فكر وثقافةالدين

العالِمُ والمنصب – هل للعلماء مسار مهني؟

عبدالله الفهد 

لا تُفلح أمّة لا تكفي نوابغها هموم الكسب والمعيشة. 

هذه قاعدة لابدّ منها في كل نهضة، وهي متفرعة عن أصلٍ داخلٍ في عداد المسلّمات، وهو أنّ النهضة لا تكون إلّا إذا أتيح للنهاضين أن يروا رأيهم ويعملوا عملهم.. 

وقد اهتممت في حينٍ ما بالاطّلاع على بعض الهياكل الإدارية وسلالم الترقيات في بعض الشركات الأجنبية الكبيرة المختصة بالتقنية، فأتيحت لي المقارنة بالأنظمة المعمول بها في الشركات العربيّة، فوجدتُ أنّ من مشاكل العرب المُعطّلة عن النهضة: هي أنّهم لا يقدرون العلماء حق قدرهم، ولستُ أقصد التقدير الذي هو ثناء وإطراء واعتراف، فالعرب وإن كانوا لا يقصّرون في هذا في كثير من الأحيان -وهو مطلوب لأهل الفضل وللتعريف بالفضائل والفضلاء- إلّا أنّه هذا كلّه ينتظم في سلك العاطفة، والعاطفة مطلوبة كما قلنا ولكنّها ليست كافية، أمّا التقدير المطلوب فهو التقدير الذي يأخذ شكل النظام (System).

والنظام ينبغي أن يكون درجةً مرسومة يصعدها العالم ويتبصّرها فيعرف أين يقف اليوم وإلى أين يبلغ غدًا، فيُكفى هموم الكسب والاعتياش، ويعرف الناس من حوله منزلته بغير حاجةٍ إلى أن يُذكَّروا بها في مناسابات التكريم بين حين وحين أو بعد فوات الحين..

هذه الدعوة المجملة تحققها في الواقع يكون على هيئة ترقيات علميّة تحفظ للعلماء قدرًا من الجاه الذي يكفيهم التشوّف للمناصب، هذا يعني بلغة السوق: مسارات مهنيّة (career path)

فأغلب الوظائف عند العرب ليس فيها مسارات مهنيّة للعلماء، وهذا يضطرّ أصحاب الأعمال ومديري الشركات إلى أن يكافئوا العالِم بالمنصب الإداري. فإذا نبغ فيهم عالم أو تقني أو مهندس جعلوا له منصبًا إداريّا، والنتيجة في العادة ضياع العلم وضياع الإدارة على السواء!

أي هم يكافئون الذي يزداد علمًا وخبرة بأن يعزلوه عن العلم والخبرة!

وقد اختلط “الجاه” بالمنصب الإداري، وضاقت سُبله ومناحيه حتّى صار هو إيّاه، وبهذا حكم المجمتع على العالِم أن يبقى في علمه بلا جاه، أو أن يطلب الجاه بترك علمه. وأكثر الناس -والعلماء من جملة الناس- لا يحتملون أن ينفقوا أعمارهم وهم في منزلة دون ما تؤهلهم إليه كفايتهم. فيتشوّف العالم من أجل ذلك إلى المنصب، وتفسد ضروراتُ الحياة نيّات العلماء وهواياتهم.. 

ولانسداد الآفاق في وجوه العلماء الباذلين ضرر أخفى وأفتك من ضياع العلم والإدارة التي ذكرناهما، وهو امتهان العلم واحتقاره عند الآباء والناشئة على السواء، فانسداد الأفق يجنح بالآباء إلى توجيه أبناءهم نحو المسارات اليسيرة في اكتساب المعيشة ويعوّدونهم على أقصر طرق الكسب وعلى أخلاق السوق، ويتعلّم الناشئة من هذا الحال أنّ غاية العلم هو أن يكون ممرًا لا مستقرًّا، حتى يصبح معيار القرب من الإدارة والمناصب هو المعوّل في اختيار التخصصات. 

نشر لورنس بيتر بالاشتراك مع ريموند هِل كتابًا سنة ١٩٦٩، بعنوان: (مبدأ بيتر: لماذا تسوء الأمور دائمًا – The peter principle: why things always go wrong)  

وقرّرا فيه أنّ كلّ موظّفٍ في سلّم الرُّتب يميل إلى أن يرتقي حتى يبلغ الدرجة التي يعجز فيها، ثم يقف عندها. فالمهندس الماهر يُرقّى لاقتضاء المهارة، ثم يُرقّى للمناصب الإدارية، ثم يُرقّى، حتى يبلغ عملًا لا يحسنه فيبقى فيه. وقد ساق بيتر هذه النظرية في مساق النقد الساخر لأنظمةٍ تقع فيه على الغفلة.. وهذا عندنا أقرب إلى أن يكون المنهج المتّبع في تكريم النابغين!

ولقد اهتدت المصانع في أمريكا منذ منتصف القرن الماضي إلى نظام (السلّم المزدوج – dual ladder)  وهو نظام يقوم على أن يُنصب للمهندسين سلّمان: سلّمٌ إداريّ لمن يريد الإدارة ويُحسنها، وسلّمٌ تقنيّ يصعد فيه من يريد أن يبقى في صنعته، على أن يبلغ في آخره من الأجر والمنزلة ما يبلغه المدير في آخر سلّمه، دون أن يُطلب منه أن يرأس أحدًا أو يدير مشروعًا، وكان نظام السلّم المزدوج مثار نقاش طويل في الدراسات الإداريّة وكتبت عنه مراجعات وأضيفت إليه تحسينات، واقترحت عنه بدائل كالسلم الثلاثي وغيره، ومنه ما صنعته شركة (آي بي إم – IBM) منذ مطلع الستينيات, فقد جعلت للعلماء درجة علميّة هي “الزمالة” وهي أعلى ما يبلغه مهندسوها، ومن صلاحيات هذه الدرجة أن يُطلَق لحائزيها أن يختاروا ما يبحثون فيه، وأن تسخّر لهم الموارد وأن لا يُحاسَبوا على عدد من يرأسون، لأنّهم لا يرأسون أحدًا..

كان للعالِم في شطر من حضارة الإسلام حضارة العرب المثلى مسارٌ يشبه ما نطلبه اليوم، فالعالم يبدأ في الحلقة تلميذًا، ثم يُجاز فيُحدِّث، ثم يتصدّر للتدريس في الجامع، ثم يُسند إليه كرسيّ في مدرسةٍ موقوفة، وكانت الأوقاف هي التي تكفل هذا المسار، فتُجري على المدرّس رزقه من غلّة الوقف وموارده، ولمّا بنى نظام الملك مدارسه النظامية في النصف الثاني من القرن الخامس، جعل لها من الأوقاف ما يُقيم المدرّسين ويُقيم طلّابهم، فصار أعظم ما يطمح إليه العالم أن يدرّس فيها، ولم يكن يطمح إلى أن يدير شيئًا..

وقد استفدنا من هذا النظام، أعني نظام المدارس النظامية ولكننا لم نُحسن القياس عليه، فظلّت الترقيات المنوطة بالارتقاء في العلوم، مقصورةً على التدريس في الجامعات وبعض مراكز الأبحاث.. ثم صارت مرتّبات هؤلاء العلماء لا تصرف من مصارف الأوقاف فقيّدت فنون العلم واقتصرت مناهج التدريس على ما ترتئيه المؤسسات الممنهجة التي يسهل توجيهها.. 

كان العلماء في زمن الحضارة التي تقدّر العلم_ يفرّون من المناصب فرارًا لا يلوي على شيء، وتروي كتب التراجم من ذلك أنّ أبا حنيفة دُعي إلى القضاء فأبى، وضُرب على إبائه وسُجن، فلم يقبل. وتروي عن سفيان الثوريّ أنّه طُلب للقضاء فتوارى، وتروي عن أمثالهم من الفضلاء كثيرًا من القصص.. وهذا الإباء على ما فيه من ورعٍ وعلى رجوعه للتقوى إلّا أننا نفهم الكثير من طُرقه وممكّناته إذا فهمنا مقوّمات ذلك المجتمع وإذا عرفنا أنّ المجتمع يومئذٍ كان يمنح العالم من الجاه في علمه ما يجعل المنصب نقصًا فيه لا زيادةً مرموقة بأعين الإكبار. كان السلطان يسعى إلى العالِم ليأخذ منه، والعالم لا يسعى إلى السلطان ليأخذ منه. فلمّا انقلبت الحال انقلب السعي.. 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى