّب الذميم القبيح الاستطالةُ على نقَّاد الحديث بسبب هذا، أو الشكُّ في نزاهتهم، أو جعلُ من يعتمدُ قولَهم في مثل هذا عند الحكم على إسناد الحديث مخطئًا أو التشنيع عليه، فهذا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا مقام فوق مقام صيانته، وإنما يبقى البحث في الموازنة والمقارنة بين أقوال النقَّاد كبقية الرواة، والاجتهادُ والاختلافُ فيه سائغٌ.
فتضيق نفوس كثيرٍ من المعاصرين عند هذا، فلا يكتفي بتغليط من يختار القول بالتضعيف عند دراسته للأسانيد، بل يستطيلُ عليه ويهوِّلُ من فعله، فمن ذلك: أنَّ الشيخ الألباني رحمه الله في سلسلة الأحاديث الضعيفة جريًا على قاعدته التي يطردها في كتابه كله، لما جاء اسم الإمام أبي حنيفة في بعض الأحاديث قال: (وهذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ، إلا أنَّ أبا حنيفة رحمه الله على جلالته في الفقه قد ضعَّفه من جهة حفظه البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن عدي، وغيرهم من أئمة الحديث، ولذلك لم يزد الحافظ ابن حجر في ” التقريب ” على قوله في ترجمته: فقيه مشهور) فاستطيل عليه بسبب ذلك، وهذا تعصُّب قبيحٌ مذمومٌ.
ويحسن هنا أن نشير إلى معنى شرعي ومصلحي مهمٍ قد أحسن بعض العلماء المعاصرين في التنبيه عليه، وهو الشيخ د. إبراهيم اللاحم حفظه الله، حيث نبَّه على غلطِ ذكرِ التضعيف للرواة عند الترجمة لهم والتعريف بهم كما هو المعتاد في الأبحاث الأكاديمية عند التعريف بالأعلام، حيث إنََّه طعنٌ في مسلمٍ بلا موجبٍ، وفيه هضمٌ لحقوقهم، وأنَّ هذه الانتقادات الحديثية يجب أن تقتصر على مظانها، وهو حال دراسة الحديث ومعرفة حال رواته.
فيقول أنه حين: (لا يكون هناك حاجةٌ لذكر جَرح الشخص من جهة الرواية، فلم يَرِد عند الباحث في إسنادِ حديثٍ، وإنما وَرَدَ اسمُه في أمرٍ يتعلَّق بعلمٍ آخر من العلوم، كالفقه، أو القراءات، أو اللغة، فيترجم له الباحثُ مُعَرِّفًا به، ويُقحِمُ في ترجمته ما قيل في درجته من جهة الرواية، وقد يكون فيها ضعيفًا أو دون ذلك، فيجني على الشخص، وعلى الموضوع الذي هو بصدد الحديث عنه).
وهي ملحوظة مهمة في محلها، ويجب الاعتناء بها.
وقد يقول بعض الطاعنين: إنَّ هذا التضعيف يدلُّ على عدم معرفته بعلم الحديث.
وهذا غلطٌ، فالتضعيفُ لا يلزم منه عدم معرفة المضعَّف بالحديث، كما أنَّ التوثيق لا يلزم منه معرفة الموثَّق التامة بالحديث، فقد يضعَّف الراوي وهو من أعرف الناس بما يحدث كحال الواقدي مثلًا في السيرة، وقد يوثَّق وهو قليل الرواية، فالمقصود حاله من حيث القبول والرد. كما أنَّ سبب التضعيف لا يعود لعدم معرفته بالحديث، وإنما لعدم ضبطه له، وهذا ظاهرٌ في الفقهاء المتقدمين، فقد يضبط المتن لكن لا يضبط الإسناد فلا يقبل منه، كما أنَّه قد يعبر عن المتن بمعناه، وقد نبَّه على ذلك ابن رجب في شرح علل الترمذي.
يقول الذهبي عن أبي حنيفة: (لم يصرف الإمامُ همَّتَهُ لضبط الألفاظ والإسناد، وإنما كانت همَّتُهُ القرآنَ والفقهَ، وكذلك حال كل من أقبل على فن، فإنه يقصر عن غيره، من ثم ليَّنوا حديثَ جماعةٍ من أئمة القرَّاء كحفصٍ وقالون، وحديثَ جماعةٍ من الفقهاء كابن أبي ليلى وعثمان البتي، وحديثَ جماعةٍ من الزهَّاد كفرقدٍ السِّنْجِي وشقيقٍ البلْخِي، وحديثَ جماعةٍ من النحاة، وما ذاك لضعفٍ في عدالة الرجل، بل لقلَّة إتقانه للحديث).
وقد يقال: لكنَّ أبا حنيفة قليلُ العلم بالحديث.
وهذا مما يقوله بعض الناس من باب التقليل والانتقاص منه، وبيان عدم أهليته للاجتهاد، وأنَّه كيف يكون إمامًا مجتهدًا من هو قليل المعرفة بالحديث. والحق أنَّ هذا غلطٌ ظاهرٌ، فأبو حنيفة كان إمامًا مجتهدًا مفتيًا في زمانه، ويقلده الناس، ويتبعه القضاة في عصرٍ متقدمٍ من عصور السلف، فمن يظن أنَّ جاهلًا بالحديث يكون إمامًا في تلك الطبقة، وينشغل الناس بالرد عليه، ويقوم النزاع بين المفتين والقضاة والعلماء بسببه لم يقدر عصر السلف حقَّ قدره، بل هو عالمٌ بالآثار، وما ردَّه من الآثار فغالبه أنَّه يرى معارضته لما هو أقوى منه، أو بسبب ما عنده من المرويات، أو متابعًا من سبقه من فقهاء بلده. كما أنَّ خفاء بعض المرويات على العالم لا ينفي عنه العلم بالحديث، خاصة في الطبقات المتقدمة، فقد كان تخفى على كثيرٍ منهم بعض المرويات. ويؤكد لك ظهور هذا المعنى أنَّ الإمام أحمد رحمه الله كما في مسائل ابن هانئ قال: (تركنا أصحاب الرأي، وكان عندهم حديثٌ كثيرٌ، فلم نكتب عنهم).
وما يقال في حق الإمام أبي حنيفة من عدم علمه بالآثار هو بالنسبة لاتساع غيره في طلبها لا أنَّه جاهلٌ بها، فلم يكن لأبي حنيفة من العلم بطرق المرويات والآثار ما عند الأئمة من أساطين الحديث، وليس هذا خاصًا به. ومما يلحظ على بعض الطاعنين قصورهم عن فهم السبب في ترك الرواية عن أهل الرأي، وعرضهم لهذا الأمر وكأنَّه إسقاطٌ للرواية عنهم مطلقًا، أو أنَّهم غير عدول، أو أنَّ هذا جرحٌ فيهم. والحق أنَّ ترك الرواية موقفٌ مصلحيٌّ سلكه بعض الأئمة مع من وقع في بعض البدع أو يرون هجره لمصلحةٍ، لا أنَّ هذا قادحٌ مطَّردٌ، أو أمرٌ واجبٌ مستمرٌّ تسقط به رواية الرجل مطلقًا، ولهذا روى عنهم بعضُ الائمة وتركهم آخرون، ولم يكن هذا قادحًا في أحدٍ. فالإشكال في هذه الطريقة أنها تشوِّشُ على طريقة المحدثين، فطريقة المحدثين تقوم على مسلكٍ موضوعي منصفٍ مطَّردٍ يتعلَّق بالعدالة في الدين، والضبط في الرواية، ولا تكون الاجتهادات الفقهية ونحوها سببًا لقبول الرواية أو ردها
بيان هذا التشويش: أنَّ من الانتقادات العصرية على طريقة المحدثين أنَّ النقد الحديثي متحيزٌ متأثِّرٌ بالرأي الشخصي للناقد، وهو كلامُ من لا يعرف نقَّاد الحديث، لكنَّ هذه الطريقة في تفسير ترك كثيرٍ من المحدثين للرواية عن أهل الرأي تقوي هذه الشبهة على المحدثين، وتثير الشكَّ في موضوعيَّة النقد الحديثي، وأنه يتأثر بالآراء والاختيارات الشخصية، فلأنَّ أهل الرأي خالفوهم في الفهم لجملةٍ من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم سقطت مروياتهم، وهي شبهةٌ قويةٌ ناتجةٌ عن سوء فهمٍ لطريقة العلماء في الرواية. بينما حقيقة الأمر أنَّ ما وقع هو استثناءٌ لمصلحةٍ على بعض الرواة بما لا يؤثر على المسار العام، ولا يضرُّ المرْوِيّّ في شيءٍ، لأنَّ أصول الأحاديث مرويةٌ من طرقٍ أخرى، فأما جعله أصلًا كليًّا عامًا فهو تشويهٌ لمنهجية نقد الحديث وموضوعيته.
فالإمام أحمد لأنَّه يرى غلط طريقة أهل الرأي، وله أثرٌ عظيمٌ في عصره، كان يرى ترك الرواية عنهم من باب الهجر ودعوتهم لترك ما يراه غلطًا في طريقتهم، فقد أرسل إلى أبي سليمان الجوزجاني يطلب منه تركَ الرواية عن كتب أبي حنيفة حتى يأتي فيسمع منه أحاديثَ ابنِ المبارك، وطلب من يحيى الوحاظي أن يترك الرأي حتى يروي عنه، وأنكر على شيخه أبي عاصم النبيل الجلوسَ في مجالس الرأي عند هلال بن يحيى الشهير بهلال الرأي، ولم يستجيبوا لذلك، ولم تسقط روايتهم ولا أثَّر ذلك في عدالتهم، فلا يمكن أن يفهم منه إلا هذا الموقف المصلحي، ولا يضر هذا متون الأحاديث النبوية لأنَّ ما عندهم من الأحاديث معروفٌ ومرويٌّ من طرقٍ أخرى.
المطعن الرابع: القول بخلق القرآن.
فقد جاء في بعض المرويات نسبةُ القول بخلق القرآن إلى أبي حنيفة، وأنَّه استتيب من الكفر مرتين. وهي مروياتٌ كثيرةٌ، وقد ذهب بعضُ الباحثين المعاصرين إلى تضعيف هذه الروايات جميعًا، وهذه الرواية على اعتبارها مختصرةٌ جدًا، فالحق أنَّ فيها إجمالًا كبيرًا، فما هو الذي استتيب فيه؟ يحتمل أن يكون خلق القرآن كما هو الظاهر ويحتمل غيره، ثم الرواية لم توضح من الذي استتابه، ولا كيفية الاستتابة، ولم تنقل ماذا قال أبو حنيفة بالضبط. ولهذا وقع اختلافٌ فيمن استتاب: هل هو الأمير، أو القاضي، أو تلاميذ الإمام، كما لم ينقل ما الذي قاله الإمام بالضبط.
ويُظهرُ لك الاجمالَ في الرواية ما ذكره الامام أحمد حين قال: (أظنُّ أنه استتيب في هذه الآية {سبحان ربك رب العزة عما يصفون} قال أبو حنيفة: هذا مخلوق، فقالوا له: هذا كفر فاستتابوه). فهي واقعةُ عينٍ مجملةٌ، ووقائع الأعيان تبغى محتملةٍ لعدَّة تفسيراتٍ، لكن لو أخذنا بهذه الرواية إلى أبعد نقطةٍ محتملةٍ ضدَّ أبي حنيفة، وتتفق مع مراد الطاعنين، وهو أنَّ الامام كان يقول صراحة بخلق القرآن ثم تراجع عنه وتاب عنه، فهو معتقدٌ قد تابَ منه الإمامُ، والتوبةُ في عقد الشرع تجبُّ ما قبلها، فهو مطعنٌ قد زال، وذنبٌ قد محته التوبة، والحمد لله رب العالمين.
لكنَّ العجيب أنَّ بعض الطاعنين أصبح يعير بها الإمام فيقول: الجهمي، ويقول بخلق القرآن، ونحو ذلك، وهذا من الفجور الظاهر. ومن العبث أن يقال: إنه قد ثبت كفره بيقين، ووقع الشكُّ في ارتفاع الكفر، أو أنَّ هذا يعني الشكَّ في إسلامه، وهذا من اتباع الهوى، فثبوت الكفر جاء في نفس الرواية التي ثبت بها التوبة، فإذا قبلت هذه الرواية فيجب أن تقر بما فيها من التوبة، أما أن يتمسَّك بجانب الكفر ويشك في الثانية فهو عبث، ويظهر الهوى في تغليب الطعن والذم على المسلمين. ويؤكد براءة الإمام من هذا المطعن: أنَّ الإمام أحمد نفى عنه هذا القول، كما صح عنه أنه قال: (لم يصحَّ عندنا أنَّ أبا حنيفة كان يقول القرآن مخلوق)، وهو من إنصاف الإمام أحمد وعدله، فمع شدته على أهل الرأي عمومًا، نفى عنه هذا القول، وهذه الرواية منسجمة أيضًا مع طريقة الإمام أحمد، ولهذا لا تجد فيما ينسبه الإمام إليهم مثل هذا القول، وإنما يغلب عند الإمام أحمد نقد أبي حنيفة بالرأي وترك السنَّة، ولو صح عنده هذا القول العظيم لما نقده بما هو دون.
ويؤكده أيضًا قول الأوزاعي: احتملنا عن أبي حنيفة كذا وكذا وكذا، حتى جاء بالسيف فلم نقدر أن نحتمله، فلو كان الإمام جهميًا لما قيل فيه مثل هذا. ولهذا لما سئل ابن المبارك، وهو من أعلم الناس بأبي حنيفة: (هل كان فيه من الهوى شيءٌ؟ قال: نعم، الارجاء)، بما يؤكد براءته التامة من مثل هذا القول. ويؤكده أيضًا ما جاء من روايات عديدة عن الإمام أبي حنيفة في إنكار القول بخلق القرآن، وهو ما وافقه عليه تلميذه القاضي أبو يوسف، وحكى عنه التصريح بأنَّ القرآن غير مخلوق، ونفى عن نفسه وعن الإمام القول بخلق القرآن، كما أصبح معتمد الحنفية بعد ذلك، فقد كان فيهم خلقٌ من الجهمية والمعتزلة، فلم يكونوا يعتمدون القولَ بعدم خلق القرآن وتكفيرَ من يقوله إلا وهم جازمون أنَّ هذا قول إمامهم، أو على الأقل لا يقول الامام ما يعتقدون أنه كفر، كما هو الموجود في الكتب المنسوبة إليه ككتاب الفقه الأكبر. وقد قال أبو سليمان الجوزجاني، ومعلَّى بن منصور الرازي: (ما تكلَّم أبو حنيفة، ولا أبو يوسف، ولا زفر، ولا محمد، ولا أحد من أصحابهم في القرآن، وإنما تكلَّم في القرآن بشرٌ المريسي، وابنُ أبي دؤاد، فهؤلاء شانوا أصحاب أبي حنيفة).
وهو ما نقله الطحاوي عن مذهب أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن في عقيدته المشهورة، حيث جاء فيها: (وإنَّ القرآن كلامُ الله، منه بدا بلا كيفية قولًا، وأنزله على رسوله وحيًا، وصدَّقه المؤمنون على ذلك حقًا، وأيقنوا أنَّه كلام الله تعالى بالحقيقة، ليس بمخلوقٍ ككلام البريَّة، فمن سمعه فزعم أنه كلامُ البشر فقد كفر، وقد ذمَّه الله وعابه وأوعده). ومن الدلائل على أنَّ المستقر عند العلماء براءة أبي حنيفة من هذا القول: طريقة الدارمي في كتابه الشهير نقض عثمان بن سعيد، حيث إنَّه أجاب عن احتجاج المعارض بأبي حنيفة، فذكر أنَّ العلماء أنكروا على أبي حنيفة ردَّه لبعض الأحاديث، فكيف سيكون قولهم فيمن أنكر صفات الله، ثم قال: (بل أنتم أولى بالرد من أبي حنيفة؛ لأنَّ أبا حنيفة قد وافقه على بعض فتياه بعض الفقهاء، ولم يتابعكم على مذاهبكم إلا السفهاء وأهل البدع والأهواء، ومن لا يعرف له إلهًا في السماء، فشتَّان ما بينكم وبين أبي حنيفة فيما أفتى؛ لأنه ليس من كفر كمن أخطأ، ولا هما في الإثم والعار سواء)، فلم يقل مثلَ هذا إلا والمستقر عندهم براءة أبي حنيفة من نفي شيءٍ من صفات الله.
ولهذا حكى الدارمي قصَّة نشوء القول بخلق القرآن فذكر أنَّه نشأ من الجعد بن درهم، وجهم، ثم طمس حتى أظهره بشر المريسي ونظرائه، وقال: (وجانبهم أهل الدين والورع وشهدوا عليهم بالكفر حتى هم بهم وبعقوبتهم قاضي القضاة يومئذ أبو يوسف، حتى فر منه المريسي إمامك ولحق بالبصرة)، فجعل البدء من أمثال هؤلاء، وقد وقف ضدَّهم القاضي أبو يوسف، وهو أخصُّ الناس بالإمام أبي حنيفة. ويبقى أنَّ ما وقع هو حدثٌ تاريخي من وقائع الأعيان المحتملة، فقد يحتمل أن يكون من قبيل بعض العبارات التي لزم منها القول بخلق القرآن، وكان في باب الجدل والمناظرة، فنُبِّه الإمامُ على محل الغلط من طلابه فانتبه، واستتيب فيها فتاب من لحظته، وهذا يدل على صدقه وتجرده واتباعه للحق، كما قد يكون هذا في أول أمره رحمه الله حيث كان يشتغل بعلم الكلام، ثم تركه وتتابع النقل عنه في ذم علم الكلام.
وأختمُ هنا بنصٍ منهجي نفيس عن أبي نصرٍ السِّجْزِي رحمه الله في هذه المسألة تحديدًا، يقول رحمه الله: (والواجبُ على كل مسلم حسنُ الظن بإخوانه المسلمين، وبالعلماء منهم خاصَّة، وحملُ أقاويلهم على أحسن الوجوه مهما وُجِدَ لها في الحُسْنِ مَحمَلٌ، وأما من أظهر القولَ بخلق القرآن فما منهم والحمد لله إمامٌ في الأحكام، وإن كان قد حُكي عن بعضهم القول به ثم رجع عنه. وقد روى أهل خراسان عن أبي يوسف أنه قال: ناظرتُ أبا حنيفة ستَّةَ أشهرٍ، حتى وافق رأيي رأيه على أنَّ من قال: القرآن مخلوق فهو كافر. وذكر بعض أهل العلم أنَّ مناظرتهما كانت في تكفير من قال بخلقه، فأما نفي الخلق عن القرآن فقد كانا متفقين فيه).
وهو نصٌّ نفيسٌ، قدَّم بين يديه قاعدةً منهجيَّةً في إحسان الظن بأهل العلم، وحمل أقوالهم على أحسن المحامل، ثم الجزم بأنَّ القول بخلق القرآن لم يقل به عالم معتبرٌ، ثم ذكر أنَّ مذهب أبي حنيفة الجزم بتكفير القول بخلق القرآن. وتلحظ هنا في عبارة السجزي أنَّه يحقر القائلين بخلق القرآن بأنَّهم لا يتبعون فيه أيَّ إمامٍ من أئمة الأحكام، ثم يبرئ أبا حنيفة منه، فهو مدركٌ لخطورة نسبة هذا القول إلى مثل أبي حنيفة لكونه إمامًا متبوعًا مشهورًا، فهذه النسبة فيها تقوية لهذه البدعة المنكرة، وهو ما يغيب في حمأة هذه الخصومة. ومن عجيب شأن الطاعنين المعاصرين أنَّ بعضهم يسوغ للطعن بمثل هذا بدعوى أنَّه من باب التحذير منه، فيريد تحقيق نسبة القول بخلق القرآن للإمام، أو الشك في توبته ثم يحذر المسلمين بعد ذلك من القول بخلق القرآن.
وهذا من ضعف العقل الفاضح، فالإمام يتبعه مئات الملايين من المسلمين، ويقلدونه في دينهم، ويرونه الإمام الأعظم، فلو أثبتَ لهم أنَّه يقول بخلق القرآن، أو صحَّحت لهم أنَّه لا يرى خلق القرآن كفرًا، لأصبح هذا من أعظم ما يشيع القول بخلق القرآن، بل لا أعظم منه أبدًا، فيكون هذا التحذير الجاهل من أعظم أسباب نشر هذا الكفر وإشاعته بين المسلمين. فنسبةُ المعتقدات الفاسدة إلى الأئمة المتبوعين تقويةٌ لها، وترسيخٌ لها في نفوس الناس، ولهذا فكلُّ صاحب بدعةٍ منحرفةٍ يحرص أشدَّ الحرص على نسبة قوله إلى من يمكنه نسبته من العلماء والأئمة المتبوعين، لأنَّه مدركٌ لأثر هذا في تقوية الباطل، وهو معنى عقليٌّ ومصلحيٌّ ظاهرٌ، فتعجب من الغافل الذي يعتقد أنه يحذر من الباطل المخالف لمعتقد السلف الصالح وهو ساعٍ في نشره وتقويته من حيث لا يشعر!
المطعن الخامس: ردُّ بعضِ السنن الصحيحة.
ومن الانتقادات الموجَّهة للإمام ردُّ بعض ما صحَّ من سنَّة النبي صلى الله عليه وسلم بالرأي.
وهذا صحيحٌ جزئيًا في بعض المسائل، وذلك مبنيٌّ على اجتهاد الامام في النظر في النصوص، فيردُّ بعض الأحاديث التي يرى أنها مخالفة للأصول العامة كما رد حديث المصرَّاة، وغيره، أو يردُّه لمخالفته للمرويات التي أخذها من أهل بلده. وهذا النقد في الحقيقة ليس خاصًا بالإمام، فحتى الإمام مالك انتقد عليه مثل هذا المسلك، فقد كان يردُّ ما يخالف عمل أهل المدينة، أو ما يخالف عموم القرآن، وقد اختلف علماء مذهبه في تفسير قوله في ذلك، وقد انتقده الليث بن سعد فقال: (أحصيتُ على مالك بن أنس سبعين مسألة، كلَّها مخالفةٌ لسنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم مما قال فيها برأيه).
وهو ما خصَّه الإمام الشافعي في رده على مالك في كتابه المعروف: اختلاف مالك والشافعي، حيث تتَّبع ما يرى أنَّ مالك قد خالف فيه الحديث وغيره، وبطبيعة الحال أنَّ المالكية لم يسكتوا عن هذا النقد الموجَّه إلى الإمام مالك، فذبُّوا عن مالك هذا النقد، وكثرت الكتب التي تحمل اسم: الرد على الشافعي. وقال حماد بن زيد: (ما كان بالكوفة رجلٌ أوحش ردًا للآثار من إبراهيم؛ وذلك لقلَّة ما سمع من حديث النبي صلى الله عليه وسلم). فالمقصد أنَّ أبا حنيفة لم ينفرد بهذا، وإن زاد على غيره وتجاوزهم فيه بلا شك، فهو مسلكٌ يُنتقَدُ، ويوضَّحُ غلطُه، ويبيَّنُ بالأدلة ما هو أصح منه، سواءً صدر من أبي حنيفة أو غيره، ولا يزال الفقهاء يذكرون هذا وينتقدون الإمام وغيره، ويدفع الطرف الآخر كذلك عن نفسه، ويتضح الحق جليًا بالنظر في هذا التقابل بين الطرفين.
إنما ليس هذا من قبيل الاستخفاف بسنَّة الرسول صلى الله عليه وسلم، أو عدم اعتبارها، أو تقديم الرأي المحض عليها، فليس هذا من شأن أهل الإسلام، فضلًا عن علمائهم وأئمة الفقه منهم. يقول الإمام الشافعي في إثبات أنَّ هذا منهج مستقر بين المسلمين: (وأما أنَّ نخالف حديثًا عن رسول الله ثابتًا عنه فأرجو أن لا يؤخذ ذلك علينا إن شاء الله، وليس ذلك لأحدٍ، ولكن قد يجهل الرجل السنَّة فيكون له قولٌ يخالفها لا أنَّه عَمدَ خلافها، وقد يغفل المرء ويخطئ في التأويل). ويقول ابن عبد البر: (ليس أحدٌ من علماء الأمة يثبت حديثًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يرده دون ادعاء نسخِ ذلك بأثرٍ مثله أو بإجماعٍ أو بعملٍ يجب على أصله الانقياد إليه أو طعنٍ في سنده، ولو فعل ذلك أحدٌ سقطت عدالته فضلًا عن أن يتخذ إمامًا ولزمه اسم الفسق، ولقد عافاهم الله عز وجل من ذلك). ويقول البيهقي مبينًا سببَ ما وقع لأبي حنيفة من ذلك، وأنَّ ذلك لمتابعته مروياتِ أهل بلده، فيقول: (لأنه كان يرى الحجَّةَ تقومُ بخبر المجهول، وبالحديث المنقطع؛ فما وقع إليه من ذلك من حديث بلده قالَ بهِ وتركَ القياسَ لأجله، وما لم يقع إليه من صحيح حديث بلده، أو وقع إليه فلم يثِقَ، قال فيه بالقياس، أو الاستحسان. وقولُهُ بالحديث المنقطع، وروايةِ المجهولِ ما لم يَعْلم جَرحَهُ، وتقليدُهُ الصحابيَّ الواحدَ بخلاف القياس فيما بلغه من حديث بلده يدلُّ على صحَّة أصل اعتقاده في متابعة الأخبار والآثار). وقد كتب شيخ الإسلام ابن تيمية رسالته المشهورة: رفعُ الملام عن الأئمة الأعلام، لدفع هذه التهمة عن الإمام أبي حنيفة وعن غيره من علماء المسلمين، ولإثبات اتفاق أئمة المسلمين جميعًا على تعظيم سنَّة النبي صلى الله عليه وسلم، وتقديمها على كل قول، فيقول في مقدمة كتابه:(وليعلم أنه ليس أحدٌ من الأئمة -المقبولين عند الأمة قبولًا عامًا- يتعمَّد مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيءٍ من سنته؛ دقيقٍ ولا جليلٍ، فإنهم متفقون اتفاقًا يقينيًا على وجوب اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم. وعلى أنَّ كلَّ أحدٍ من الناس يُؤخَذُ من قوله ويترك، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولكن إذا وجد لواحدٍ منهم قولٌ قد جاء حديثٌ صحيحٌ بخلافه، فلا بدَّ له من عذرٍ في تركه. وجميعُ الأعذار ثلاثةُ أصنافٍ:
أحدها: عدمُ اعتقادِهِ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قاله.
والثاني: عدمُ اعتقادهِ إرادةُ تلك المسألة بذلك القول.
والثالث: اعتقادهُ أنَّ ذلك الحكم منسوخٌ.
وهذه الأصناف الثلاثة تتفرَّع إلى أسبابٍ متعددة). ثم ساق هذه الأسباب.
وكما يقول الشيخ أيضًَا: (وكثيرٌ من الناس يقدح في أئمة المسلمين إذا وجد نصًا بخلاف أقوالهم أو آثارًا عن الصحابة ونحو ذلك وإن وافقت القياس، ولا يعلم معاذيرهم، كما تجد كثيرًا يعيبُ الكوفيين أبا حنيفة والثوري وابن أبي ليلى وأمثالهم في مسألة الرأي المتنازع فيه، ويقول: «خالفوا النصوص الصريحة والقياس الجلي»، ولا يعلم ما كان عندهم من الآثار التي اعتقدوا دلالتها على نقيض ذلك، ولم تبلغهم نصوصٌ صريحةٌ، ولم يستجيزوا اتباع القياس الجلي في مخالفة تلك الآثار). ثم قال في بيان المنهج الواجب: (فيجب على العالم أن يبيِّنَ الحقَّ ويعظِّم أئمة الدين ويعلم اجتهادهم وطاعتهم لله فيما اجتهدوا فيه). وقال مبرئًا أبا حنيفة من هذه الاستطالة القبيحة: (ومن ظنَّ بأبي حنيفة أو غيره من أئمة المسلمين أنهم يتعمَّدُون مخالفة الحديث الصحيح لقياسٍ أو غيرهِ فقد أخطأ عليهم، وتكلَّم إما بظنٍّ وإما بهوى، فهذا أبو حنيفة يعملُ بحديث التوضي بالنبيذ في السفر مخالفةً للقياس، وبحديث القهقهة في الصلاة مع مخالفته للقياس؛ لاعتقاده صحتها، وإن كان أئمةُ الحديث لم يصححوها).
ثم ذكر الأعذار التي حكاه في رفع الملام، ثم قال: (والأعذار يكون العالم في بعضها مصيبًا فيكون له أجران، ويكون في بعضها مخطئاً بعد اجتهاده فيثاب على اجتهاده، وخطؤه مغفورٌ له). ويقول عن ترك الحديث: (وإما أن يكون تركًا غير جائزٍ، فهذا لا يكاد يصدر من الأئمة إن شاء الله تعالى). فتلحظ أنَّ ابن تيمية يحسن القول في أبي حنيفة، ويتأوَّل له، ويدفع عنه تهمة الاستخفاف بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، مع أنَّه ينكر على مذهب أبي حنيفة تركَ بعض النصوص، فهو يقول: (فإنَّ الكوفيين أكثر مخالفة للنصوص، لا يوجد في مذهب من المذاهب أكثر مخالفة لها منهم)، وهذا من منهجه الكلي القائم على القيام بالحق، والعدل مع المخالف. وقد كان الإمام أبو حنيفة متجردًا صادقًا في اتباع الحق، فلو ثبت عنده صحة المرويِّ لما تردَّد في قبوله، ويدل على ذلك قصَّةُ أبي يوسف مع الإمام مالك، وهي قصةٌ شهيرةٌ في نزاع الحنفية مع الجمهور في مقدار الصاع، حيث أثبتَ الإمامُ مالكٍ ضبطَ الصَّاع النبوي بالشواهد الحيَّة من أهل المدينة، فلما تبيَّن لأبي يوسف هذا قال: (رجعتُ إلى قولك يا أبا عبد الله، ولو رأى صاحبي ما رأيتُ لرجعَ كما رجعتُ). ويؤكده أنَّ الإمام يخالفُ قياسَهُ ورأيَهُ إذا خالف الحديثَ كما سبق تنبيه ابن تيمية عليه، ويقول ابن القيم في ذلك: (وأصحابُ أبي حنيفة رحمه الله مجمعون على أنَّ مذهب أبي حنيفة أنَّ ضعيف الحديث عنده أولى من القياس والرأي، وعلى ذلك بنى مذهبه). وهو ما نقله ابن حزم أيضًا.
واستمع إلى هذه القصة:
قال يحيى بن معين: حدثنا عبيد بن أبي قرّة. قال: سمعت يحيى بن ضُرَيْس يقول: شهدتُ سُفيان وأتاه رجلٌ، فقال: ما تَنْقِمُ على أبي حنيفة؟ قال: ومالَهُ؟ قال: سمعته يقول: آخذُ بكتاب الله، فما لم أجد، فَبسُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم أجد في كتاب الله ولا سنَّةٍ آخذُ بقول أصحابه، آخُذُ بقول من شِئْتُ منهم، وأدعُ قولَ من شئتُ، ولا أخرُجُ من قولهم إلى قول غيرهم، فإذا ما انتهى الأمر أو جاء الأمر إلى إبراهيم، والشعبي، وابن سيرين، والحسنِ، وعطاء، وسعيد بن المسيب -و عدَّد رجالًا- فقومٌ اجتهدوا، فأجتهد كما اجتهدوا. قال: فسكت سفيان طويلًا. ثم قال كلماتٍ برأيه ما بقي أحدٌ في المجلس إلا كتب: نسمع التشديد من الحديث فنخافه، ونسمع اللين فنرجوه، لا نحاسب الأحياء، ولا نقضي على الأموات، نسلم ما سمعنا، ونَكِلُ مالم نعلم إلى عالمه، ونتَّهِمُ رأينا لرأيهم). وهي قصة صحيحة، وقد ساقها عددٌ من العلماء في معرض الثناء على أبي حنيفة، والشاهد منها هنا: بيانُ منهج أبي حنيفة في تقديم الكتاب والسنَّة، ثم أقوال الصحابة وعدم الخروج عن ذلك ما وجد، ولم ينكر سفيان هذا الأمر.
ومن البغي على الإمام وسوء الظن به وبفقهاء الاسلام أن يستطيل عليهم بعض المعاصرين بأنهم يحطُّون على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يقدمون أقوالهم على قوله، أو لا يقبلون كلامه، والعياذ بالله من مثل هذا الكلام، فهذا ليس من شأن أهل الإيمان، فضلًا عن أئمة المؤمنين، ولم يكن البحث بين المسلمين في أحكام العبادات والمعاملات يسير على اختلافٍ بينهم في قبول كلام الرسول أو عدم قبوله، أو تقدير الرسول أو عدم تقديره، فهذه إساءةٌ للمؤمنين، وإلحاقٍ لهم بالزنادقة والمنافقين، وحاشاهم أن يكون هذا حالهم. وكلام الإمامُ شائعٌ جدًا في أنه لا يقدم شيئًا على خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صحَّ عنه، ولهذا كان يوصي طلابه بالتحفُّظ من آرائه، فقد قال أبو حنيفة لأبي يُوسُف يومًا: (وَيحك يَا يَعْقُوب لَا تكْتب كل مَا تسمع مني، فإني قد أرى الرأي اليوم وأتركه غدًا، وَأرى الرأي غدًا بعد غَد).
وقد يقول بعض المتكلفين المعاصرين: لو عذرنا أبا حنيفة في هذا لعذرنا المعتزلة في قولهم بخلق القرآن ونحوه. وهذا قياسٌ ثقيلٌ باردٌ، فأين قولٌ يُجْمَعُ على كفره، ولا يقوله أحدٌ من علماء الأمة، ولا دليل عليه، ويقوم على نفي أصلٍ اعتقاديٍ، وهو مبنيٌّ على أصلٍ فلسفيٍ، من خلافٍ في نظرٍ فقهيٍ فروعيٍ، جاء فيه حديثٌ مختلفٌ في صحَّته، أو اختلف في فهمه، أو اختلف في وجود ما يعارضه! فأين هذا من ذاك؟ فمن عمى البصيرة أن يستطال في عرض الإمام بمثل هذه القياسات العشوائية.
وقد يقال: ولماذا لم يعذره السلف في هذا؟
فالجواب: أنَّ السلف لم يكونوا على قولٍ واحدٍ في هذا، فمنهم من كان موافقًا لرأي أبي حنيفة في بعض هذه المسائل، ومنهم من لم ينقل عنه نكيرٌ، ومنهم من شدَّد القول فيه. وليس كلُّ من شدَّدَ في كلِّ مسألةٍ يكون قوله صوابًا، كما أنَّ من شدَّد النكير فهو موقفٌ مصلحيٌّ لا يصح أن يبقى حجَّةً في كل زمانٍ ومكانٍ، فلا بدَّ من هذا التفصيل والفهم في النظر إلى هذه الأقوال، ولا يجوز أن يتعامل معها كما يتعامل مع نصوص الكتاب والسنة. كما أنَّ النكير على من ردَّ بعض سنن الرسول صلى الله عليه وسلم ليس خاصًا بأبي حنيفة، فعلى منوال هذه الطريقة سيستمر الشابُّ المعاصر في نقل طعونات الأمة المتقدمين في كل عالمٍ جاء فيه طعنٌ بسبب مخالفة الحديث الصحيح، ويرى أنَّه لا يسوغ الاعتذار عنه، لأنَّ من نقده وعاصره لم يعذره!
وفي هذا فتحٌ لباب الاستطالة بلا بصيرةٍ ولا مصلحة.
ويبقى أنَّ ما تركه الإمام من صحيح السنة قليلٌ في مقابل منهجه العام في العمل بها وتقديمها، كما أنَّ بعض مما انتقد عليه هو من قبيل الاجتهاد والنظر السائغ الذي وافقه غيره من العلماء المتقدمين. وبطبيعة الحال أنَّ تشديد العلماء على أبي حنيفة في رد بعض الحديث ولو كان حديثًا واحدًا هو أمرٌ سائغٌ وصحيحٌ، ويدل على صدقهم وتعظيمهم لمقام الرسول، ولئلا يتهاون الناس في ذلك، كما أنَّ في ذلك قطعَ الطريق على أهل الكلام والإهواء في استغلال مثل هذه الاجتهادات الخاطئة. وليس دفاعنا عن أبي حنيفة من باب تغليط من نصح وشدَّد تعظيمًا للحديث، فقد أحسنوا في نصحهم، وهو معذورٌ في فعله، ويرجى أن يكون مأجورًا عند الله، كما أنَّه ليس كل ما ذكروه عليه من مخالفة السنًّة يجب أن يكون كذلك، فكثيرٌ منه مما يسعه الاجتهاد، والله يغفر لهم جميعًا. إنما الغلطُ في استمرار الطعن عليه في عصرنا، مع ظهور عذره، وبدلًا من أن يقوموا ببيان الحق فيما يرون الإمام قد خالفه، ويظهروا السنَّة في ذلك، ويردوا على أدلة الحنفية اقتصر أمرهم على الطعن المحض على الامام، وهذا لا ينصر الحق في شيء، ولا ثمرة منه، وهو أثرٌ طبيعي لضعف الطاعنين في الامام، فليس لهم عنايةٌ حقيقيةٌ بمفصَّل البحث في هذه القضايا.ومن الأشياء المهمة هنا أنَّ ما أخذ على الإمام أبي حنيفة قد قام علماء الحنفية بعد ذلك بجمعه، والدفاع عنه، ووضع أصولًا فقهية تقوم عليه، ونصروها بالأدلة والحجاج، وعارضوا النقَّاد بمثلها، وقد حصل نقاشٌ وجدلٌ طويلٌ حولها، فتركُ هذا كلِّه، والبقاءُ في اللحظة الأولى التي وقع عليها النقد، والاكتفاءُ بترديد الانتقادات المجملة قصورٌ كبيرٌ لا ينصر به الحق، ولا تتضح به السنَّة.
ولهذا، فالعلماء خلال هذه القرون المتتابعة قد دخلوا مع الحنفية في مفصَّل هذه القضايا، ونقدوا قولهم، وردوا على أصولهم، وحفظوا للإمام حرمته، وتجنبوا التعرض له بأي ذمٍ، فحفظوا الحقَّ، وحفظوا حقَّ المسلم، وسلكوا طريقًا يجمع كلمة المسلمين، بخلاف الطاعنين المعاصرين، فلا بينوا الحق في هذه المسائل غالبًا، ولا ردُّوا على ما يرونه باطلًا، وإنما اقتصروا على الطعن المحض في الشخص، وإثارة النزاع والشقاق. وهذا يكشف عن خلل الطعن وآثاره، وهو نتيجةٌ طبيعيةٌ للضعف العلمي، فأكثرهم ليس معنيًا أصلًا بأصول الحنفية ولا ذبهم عن مسائلهم، وقد لا يعرف عنها شيئًا، وإنما يكتفي بنقل الطعون من الكتب دون معرفةٍ بشيء سوى ذلك.
فالغيرة الحقيقية على سنَّة الرسول صلى الله عليه وسلم إنما تتحقَّقُ بالعلم والعدل، فمن يمتلك القدرة العلمية وعنده إنصافٌ وعدلٌ فليتجه إلى ما كتبه الجصَّاص أو الطحاوي مثلًا دفاعًا عن مذهب أبي حنيفة، وذبًا عن مخالفته للسنَّة الصحيحة، وليرد على ما في كتبهم بالحجة والبيان، فهنا يتحقق ما يريده السلف من صيانة سنَّة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأما الاكتفاء بالطعن في الإمام، وتكرار ذلك فهو طريقةٌ كسولةٌ لا تنفع الحقَّ في شيء، بل تزيد التعصُّب له، والانتصار لما خالف به بعض الأحاديث.
المطعن السادس: الأخذ الرأي.
ومن المطاعن الشهيرة: الأخذُ بالرأي، وما سبق ذكره من رد بعض الحديث هو داخل في الرأي، غير أنَّ إفراده مهم، لأنَّ الرأي له معان أخرى، وسياق أقدم. فمما أَُخِذَ على أبي حنيفة كونُهُ من أهل الرأي، وقد وقعت خصومةٌ قديمةٌ وخلافٌ قويٌّ في التاريخ الإسلامي بين مدرسة أهل الحديث، ومدرسة أهل الرأي، وقد ينسب هذا الاختلاف إلى البلدان فيقال مدرسة الحجاز، ومدرسة الكوفة، وهذا خلافٌ متقدم قبل عصر أبي حنيفة. وقد كان لكل مدرسة طريقةُ اجتهادٍ ونظرٍ تختلف عن المدرسة الاخرى، فيغلبُ على مدرسة أهل الحديث الأخذُ بالآثار المنقولة، ويغلبُ على مدرسة أهل الرأي إعمالُ القياس واعتبارُ القواعد والأصول العامة، مع اتفاق المدرستين كليهما على العمل بالحديث والعمل بالراي.
فحقيقة الاختلاف في الحقيقة ليس أنَّ مدرسة الحجاز لا تعمل بالرأي، ولا أنَّ مدرسة الكوفة لا تأخذ بالحديث، وإنما الخلافُ في درجة الاعتبار، فعند مدرسة الكوفة تغليبٌ للرأي أكثر مما عند أهل الحجاز، كما أنَّ من أسباب الاختلاف الأساسيَّة المرويات البلدانية، فكلُّ بلدٍ يغلِّبُ المرويات التي تشيع في بلده لأنها أوثق عنده وأصح. وهذا الاختلاف بطبيعة الحال بدأ في حقبةٍ متقدمةٍ من التاريخ قبل الإمام أبي حنيفة بكثير، فسيُّد أهل الرأي في الكوفة كان هو الإمام إبراهيم النخعي وطلابه الأكابر، فهما مدرستان علميَّتان فقهيتان تتقصَّدان البحث عن الحق، وتتبعان مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد تطوَّر الحال بعد ذلك فتداخلت المدرستان واستفاد بعضهم من بعض. الذي حدث أنَّ أبا حنيفة بعد ذلك أصبح هو الحامل الأبرز لمدرسة أهل الرأي، وزاد في الأخذ بالرأي والقياس عن سلفه، ودخل في الرأي شيوع الإرجاء ونحوه، فزاد النقد عليه في هذا الباب، لكنَّ أصل النقد بالرأي لم يكن خاصًا به، بل هو شاملٌ لمرحلةٍِ سابقةٍ قبله، وهو أمرٌ لا يعيه كثيرٌ ممن يطعن في الإمام أبي حنيفة، فينقل كلَّ ما جاء من ذم أهل الرأي على جهة الاستدلال والاحتجاج بما يجعله ذمًا لشريحةٍ كبيرةٍ من علماء الأمة.
ولهذا فأكثر ما جاء عن أبي حنيفة هو متابعٌ فيه لمن قبل، ولهذا قال الإمام أحمد: (إنما كان أبو حنيفة تابعةً ما اخترع قولًا، ولا أنشر خلافه لأنَّ أهل الكوفة إبراهيم التيمي والشعبي والحكم وغيرهم)، وقال ابن عبد البر: (وجلُّ ما يوجد له من ذلك ما كان منه اتباعًا لأهل بلده كإبراهيم النخعي وأصحاب ابن مسعود). ولهذا فلا بد من التفصيل في المقصود بالرأي، فيقال: إنَّ الرأي يحتمل عدة معان:
المعنى الأول: إعمال النظر والاجتهاد المعتبر، فيكون الرأي معتبرًا في فهم دلالات النصوص المحتملة، فهذا رأي ليس مذمومًا، ولا يصح الإنكار عليه بدعوى وجود إنكارٍ من المتقدمين على الرأي، فلم يكن النقد متجهًا إلى مثل هذا، وإن وقع خلافٌ في اعتبار ما يكون اجتهادًا منه، ومثله أيضًا التوسع في افتراض المسائل، فليس مذمومًا بإطلاق.
الثاني: التوسُّع في القياس والأخذ بالأصول العامة بما يؤدي إلى رد بعض السنن الصحيحة، وهو يتعلَّق بالأمر الخامس في رد بعض السنن الصحيحة، وقد سبق الكلام فيه، و بيان عذر الإمام رحمه الله.
الثالث: البدع والضلالات المناقضة للأصول القطعية، وهذا معنى أشد في الرأي المذموم، إذ أصبح علامة على المخالفين لأصول أهل السنة والجماعة، وهذا الرأي كَثُرَ من اتباعه من هو منتسبٌ إلى الإمام أبي حنيفة، فكان وصف أهل الرأي بهذا المعنى يطلق عليهم، فهو يخصهم ولا يجوز أن ينسب الامام إليه، فهو متبعٌ للسنة ناصرٌ لها، وغاية ما وقع فيه من هذه البدع هي من البدع الخفيفة التي هي من قبيل الزلات التي لا يتابع عليها العالم، كما وقع فيها أفاضلُ وأئمةٌ كبارٌ قبله، وهم متأولون صادقون متجردون، والله يغفر لهم ويجزيهم على صدق نيتهم.
يقول ابن تيمية: (وكان أعظمُ ما أنكروا على المتوسع في الرأي مخالفةَ الأحاديث والإفتاء بالحيل، ومعلومٌ أنَّ أحدًا من أهل الفتوى لا يخالف حديث رسول الله ﷺ عمدًا، وإنما يخالفه لأنه لم يبلغه، أو لنسيانه إياه وذهوله عنه، أو لأنه لم يبلغه من وجهٍ يثق به، أو لعدم تفطُّنه لوجه الدلالة منه، أو لقلة اعتنائه بمعرفته، أو لنوع تأويلٍ يتأوَّله عليه، أو ظنه أنه منسوخ ونحو ذلك، وما من الفقهاء أحدٌ إلا وقد خفيت عليه بعض السنة، وإنما المُنكَرُ الذي لم يكن يُعرف في الماضين الإفتاءُ بالحيل).
ويقول رحمه الله: (إنما القياس والرأي الذي يهدم الإسلام ويحلل الحرام ويحرم الحلال هو ما عارض الكتاب والسنَّة أو ما كان عليه سلف الأمة، أو معاني ذلك المعتبرة، ثم مخالفته لهذه الأصول على قسمين:
أحدهما: أن يخالف أصلًا مخالفةً ظاهرةً بدون أصلٍ آخر، فهذا لا يقع من مُفتٍ مشهورٍ إلا إذا كان الأصل مما لم يبلغه علمه كما هو الواقع من كثير من الأئمة، لم يبلغهم بعضُ السننِ فخالفوها خطأ، وأما الأصول المشهورة فلا يخالفها مسلم خلافًا ظاهرًا من غير معارضةٍ بأصل آخر، فضلًا عن أن يخالفها بعض المشهورين بالفتيا.
الثاني: أن يخالف الأصل بنوع تأويلٍ، وهو فيه مخطئ، بأن يضع الاسم على غير موضعه أو على بعض موضعه، أو يرعى فيه مجرد اللفظ دون اعتبار المقصود والمعنى أو غير ذلك، والحيل تندرج في هذا النوع على ما لا يخفى).
الرابع: الأخذ بالحيل.
فقد يراد بالرأي التوسُّع في الحيل، وقد كثر هذا في مذهب الحنفية، وكثر الطعن فيهم بسببه، وقد جاء عن بعض الائمة التشديد في كتاب الحيل المنسوب إلى أبي حنيفة، وهو كتابٌ منحولٌ لم يكتبه الامام، ولم يكن للإمام كتابٌ مستقلٌ، ولا ينسب أيضًا هذا الكتاب إلى محمد بن الحسن ولا أبي يوسف، وقد أنكر هذه النسبة عدد من علماء الحنفية.
يقول ابن تيمية: (ولا يجوز أن يُنسَبَ الأمرُ بهذه الحيل التي هي محرمةٌ بالاتفاق، أو هي كفرٌ إلى أحدٍ من الأئمة، ومن ينسب ذلك إلى أحدٍ منهم فهو مخطئٌ في ذلك جاهلٌ بأصول الفقهاء، وإن كانت الحيلة قد تنفذ على أصل بعضهم بحيث لا يبطلها على صاحبها فإنَّ الأمر بالحيلة شيءٌ وعدم إبطالها بمن يفعلها شيءٌ آخر، ولا يلزم من كون الفقيه لا يبطلها أن يبيحها، فإن كثيرًا من العقود يحرمها الفقيه، ثم لا يبطلها). ويقول ابن القيم: (وهذه الحيل دائرةٌ بين الكفر والفسوق، ولا يجوز أن تنسب هذه الحيل إلى أحدٍ من الأئمة، ومن نسبها إلى أحدٍ منهم فهو جاهلٌ بأصولهم ومقاديرهم ومنزلتهم من الإسلام).
فالشنائع التي شدَّد الأئمة في إنكارها إنما كتبها من جاء بعد الإمام ونسبت إليه أو إلى أحد كبار أصحابه، وأما أصل الحيل الذي يتوسع فيه الحنفية، وكذا الشافعية فهو نظرٌ فقهيٌّ، ينظر إليه وينتقد كما ينظر في بقية المسائل. وقد عرض الشاطبي لمبحث الحيل في كتابه الموافقات عرضًا دقيقًا منصفًا، فبين أنَّ من الحيل ما هو محرمٌ بالاتفاق، ومنها ما هو مباحٌ بالاتفاق، وأنَّ خلاف أهل العلم إنما هو في الوسط الذي يشتبه هل يلحق بالتحريم أم بالجواز، ثم بيَّن وجهة نظر المانعين وأنَّ من أجازها لم يجزها ويرى أنَّها تخالف مقصد الشارع، وقال: (لأنَّ مصادمة الشارع صراحة علمًا أو ظنًا لا تصدر من عوام المسلمين، فضلًا عن أئمة الهدى وعلماء الدين نفعنا الله بهم).
ومع أنَّه يشدد في أمر الحيل ويميل إلى التحريم، إلا أنه عرض أكثر من مسألة، وكان يسوق أدلة المجيزين لا المحرمين، وأما أدلة المحرمين فأحال إلى المظان المعروفة، ثم بين هذا ثمَّ بيَّن السبب في هذه الطريقة التي سلكها، والتي تكشف عن إنصافه فقال: (وإنما قصد هنا هذا التقرير للغريب لقلَّة الاطلاع عليه من كتب أهله، إذ كتب الحنفية كالمعدومة الوجود في بلاد المغرب، وكذلك كتب الشافعية وغيرهم من أهل المذاهب، ومع أنَّ اعتياد الاستدلال لمذهبٍ واحدٍ ربَّما يكسب الطالب نفورًا وإنكارًا لمذهبٍ غير مذهبه، من غير اطلاعٍ على مأخذه، فيورث ذلك حزازةً في الاعتقاد في الأئمة، الذين أجمع الناس على فضلهم وتقدمهم في الدين، واضطلاعهم بمقاصد الشارع وفهم أغراضه، وقد وجد هذا كثيرًا).
خلاصة القول في المطاعن:
هذه إذن خلاصة المطاعن التي كانت سببًا للمرويات الكثيرة في ذم الإمام، وتلحظ أنَّ منها إن صحَّ عنه فهو أمرٌ قد تاب منه الإمام فلا يجوز أن يعيَّر بذنبٍ قد تاب منه. ومنها ما هو زلَّةٌ وغلطٌ، تأوَّل فيها الإمام كما تأوَّل من قبله، وفتحُ باب الطعن فيه هو فتحٌ للطعن في أمَّةٍ كبيرةٍ من فقهاء التابعين ومن بعدهم. ومنه ما هو اجتهادٌ في النظر في الدليل، وقد يتَّسِعُ لرد بعض الأحاديث الصحيحة لتوهُّم معارضتها لما هو أقوى، وهو يوجب ضرورة النظر الفقهي فيها، ودفع هذه المعارضات، وهو محل النظر الفقهي. يبقى بعد ذلك مطاعن أخرى لا يصح نسبتها إلى الإمام، وهذه المطاعن لا يجوز نسبتها إليه: إما لأنها رويت بطرقٍ غير صحيحة، وهي كثيرة، فلا تصح نسبتها إلى من قالها. أو ثبتت لمن قالها لكنه أخطأ في نسبة هذا الطعن إلى الإمام، كما يغلط العالم في نسبة القول، وهو شيء معتاد.
كما أنَّ منها ما فيه تجاوزٌ، لا يجوز أن يقال في حق الامام.
ومن إنصاف علماء السنَّة والحديث أنهم ينكرون هذا إذا بلغهم، فقد نُقِلَ إلى الامام يحيى بن معين رحمه الله بعضُ ما قيل في أبي حنيفة فقال: أساءَ أساءَ. كما قال يحيى بن معين أيضًا: (أصحابنا يُفرِطُون في أبي حنيفة وأصحابه). وقال الشافعي في كتابه الرد على محمد بن الحسن: (وقلتُ له: قد شهد عليك أصحابنا الحجازيون وعلى من ذهب مذهبك في رد هذين الحديثين، وفيما رددتَ مما أخذوا به من الحديث أنكم تركتم السنن وابتدعتم خلافها، ولعلهم قالوا فيكم ما أحبُّ الكفَّ عن ذكره لإفراطه). وكون هذه الآثار تُنقل في كتب العلماء لا يعني إقرارهم بكل ما فيها، وإنما هي على عادة العلماء في نقل المرويات دون نقد كل شيء لأنَّها مرويات يقرأها أهل العلم ولا يخفى عليهم مثل ذلك، وإنما حدثت الفتنة لما وقعت هذه الكتابة بأيدي من لا يحسن التعامل معها من الطرفين جميعًا: المتعصب والمبغض.
كما أنَّ كتب الآثار والروايات كثيرًا ما يورد أصحابها مروياتٍ وغرضهم منها أمرٌ كليٌّ يتعلَّق بالتبويب الذي عقدوه، ولا يعني هذا موافقتهم على جميع ما تضمنته تلك المرويات؛ فإذا نقل أحدٌ مثلًا روايةً فيها تشنيعٌ في حق عالمٍ نسب له قولٌ من الأقوال المحدثة، فكثيرًا ما يكون غرض المؤلف إظهار ذم وشناعة هذا القول عند الأئمة، ولا يلزم من هذا الموافقة على جميع ما تضمنته تلك الرواية. يقول ابن عبد البر في سياقٍ تاريخي منصفٍ للجميع: (وأفرط أصحابُ الحديث في ذم أبي حنيفة رحمه الله وتجاوزوا الحدَّ في ذلك، والسبب الموجب لذلك عندهم إدخاله الرأي والقياس على الآثار واعتبارهما، وأكثر أهل العلم يقولون: إذا صحَّ الأثر من جهة الإسناد بطل القياس والنظر، وكان ردُّه لما ردَّ من الأحاديث بتأويلٍ محتملٍ، وكثيرٌ منه قد تقدَّمه إليه غيرُه، وتابعه عليه مثلُه ممن قال بالرأي، وجلُّ ما يوجد له من ذلك ما كان منه اتباعًا لأهل بلده كإبراهيم النخعي وأصحاب ابن مسعود، إلا أنه أغرق وأفرط في تنزيل النوازل هو وأصحابه والجواب فيها برأيهم واستحسانهم، فيأتي منهم من ذلك خلافٌُ كثيرٌ للسلف وشِنَعٌ هي عند مخالفيهم بِدَعٌ، وما أعلم أحدًا من أهل العلم إلا وله تأويلٌ في آية أو مذهبٌ في سنَّة ردَّ من أجل ذلك المذهب سنَّةً أخرى بتأويلٍ سائغٍ أو ادعاءِ نسخٍ، إلا أن لأبي حنيفة من ذلك كثيرًا وهو يوجد لغيره قليلًا).
يقول ابن تيمية: (كما أنَّ أبا حنيفة وإن كان الناس خالفوه في أشياء وأنكروها عليه فلا يستريب أحدٌ في فقهه وفهمه وعلمه، وقد نقلوا عنه أشياء يقصدون بها الشناعة عليه، وهي كذبٌ عليه قطعًا). فهذا البيان هو من باب الإنصاف والعدل عند علماء أهل السنة، وليس المقصد هنا أن نطعن في القائل، فهذا مسلك الطاعنين القبيح الذي خصصنا هذه المادَّة لبيان فساده، فمثل هذه المرويات موجودة في الكتب ويقرأها العلماء ويمرونها كما جاءت، فلا حاجة حتى لذكر أنها خطأ، فهي عبارات يقولها العالم غضبًا وحمية لله ورسوله، والله يثيبه على قصده، وهي مغتفرةٌ في بحار حسناته، ولا يتقصدها بالإنكار إلا أحمقٌ، غير أنَّ طريقة الطاعنين المعاصرين في تمسُّكهم بكل ما يروى ضد الامام أبي حنيفة، وجعله حجة يدفع ضرورة إلى التصريح بأن بعض ما نقل ليس مقبولًا، وقد كان الواجب السكوت عن ذلك أصلًا.
وبعد هذه المطاعن نجد أننا أمام مسلكين في كيفية التعامل معها:
المسلكُ الأول: مسلك عامة فقهاء المسلمين على اختلاف مذاهبهم وأمصارهم المستقر من قرون، وهو احترامُ علم هذا الإمام، وتقدير مذهبه، والاتجاه إلى مفصَّل ما ينقل عنه في فروع الدين وأصوله بالنقاش والرد والحجاج المفصَّل الذي يظهر الحق ويبين الغلط، مع الحفظ لمقام علماء السنة الذين ردُّوا على أبي حنيفة، وإحسان القول فيهم جميعًا، فيتحقق بهذا المسلك اجتماع كلمة المسلمين على الحق دون أدنى مفسدة. وكما يقول ابن تيمية: (وقد طعن كثيرٌ من الناس في كثيرٍ من الأئمة، ولم يوجب ذلك منع الاعتداد بقوله).
المسلك الثاني: مسلكُ الخائضين في عرض أبي حنيفة من ذوي الفتنة المعاصرة ممن يرى أنه لا مناص، إما أن تتولَّى هؤلاء العلماء، أو تتولَّى أبا حنيفة، وأنَّ الثناء على أبي حنيفة وإحسان القول فيه هو طعنٌ في أولئك الأعلام، وتنكَّبٌ عن طريق السلف، فلا تتَّسع عقولهم لأن تتولَّى الجميع، بل إما أن تُعلنَ الطعنَ والنكيرَ على أبي حنيفة، أو أنتَ طاعنٌ ضرورةً في بقية الأعلام الكبار. وهذا حقيقةٌ من ضيقِ النفس، وقصورِ العلم، وضعفِ العقل، وقد قابلهم في هذا المسلك الضيق فريقٌ آخر استطال على أئمة الإسلام، وأخذ يقلل من عقولهم ويستخف بأفهامهم دفعًا عن عرض أبي حنيفة، فتقابل الطرفان الضيقان تقابلًا مذمومًا، يثير الاختلاف، ويحيي الفتنة، ويخالف ما استقر عليه عقلاء هذه الأمة من قرون.
وقد وجه لهذا الاتفاق المستقر المستمر على الثناء على ابي حنيفة، والكف عن الطعن فيه ستَّة اعتراضات، سأوردها مع الإجابة عليها:
الاعترض الأول: يلزم من إعذار أبي حنيفة، وإحسان القول به، والاكتفاء بالثناء عليه الطعنُ في الإمام الناقد نفسه، ويترتَّب عليها تفسيق أئمة الاسلام.
وهذا حقيقة من ضيق النفس، فهو ضيقٌ شديد، فلا يلزم من الطعن في شخصٍ الطعنُ فيمن عدَّله، ولا الثناءُ على شخصٍ الطعنُ فيمن جَرحه. نعم، لو قيل إنَّ هذا الطعن كان كلُّه أو جمهوره بسبب الحسد، أو الجهل، أو كان بغيًا=فهذا طعنٌ في الناقد، لكن هذه ليست الطريقة المستقرة عند علماء المسلمين طيلة هذه القرون، بل طووا هذه المطاعن، وحفظوا للجميع قدرهم، وبقي الحق بين الناس مشرعًا بأدلته. ثم إنَّ هذا المسلك ينقلب على صاحبه، إذ يلزم منه القدحُ فيمن أحسن القول في أبي حنيفة سواءً من معاصريه من السلف، أو ممن جاء بعده ممن صار يُجِلُّهُ ويعظم مقامه، ويعدُّه من أعيان أهل العلم، ويطوي ما قيل فيه من أقوالٍ شديدةٍ. فلازم هذا المسلك نسبةُ أولئك الكبار إلى القدح في السلف، وإلى غش أهل الإسلام، والكذب عليهم.
الاعتراض الثاني: أنَّ الاجماعات لا تتعارض، فلا يصح أن يُعَارض إجماعُ المتقدمين بإجماع المتأخرين، وإن وقع هذا التعارض فإجماع المتقدمين هو المقدَّم.
وهذا غلطٌ ظاهر، وبيانه من عدة وجوه:
الوجه الأول: أنَّ طريقة المتأخرين ليست معارضةً في الحقيقة لطريقة المتقدمين من كل وجه، وأقصد المحل المتفق عليه وهو الاكتفاء بالقول الحسن والسكوت عن ما عداه، فالثناء على الرجل، وبيان فضله، وتحقق إمامته في الدين لا ينفي وجود زلاتٍ صدرت منه انتقدها المنتقدون بسببها، وتشديد المتقدمين عليه في بعض الكلام لا يوجب بقاء التشديد في كل زمان، فدعوى التعارض مبينةٌ على قصورٍ في السبب الموجب لهذا التوافق الطويل.
الوجه الثاني: أنه لم يقع في الحقيقة أيُّ إجماع في ذم أبي حنيفة، ولا يتمسَّك بدعوى الاجماع من يعرف الإجماع على حقيقته، فالاجماع هو اتفاق جميع علماء هذه الأمة في أحد القرون على حكمٍ فقهي، فكيف يحصل الإجماع على ذم أبي حنيفة من أهل عصره، والإجماع لا يحصل بدونه؟ فأبو حنيفة لم يكن رجلًا مغمورًا لا يكاد يعرفه أحد، بل كان إمامًا كبيرًا في زمانه، ومفتيًا للناس، ومن أشهر فقهاء عصره، تعقد له الحلقات، وعنده أتباع كثر، وطلابه منتشرون في كل مكان، والقضاة من طلابه، بل إنَّ سبب التشديد على الإمام هو كثرة اتباعه، فكيف يكون الاجماع بدون هؤلاء جميعًا!
وحضور مدرسة أهل الرأي وأتباع أبي حنيفة في ذلك الزمن هو من المعلوم بداهة، ولهذا لما جاء ابن أبي حاتم رحمه الله، وهو من مدرسة أهل الحديث المناوئة لطريقة أهل الرأي، فذكر إجماع الأمة على الثناء على المحدثين أورد إشكالًا بمدرسة أهل الرأي ثم أجاب عنه، فقال: (فإن قيل: ذَكَرْتَ اتَّفاق أهلِ العِلم على الشَّهادة لهم بذلك، وقد عَلِمْتَ بما كان بين عُلماء أهل الكوفة وأهل الحجاز من التَّباين والاختلاف في المذهب؛ فهل وافق أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن جماعةً ممن ذكرتَ مِن أهل العلم في التزكية لهؤلاء الجهابذة النقاد، أو وَجَدْنا ذلك عندهم. قيل: نعم، قال سفيان الثوري: ما سألتُ أبا حنيفة عن شيء، ولقد كان يلقاني ويسألني عن أشياء. فهذا بَيَّن واضح؛ إذ كان صورةُ الثَّوري عند هذه الصورة أن يفزع إليه في السؤال عما يُشكل عليه أنه قد رضيه إمامًا لنفسه ولغيره). فتلحظ أنَّ هذا من المعاني المستقرة التي لم ينكرها ابن أبي حاتم، وإنما جعلها غير مؤثرة على ما حكاه من الإجماع. فهو تصورٌ شديدُ الغلط، سببه التمسُّك الظاهري بحرفية عباراتٍ ذكرها بعض العلماء صُدِّرت بكلمة الاتفاق أو الإجماع فاحتجوا بها دون تبصر لمخالفتها للواقع المشهود.
الوجه الثالث: أنَّ هذا النقد لم يكن باتفاق أهل الحديث في ذلك العصر، بل كان من أهل الحديث عددٌ معروفٌ ممن يحسن القول في أبي حنيفة، كما أنَّ من المحدثين ومن الرواة المعروفين من كان متابعًا لأهل الرأي أو من طلاب أبي حنيفة، ولهذا كان تعبير ابن تيمية دقيقًا لما ذكر أنَّ النقد جاء من أكثر أهل الحديث، وليس كلهم، فقال: (وأكثر أهل الحديث طعنوا في أبي حنيفة رضي الله عنه وأصحابه طعنًا مشهورًا امتلأت به الكتب). الوجه الرابع: أننا في الحقيقة لا نحتج بطريقة المتأخرين على أنها من قبيل الإجماع الذي لا مخالف فيه مطلقًا فقط، فهو وجهٌ صحيحٌ، إلا أنَّ الحجة فيه من وجه آخر وهو أنًّ هذا التوافق الطويل المتتابع قائمٌ على نظرٍ شرعيٍّ ومصلحيٍّ بيِّنٍ، فما توافقوا عليه إلا ببرهانٍ ظاهرٍ. فطريقةُ المتأخرين لا يلزم منها الطعنُ في المتقدمين، ولهذا تجد أنَّ علماء أهل السنة الذين هم أشدُّ الناس تعظيمًا لفقه السلف ونصرة له موافقون لهذه الطريقة، مقرون لها، مكتفون بالثناء على الامام، والكف عن الخوض فيما قيل في حقه.
بخلاف هذه الطريقة العصرية المنابذة لما عليه المتأخرون، إذ يلزم منها تضليل هذه الأمة على تتابع هذه القرون المتوالية، وأنَّهم ضلُّوا عن الحق، وأجمعوا على خلافه، وأنَّ الحق السلفي القطعي قد أصبح مهجورًا لا يعرف له نصير، فاختفت عن هذه الأمة الطائفةُ المنصورةُ التي تقوم بالحق، ولم يحمل هذا العلم من كل خلفٍ عدولُهُ، وتتابع هذا التجهيلُ حتى عصرنا الحاضر، بل حتى في عصرنا لم يعد له نصيرٌ إلا بقايا لا يعرفهم إلا القلة القليلة من الناس. وليست المسألة متعلقة بمسألةٍ فقهيةٍ تخفى دلائلها فيمكن أن يُظهِرَ أحدُ المتاخرين دليلًا يخفى على من قبله، بل هي متعلقةٌ في نظرهم بأصلٍ سلفي مجمعٍ عليه، فهو إجماعٌ مشهورٌ شائعٌ من السلف قد انخرم ونقض عند المتأخرين حتى ما عاد يقول به أحدٌ، ولم ينقض الإجماع فقط، بل نُقِضَ وتُبُنِّيَ ما يضادُّه، فالإجماع يقول بضلال أبي حنيفة، فجاء إجماع يقول بعدالته وإمامته، وجهل علماء السنة هذه الحقيقة وخالفوها قرونًا ممتدَّة، حتى ظفر بها بعض المعاصرين.
ولهذا فليس من المستغرب أن نجد بعض الطاعنين يستطيل على كبار أئمة الإسلام المحققين لمذهب السلف كابن تيمية رحمه الله وغيره، فهي نتيجة طبيعية لهذه النزعة المتطرفة، فهو يجزم بوجود إجماعٍ سلفيٍ ظاهرٍ، ثم يجد مثل ابن تيمية وكافة العلماء معه لا يكتفون بترك هذا الإجماع، بل يعارضونه بإجماعٍ يناقضه بالكلية. والحق أنَّ هذا مسلكُ من قَصُرَ علمُهُم وضعفت عقولُهم عن ما احتملته عقولُ علماء الأمة من قرون، واستمر حتى عصرنا هذا، فاتفقت كلمتهم على ما فيه خيرٌ ومصلحةٌ ونفعٌ للناس جميعًا، وتآلفت قلوبهم، وتقاربت نفوسهم، وأصبح خلافهم رحمةً وسعةً، حتى جاءت هذه الفتنة المعاصرة فضاقت ذرعًا بهذا الاتفاق والتقارب والتراحم، وحسبوا أنَّ منهج السلف المجمع عليه هو إثارة الخصومات، وإشغال النفوس، وتحريك الأهواء بالطعن والنقد والذم للأموات!
الاعتراض الثالث: أنَّ الاقوال لا تموت بموت أصحابها.
فالجواب: أنَّ هذا غير صحيح، بل قد تموت الأقوال بموت صاحبها، بل وفي حياة صاحبها أيضًا، فكم من الأحكام والفتاوى ما هجره الناس ولم يعد إلا حكاية في الكتب ولا يعمل به أحد. ثمَّ هذا في الأحكام والفتاوى، وأما الأقوال في الأشخاص فمن ذا العاقل الذي يقول: إنَّ أي طعنٍ في أي زمنٍ مضى فيجب أن يبقى هذا الطعن في كل زمان لأنَّ هذا الطعن لا يموت بموت صاحبه؟ هذه دعوى منكرة في ذاتها، فكيف تحوَّلت حتى أصبحت دليلًا يستند إليه.
الاعتراض الرابع: لماذا لا يتأوَّل للطاعنين المعاصرين، كما تأولتم لأبي حنيفة.
والجواب أنَّ هذا الاعتراض في حقيقته كاشف عن الخلل عند أصحاب هذه الفتنة المعاصرة، فهم يتبنَّون طريقةً معكوسةً، لا يميزون السبب الذي من أجله يشدَّدُ على المخالف أو يخفَّفُ الكلام في حقه، فمن زلَّ وأخطأ من أعيان أهل العلم، ثم أفضى إلى خالقه، لم يعد للتشديد في الكلام عنه معنى، بل صار المقام مقامُ اعتذارٍ واستغفارٍ له، بخلاف الحي المقيم على زلله وخطئه، والمجتهد في نشره وإشاعته. فالواجب الآن النظر إلى الطعن القائم، وبيان نكارته، وإيقاف الفساد المترتب عليها، وأما عذر أصحابه فهذا أمرٌ آخر، فإذا توفي الإنسان ولقي ربَّه وجاء طعنه في الإمام أبي حنيفة كحدثٍ تاريخي فسنتأول له كما نتأول لغيره، أما أن يطالب الشخص في حياته من ينكر عليه غلطه بأن يتأولوا له فشيءٌ عجيب، إذ الواجب أن ينقذ نفسه ويحتاط لدينه قبل أن يبحث عن شمول التأول له أو لا، كما أن التأول لا يعني الجزم بالنجاة عند الله.
فالواجب أن تضيَّقَ مسالك التأوُّل عند الأحياء حتى تضيق المخالفة ويقل الفساد، لا أن يطالب العاقل بفتحها في حياته، فالإعذار بهذه الطريقة أصبح سببًا يقوي التمسك بالباطل، وهذا ينافي حقيقة التأوُّل. كما أنَّ التأول متجه لإمامٍ تتابعت الأمة على اتباعه، وبيان فضله، وذكر محاسنه، فما الذي عند هذا الطاعن المعاصر حتى يوجب علينا الجزم بأنَّه متأوِّلٌ معذورٌ؟!
الاعتراض الخامس: لو سُلِّم بكل ما قيل من دفاعٍ عن الإمام أبي حنيفة، فهذا يجعله من عامة المسلمين، لا أن يكون إمامًا، أو أن يعظَّم من شأنه.
والجواب: أنَّ اعتبار إمامته هو أمرٌ قد ثبت واستقرَّ، فليس هو شأنًا نتشاور في إمضائه أو التعديل عليه، فأكثر المذاهب الفقهية حضورًا هم أتباعٌ له، وبقيةُ المذاهب الأخرى هم مقرُّون لهم على هذا الاتباع، والبحث بينهم جارٍ في مفصَّل الأقوال، فهذه الإمامة شرفٌ عظيم سِيقَ لهذا الإمام، وهو دليلُ فضله ورفعةُ درجته، وذلك أن يكون أهل الإسلام في بلادٍ كثيرةٍ، وفي قرونٍ طويلةٍ يتتابعون على النظر في رأيه الفقهي، ويتعبَّدُون الله بتقليده، ويحكُمُون برأيه في دمائهم وأموالهم وأعراضهم لأنهم يرونه من أهل الذكر الذين أمر الله باتباعهم.
فهذا شرفٌ عظيمٌ، وحسناتٌ عظيمةٌ تجري في فضل هذه الإمام.
وكما أنَّ الصحابة رضي الله عنهم لهم فضلٌ لا يجاريهم أحد لما فتحوا الأمصار فأدخلوا الناس في دين الله، وعلماء الحديث لهم فضلٌ عظيمٌ في حفظ سنَّة الرسول صلى الله عليه وسلم ونقلهم لقوله وفعله، وهي حسناتٌ ممتدَّةٌ لا تتوقَّف، فكذلك الفقيهُ الذي يعلِّمُ الناس دينهم، ويرفعُ الجهل عنهم، ويكون سببًا لأن يُقضَى بينهم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم هو شريك في هذا الأجر العظيم. وهذه المنزلة العظيمة لم تحصل للإمام إلا بصفاتٍ وفضائلَ كان عليها، كانت سببًا لفضل الله عليه، ومن قرأ في سيرته وجد فيها فضائل كثيرة، كالصدق في طلب الحق، والتجرُّد للشرع، والاجتهاد في طلب العلم والتفرغ له والسعي في نشره، ثم الزهد في الدنيا، والورع، وتجنُّب المصالح والولايات العظيمة مع تيسرها صيانة لنفسه ودينه، مع التعبد، والكرم، وعفة اللسان، وكمال العقل، والخشية من الله، وغيرها من الصفات، مع ما وهبه الله من حسن فهمٍ وكمال عقل. وإن كانت كلمة الإمامة تثير الحساسية عند بعضهم فليتجنَّب ذكرها، وليعبر بأي لفظٍ فيه تقديرٌ للإمام، والحقائق بطبيعة الحال لن تتغير بتغير الأسماء.
وقد يعترض على هذا الكلام: بأنَّ من أهل البدع والضلالة من أصبح إمامًا يتبعه كثير من الناس من قرون، فيجعل هذا مسقطًا لقولنا بفضل أبي حنيفة لما جرى من إمامته.
والفرق بينهما ظاهر جدًا، وبيانه من وجوه:
الأول: أنَّ إمامة أبي حنيفة في جانبٍ معتبر، وإمامة أهل البدع في جانبٍ غير معتبرٍ، فإمامته تزيده فضلًا وحسنات، وإمامتهم تزيدهم إثمًا وضلالة، فهو كمثل أن تثني على من يصلي إمامًا في الحرم فتغبطه على أنَّ له أجر كل من يصلي معه من هذه الجموع الغفيرة فيعترض على ذلك بأنَّه يلزم منه الثناء على من يصلي عند ضريح متقربًا لصاحب الضريح! فأين هذا من هذا؟!
الثاني: أنَّ إمامة أبي حنيفة متعلقةٌ بأمر يتفق الجميع على اعتباره وهو مسائل الفقه والفروع، بخلاف هذه الإمامة في البدع.
الثالث: أنَّ إمامة الفقه يترتَّب عليه آثارٌ عامَّةٌ في الأحكام العملية من العبادات والجهاد والمعاملات والأنكحة وغيرها مما يؤثر في عامة الناس، بخلاف هذه البدع فهي لا تمس الشأن العملي العام، وإنما هي معتقدات وأقوال عقدية تخص من تأثر بها.
الرابع: أنَّ إمامة أبي حنيفة جاءت من عموم الأمة، لم تقتصر على معتقدٍ معين أو مذهب فقهي محدد، بخلاف الإمامة البدعية فهي محصورة عند من يتفق مع بدعيتهم، وأما من يسميه إمامًا مع إنكاره لهذه البدع فهو لم يتفق في الحقيقة على إمامته من كل وجهٍ.
الاعتراض السادس: أنَّ طريقة السلف إن كانت قائمة على المصلحة، ومعتبرة لأجل ذلك، فمن يسلك طريقهم لأجل هذه المصلحة فينبغي أن لا يعنف عليه.
وهذا من جنس القياسات الصورية الهزيلة التي مرَّ ذكر بعضها، يتبين فساده بذكر ثلاث أوجه مختصرة:
الأول: أنَّ تحذير السلف كان واقعًا في محله لأنه صادر ممن أجمعت الامة على الاستماع لهم، وأما أن يقاس حال بعض المعاصرين، والمجاهيل منهم بأنَّ تحذيرهم هو من جنس تحذير الثوري والأوزاعي وأحمد فمن أفسد ما عرفت البشرية من الأقيسة.
الثاني: أنَّ تحذيرهم كان في عصرٍ لم يستقر فيه مذهب الإمام أبي حنيفة، ولم يتتابع الناس على اعتبار مذهبه، وتأصيل أصوله، والالتزام به، وأما بعد الاستقرار وتوافق الجم الغفير من هذه الأمة، واعتمادهم المذاهب الأربعة، فالتحذير لن يحقق مصلحته، بل لن يكون إلا اشعالًا للنزاع والفرقة والتعصب، وقد جرَّب الناس في تاريخ المسلمين صورًا من ذلك حتى أيقنوا بهذه النتيجة.
الثالث: أنَّ التحذير في ذلك الوقت كان له وجه مصلحة، فيقع به ما يراد من ترك الأقوال التي يرونها مخالفة للسنة، وأما بعد ذلك فالتحذير لن يحقق هذا الأمر، لأنَّه بدلًا من توضيح الحق في المسألة، ينتقل الاختلاف إلى الشخص فيحفز التعصب للمسألة، والذب عنها، فلا مصلحة متحققة، بل مفسدة ظاهرة، وهو شأنٌ بيِّنٌ ظاهرٌ لا يخفى على عاقل، ولهذا توافق الناس عليها عدا هذه الفئة الطاعنة من المعاصرين.
فحقيقة الأمر أنَّ المصلحة منتفيةٌ يقينًا وقطعًا، وهو شيءٌ مدركٌ بدون حاجة لذكر هذه الأوجه، كما يسهل مضاعفتها بذكر فروق كثيرة أخرى.
إشكالية التعامل مع المرويات في الإمام أبي حنيفة:
نسجل هنا ست إشكاليات مهمة تقف في وجه تلقي الطاعنين لهذه المرويات، وتكشف عن حجم الخلل الكبير في هذه الفتنة المعاصرة التي أشغلوا بها الناس:
الإشكال الأول: ضخامة المرويات التي رويت في الإمام رحمه الله مدحًا وذمًا، لك أن تستحضر مثلًا أنَّ أوسع المصادر في ذلك هو ما ذكره الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد، فقد ترجَّم لأبي حنيفة كما يُترجِمُ لغيره، ثم ساق كافَّة ما يُروى، مما له وما عليه مما صح أو لم يصح، وهي مادة ضخمة جدًا تصل إلى 150 صفحة.
يعني مرويات بالمئات، وهي من الأسانيد المتاخرة، وفي كثيرٍ منها رواةٌ يخفى حالهم، ولا تكاد تجد في كثيرٍ من الرواة إلا النزر اليسير من الكلام فيهم، فدراستها أصعب، كما أنَّها أسانيد لم يتتابع العلماء على دراستها وكشف عللها، فلو جاء باحثٌ متمرِّسٌ في التخريج والعلل ودراسة الأسانيد ودرسها جميعًا، لربما احتاج أن يتفرَّغ سنة كاملة حتى ينتهي من الحكم الظاهر على هذه الأسانيد، ثم قد يحتاج لوقتٍ مثله ليكمل على بقية الروايات التي جاءت في المصادر الأخرى. ثم يأتي الشاب المعاصر متبخترًا فيختار ما يحلو له من هذه الروايات وينشرها في تويتر او الفيسبوك ويجعلها حجة في استطالته على أبي حنيفة!
عدا إشكال الصحَّة والضعف، فثم إشكال الفهم للرواية، فكثيرٌ منها وقائع أعيان، وهو من المحال الصعبة لأنه يقتضي فهم السياق، ثم كثيرٌ منها متعلقٌ بقضايا تاريخية كالإرجاء ونحوه، وهذا كله مما يعقد البحث على المتخصص الخبير، فكيف بعامة الشباب. يضاف إلى ذلك إشكال التعارض، فروايات الذم تعارضها روايات الثناء، كما يقع التعارض في الناقد نفسه، والتعامل مع الروايات المتعارضة يتطلَّب نظرًا دقيقًا وبحثًا منصفًا للتوصُّل إلى دفع هذا التعارض، وقد كان هذا التعارض من أعظم الأسباب للاختلاف بين الفقهاء في الأحكام الفقهية وفي فهم الأحاديث النبوية، فإذا وقع مثل هذا الاختلاف ولم يتمكنوا من حسمه على الحديث مع مكانته، وصيانته عن الاختلاف، وشدَّة عنايتهم به فكيف بما دون ذلك؟
فهذه إشكالات كبيرةٌ على هذه الروايات، ولا يعني هذا تعطيل النظر فيها، وسدَّ الباب عليها، وإنما الكشف عن دقة المبحث وصعوبته. فدخول الشباب وصغار المتعلمين في هذه الموضوعات يقوم على تقليد محض، يقلد بعضهم بعضًا، وقد يقلدون شخصًا معينًا فينقلون كل ما عنده، ويرونه حجة بينهم وبين الله في الاستطالة على أبي حنيفة، ولا يدركون هذه الصعوبة لشدة هذا التقليد وإحكامه، فيتوهمون أنهم متبعون للسلف وهم في الحقيقة تاركون لمسلك عامَّة الأمة مقلدون لمعاصرٍ يتبعونه في كل ما يقولُ ويصحِّحُ ويضعِّفُ وينتقي ويختارُ من هذا الكم الكبير من الروايات المتعارضة.
الإشكال الثاني: أنَّ الموضوع المتعلق بأبي حنيفة موضوعٌ دقيقٌ من جهةٍ، ومن جهةٍ أخرى هو بحثٌ تاريخيٌّ، ومن جهةٍ ثالثةٍ لا حاجة ملحة للشاب المسلم فيه، ومن جهةٍ رابعةٍ هو متعلِّقٌ بشخصٍ لا بحكمٍ شرعيٍّ، فأن يتتابع الشباب تقليدًا لمعظَّم عندهم على تقحم هذه المباحث، وتكون ديدنهم، ومحل نقاشاتهم، هو والله من أكبر الحرمان، ومن الغش العظيم لهم في دينهم أن ينصحهم المسلم بذلك. تحزن والله لشبابٍ تجزم من حال كثيرٍ منهم أنهم مقصرون في العلم الشرعي، فبدلًا من أن يُنصَحُوا بحفظ القرآن، ودراسة تفسيره، وضبط مسائل الفقه، ودراسة الأصول واللغة، ومعرفة السنن الصحيحة، تراهم يتدافعون على مثل هذه المباحث التاريخية الدقيقة التي لا حاجة لها ولا يضرهم في دينهم مثقال ذرة لو تركوها، فأيُّ خذلانٍ كهذا؟ وأيُّ غشٍ مثله!
والعجيب حقًا، أنَّ العلماء المعاصرين الذين لهم اشتغالٌ علميٌّ حقيقيٌّ، لا ينشغلون بمثل هذه المباحث، والشباب الذي لا انشغال علمي لهم هم المنشغلون بها!
الإشكال الثالث: أنَّ المرويات الصحيحة التي جاءت في ذم الإمام ليست على درجةٍ واحدةٍ، فهي متباينة تباينًا كبيرًا، ويمكن تقسيمها إلى أنواع:
1- فمنها ما هو حقٌّ يبيِّنُ ما وقع فيه الإمام من غلطٍ.
2- ومنها ما فيه تشديدٌ اجتهاديٌّ مبنيٌّ على ما وقع من غلطٍ.
3- كما أنَّ منه ما هو متعلقٌ بنظرٍ اجتهاديٍّ صادرٍ من الامام له حظٌّ من النظر، وليس هو من الغلط القطعي.
4- ومنه ما ليس بخطأ، أو خطأ لكنه لم يصدر من الإمام، أو هو تعبير عن لوازم قوله، أو لا يجوز أن يقال في حقه.
5- كما أنًّ منه ما قيل في حال نكيرٍ أو غضبٍ ونحوه فلا يؤخذ به على إطلاقه.
6- كما أنَّ منها ما هو محل اتفاق جمهور القائلين، ومنها ما يخص القائل لوحده.
7- ومنه أيضًا ما تاب منه الإمام ورجع عنه.
وتمييز هذه الأحوال ليس أمرًا ميسورًا لكل أحد.
الإشكال الرابع: إشكالية الكتابة لهذه الأحداث.
من المعطيات المهمة التي يجب استحضارها هنا أنَّ هذه المرويات هي وقائع نُُقِلَت وكُتِبَت، وليست كتبًا حرَّرها العلماء المتقدمون وقصدوا نشرها وبيانها للناس، وإنما كلماتٌ قالها عالمٌ فنقلت لمن بعده، ليس بالضرورة أن يكون العالم قد قصد نقلها أو رضي بكتابتها، لكنها كتبت، وهذه الكتابة لم تؤثر على العلماء طيلة قرونٍ لأنهم فهموها ضمن السياق الشرعي العام، لكنَّ الاشكال حدث عندما وقعت هذه الروايات في يد من لم يكن عالمًا خبيرًا بمثلها. وقد قال الأوزاعي: (كان هذا العلم كريمًا يتلقَّاه الرجال بينهم، فلما دخل في الكتب دخل فيه غير أهله) . فبعض المرويات أحدثت نزاعًا عند المعاصرين وتمسَّك بعضهم بظاهرها، وأخذ يستدلُّ بها ويبني عليها، مع أنَّها واقعة عين نُقلت ليس ثم ما يدل على رضا الامام القائل بكتابتها ولا نقلها، وليس كلُّ ما يقوله الانسان في حالٍ معينة يجيز أن ينقل عنه في كل حال.
استحضر مثلًا حال الإمام أحمد، فقد كان ينكر الكتابة عنه حتى فيما هو أعلى من هذا بكثير، وهي آراؤه الفقهية التي قد أخذها من فهمه لكتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان ينكر على من كتب الكتب في ذلك، فأنكر على سفيان كتابته لكتابه الجامع، وعلى مالك والشافعي وأبي ثور وعلى غيرهم، وإن كان قد ذهب في آخر أمره إلى قبول الكتابة، فإذا كان حاله في غالب أمره على إنكار أن يكتب عنه ما هو من دين الله من الأحكام الفقهية فكيف بما يقال من جمعٍ لمثالب شخصٍ معينٍ!
وقد أنكر جمع المثالب في حق الصحابة ومن دونهم، وقد نقل الخلال فقال: (ولما قيل للإمام أحمد: إنَّ قومًا يكتبون هذه الأحاديث الرديئة في أصحاب رسول الله، وقد حكوا عنك أنك قلتَ: أنا لا أنكر أن يكون صاحبُ حديثٍ يكتب هذه الأحاديث يعرفها، فغضب وأنكره إنكارًا شديدًا، وقال: باطل، معاذ الله، أنا لا أنكر هذا؟! لو كان هذا في أفناء الناس لأنكرته، كيف في أصحاب محمد ﷺ). فتلحظ كيف ينكر الإمام جمع المثالب في حق من هم دون الصحابة رضي الله عنهم.
فجمع المثالب في حق الإمام أبي حنيفة هو شيء نشأ بعد ذلك، لم يكتبه أحدٌ من العلماء الذين تكلموا في أبي حنيفة، ولم ينقل عنه رضاهم به، فكانت الفتنة في الكتابة على بعض المعاصرين، لأنَّ المكتوب قد يضاعف الشيء عن حقيقته، وقد وقع ما حذر منه العلماء في أمر الكتابة، من أن المكتوب يجعل الانسان يتخذه دينًا، فأصبحت هذه الآثار المكتوبة وكأنَّها دينٌ يجب اتباعه، وحقٌ يجب صيانته والمطالبة بإبقائه، ومن لا يتمسَّك به فهو مخالف لمنهج السلف، ولا يعني هذا بطبيعة الحال تغليط من جمع هذه الآثار أو كتبها، إنما هو توصيف لهذا الحال.
وهذه الفتنة بالمكتوب وقعت على الطرفين جميعًا، فقد امتُحِنَ بعضُ العلماء كعبد الغني المقدسي بسبب أنه قرأ على الناس ما في كتاب الضعفاء للعقيلي مع أنه لم ينقله مقررًا له، ومع ذلك لم يحتملوا هذا منه، وهذا من ضعف عقولهم عن احتمال المكتوب. وقد نبَّه الشيخ المعلمي إلى ملمحٍ مهمٍ في هذا السياق، يفيدنا في بعض ما ينقل من كلام العلماء أنَّه قد يصدر على جهة الغضب والحمية، ويكون المقصود به الذم لا تنزيل الحكم بعينه، فلا يؤخذ الكلام على ظاهره جزمًا،
ثم قال: (وقد جاء عن إياس بن معاوية التابعي المشهور بالعقل والذكاء والفضل أنه قال: «لا تنظر إلى عمل العالم، ولكن سَلْهُ يَصْدُقْكَ». وكلام العالم إذا لم يكن بقصد الرواية، أو الفتوى، أو الحكم داخلٌ في جملة عمله الذي ينبغي أن لا يُنظر إليه، وليس معنى ذلك أنه قد يعمل ما ينافي العدالة، ولكن قد يكون له عذرٌ خفيٌّ، وقد يترخَّص فيما لا ينافي العدالة، وقد لا يتحفَّظ ويتثبَّت، كما يتحفَّظُ ويتثبَّتُ في الرواية والفتوى والحكم).
وقد قال إمام الائمة ابن خزيمة رحمه الله في التنبيه على مثل هذا المعنى: (ولكن قد يتكلًّم المرء عند الغضب باللفظة التي يكون غيرها أحسن وأجمل منها). والمقصود هنا بطبيعة الحال ملاحظة هذا المعنى في بعض المرويات لا الحكم على جميع المرويات بهذا الأمر، كما أنَّ الحكم على القول بأنَّه من قبيل ما قيل تشديدًا أو حمية أو غضبًا لا يعني الطعن في القائل، فهذا أمر سائغٌ معتادٌ، وليس طعنًا في العدالة.
الإشكال الخامس: مراعاة المصلحة الشرعية.
حقيقة هذه المقولات التي قيلت في أبي حنيفة يجمعها أصلٌ شرعيٌّ واحدٌ وهو حفظُ دين الناس، فقد كان التشديد على الإمام المتبوع الذي يتأثَّر الناس به يتقصَّد منعَ الناس من التأثُّر به، وهذا أمرٌ قد جرى مع من غلط من العلماء قبل أبي حنيفة، كما سبق ذكر التشديد في حق الأعلام الكبار من المرجئة الأوائل.
فهذا التشديد لا يجوز أن يؤخذ مأخذ الحكم التعبُّدي ولا مأخذ الأصل العقدي المستمر، وإنما هو تشديدٌ مصلحيٌّ يراعي حال مكانٍ أو زمانٍ معين، فيصدر من شخص معظَّم ضد عالم معظَّم بهدف تخفيف الغلط قدر الإمكان، فيكون لهذا التحذير أثره، لكن حين يتغير الحال، فلا يوجد هذا الإمام المعظَّم الذي يتبعه الناس جميعًا، أو يضعف أثره، أو يشيع الغلط الذي يراد التحذير منه فلا يبقى حينئذٍ للتشديد أي حاجة، بل يكون مفسدة لا مصلحة فيها. فإشكال الطاعنين في أبي حنيفة من المعاصرين أنَّهم معرضون تمامًا عن هذه الحقيقة التاريخية الشرعية الظاهرة، فتمسكوا بالتحذير المصلحي تمسكًا جامدًا مطلقًا وكأنه شأن تعبديٌّ مطلقٌ، فلا يلتفتون إلى غياب المصلحة التي وُجِدَ من أجلها، ولا يلاحظون المفاسد المترتبة عليها، لأنَّهم أخذوه مأخذ التعبُّد المحض دون التفاتٍ إلى معناه ولا مقصده.
فترتب على طريقتهم ما يضاد طريقة السلف كليًا، فلم يحصل من طريقتهم حفظ الدين، ولا صيانة المعتقد الصحيح، ولا نشر السنَّة، وإنما إثارة الاختلاف، وبث الفرقة، وإذكاء النزاع، فبدلًا من أن يجمعوا الناس على الحق، فرَّقوا المجتمعين عليه، وبدعوى التمسك بآثار السلف خالفوا الأصول الشرعية. وهذا الفساد ظاهر جدًا لمن يتابع هذه الحالة المعاصرة، فلن يجد فيها أي حاجة شرعية معتبرة، فالطعن في أبي حنيفة هو طعنٌ شخصيٌّ محضٌ، لا يتعلق غالبًا بحاجةٍ حقيقيةٍ لبيانِ سنَّة، أو ردِّ باطلٍ، أو تأصيلِ حقٍّ.
فواجب من يتبع منهج السلف حقًا أن يراعي حفظ الدين الذي كان هو المحرك والغاية لعلماء الأمة جميعًا، لا أن يتمسك بحرفية ما يقرأه من مقولاتٍ دون وعي بما يضاد منهجهم، فلئن كان التحذير من أبي حنيفة يسوغ في زمنٍ ما لأجل حفظ دين الناس من بعض ما قاله الإمام أبو حنيفة، فإنَّ الإمساك عن ذلك هو الذي يحفظ دين الناس بعد ذلك، وهو ما عقله العلماء بعد ذلك فاستقر أمرهم عليه لظهور معناه القطعي.
ومن عجيب أمر الطاعنين أنَّهم يظهرون أحيانًا بعضَ ما يخفى من حال من يريدون التحذير منه لإثبات أنه يستحق التحذير، وهذا قلبٌ لطريقة السلف بالكلية، فالسلف يحذرون مما اشتهر حتى يبتعد الناس عنه، لا أن يشهروا الشيء حتى يحذرون الناس من صاحبه، فالسلف يسعون لتضييق المنكر، فيأتي بعض المعاصرين فينشر الأغلاط والزلَّات بدعوى التحذير!
ومن عجيبهم المناقض لمنهج حفظ الدين هنا: حرصهم على إثبات نسبة الإنحراف إلى أبي حنيفة فيما تتابع الناس على نفيه عنه، كالقول بخلق القرآن مثلًا، وهذه مفسدةٌ عظيمةٌ لأنها تتسبَّبُ في نشر المنكر بين الناس، لا تحذير الناس منه، فالعلماء من قرون يؤكدون عقائد أهل السنَّة بذكر أنَّها محل اتفاق الأئمة المتبوعين، فهو حقٌّ في نفسه، وفيه مصلحةٌ عظيمةٌ في تقوية هذه العقائد في نفوس الناس لأنَّها هي عقائد الأئمة جميعًا، فيأتي بعض هؤلاء نصرة للعقائد كما يدَّعون فيقررون مخالفة الإمام المتبوع لها، ويحرصون على نشره وإشاعته بين الناس بمن فيهم أتباع هذا الإمام، فأي عقلٍ وحكمةٍ في مثل هذا؟!
كما أنَّ هذا يشكك في الاتفاق الذي يسمعه الناس من إجماع السلف على أصول العقائد من إثبات الصفات والقول بأنَّ القران كلام الله، فالقول بمخالفة إمامٍ كبير في عصر التابعين له جمهور واتباع وقضاة في ذلك الزمان على هذا القول يضعف هذه الحكاية، وهي حكاية تذكر لتقوية العقائد فآلت هذه الخصومات إلى تضعيفها.
وفي الوعي بهذه الحقيقة يقول ابن تيمية: (البدع الغليظة المخالفة للكتاب والسنة واتفاق أولي الأمر الهداة المهتدين إنما حدثت من الأخلاف، وقد يَعزُون بعضَ ذلك إلى بعض الأسلاف، تارةً بنقلٍ غير ثابتٍ، وتارةً بتأويلٍ لشيءٍ من كلامهم متشابه. ثم إنَّ من رحمة الله أنه قلَّ أن يُنقَلَ عنهم شيءٌ من ذلك إلا وفي النقول الصحيحة الثابتة عنهم للقول المحكم الصريح ما يُبيِّنُ غلطّ الغالطين عليهم في النقل أو التأويل).
فإن قيل: إن كان قول السلف حميَّة للدين، فإنَّ هذه الحمية لم تنقطع.
وهذا صحيح، هذه الحمية لم تنقطع، ويجب أن لا تنقطع، لكنها يجب أن تكون حميةً مشروعةً تسير في الطريق الصحيح الذي يقوي الحق، وينشره، ويقرب الناس إليه، وليس حمية عمياء في طريق تنفير الناس عن الحق، وإثارة الخصومات بلا أدنى حاجةٍ، فليس في الطعن في أبي حنيفة أيُّ حميةٍ محمودةٍ ولا مصلحةٍ معتبرةٍ، وما يظنُّ من مصالح فيمكن أن يتحقَّق بكماله دون حاجة إلى مثل هذا الطعن.
فهذه الحمية في الحقيقة تبعد الناس عن الحق لا تقربهم إليه، فيمكن أن تكتب في الإرجاء، وتبين حقيقته، ومآلات قوله، والرد على شبهه، وتبين منهج السلف في ذلك، وتذكر الأدلة، وكل ذلك حقٌ لا غبار عليه، وهو يجمع الناس ويقربهم إلى الحق، لكن أن تأتي في هذا السياق فتذكر أبا حنيفة طعنًا وقدحًا وذمًا حمية للدين كما تدعي فهو موقفٌ فاقدٌ للعقل والحكمة، لأنه سيضعف المعتقد الصحيح الذي تريد الدعوة إليه، وهو شيء مدركٌ يُعقَلُ بأدنى نظر، ولهذا اتفق عامة المعاصرين عليه، ولا ينابذهم فيه إلا ضيق النفس والعقل.
الإشكال السادس: عدم الحاجة. من إشكالات هذا الافتتان بالطعن في أبي حنيفة والقدح المتتابع عليه أنَّه لا تحركه حاجةٌ حقيقيةٌ، فهو نقدٌ لأجل بيان حال الإمام، ولأجل نقد ما تتابع عليه علماء الأمة من تقديره والثناء عليه، فليس ثم حاجة عصرية أو اختلاف معين أوجب هذا الطعن واقتضى هذا التتابع. فهو انشغالٌ فارغٌ، بلا ثمرةٍ، وبدون أدنى حاجةٍ.
نعم، وقعت حاجةٌ عصريةٌ في التعامل مع هذه المرويات لكن في سياقٍ مختلف عن هذه الظاهرة، وهو أنَّ جملة من المتعصبين للإمام أبي حنيفة كانوا يتناولون هذه المرويات بطريقةٍ مزريةٍ بالأئمة، وفيها جملةٌ من الإساءات، فانبرى عددٌ من العلماء المعاصرين للرد عليها، فاقتضت طبيعةُ البحث الخوض في بعض هذه المباحث، فهذه حاجةٌ معتبرةٌ. وقد قدَّم الشيخ المعلمي رحمه الله منهجًا رائعًا في هذه الطريقة في كتابه العظيم: التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل، فهو من أهم الكتب الشرعية المعاصرة، ومن حسناته الكبيرة أنَّه قدَّم هذه المنهجية المتزنة العادلة في التعامل مع المرويات، والذب عن الاستطالة المقابلة.
بيَّن المعلمي في أول الأمر سبب تأليفه للكتاب وهو الرد على كتاب الكوثري، فقال: (فرأيتُ الأستاذ تعدَّى ما يوافقه عليه أهلُ العلم من توقير أبي حنيفة وحُسْن الذبِّ عنه إلى ما لا يرضاه عالمٌ متثبِّتٌ من المغالطات المضادَّة للأمانة العلمية، ومن التخليط في القواعد، والطعن في أئمة السنة ونَقَلَتها، حتى تناول بعضَ أفاضل الصحابة والتابعين، والأئمةَ الثلاثة مالكًا والشافعي وأحمد وأضرابهم، وكبار أئمة الحديث وثقات نَقَلَته، والردَّ لأحاديث صحيحة ثابتة، والعيب للعقيدة السلفية، وأساء في ذلك جدًّا حتى إلى الإمام أبي حنيفة نفسه، فإنه من يزعم أنه لا يتأتَّى الدفاع عن أبي حنيفة إلا بمثل ذلك الصنيع فساء ما يُثْني عليه).
فلم يبتدئ المعلمي الكتابة في الموضوع، فضلًا أن يشيعها في الفضاء العام، ويشغل الشباب وصغار المتعلمين بها، وإنما ذكرها عند الحاجة بكتابٍ علميٍ محرر، وكان هدفه ردَّ هذه الأغلاط لا الطعنَ في الإمام، ولهذا كان مقرًا للطريقة الشرعية المصلحية المستقرة من ترك الكلام في هذه المرويات، وإنما عاب على الكوثري طريقته السقيمة.
وقد نصح المستطيلين على الأئمة بطي هذه الصفحة فقال: (وقد كان خيرًا للأستاذ ولأصحابه ولنا وللمسلمين أن يُطوى الثوبُ على غرَّهِ، ويُقَرَّ الطيرُ على مَكِنَاتها، ويدعَ ما في تاريخ بغداد مدفونًا فيه، ويذر النزاع الضئيل بين مسلمي الهند مقصورًا عليهم). وهذا من عقله، فالاستطالة على الأئمة يفتح باب الاستطالة على الإمام أبي حنيفة، والعكس مثله، فكان من المحبة للأئمة جميعًا ولأبي حنيفة أن يكفَّ عن الكلام، ويترحَّمَ على الجميع. وقد تجنَّب المعلمي ذكر متون الآثار الطاعنة في أبي حنيفة، وقد ذكر أنَّه تعمد ذلك لأنَّ في ذكرها ثلاثة مفاسد، لكي لا يطلع عليه المتعصِّب لأبي حنيفة فيعرض عن الحق، ولئلا يطَّلِع المخاصم له فيعيب أبا حنيفة بها دون معرفةٍ بحال هذا المتن، ولئلا يطَّلع عليها عاميٌّ لا يُميِّز فيظنُّ أنَّ أئمة السلف يطعن بعضهم في بعض فيسيء القول فيهم جميعًا.
ثم وضَّح المعلمي أنَّ هذه الروايات حتى تقبل على ظاهرها فلا بد من اجتماع عشرة أمور، وهي:
(الأول: أن يكون هذا الرجل المعيَّن الذي وقع في الإسناد ووقعت فيه المناقشة ثقة.
الثاني: أن يكون بقية رجال الإسناد كلهم ثقات.
الثالث: ظهور اتصال السند ظهورًا تقوم به الحُجَّة.
الرابع: ظهور أنه ليس هناك علةٌ خفيَّةٌ يتبيَّن بها انقطاعٌ، أو خطأ، أو نحو ذلك مما يوهن الرواية.
الخامس: ظهور أنه لم يقع في المتن تصحيفٌ أو تحريفٌ أو تغييرٌ قد توقع فيه الرواية بالمعنى.
السادس: ظهور أنَّ المراد في الكلام ظاهره.
السابع: ظهور أنَّ الذامَّ بنى ذمه على حجةٍ، لا نحو أن يبلغه إنسانٌ أنَّ فلانًا قال كذا أو فعل كذا، فيحسبه صادقًا، وهو كاذبٌ أو غالطٌ.
الثامن: ظهور أنَّ الذامَّ بنى ذمَّه على حجةٍ، لا على أمرٍ حمَلَهُ على وجهٍ مذمومٍ، وإنما وقع على وجهٍ سائغٍ.
التاسع: ظهور أنه لم يكن للمتكلم فيه عذرٌ، أو تأويلٌ فيما أنكره الذامُّ.
العاشر: ظهور أنَّ ذلك المقتضي للذم لم يرجع عنه صاحبه. والمقصود بالظهور في هذه المواضع الظهورُ الذي تقوم به الحُجَّة. وقد يزاد على هذه العشرة، وفيها كفاية. فهذه الأمور إذا اختلَّ واحد منها لم يثبت الذم، وهيهات أن تجتمع على باطل).
وكما تلحظ، فهي شروطٌ دقيقةٌ لا يتيسر تحقُّقُها عند عامَّة من يتكلَّم في الإمام أبي حنيفة، وهي تؤكد ما سبق التنبيه عليه في موضوع اشكالية المرويات، من حاجتها إلى الفقه والبصيرة.
وقد سار المعلمي في الكتاب كلِّه على هدفه الذي رسمه في نقد طريقة الكوثري، وبيان أغلاطه دون طعنٍ أو استطالةٍ على الإمام أبي حنيفة، بل كان يتأوَّلُ له، ويوضِّحُ عذره، وكان فيها متحفظًا يسعى لدفع صائلة الباطل دون أن يثير أيَّ مفسدةٍ أخرى، اللهم إلا في موضع واحد، قد مدَّ فيه القول بعض الشيء، ثم ختمه بكلمة رقيقةٍ تفيض رحمةً ومحبةً ونصحًا فقال: (وقد جرَّني الغضبُ للسنة وأئمتها إلى طرفٍ مما أكره، وأعوذ بالله من شر نفسي وسيىء عملي ((رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَاننا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غلًا لِلَّذِينَ ءَامَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ))
وما أعذب هذه الخاتمة بالدعاء والاستغفار للمؤمنين، وهو ما لا تجده غالبًا عند هذه الظاهرة المعاصرة، وقد قلتُ غالبًا من باب الاحتياط، وإن كنت أخشى أن لا تجده أبدًا.
المفاسد المترتبة على هذه الظاهرة.
يقول بعض الناس: إنَّ الطعن في أبي حنيفة طعنٌ في الإسلام. وهذا في الحقيقة زيادةٌ خاطئةٌ تجرئ الطاعنين، لأنَّ الطعن في الإمام على فضله ليس طعنًا في الاسلام، ولا يلزم منه ذلك. وإنما في هذه الظاهرة من المفاسد الكثيرة ما يغني عن مثل هذه الزيادة، وسننتقي هنا بعض المفاسد ونسلط الكلام عليها:
المفسدة الأولى: الغيبة.
الغيبة من المحرمات القطعية المتفق على تحريمها، وهو من المعلوم من دين الله عند عامة المسلمين، لما جاء في ذلك من نصوص كثيرة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو مما أجمع عليه المسلمون. فما الذي يجعل عرض هذا الإمام مستباحًا لا يجد الشاب في قلبه أدنى حرجٍ من الطعن فيه صباحًا ومساءً، ويورد المطاعن عليه بمناسبةٍ وغير مناسبة؟ أعرف أنَّهم سيقولون: هذا من التحذير الذي جاء عن السلف، وليس هذا من قبيل الغيبة، ويسوق لك بعض المقولات السلفية في ذلك، ويذكر لك المصلحة في ذلك.
وهذه الاستباحة الكلية لعرض الامام بهذه الدعوى هي في الحقيقة معارضة بالعقل والرأي والمصلحة لقطعيات شرعية ظاهرة، فعجبًا أنَّ من يطعن في الإمام أبي حنيفة لأنه يقدم رأيه على السنن الصحيحة، يأتي برأيه وذوقه ليوقف العمل بالنصوص القطعية في حرمة غيبة المسلم. ففرقٌ كبيرٌ بين التحذير من المسلم التحذير العارض لحاجةٍ ولمصلحةٍ، وبين الطعن الكلي المستمر المتتابع بدون حاجةٍ ولا مصلحةٍ، فالأول يتعلَّق باستثناءٍ عارضٍ لمصلحةٍ، فليس هو من تقديم المصلحة على النص، بل قد جاء النصُّ باعتبار مثل هذا، فهو تخصيصٌ لعموم ما جاء من تحريم الغيبة بحالةٍِ خاصةٍ تحقَّق فيها حاجةُ بيانِ حالِ المسلم بذكر ما يكره.
أما أن يكون عرض المسلم مستباحًا، تَلُوكُهُ الألسنُ، وتتقاذَفُه التعليقات والمنشورات، ويتفكَّه به الصغار والكبار، ويتفنَّنُ كل إنسان بذكر ما يمكن أن يجده من طعنٍ وذمٍّ فيه لينقله على الملأ بمناسبة وبدون مناسبة=فالقول بجواز مثل هذا هو محادَّةٌ صريحةٌ ومناقضةٌ تامَّةٌ لتحريم الغيبة، إذ يصبح تحريم الغيبة محصورًا في غير من وقع في بدعة، فالغيبة محرمةٌ ذميمةٌ من كبائر الذنوب، وأما من وقع من المسلمين في بدعة فأعراضهم مستباحةٌ وغيبتهم مستحسنةٌ فاضلةٌ!
فالكلام الذي يمكن أن يستثنى من النص القطعي هو ما كان تحذيرًا لحاجةٍ يرتجى منه مصلحة، ويكون بقدر هذه الحاجة، فالتحذير ممَّن لا يؤثر تحذيره ولا قيمة لتحذيره لا يجوز أن يخصَّص من النهي، فيبقى التحذير هو ممن لكلمته أثرٌ ونفعٌ يرتجى، وهم أندر من الكبريت الاحمر بطبيعة الحال من جمهور من يخوض في عرض أبي حنيفة من المعاصرين. ثم لا بدَّ من وجود حاجةٍ لذلك، وليس الأمر متعلقًا بكل حال يذكر فيه أبو حنيفة ولا أن يخوض في عرضه كما يحلو له، ولا بحسب شهوة الكلام.
ولا بدَّ أيضًا من تحقُّق المصلحة قطعًا أو ظنًا، بأن يكون ثمَّ مصلحةٌ يُرتَجَى تحقُّقُها، وأما إن كان كلامه لن يحقِّق المصلحة، بل قد يترتَّب عليه المفاسد العظيمة فلا يجوز بأي حال أن يتملَّص من عموم النهي، وكما يجب أيضًا أن يكون كلامه في حدود هذه المصلحة فلا يزيد عليها بحسب هواه. ولو حقَّقتَ هذه القيود لوجدتَ أنَّ أكثر ما يقال في أبي حنيفة من الجدل الفارغ الذي لا حاجة له، ولا مصلحة فيه، ولا يترتَّبُ عليه أدنى مصلحةٍ معتبرةٍ، بل يترتَّب عليه مفاسد ظاهرة، فالقول بجواز مثل هذا هو معارضة للدلائل الصريحة القطعية، وهو من قبيل تقديم الرأي الذي يعيبون أهل الرأي عليه.
والشاب الذي يستهينُ بهذه الكبيرة، ويستخفُّ بها بدعوى ما يظنُّه علمًا عنده من جواز ذلك قد كان ما عنده من علمٍ ضعيفٍ شرًا عليه، فالعاميُّ الذي يجهل هذا خيرٌ والله منه، إذ يتورَّع عن أعراض المسلمين، ولو وقع في شيء من ذلك فذُكِّر ونُصِحَ لتراجع واستغفر الله، بخلاف من يتديَّن بالطعن والتحذير فقد لا يزيده النصح إلا عنادًا واستكبارًا، وهو من جنس البدع التي حذَّر السلف منها لأنه لا يتاب منها.
وهنا نستحضر الوصية العظيمة التي وجهها أبو سنان زيد بن سنان الأسدي رحمه الله، حيث قال سليمان بن سالم: (قال لي أبو سنان: يا سليمان، إذا كان طالب العلم قبل أن يتعلَّم مسألةً في الدين يتعلَّم الوقيعة في الناس، متى يفلح؟. قال سليمان: وكان أبو سنان رحمه الله تعالى، لا يتكلَّم أحدٌ في مجلسه بغيبة أحد، وإذا همَّ بذلك أحد نهاه وأسكته). وهذا هو الله العلم النافع، فرحمة الله عليهم أجمعين.
المفسدة الثانية: التعيير والتنابز بالألقاب.
ومن المفاسد القبيحة جدًا في هذه الظاهرة أن يُسبق الامام عند بعضهم بلفظ: المرجئ، أو نحو ذلك من تعبيرات هي من قبيل التعيير والتحقير والانتقاص له، وهي ظاهرة لا تخطئها العين عند من يقرأ ما يكتب في شبكات التواصل، فيقول بعضهم: قال المرجئ أبو حنيفة، وربما يعبر فيقول عن شيخه المرجئ حماد، هكذا يختصر حماد في كونه مرجئًا!، وربما يضيف بعضهم أنه مرجئ خبيث أو نحو ذلك. وهي طريقةٌ مبتذلةٌ سقيمةٌ عديمة الخلق في التعامل مع فقهاء الاسلام وعلمائه الكبار، حيث يختصر جهاده وعلمه وعبادته وفضله وإيمانه وتقواه في كلمةٍ واحدةٍ يُعيَّرُ بها: المرجئ هكذا!
وهذا الشتم والتحقير بالإرجاء بطبيعة الحال لن يقتصر على أبي حنيفة ولا شيخه حماد، بل سيشمل طبقة فاضلة معظَّمة، فيأتي الشباب المُحْدَثِين الصغار الذي لا يعرفون من الإرجاء إلا اسمه فيعيِّرُون به فقهاءَ الملَّة وأعلام الأمَّة. لن أقول إنَّ هذه الطريقة ليست من أخلاق طلبة العلم، لأنَّ المطلوب من طلبة العلم في الأخلاق أرفع من هذا بكثيرٍ، بل إنَّ هذا ليس من الأخلاق التي يعرفها المسلمون، فهذه الطريقة يستنكرها العاميُّ من المسلمين، لأنَّ الإسلام ربَّاهم على تعظيم الخلق الحسن، والكلمة الطيبة، والعدل مع الناس، واستحسان مكارم الاخلاق، وذم الفاحش البذيء من الناس.
فهذه الطريقة التعييرية التحقيرية قبيحة منكرةٌ لأنَّها تضادُّ أصلين شرعيين:
الأول: أصل الأخلاق الحسنة التي يجب أن يتصف بها المسلم، ويقتدي برسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، والذي أثنى عليه ربُّه فقال: (وإنك لعلى خلقٍ عظيمٍ)، فلا يعيَّر الناس بهذه الطريقة، فيكون بذيء اللسان، قبيح الكلام، لا يحترم سنًا، ولا يقدر علمًا، ولا يراعي حُرمَةً، وإنما ينضح لسانه قبحًا وغلظة على الأحياء والأموات بلا حسيبٍ ولا رقيبٍ، ويتحاشاه الناس اتقاء شر لسانه.
الثاني: أصل العدل الواجب مع المسلمين، فلا يختزل الانسان في فعلٍ غَلط فيه، أو زلَّة صَدَرت منه، تأوَّل فيها الحق فلم يُصِبْهُ، فلا يبقى له بعد ذلك شيءٌ من إيمانه بالله، ولا شيءٌ من عمله الصالح، ولا ما قدَّم من معروف، ولا ما فعل من خيرٍ، ولا ما تركَ من منكرٍ.
وأرجو أن لا يأتي أحدٌ من هؤلاء المُحْدَثين المعاصرين فيستدل على تسويغ هذه الطريقة القبيحة بذكر بعض المقولات عن السلف، فيجعل هذه الطريقة المنكرة سائغة لأنَّ السلف قد فعلوها، لأنَّه إذا فعل هذا فقد وقع فيما نبهتُ عليه من قبل باسم توريط السلف، وقد ذكرتُ له عرضًا في هذه المحاضرة عدَّة شواهد، وقد أعود له في محاضرة مخصصة، وذلك بأن ينسب إلى السلف قبائح الأقوال، ورذائل الأخلاق، فيقع في منكرٍ أشد من المنكر الذي وقع فيه، فبدلًا من أن يستغفر ربه ويترك خلقه القبيح يأتي فيسوغه محتجًا بفعل السلف، بما يجعل عامة الناس يحسبون سلفنا الصالح متفقين مع هذا الفاحش البذيء.
وقد تزيد هذه الطريقة التشويه تشويهًا حين تحكم على من ينتقد مسلكهم بأنَّه لا ينتقدهم في الحقيقة، وإنما ينتقد السلف أنفسهم، لكنه يتحاشى السلف فينتقد المعاصرين وهو يريد انتقاد السلف! فلا يكتفون بنسبة المعاني الفاسدة، بل بجعل منتقدها منتقدًا للسلف لا يريد إلا انتقاد السلف! كما أنَّ هذا الاستدلال بفعل السلف في الحقيقة هو من قبيل تقديم الرأي على النص القطعي، وهو صنيع أهل البدع، بل إنَّ أهل البدع قد يستدلون على بدعهم بما هو أرفع من أقوال السلف وهو نصوص الكتاب والسنة، لكن هذا لا يعفيهم عن الوقوع في محادة النص ومخالفة الشرع. ثم ما الداعي لكل هذا التعيير والتحقير والتنابز بالألقاب، وأن تشحن النفوس على مؤمنٍ لقي ربَّه من قرون، فليس هذا إلا غلٌّ في القلوب، وقد أرشدهم ربُّهم أن يقولوا: (والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا).
ومن مسالك التعيير والتحقير القبيحة: السخرية والاستهزاء بالإمام ومذهبه، حيث يأتي بعض الطاعنين ببعض المسائل أو الفتاوى في المذهب الحنفي فيجعلها مادَّة للسخرية والتندُّر والضحك، وهذه طريقةٌ ذميمةٌ ليست من آداب طالب العلم ولا من حلية أهله، ولا هو من المعتاد في حلق العلماء وطلبة العلم في عصرنا، وإنما جاءت من شبكات التواصل البعيدة عن هذه الحلق العلمية الفاضلة. وهذه الطريقة ستفتح الباب للسخرية المتبادلة، فلكل من هبَّ ودبَّ أن يسخر بمن شاء من العلماء أو بما شاء من الفتاوى في المذاهب الفقهية، فتُنْتَهك حُرمة العلم، وتكون مسائل الفقه مادَّة للسفهاء وضعفة العقول، وقد تصل هذه السخرية لما هو من دين الله أو ما هو سائغٌ من دين الله قطعًا، فأهل السخرية غالبًا من أبعد الناس عن العلم وتحقيق مسائله.
وهذا التعيير والتنابز والسخرية كله في الحقيقة من الاستطالة بالحق على الخلق، والاستطالة مذمومة كلها حتى ولو كانت بحق، وقد ذكر ابن تيمية في العقيدة الواسطية أنَّ من اعتقاد أهل السنة: (وينهون عن الفخر، والخيلاء، والبغي، والاستطالة على الخلق بحق أو بغير حق)، فهذه الطريقة التعييرية طريقة تشفٍ واستطالة ليست هي صفة أهل السنَّة الذين تقودهم الرحمة بالخلق، والنصح لهم، وإرادة وجه الله في نصرة الحق، طريقة يقودها الرفق، الذي لا يكون في شيءٍ إلا زانه، ولا يُنزَعُ من شيءٍ إلا شانه، وإنَّ الله ليعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، ومن يُحْرم الرفق يُحْرم الخير، كما قال عليه الصلاة والسلام.
المفسدة الثالثة: التعصُّب والطعن المضاد
ومن مفاسد هذه الطريقة أنَّها تحرك الأهواء ضدَّ علماء الحديث الذين طعنوا في أبي حنيفة، فما سلكه علماء المسلمين خلال قرون كان مسلكًا عاقلًا حكيمًا يجمع النفوس على احترام الأئمة جميعًا، ويجعل التطاول على أحدٍ منهم أمرًا منكرًا، فيبقى أعلام هذه الملَّة جميعًا في منعةٍ، في محل تقدير وإجلال، ولا يتكلَّم معهم إلا مع صيانةٍ لقدرهم ومكانتهم، وهذه مصلحةٌ عظيمة النفع، وثمرةٌ كبيرة الفائدة. الذي يحدث مع هذه الظاهرة القبيحة أنَّها تكسر هذا السلوك التوافقي العظيم، فهو يسوق الكلام في الطعن في أبي حنيفة، ويأتي بالنقولات الشديدة في ذم الامام، وهو ما يجرئ المحب للإمام والمقلد له وهم أممٌ وخلقٌ كثيرٌ في عصرنا إلى الدفاع عن الإمام، وقد يؤول هذا إلى التعصب له بالطعن في علماء الحديث والاستطالة عليهم دفاعًا عن الامام، فتستباح أعراض الأئمة في خضم هذا الجدل الفارغ بلا أدنى حاجةٍ، ولا مصلحة.
كما أنَّ هذه الطريقة العصرية مستفزِّة لهم، فهي تورد الآثار، وتشتم الإمام، وتعيُّره، وتتلاحق الأسماء المجهولة بترديد: قال سفيان وقال أحمد وقال الأوزاعي، فالعاقل سيعرف أنَّ مصير هذه الطريقة أن تقابل بالطعن في هؤلاء الأئمة، وأن تشتعل الخصومة بين المسلمين في الطعن والطعن المقابل، ثم الخوض في الدفاع والدفاع المقابل. وهذه مفسدةٌ عظيمةٌ يجب سدُّها، فالعاقل حتى لو جزم بصحة كل ما قيل في أبي حنيفة، وتمسَّك بظاهرها حرفيًا، فإنه يعرف أنَّ من العقل والحكمة أن يسكت عن ذلك، صيانة لعرض أئمة الإسلام جميعًا، وأنَّ فتح باب الطعن في الإمام للشباب الصغار، وللمجاهيل، ولعامَّة الأسماء المستعارة، ولمن لا يُعلَم أيُّ شيءٍ من حالهم سيؤول بلا أدنى شك إلى التطاول على بقية الأئمة، ولا يرضى بذلك من يتبع منهج السلف صدقًا.
وطبيعة المقولات التي قيلت في أبي حنيفة أنها كلماتٌ متفرقةٌ، وفيها شدَّة، وتضمن أوصافًا وأحكامًا قوية، والمنصف في الناس قليلٌ، والعقلاء قليلٌ أيضًا، فإشاعتها وجعلها أصلًا يطعن به الإمام سيثير الطعن في قائله ولا بد، وستكون السفاهة بعد ذلك سيدة الموقف. خاصة أنَّ الامر ليس متعلقًا ببيان شيءٍ من الدين مطلقًا، فكلُّ ما وقع فيه الامام أبو حنيفة من المسائل يمكن بيانه والرد على ما فيه دون أدنى حاجةٍ للاستطالة عليه في شخصه، فالتمسُّك والاصرار بعد ذلك على الطعن والنقد والذم مع حضور مثل هذه المفسدة يكشف عن ضعف عظيم في العلم والعقل.
وبحمد الله أنَّ التطاول على الأئمة ما يزال محصورًا في نطاقٍ ضيقٍ جدًّا، لكنَّ اتساع هذه الفتنة العصرية أكثر مما هي عليه، ووصولها إلى شرائح أوسع مؤذنٌ بلا شك في ظهور هذه الفتنة المضادة. وقد سبق ذكر صورٍ من التعصُّب الذميم في الدفاع عن أبي حنيفة، بما ترتب عليه اتهام مخالفيه بالحسد، أو الهوى العقدي، أو الجهل، وغير ذلك، ونحو ذلك مما هو ظلمٌ وجورٌ، على ما فيه من جهلٍ بالتاريخ ومعرفةٍ بالاعتقاد، وقد كان الواجب الردَّ عليهم، دون مقابلتهم بالطعن في الإمام وتحريك الأهواء والأمراض.
وقد يعترض على هذا الأصل المهم وهو الكفُّ عن أعراض الأئمة والعلماء الكبار بالقول: إنَّ نقد أبي حنيفة لا يلزم منه الوقوع في بقية الائمة لأنهم لم يقعوا فيما وقع فيه.
وهذا اعتراضٌ هشٌّ ضعيفٌ على هذا الأصل العظيم في الكف عن أعراض الأكابر وأعلام المسلمين، ينكشف ضعفه بذكر أوجهٍ ثلاثة:
الأول: أنَّ الوقوع في البدع، والزلات، والأقوال المخالفة كثيرٌ في المتقدمين وليس خاصًا بأبي حنيفة، فإذا صحَّ أنَّ أكثر السلف لم يقعوا في شيءٍ من ذلك، فإن الكثير من العلماء قد وقعوا، إلا إن كان الطاعنون لا يرون في انفتاح هذا الطعن عليهم جميعًا أيَّ مفسدة أيضًا!
الثاني: أنَّ النقد قد يحتمل التأوُّل، فقد يُطعن في كثيرٍ من الأئمة ممن لم يقعوا في بدع أو زلات تأولًا، لنقلٍ غيرِ صحيحٍ عنهم، أو لفهمٍ خاطئٍ لما صحًّ منهم، أو لوجود اختلافٍ في حالهم، إلى صورٍ كثيرة من هذا التأول.
الثالث: أنَّ التمييز بين من وقع في بدعة، ومن لم يقع، وما هو بدعة مما ليس كذلك، وتمييز حجم الغلط في البدعة هو من شأن العلماء الراسخين، والمحصلين من طلبة العلم، وأما عوام الناس، وأكثر المتعلمين فقد لا يميزون هذه القضايا تمييزًا حسنًا، فلا بد من ترسيخ هذا الأصل من الكف عن أعراضهم، وأما فتح الباب بدعوى وقوع بعضهم في البدع دون بعض سيؤول ولا بد إلى الطعن في الجميع.
ودلائل هذا في التاريخ وفي عصرنا ظاهرة جدًا، وقد ابتلي علماء السنة قديمًا وحديثًا بالجهلة والعوام فاستطالوا عليهم بغيًا وعدوانًا بدعوى نصرة السنة، ورد البدعة، وهم لا يحسنون هذه الأبواب.
المفسدة الرابعة: إثارة الخصومات.
ومن مفاسدها القبيحة إثارة الخصومات بين المؤمنين، فبدلًا من أن تسعى لجمع المؤمنين على الحق، تثير ما يفرق المجتمعين عليه، فتلحظ أنَّ الخصومة الكبيرة هنا ليست مع بدع ظاهرة، ولا بين أهل السنة وأهل البدعة، وإنما بين متبعي السلف أنفسهم، فبدلًا من الانشغال بالحق ونشر السنة، تثار المسائل التي لا حاجة لها، فيشيع بينهم الاختلاف والتشاتم والذم والذم المقابل دون أدنى مصلحة معتبرة.
ولو كان الشخص متبعًا للسلف حقًا وليس دعوى يزايد عليها لكفَّ عن هذه الخصومات، واشتغل بما ينفع، فقد كان السلف يذمُّون الخصومات والجدل والمراء في الدين، ويحثون على العلم النافع والعمل الصالح. تلحظ أنَّ هذه الدعوى تخالف عامَّة المسلمين في عصرنا، فهي تثير الخصومة مع مذهبٍ فقهيٍ كاملٍ هو مذهب الحنفية، وهم يشكلون نسبة كبيرة من المسلمين اليوم، ثم بقية المسلمين هم من اتباع المذاهب الثلاثة الأخرى أو غيرهم، وهم يقدرون أبا حنيفة ولا يوافقونهم على طريقتهم، فيفتحون خصومة كبيرة مع الأمَّة كلها إلا قلة قليلة جدًا ممن يوافقهم هذه الطريقة السقيمة في الطعن، فأيُّ ثمرةٍ تُرتَجَى من مثل هذا إلا الخصومة والدوران المحض في فلكها!
والتفرُّقُ والاختلافُ مفسدةٌ عظيمةٌ، والمحزن أنَّه هنا تفرُّقٌ محضٌ ليس بسبب عقيدةٍ صحيحةٍ ولا حتى حُكمٍ فقهيٍ، وإنما موقف شخصي من الإمام. والواجب أن يسعى لجمع كلمة المسلمين، وتحقيق ما يؤلف بين قلوبهم، ويشيع المحبة والرحمة والمودة بينهم، ويضيق الأسباب المثيرة للشقاق والاختلاف والافتراق. ومن المعاني الشرعية التي قررها العلماء أهميةُ الغض عن زلات القرون المفضلة لمكانتهم، ولأنه لا يمكن اجتماع النفوس مع إثارتها، وقد نقل ابن مفلح في الآداب الشرعية: (وذكر ابن عقيل أنه كما يجب الإغضاء عن زَلَّاتِ الوالدين يجب الإغضاءُ عن زلَّات القرون الثلاثة).
والكفُّ عما شجر وحفظ اللسان عن الطعن والخوض لا يختص بالصحابة رضي الله عنه، بل يشمل كلَّ طبقات الأمة، وقد أحسن ابن تيمية في ملاحظة هذا المعنى، وأنَّ كلَّ طبقةٍ تعمل مع الطبقة التي قبلها ما يعمله التابعون ومن بعدهم مع الصحابة فقال: (لأنَّ المتكلِّم بها عظيمٌ، والمتكلَّم به عظيمٌ، وهم أئمةٌ مجتهدون، فالكلامُ في ذلك يشبه الكلامَ فيما وقع بين الصحابة، إذ المعنى المقتضي لذلك يعمُّ الصحابة وسائر طبقات الأمة، إذ كلُّ طبقةٍ متأخرةٍ ينبغي أن تستعمل من الطبقة المتقدمة معنى هذه الآية “ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذي سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم).
المفسدة الخامسة: الانشغال عن الدعوة الصحيحة لمنهج السلف.
من آثار هذه الظاهرة القبيحة أنه تؤثر على نشر الاعتقاد السلفي الصحيح، وذلك أنَّ من يخوض في هذه الظاهرة القبيحة هم من الداعين إلى عقيدة السلف الصالح، فبدلًا من أن تنحصر جهودهم في هذه المهمة العظيمة، يثيرون على أنفسهم ما يضيق على دعوتهم وينفر الناس منهم، وذلك أنَّ كل معظم لأبي حنيفة لن يقبل منهم هذا التطاول، وهم جمهورٌ واسعٌ من المسلمين فيسهل تشويههم بجعل الموقف من أبي حنيفة هو دعوتهم السلفية وهذا ظاهر.
فلو كان الشخص صادقًا حقًا في الدعوة لمنهج السلف لتجنَّب ما يشوه هذه الدعوة، لا أن يتمسَّك بكل شيء بغض النظر عن العواقب. ومن القواعد السلفية أنَّ كل بدعة لا تقوم إلا على ظهر سنَّة، فالاجتهاد في البدع لا بدَّ أن يكون مضرًا بالقيام بالسنَّة، وكذلك، فالانشغال بالخصومات غير النافعة لا بد أن تعود بالضرر والضعف على القيام بالسنَّة، ونشرها، وملاحظة ما يعين على ذلك، وتجنب الأسباب المخالفة لها، لأنَّ كل سرفٍ لا بدَّ أن يكون معه حقٌّ مضيَّعٌ، وهو شيءٌ قد لا يدركه من هو غارقٌ في هذه الخصومات.
خاتمة:
هذه قصة المطاعن التي على الإمام، ويتبين بها تأول الامام، وعدم تأثيرها على ما استقر عند علماء المسلمين وفقهائهم من اعتبار قوله والاحتجاج بمذهبه والإقرار إمامته، وتبينت المصالح الظاهرة التي قام عليها هذا الاتفاق بين المسلمين، وأنَّ مخالفته على ما فيه من مفاسد ظاهرة لا يقوم على حاجة، ولا تظهر فيه مصلحة.
وبعد هذا كله، نأتي فنقول: ما الذي نريده ممن تأثَّر بهذه الفتنة المعاصرة؟
نقول جوابًا عن ذلك: من بقي مصرًا على موقفه، لا يرى هذا مقنعًا له، فإننا لا نطلب منه شيئًا كبيرًا، ولا نكلفه أمرًا شاقًا، ولا نحمله ما لا طاقة له به، لا نريد منه أن يكتب المدونات في فضل الامام، ولا أن يدافع عنه، ولا حتى أن يعتقد فضله في قلبه، فغاية ما يُراد منه أن يكفَّ لسانه، وأن ينشغل بما ينفعه في دينه ودنياه، وأن يعتني بنشر الحق وبيان السنة دون استطالة على أحدٍ من أهل العلم، وأن يكونوا مع الأمة في كلمةٍ سواء لا تثير الافتراق والشحناء والخصومات.
وليس في هذا الموقف أدنى ضررٍ على بيان الحق ونشر السنَّة ونصرة العقيدة الصحيحة، والسكوت عن أبي حنيفة ليس فيه إدنى إشكال، فلن يقع الساكت في أدنى حرجٍ من هذا السكوت بحيث يخشى من لحوق الإثم. فلا يراد من الطاعنين إلا ترك الخوض في أعراض المسلمين، وأن لا يجعلوا الطعن في أبي حنيفة محنة يشغلون الناس بها، ويمتحنون بها الشباب السلفي المتدين بأنَّه لن يكون صادقًا في تدينه واتباعه للسلف إلا إذا تفكَّه بعرض هذا الإمام، فهذا والله من الغش العظيم، والخذلان الكبير.
فإن ركب رأسه وأصرَّ بعد ذلك على العناد، وأبى إلا المناكفة والخصومة فهذا كاشفٌ عن حجم السفاهة التي تحرك هذه الظاهرة، وأنها تتغذَّى بهذه الخصومات وآثارها القبيحة، ويكشف عن حجم الجمود الذي يحرك هذه الفتنة، فليوقنوا بعد ذلك أنهم لن يروا من علماء المسلمين، ولا من عامتهم إلا كلَّ نكيرٍ ورفضٍ وتشديدٍ، وأنَّ حياتهم ستدور في فلك هذه الخصومات، ودفع القيل والقال، ولا يتلاعب بهم الشيطان فيظنوا أنَّ هذا من رفض الناس لمنهج السلف، أو عدائهم لمعتقدهم، بل هو رفضٌ لضعف العقل، وضيق النفس، وقصور العلم الذي يحرك هذه الظاهرة.
ربنا اغفر لنا، ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا ربَّّنا إنك رؤوف رحيم.



