إيمان عبد المنعم
﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن یَشۡرِی نَفۡسَهُ ٱبۡتِغَاۤءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِ﴾
إن ما يمنح حياة الإنسان المعنى في أوقات الأزمات وتفشي الظلمات ـ كالتي نعيشها ـ هو العطاء والبذل، وليس الأخذ والشعور بالاستحقاقية، ولذلك فإن كل محاولة لصنع المعنى وحل أزماته (على مستوى الفرد والأمة) دون تأكيد هذه الفكرة كسياق كامل يعيش داخله الإنسان، وليس كفكرة طارئة أو موقف عابر = هي محاولة فاشلة.
في سور الفجر والليل والضحى والبلد والعصر، وهي سور مكية بالطبع، بل ومن أوائل ما نزل، نجد هذا المعنى حاضرا وقويا، فرغم الواقع الصعب الذي كان يعيشه المسلمون آنذاك، لم يُسمح لهم بالانغماس في مشاعر المظلومية، والرضا بدور الضحية، بل تم الدفع بهم ـ عبر قضايا إيمانية كبرى وحاسمة، وأعمال عظيمة فيها من البذل والعطاء والتضحية ما فيها ـ إلى الوقوف في مقامات التحدي والمقاومة، ومن ثَمَّ التأهل لمقام تبليغ رسالات الله والإمامة في الدين، معانٍ مثل تلك: (فأما من أعطى واتقى) (الذي يؤتي ماله يتزكى) (كلا بل لا تكرمون اليتيم (١٧) ولا تحاضون على طعام المسكين) (فأما اليتيم فلا تقهر (٩) وأما السائل فلا تنهر (١٠) وأما بنعمة ربك فحدث) (إن الإنسان لفي خسر (٢) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦)﴾
معانٍ مثل تلك صنعت (مصعب بن عمير) رضي الله عنه، الذي مكث بين أهل المدينة وحده يعلمهم دينهم ويقرأ عليهم القرآن قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم.
رجل واحد مثل مصعب مكَّن للإسلام في دار الهجرة والتف حوله الأنصار الذين سيكونون نقطة تحول في مسيرة هذا الدين، رجل واحد مثل مصعب صنعته هذه المعاني تحديدا، معاني البذل والعطاء والتضحية دون انتظار لشيء، فقط (ابتغاء وجه ربه الأعلى)، فقط إيمانا برسالة هذا الدين ورغبة في هداية الناس، لقد صنع الوحي ضمن ما صنع داخل كل مسلم هذا الهم الرسالي وحمَّله ضمن ما حمله هذه الأمانة.
في حياة (مصعب بن عمير) ومماته نقطتان مضيئتان إضافيتان، فوق كل ما سبق، أحب التركيز عليهما، ذلك لأن الضوء المشع منهما يكشف عن أكبر العوائق التي تهدد إمكانية انبعاث هذه الأمة المسلمة، وتترصد مسيرتها:
ـ أما النقطة الأولى فهي نشأة مصعب الاجتماعية وإرثه العائلي، فربما يظن أحدهم أن هذه القدرة الكبيرة على العطاء دون مقابل منشؤها حياة متقشفة وعيش زهيد سهلت لصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم الانغماس في همه الرسالي دون تراجع ولا تردد، لكن المفاجأة أن (مصعب بن عمير) هو واحد من أنعم فتيان قريش وأطيبهم عيشا قبل الإسلام، نشأ مترفا مدللا بين أبوين محبين، ومع ذلك لم يخلد إلى ذلك كله، بل يتركه وراءه، فيحبسه أهله بسبب إسلامه، ويعاني ذلك حتى يهاجر إلى الحبشة، ثم يرجع إلى مكة ثم يهاجر إلى المدينة ثم يقاتل حتى يُقتَل في غزوة أحد، حياة قصيرة وهبها مصعب كلها لله، وكان أعظم ما فيها ذلك التحول المدهش من حال الدعة والترف إلى حال الزهد والتقشف من أجل دين الله وفي سبيل رسالته العظمى، انظروا موقف النبي صلى الله عليه وسلم لما رآه مقبلًا وعليه إِهاب كبش قال: «انْظُرُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي قَدْ نَوَّرَ اللَّهُ قَلْبَهُ، لَقَدْ رَأَيْتُهُ بَيْنَ أَبَوَيْنِ يُغَذِّوَانَهُ بِأَطْيَبِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، فَدَعَاهُ حُبُّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى مَا تَرَوْنَ»
ذلك التحول يبث الأمل في قلوبنا رغم كل مغريات الحياة وقيود الترف التي تأسر أبناء الأمة وتعطل انبعاثهم وتعوق مسيرتهم الإصلاحية، ذلك التحول كان نورا من الله في القلب وحبا لله ورسوله.
ـ وأما النقطة الثانية فهي نهاية مصعب وخاتمة حياته، فإن حياة حافلة بالبذل والعطاء والتضحية مثل حياة مصعب لم يكن ليليق بها إلا موت هو كذلك، ذروة في البذل والعطاء والتضحية، فإذا هو شهيد قد بذل روحه ودمه في سبيل الله، ومشهد استشهاد مصعب نفسه مشهد مهيب إذ هو حامل لواء المهاجرين في غزوة أحد، تُقطع يداه ولا يترك الراية، والأشد هيبة ومحل العبرة والنقطة المضيئة التي أود التزود منها ها هنا هو مشهد تكفين مصعب رضي الله عنه، وسآتيك بالمشهد على لسان الصحابة الكرام بعد سنوات من مقتل مصعب نفسه: [عن خباب قال: هاجرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن نبتغي وجه الله، فوقع أجرنا على الله، فمنا من مضى لسبيله لم يأكل من أجره شيئا، منهم: مصعب بن عمير قتل يوم أحد، ولم يترك إلا نمرة، كنا إذا غطينا رأسه بدت رجلاه، وإذا غطينا رجليه بدا رأسه، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – :”غطوا رأسه، واجعلوا على رجليه من الإذخر”، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها]
أرأيت هذه الكلمة: (فمنا من مضى لسبيله لم يأكل من أجره شيئا) هذا هو مصعب ضحى بكل شيء ولم يأكل من أجره شيئا، وهذا هو ما يتوجب على أبناء مصعب في كل زمان ومكان، إذا أرادوا انبعاث أمتهم من رقدتها الطويلة، وإخراجها من الظلمات إلى النور فعليهم أن يبذلوا كل شيء دون انتظار شيء.
[عن أبي ذرٍّ، قال: لَمّا فرغ رسول الله ﷺ يوم أُحد مرَّ على مصعب بن عمير مقتولًا على طريقه، فقرأ: ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾]
لقد صدقوا ما عاهدوا الله عليه وباعوا أنفسهم لله بأن لهم الجنة ولا ثمن دون ذلك يرجون ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١)﴾
هذه المعاني العظيمة التي صنعت (مصعب بن عمير) وغيره من جيل الصحابة الكرام لم تنفد بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم، ولم ينتهِ أثرها، بل نما وتفرع، وبقي وتمدد كما تمددت جيوش المسلمين في سائر بلاد الأرض، ولذلك نجد بعد سنوات من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم صحابيا مثل (ربعي بن عامر) رضي الله عنه واقفا أمام قائد جيش الفرس بكل زخرفه وزينته ليُلقي بيان الإسلام ويلخص رسالة المسلمين وأمانتهم: (إنَّ الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام)
وتأمل هذا الابتعاث وتأمل غايته الرسالية إلى أهل الأرض جميعا بوصفهم عباد الله، وتأمل كذلك هذا الاستحضار الدائم في نفس المسلم الحق لمقامات المواجهة والتحدي والمقاومة، والعجيب أن قوله تعالى ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن یَشۡرِی نَفۡسَهُ ٱبۡتِغَاۤءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ﴾ الذي اتخذته عنوان حديثنا يفيض ـ ضمن ما يفيض به من معاني البذل والإخلاص ـ بمعاني التحدي والمقاومة، راجع ما رجحه الإمام الطبري في تفسير الآية وأورد فيه آثارا عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم جميعا، ومنها: [عن عكرمة: أنّ عمر بن الخطاب كان إذا تلا هذه الآية: ﴿ومن الناس من يعجبك قوله﴾ إلى قوله: ﴿ومن الناس من يشري نفسه﴾، قال: اقْتَتَل الرجلان]
فلا تحسبن البذل والعطاء يكفيان وحدهما للخروج من الظلمات، بل لا بد من الاستعداد لتحمل تبعات تحدي المفسدين ومقاومتهم، لأنهم لا بد موجودون، يسعون في الأرض فسادا، ويهلكون الحرث والنسل.
في خواتيم سورة يونس وخواتيم سورة هود، وهي سور تحدثنا عن واقع الاستضعاف الذي عاشه الأنبياء ـ صلوات الله عليهم ـ وأتباعهم في كل زمان، نجد أنه لا سبيل إلى الاستسلام، ولا عذر في التخلي عن دورك كمؤمن في تبليغ رسالات الله والقيام بأمره كما أراد في هذه الأرض، ها هو موسى عليه السلام يُلقى إليه بيان في مواجهة فرعون ﴿وَقَالَ مُوسَىٰ يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾
لا بد من التوكل والدعاء والصلاة، لا مجال لليأس والانهزام رغم شدة الاستضعاف والقهر.
وها هو البيان الختامي لسورة هود، وصية الله للنبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام:
﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا ۚ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ ۗ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾
لا يعني الواقع المحاصر أن تيأس وتستسلم، بل إن هذا الواقع نفسه رغم صعوبته هو الذي يجب أن يدفعك إلى أعمال أعظم وتضحيات أكبر وبذل لا حد له، الواقع الصعب يحتاج إلى أعمال عظيمة للتغلب على صعوبته، لكن النقطة الحرجة التي ينبغي تجاوزها هي أن هذا الواقع نفسه هو الذي يحاصرك ويقيد إمكانياتك ويعطل قدراتك، فكيف تخرج منه إلى أعمال أعظم؟! إنه تحدٍ مركب لكن الوحي يضعك فيه مباشرة ويدفعك نحوه باستمرار.
من كل ما سبق نصل إلى تقرير مهم، إصرارنا في الحياة عموما ـ بما تحمله طبيعتها من الكبد والكدح والابتلاء ـ وفي الأزمان الصعبة خاصة، على تحقيق الراحة والشعور بالامتلاء وتحقيق الذات (بكل ما يعنيه هذا المصطلح الزائف من تمركز حول الذات وأنانية مفرطة وفردانية بغيضة) هو انحدار ـ دون أن ندري ـ نحو الانهيار النفسي والأخلاقي للأمة كلها، مع فقدان أغلب أفرادها لإحساسهم بمعنى الوجود وقيمة الحياة، مهما كانت درجة تدين هؤلاء الأفراد الظاهرية.
إن البذل المؤمن ابتغاء مرضاة الله هو أول خطوة في بعث هذه الأمة من جديد وخروجها من الظلمات إلى النور، وإن العطاء الرسالي رغم الظروف الصعبة، دون انتظار شيء، هو الوسيلة الوحيدة للاحتفاظ بالمعنى ومقاومة الانهيار، وقديما لخصوا كل شيء فقالوا:
بصرت بالراحة الكبرى فلم ترها – – تنال إلا على جسر من التعب
﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱصۡبِرُوا۟ وَصَابِرُوا۟ وَرَابِطُوا۟ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ [آل عمران ٢٠٠]



