عام

استنطاق لعينية ابن زُريق

  • محمد قناوي

نُبذة عن الشاعر[1]:

هو أبو الحسن علي بن زُرَيق الكاتب البغدادي، نشأ في بغداد ثم رحل إلى الأندلس ومات بها، ويقال إنه خلّف في بغداد حبيبة له، وذهب لمدح أحد الأمراء طمعًا في المال، ولكن خاب مسعاه في ذلك الأمر، ولم يصب الشيء الذي أراده من مدح الرجل، فمات كمدا ووجدوا معه هذه القصيدة. وفي هذه الوريقات حاولت أن أستنطق ما عاناه ابن زريق أثناء إنشائه هذه القصيدة، ولكنه أمر عسير، وفيه من الأوهام شيء كثير، ولكن لا ضير ما لم يكن حراما.

* * * *

عاد بجناح مكسور، وقلب مكلوم، ثم أسرج السراج، وألقى بنفسه في مكانه، واجما منقبضًا، لا يحرك ساكنا، ولا ينطق بكلمة، معركة ما هنالك قامت بداخله، فبين نفس تلومه تارة، وداعي هوى يدفع عنه اللوم تارة أخرى، وتراه تحسبه هادئًا وهو يغلي غليان المرجل. أي شيء حدا بي أن أتجشم هذا العناء، أما لو رضيت بالنزر القليل وأنا ساكن قرير العين معها، ولكن:

تأبى المطامع إلا أن تجشّمه للرزق كدّا وكم ممن يودعه

وتذكر ما عاناه من البراري والقفار، والمهامه والبحار، تذكر تلك الآمال التي كانت في مخيلته، فعصفت به الآلام والأحزان عصفا، حتى اصطرخ قائلا لنفسه التي تصب عليه اللوم صبّا:

لا تعذليه فإن العذل يولعه قد قلتِ حقًّا ولكن ليس يسمعه
جاوزتِ في لومه حدّا أضرّ به من حيث قدرتِ أن اللوم ينفعه

ثم سكنت نفسه العاذلة قليلاً، فأجهش هو بالبكاء، واستهل صارخا، فهو يتقلب بين نارين؛ نار حسرة وندم، ونار شوق وألم، فإن المرء أول ما تبغته الباغتة يهرع إلى أحضان من يحب، ويرمي بنفسه فيها، ويتغاضى كل منهما عن ذنب صاحبه، فمن له الآن بهذه الأكناف التي كانت تحفّه وتزيل وحشته وكآبته، وينزوي فيها كأنه يهرب من هذه الدنيا إلى عالمٍ يطمئن فيه ويسكن إليه. فقال:

ألا أقمت فكان الرشد أجمعه لو أننـي يوم بان الرشد أتبعه

ثم عادت العاذلة تقول: ما كل هذا، أوهذه أول مرة تتركها طلبا للمال، أوهذه أول مرة تسخط على ما آتاك الله، وتطمح بعينيك كل مطرح، أبى الله إلا أن ينالك التعب والنصب أن ازدريت عطاءه لك، ياهذا:

وما مجاهدة الإنسان واصلة رزقًا ولا دعة الإنسان تقطعه
والله قسم بيـن الخلق رزقهم لم يخلق الله مخلوقا يضيعه

فقال مستعبرا بقلب مهشّم، يبتغي الإعذار:

لكنـهم ملئوا حرصا فلست ترى مستـرزقا وسوى الغايات تقنعه

فأوحت إليه بقولها:

والحرص في الرزق والأرزاق قد قسمت بغي، ألا إن بغي المرء يصرعه

هذه المرة أحس أن عزمه تبدد، وأن اللقاء بها لن يتجدد، فهذه البحار لو نجوتُ من أهوالها، فمن ذا ينجيني من طول الفيافي ووحشتها وكآبتها، حتى أطلت عليه غمّة شديدة، وغصة مريرة، وأخذ يقلّب نظره في السماء بعين إنسانها غرِق، ويقول:

أستودع الله في بغداد لي قمرًا بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه
ودعته وبودي لو يودعنـي صفو الحياة وأني لا أودعه

وتذكر دموعها يوم أزمع الرحيل، وتذكر لهثها وراءه تقسم عليه بكل مقسم ألا يتركها فقال يقرع سن الندم ولات حين مندم:

وكم تشبث بي يوم الرحيل ضحى وأدمعي مستهلات وأدمعه
وكم تشفع بي ألا أفارقه وللضرورات حال لا تشفعه

يا هذا ويحك! أوتبكي بين يديك حبيبتك ولا ترحمها! أويحل المال في قلبك منزلة أظهر من منزلتها، أويكون الظفر به عندك أشهى من أن تظفر بها! لعمري لقد جنيت على نفسك جناية لا تغتفر، فاضرع لربك بالدعاء في وقت السحر، ألا فادع، ومن ذا يرد على الله القدر، ثم قال:

أعطيت ملكا فلم أحسن سياسته وكل من لا يسوس الملك يخلعه
ذ
ومن غدا لابسا ثوب النعيم بلا شكر فعنه الله ينـزعه
ما كنت أحسب ريب الدهر يفجعني به ولا أن بي الأيام تفجعه
حتى جرى البين فيما بيننا بيد عسراء تمنعني حظي وتمنعه

ثم هبّ من مكانه هبّا، أراد أن يصرف عنه الوساوس، أراد أن يصبر نفسه، فما دام فيّ رمق فعسى أن أعود إليها، عسى أن أجتمع بها، ولكنه متقطع الأوصال، حياته في إدبار، ومماته في إقبال، هيهات هيهات قد عيل صبره، وتنهد يقول:

لا أكذب الله ثوب الصبر منخرق عني بفرقته لكن أرقعه

فلما استحوذ عليه التعب والنصب، أخذته غفوة انقطع بها عن حاضره رأى فيها صورتها تنظر إليه، نظرة لم يتبين منها ما في قلبها، حتى لو نظرَتْ هي إلى نفسها ما علمت، فهي العاشقة، وهي المتفجعة، وهي التي تنتظر أوبته تارة، وهي التي تخشى ضياعه تارة أخرى، فهي التي تَصلَى بنار الشوق مثله:

لا يطمئن بجنبـي مضجع وكذا لا يطمئن له مذ بنت مضجعه

فأنّى لنظرات العين أن تكشف عن هذا الصراع القلبي، وعن هذه المأساة النفسانية، رآها تمد يدها إليه وهو يمد يده، ولكن لا أحد يصل إلى الآخر، كلما مدّ  أحدهما ساعده إلى الآخر تباعدت المسافات، حتى أفاق من غفوته فزعا، فعلم حقيقة الأمر ومآله، فقام من مكانه والدنيا تدور به، وتحسس قرطاسا يكتب فيه، لواعج النفس، زفرات الندم، ووخز الشوق، ورأى وهو يكتب مجلسهما معا، فيه الضحك والبكاء، وفيه الفرح والحزن، يوم كان يفزع إليها كلما حزبته حازبة، وتهرع إليه كلما نزلت بها نازلة، كل هذا يتراءى له، فتنهّد تنهيدة الموت ثم كتب:

بالله يا منزل الأنس الذي درست آثاره وعفت مذ بنت أربعه
هل الزمان معيد فيك لذتنا أم الليالي التي أمضت ترجّعه
في ذمة الله من أصبحت منزله وجاد غيث على مغناك يُسرعه
من عنده لي عهد لا يضيعه كما له عهد صدق لا أضيعه
ومن يصدع قلبـي ذكره وإذا جرى على قلبه ذكري يصدعه
لأصبرن لدهرٍ لا يمتعني به ولا بي في حال يمتعه
علمًا بأن اصطباري معقب فرجًا فأضيق الأمر إن فكرت أوسعه
عسى الليالي التي أضنت بفرقتنا جسمي ستجمعني يوما وتجمعه
وإن تغل أحد منّا منيته فما الذي بقضاء الله نصنعه

تقول القصة: إنه دُخِل عليه الخان الذي كان يقيم به فوجدوه ميّتا وعلى رأسه هذه القصيدة التي تصدع القلب. قصيدة كما قيل فيها ” يسمع المحب فيها رجع أنّاته، ويحس الغريب منها لذع الغربة ويكوي فؤاده ويشده إلى مراتع صباه ومراتع لهوه، ويغذّي الصوفي بها مواجيده وأشواقه، ثم يجد فيها قارئ الشعر متعته بما يسري فيها من نغم علوي وإيقاعٍ آسر”[2]

وليس ما فعلته شرحًا لها، وليس عندي بكل ما ذكرته سند يعرف، وإنما هي توهمات مني لاحت لي أثناء دندنتي بها، فكنت في كل مرة أضع نفسي مكانه، ماذا لو كنت أنا الذي فجعتني الأقدار بمفارقة من تأوي إليها روحي، وتسكن في كنفها نفسي، فلم يكن إلا أقل تخيلا وتوهمًا حتى كتبت هذا، فليس الترتيب الذي سقته ترتيبها، وليس ذلك شرحًا يفهم من خلاله القصيدة، وإنما نمط آخر في العيش مع الشعر، فرتعت في توهمات الشعراء فأتيت ببعض ما أتوا، ومن قال أن كل ما لفظه الشاعر قد كان، بل بعضه إلقاء شيطان!

اقرأ ايضًا: خطأ بوصلة الرجاء


[1] انظر طبقات الشافعية الكبرى بتحقيق محمود الطناحي وعبد الفتاح الحلو (1/308)، وثمرات الأوراق لابن حجة الحموي ص 475.

[2] مقالات الطناحي (1/119)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى