العلوم الاجتماعية والطبيعية

علم الاقتصاد علمٌ سياسيٌ في المقام الأول

خطورة توهم أن علم الاقتصاد مجرَّدٌ من الأحكام القيمية

 جوستاين هاوغه

ترجمة: عمر قناوي

في الحلقة الأخيرة من البرنامج الذي يقدمه الممثل الكوميدي جون ستيوارت، كان الضيف ريتشارد ثالر، وهو اقتصادي حائز على جائزة نوبل وله إسهامات كبيرة لاقت القبول في موضوع كيفية اتخاذ البشر القرارات. اتخذ النقاش، والذي كان مقدراً له أن يدور حول إسهام علم الاقتصاد السلوكي في شرح الاقتصاد، مساراً مختلفاً، وتحول إلى تصادم بين أسئلة الممثل حول السلطة والسياسة، وبين اقتصادي يجاهد من أجل الإجابة.

حين بدأ ستيوارت النقاش حول الطبيعة السياسية لعلم الاقتصاد قال “دائماً ما تختار الحكومة من يفوز ويخسر في المجال الاقتصادي ثم تتظاهر كأنها لم تفعل شيئاً، فالأسواق لا تتشكل بشكل تلقائي، إنما تُصمم بقدر ما”. هنا جاء رد ثالر الذي أدهش المحاور، حيث اختار العزوف عن الأسباب الواقعية بميله إلى التجريد: “لنعد إلى العالم كما يراه الاقتصادي”، وبدا على المحاور الإحباط من ذلك الرد.

أسئلة ستيوارت كانت في غاية الوجاهة ولها ما يبررها بناءً على ما يراه من مشكلات في الواقع، أسئلة مثل طبيعة السلطة والرأسمالية وعرض المشاكل السياسية على أنها مسائل تقنية فحسب ولا علاقة للسياسة بها. وإن عجز شخص فاز بجائزة نوبل عن مناقشة تلك القضايا مناقشة واقعية لدليل على شيء في غاية الأهمية، ألا وهو أن علم الاقتصاد منفصل عن أسئلة السياسة، رغم أنه لا يمكن بحال من الأحوال إسقاط البعد السياسي منه.

السياسة التي يفترض علم الاقتصاد أنها غير موجودة 

حين نفتح أي كتاب مدرسي في الاقتصاد ستجد شرحاً لمنحنيات العرض والطلب، وتُعرض كما لو أنها تعمل في عالم لا وجود فيه لأي عنصر سياسي. على سبيل المثال، ستجد نماذج التجارة الدولية التي تفشل في شرح وتوضيح أن اتفاقيات التجارة تتشكل عن طريق التحالف بين الشركات والقوة الجيوسياسية. وإذا تفحصت نماذج أسواق العمل ستجد أن ما يحدد الأجور هو الإنتاج الحدي دون أي اهتمام بمحددات أخرى في الواقع، مثل قوانين العمل ودور النقابات العمالية ونقل الوظائف خارج الحدود. ستجد نماذج النمو الاقتصادي باعتبارها عوامل لرأس المال ومستوى والتكنولوجيا، ولكن قل أن تجدها باعتبارها عوامل للنهب الاستعماري واستعباد القوة العاملة، واللذان من شأنهما أن ييسرا تراكم رأس مال.

ولعل الأكثر انتشاراً وشيوعاً، أن التيار الاقتصادي السائد يتعامل مع الأسواق كأنها ظواهر طبيعية تنشأ من مجرد ترك الناس ليختاروا ما يحلو لهم. في الواقع الأسواق تبنى بالقوانين وتحافظ عليها المؤسسات وتحميها الدولة. وضح كارل بولايني تلك النقطة بجلاء في كتابه “التحول العظيم” الذي نشر في عام 1944، فقد بين أن لا شيء حيادي في مبدأ “دعه يعمل دعه يمر”. فنشوء نظام سوق مثل السوق الحر يتطلب تدخلاً كبيراً من جانب الدولة في تشكيل القوانين والسياسات وإعادة تشكيل الروابط الاجتماعية.

إن الطريق إلى تشكل نظام السوق الحر كان نتيجة زيادة وتيرة التدخل المستمر المنظم، فقد كرس المسؤولون جهدهم من أجل الحفاظ على عمل النظام. لذا لا يستطيع كل من الحالمين بإبعاد الدولة عما يرونه مهام غير ضرورية ومن يؤيد فلسفة تقييد التدخلات الحكومية، لا يستطيعوا أن يطمئنوا متى سارت الأمور على هذا النحو من تشكل ما هو ضروري لقيام نظام السوق الحر، سواء من أشكال السلطة الجديدة أو الأدوات اللازمة.

ولنأخذ مثالاً آخر هو خير دليل على الطبيعة السياسية لعلم الاقتصاد، ألا وهو السياسة النقدية. فقد شاع النظر إلى مفردات السياسة النقدية من معدلات الفائدة وتحديد معدل التضخم وإصدار اللوائح المالية، شاع النظر إليها كأمور حيادية موضوعية. لكن عند التدقيق هي أمور سياسية بالأساس. فمثلاً اختيار معدل فائدة متدن يجعل الكفة تميل إلى صالح المقترِضين وأصحاب الأصول والأسواق المالية، أما إذا كان معدل الفائدة مرتفعاً تكون الكفة لصالح الحفاظ على قيمة أموال المودعين، ولكن تأتي مع تلك السياسة مخاطر زيادة نسبة البطالة وتباطؤ النمو. مثلاً حين يضع المجلس الاحتياطي الفيدرالي أو البنك المركزي الأوروبي السياسة النقدية، يجعل من إعادة توزيع الثروة في المجتمع معياراً لاتخاذ القرار. ولولا الترتيبات السياسية لما كان لهذه المؤسسات وجود. في حين أن الحفاظ على استقرار الأسعار هو الأولوية الأساسية للبنوك المركزية الغربية، بخلاف البنك المركزي الصيني الذي يتخذ من تنظيم الأسواق الخاصة أولوية له، والجامع بين هذه السياسات المختلفة أنها كلها تصدر عن أحكام قيمية، وتكتلات سياسية تمثل مصالح أصحابها. وكون هذه القرارات تتخذ من قبل بنوك مركزية “مستقلة” لا يخلع عنها صفتها السياسية؛ كل ما في الأمر أنه يخفي الجوهر السياسي بغطاء يعتبره البعض خبرة تقنية في المجال.

على نفس المنوال، يمكن القول إن مختلف أشكال الميزانيات الحكومية تصدر أيضاً عن أحكام سياسية وأخلاقية. فالاختيار بين أي نوع ضرائب هو الأفضل بين الضرائب التصاعدية والثابتة، هو اختيار نابع مما يراه مجتمع ما حول مسألتي العدالة واللامساواة، وليس مجرد خيار يُحدد بناءً على الكفاءة أو مثالية باريتو. ما تعتبره الحكومة أولوية إنفاق سواء كان الدفاع أو التعليم أو الرعاية الصحية يعد علامة على أي الأمور والفئات تهم المجتمع ويراها جديرة بالإنفاق. والاختيار بين سياسة التقشف أو سياسة التحفيز يعكس ما استقر لدى المجتمع من مفاهيم المسؤولية والالتزام تجاه المجتمع وما يمكن المخاطرة به. وحين تملي مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بعض السياسات التقشفية على الدول النامية، وهو أمر لطالما دُفعت الدول إليه دفعاً من خلال برامج التكيف الهيكلي في العقود الماضية، فإن تلك الأفعال تنبع من الافتراضات الأيديولوجية التي لا تحبذ دور الدولة وتعظّم من شأن السوق.

كيف تماهى علم الاقتصاد مع ’العلم‘؟

وإذا نظرنا إلى مدى حضور تلك الأسئلة السياسية سواء في المقررات أو الكتب الدراسية، فلن تجد إلا مناقشة سطحية، في حين تستحوذ مسائل النمذجة الرياضية على أغلب النقاش. تلك كانت تجربتي أثناء دراسة بكالوريوس الاقتصاد. فهناك غياب شبه كامل للمواضيع التي تتناول الطبيعة السياسية لعلم الاقتصاد أو تاريخ تطور النظام الرأسمالي. وقد قال لنا أحد الأساتذة بصراحة لا مواربة فيها إن مهمتهم ليست تعليمنا الاقتصاد كما هو في الواقع، بل تزويدنا نحن الطلاب بالمهارات التقنية لفهم علم الاقتصاد. وما فات هذا الأستاذ أنه مع ازدياد حصيلتنا المعرفية في الرياضيات والإحصاء، وهي طبعاً معرفة مفيدة، نزداد بعداً عن الفهم الحقيقي للاقتصاد. فتدريس إطار علمي يخلو من الفلسفة والسياسة لا يترك فقط فجوات في معرفة الطلاب، بل يملأ ذلك الفراغ بافتراضات لم يفكر فيها الطلاب أبداً.

لم تكن الأمور هكذا أبداً، فهذا آدم سميث وكارل ماركس، اثنان من أبرز أعلام علم الاقتصاد في تاريخه، فكلاهما رغم اختلاف توجهاتهم الأيديولوجية نظروا إلى علم الاقتصاد كعلم وثيق الصلة بالسياسة. حتى إنهم لم يختاروا علم الاقتصاد “المجرد” اسماً لهذا الحقل المعرفي، بل سمّوه الاقتصاد السياسي. فدراسة أسباب الثروة بالنسبة لسميث لا يمكن أن تنفصل بحال من الأحوال عن المسائل السياسية الكبرى من طبيعة الدولة والطبقات الاجتماعية وكذلك الفلسفة الأخلاقية أيضاً. أما ماركس فقد رأى أن الاقتصاد هو في جوهره نظام من علاقات القوى وليس مجرد بناء من آليات تبادل.

السؤال الآن متى حصلت كل هذه التغيرات؟ في سبعينات القرن التاسع عشر كان ثلاثة من الاقتصاديين البارزين، وليام ستانلي جيفونز وكارل منجر وليون والراس، على موعد مع تدشين ما أصبح يعرف بالثورة الحدية؛ فتمكنوا من تحويل مجال علم الاقتصاد المعتاد مثل الإنتاج والطبقة الاجتماعية والسلطة إلى مجال التفضيلات الذاتية والنمذجة الرياضية. فلم تعد قيمة الشيء تحدد من قبل العمالة أو العلاقات الاجتماعية، بل ظهر محدد جديد هو المنفعة الحدية، أي مقدار الإشباع الذي يحصله المستهلك الفردي من آخر وحدة من المنتج. تشكل الاقتصاد النيوكلاسيكي على الأسس التي أرساها توجه الثورة الحدية، وأصبح هو المذهب المهيمن على الفكر الاقتصادي المعاصر.

كان ذلك تحولاً على الصعيد النظري والمنهجي لعلم الاقتصاد. فعلم الاقتصاد، كما رأى جيفونز، علم يعنى بالكميات ويستلزم ذلك التعبير عنها رياضياً. أما والراس فقد شيد نظاماً محدداً من المعادلات الرياضية ليصف ظاهرة الاتزان العام وصفاً لا يُعوَّل فيه على الدليل التجريبي. شيئاً فشيئاً ازدادت خطى علم الاقتصاد ليقتفي أثر علم الفيزياء لينال ما يريده من أن يصبح علماً حقيقياً، واتخذ علم الاقتصاد من الفيزياء نموذجاً معيارياً له، وهو أمر أطلق عليه المؤرخ فيليب ميروسكي وصف “حسد الفيزياء”. طفق الاقتصاديون في استعارة العدة الرياضية من الفيزياء، وغاب عنهم أمر في غاية الأهمية، وهو أنه يستحيل على العلوم الاجتماعية استنساخ الصرامة التجريبية للعلوم الطبيعية.

أخذ الاقتصاديون الحديون الشكلانية الرياضية من فيزياء الطاقة في منتصف القرن التاسع عشر، وجعلوها سمة خاصة بهم عبر تغيير بعض المسميات، ثم أعلنوا للعالم انتصار المعرفة الاقتصادية الحقة. فمفهوم المنفعة في الاقتصاد أصبح نظيراً لمفهوم طاقة الوضع في الفيزياء، وسبب هذا الخطأ التفكك الجوهري في الاقتصاد النيوكلاسيكي.

منذ ذلك الحين والاقتصاد ينأى بنفسه عن باقي العلوم الاجتماعية. فبعد أن كان في حوار مستمر مع التاريخ والفلسفة وعلم الاجتماع والعلوم السياسية، تغير الوضع الآن وأصبح الهدف هو أن يكون علماً صلباً. وفي صنيع ألفريد مارشال بتسمية كتابه المهم “مبادئ علم الاقتصاد” عوضًا عن “الاقتصاد السياسي” إشارة واضحة إلى أن الاقتصاد لم يعد فرعاً من البحث السياسي كما كان، وإنما بات الآن حقل تقني له قوانينه ومناهجه الخاصة به مع ادعاء عريض للموضوعية.

لم تكن النتائج مبشرة. كثير من الخريجين اليوم بإمكانهم بناء النماذج النظرية، لكن ليس في مقدورهم شرح ما يحصل في الاقتصاد الفعلي. فبإمكانهم اشتقاق المعدل الضريبي الأمثل من خلال بعض الفرضيات لكن يبعد عنهم ويتعذر عليهم بحث القوى السياسية التي تجعل ذلك المعدل الضريبي أمراً واقعاً. إنهم بالطبع على دراية جيدة بالتفاضل والتكامل، أما قراءة تراث اقتصاديين من أمثال ماركس أو سميث أو كارل بولانيي فهو أمر بعيد عنهم.

وقد لاحظ أنجوس دايتون، وهو اقتصادي حائز على جائزة نوبل، أن علم الاقتصاد يعاني من مساحات عمياء خطيرة. ففي مقالة بعنوان “إعادة التفكير في الاقتصاد الذي أعرفه” حدد مواضع القصور الرئيسية في الاقتصاد السائد، ومن ضمنها إهمال التحليل الاقتصادي لدور السلطة، والتفضيل غير المبرر للكفاءة على حساب العدالة الاجتماعية، والتكبر المعرفي تجاه العلوم الاجتماعية الأخرى. إنه باختصار يتأسف على كيف أصبح الاقتصاد علماً لا يعبأ بالأخلاق.

حالنا على النقيض من الاقتصاديين المعروفين من أمثال آدم سميث وكارل ماركس مروراً بجون مينارد كينز وفريدريك هايك وصولاً إلى ميلتون فريدمان. فنحن لم نعد نفكر في الأخلاق، ولا فيما تعنيه الحياة الطيبة للإنسان. نحن مجرد تكنوقراط/ خبراء كل ما يهمنا هو الكفاءة فقط، أما سؤال الغاية من علم الاقتصاد أو جوهر الحياة الطيبة، فبضاعتنا مزجاة في ذلك.

استعادة السياسي

بالطبع هناك اقتصاديون واعون بالطبيعة السياسية لما يدرسون. والسبب وراء تفضيل سوق العمل لخريجي الاقتصاد عن أقرانهم في العلوم الاجتماعية الأخرى، هو ما يتمتعون به من مهارات تقنية قوية وهو أمر لا غنى عنه في سوق العمل. وأنا هنا لا أدعي أن الدراسة الأكاديمية لعلم الاقتصاد أو الاقتصاديين لا نفع منهم.

لكن إسقاط العنصر السياسي لعلم الاقتصاد ليس أمراً هيناً. فعرْضُ القرارات الاقتصادية وكأنّها مسائل تقنية محضة يُخاطر بإظهار السياسة بمظهر العلم. وحين يدرس الطلاب السوق كأمر محايد، وأن دور الدولة لا يأتي إلا حينما تفشل الأسواق، فإن ذلك كله يملأ أذهان الطلبة بالأيديولوجيا وهم غافلون تماماً.

إن علم الاقتصاد علم سياسي بالأساس، وهو لم يكن ولن يكون علماً محايداً أبداً. فهو في صميمه نتاج كل من الأيديولوجيات والأخلاق والمصالح المتعارضة والأنماط الاجتماعية والأولويات السياسية. أي محاولة لادعاء غير ذلك لا تجعل منه علماً دقيقاً، بل تزيد من تفاقم المشاكل. ولسببٍ مَّا حين خرج علم الاقتصاد للوجود كان اسمه الاقتصاد السياسي.

– – – – – – – – – – –

المصدر: https://www.theglobalcurrents.com/p/economics-is-fundamentally-political

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى