أندرو هاكر(1)
ترجمة: د. عبدالله الشهري
(1)
لم يعد تزايد أعداد النساء الأمريكيات العاملات خبرًا جديدًا. ففي عام 1960، لم يكن ضمن القوة العاملة إلا 35 % من النساء الأمريكيات. أما اليوم فقد بلغت هذه النسبة 55 %، مما يعني أن النساء يشغلن 44 % من مجموع الوظائف المتاحة. وإذا كانت هذه الأرقام مألوفة، فإن ثمة إحصاءات أخرى تُدهش حتى المختصين. فمنذ عام 1980، استحوذ النساء على 80 % من الوظائف الجديدة التي أُنشئت في الاقتصاد. وإذا استمر هذا المعدل، فستُشكِّل النساء أغلبية القوة العاملة بحلول مطلع القرن المقبل.
ومع تزايد إقبال النساء على العمل، أُعيد إحياء نقاشات قديمة، وأصبحت قضايا كان يُظن أنها حُسمت موضع جدل جديد. ومن هذه القضايا: ما إن كان ينبغي للنساء اللاتي لديهن أطفال أن يعملن أصلًا، وتحت أي شروط. ومنها أيضًا صور عدم المساواة التي تواجهها النساء، وكيف يمكن تجاوزها. وثالثة تتعلق بفرص التقدم الوظيفي، وما الذي ينبغي للنساء فعله إذا ما أردن المضي إلى الأمام. غير أننا ينبغي أن نسأل أولًا: لماذا دخل هذا العدد الكبير من النساء إلى سوق العمل؟
من الواضح أن معظم النساء يذهبن إلى العمل لأنهن يُردن الدخل أو يحتجن إليه. ذلك أن 45 % من النساء العاملات إما عازبات، أو سبق لهن الزواج، أو يعُلن أسرهن بأنفسهن؛ وجميعهن تقريبًا يعملن لإعالة أنفسهن. ومع ذلك، فإن النساء المتزوجات يشكلن أكثر من نصف القوة العاملة النسائية. فاللواتي ليس لديهن أطفال يلتحقن عادة بالعمل لأنهن يٌردن مستوى المعيشة الذي يتيحه دخلان للأسرة الواحدة. أما في حالة المتزوجات اللاتي لديهن أطفال، فمن الصعب تحديد عدد اللواتي يعملن بسبب الحاجة الفعلية إلى المال الإضافي. فعلى سبيل المثال، من بين الأزواج الذين يقل دخل الزوج لديهم عن 20 ألف دولار سنويًا، تعمل ثلثا الزوجات، ومن المفترض أن ذلك بهدف زيادة دخل الأسرة. ومع ذلك فإن ثلث هؤلاء الزوجات العاملات لا يتجاوز دخلهن خمسة آلاف دولار سنويًا. وحتى عندما يكون دخل الزوج بين 35 ألفًا و50 ألف دولار، فإن متوسط ما تجنيه الزوجة العاملة يبلغ 12,500 دولار. وقد تكون هذه الزيادة كافية لبعض الأسر، بينما قد ترغب أخريات في كسب المزيد، لكنهن لا يجدن وظائف أفضل أجرًا، أو يضطررن إلى الموازنة بين العمل والالتزامات المنزلية.
في الوضع الراهن، 52 % من النساء اللاتي يعملن يشغلن وظائف بدوام جزئي أو يعملن جزءًا من السنة فقط. وهكذا، عندما تعمل أم من الطبقة الوسطى لتسديد الرسوم الجامعية لأبنائها، يتلاشى الحد الفاصل بين الاختيار والضرورة. ويضاف إلى ذلك نتائج استطلاع حديث أجرته مجلة نيوزويك؛ إذ قلن ثلاثة أرباع النساء المستطلعات إنهن سيواصلن الرغبة في العمل، حتى لو لم يكنّ بحاجة إلى المال (1). فهن، مثل الرجال، يجدن في الحياة خارج المنزل قدرًا من الحرية والتحفيز.
ومن مجال الإمدادات، كانت الفرص متاحة بالفعل. فمع تركيز الاقتصاد على قطاع الخدمات والأعمال المكتبية، ازدادت الوظائف الملائمة لأمزجة النساء وتدريبهن. وفي الوقت نفسه، صار الأصل اليوم أن أي مهنة – كالإطفاء أو قطع الأخشاب مثلًا – يجب أن تقدم مبررات مقنعة إذا أرادت استبعاد النساء من الالتحاق بها. إضافة إلى ذلك، فإن استعداد النساء للعمل بأجور أقل في كثير من الأحيان يُطمِعُ فيهن أصحاب العمل الحريصين على خفض التكاليف. وباختصار، شهدت كل الفئات المذكورة ارتفاعًا في معدلات تشغيل النساء. خاصة ما يلي:
- تؤخر النساء الشابات الزواج والأمومة أكثر مما كن يفعلن في السابق، مما يطيل سنوات بقائهن في سوق العمل. ففي عام 1970، لم تكن سوى 9 % من النساء غير متزوجات عند سن السابعة والعشرين؛ أما الآن فإن 26 % من النساء في هذا العمر ما زلن عازبات. كما أن عدد النساء المتزوجات بين الثلاثين والرابعة والثلاثين، ممن لم يُنجبن بعدُ، تضاعف عام 1970.
- منذ عام 1970، ازداد عدد النساء اللاتي يعشن بمفردهن بنسبة 73 %، وارتفعت معدلات الانفصال والطلاق بنسبة 80 %، كما ارتفع عدد النساء اللواتي يترأسن أسرهن بنسبة 84 %. ومن المرجح أن تسعى النساء في جميع هذه الفئات إلى العمل.
- كان أكبر مصدر للعمالة الجديدة هو النساء المتزوجات، ومعظمهن رزقن بأطفال. ففي عام 1960 لم يكن ضمن القوة العاملة سوى 19 % من المتزوجات ذوات الأطفال. وارتفعت النسبة إلى 28 % عام 1970. أما اليوم فقد بلغت 54 %، ولا شك أنها ستواصل الارتفاع. كما أن معظم الأمهات اللواتي يمكثن حاليًا في المنزل يقلن إنهن يرغبن في العمل مستقبلًا.
غير أن ديبورا فالوز وسيلفيا آن هيولِت ليستا راضيتين عن هذه الاتجاهات. ففالوز، التي سأتناولها بعد قليل، ترى أن المكان الطبيعي للأم هو المنزل. أما هيولِت فتؤيد عمل المرأة، ولكنها ترى أن ذلك مشروط بتوافر ظروف معينة. وكما أشارت في كتابها، ما زلنا بعيدين جدًا عن تحقيق تلك الظروف.
يجمع كتاب ’حياة أقل‘ (A Lesser Life) بين ذكريات شخصية، ونتائج متناثرة مأخوذة من بحوث العلوم الاجتماعية، وهجوم حاد على كثير من المواقف النسوية. تقول المؤلفة، وهي اقتصادية محترفة وأم لأربعة أطفال، إن النسويات الأمريكيات “شجعن النساء منذ البداية على دخول عالم العمل وفق الشروط الذكورية”. فحين طالبت المنظمة الوطنية للمرأة بالمساواة في الفرص، إلى جانب جماعات أخرى، كانت تعِد النساء بأنهن سيكرسن أنفسهن لوظائفهن بالقدر نفسه الذي اعتاده الرجال. كذلك جَعْل الإجهاض قضية مركزية أوحى بأن “المرأة الحديثة لا تريد أن يكون لها أي شأن يتعلق بالأطفال”. وترى هيولِت أن النظر إلى الحمل بوصفه عائقًا مهنيًا إنما ينبئ عن قبول “النموذج الذكوري التنافسي”. ومن هنا جاء اتهامها للنسويات بأنهن أهملن الأسرة والنساء الراغبات فيها.
غير أن هيولِت، كما في مواضع أخرى، بالغت في طرحها حين ركزت على تيار واحد داخل الحركة النسوية. ففي أوساط أخرى كانت قضايا رعاية الأطفال والخدمات الأسرية تحظى بأهمية كبيرة لا شك. وترى هيولِت أن جميع النساء “توَّاقات إلى إنجاب الأطفال”، وأنه لا ينبغي لهن حرمان أنفسهن من إشباع هذه الحاجة. أما من ترغب في العمل، فينبغي أن تتمكن من الجمع بين الحياة المهنية والأمومة، كما فعل الرجال دائمًا. ولكن، بالنظر إلى أن عددًا قليلًا من الآباء يخصصون وقتًا مساويًا لرعاية الأطفال، فإن الأمهات بحاجة إلى دعم خارجي. لذلك تقترح إجازات أمومة مدفوعة الأجر مع ضمان الاحتفاظ بالوظيفة، إلى جانب خدمات رعاية أطفال مدعومة، وجدولة مرنة لساعات العمل تتيح القيام بالأعباء المنزلية. وتقول: “إن النساء يحتجن إلى أكثر من مجرد معاملة متساوية إذا أردن تحقيق ذواتهن في المحبة الزوجية والعمل معًا”.
وكما يُظهر كتاب ’حياة أقل‘، هيولِت نفسها أرادت الأمرين معًا. فعندما أصبحت أمًّا وهي تعمل في هيئة التدريس بكلية بارنارد، كانت تصطحب طفلها الرضيع إلى مكتبها، بل وإلى اجتماعات القسم أيضًا. وتروي أن زملاءها “لم يرُقْهم بكاء ليزا ولا امتلاء حِفَاضتها أثناء الاجتماع”. وعندما قال لها أحدهم: “نحن لا ندير حضانة أطفال وإنما كلية جامعية”، أجابت بأنها كانت تفترض أن عضوات هيئة التدريس ينبغي أن يكنَّ “نماذج تحتذي بها” الطالبات الجامعيات. وهي تظن أن عدم حصولها على التثبيت الأكاديمي إنما كان نتيجة “صراعها من أجل الإنجاب وتربية الأطفال مع الاحتفاظ بعملها”.
أُورِد هذه الحادثة لأن اصطحاب الأطفال إلى مكان العمل يختلف كثيرًا عن بقية المقترحات التي تطرحها هيولِت. فقد سألت عددًا من النساء اللواتي عملن أثناء تربية أطفالهن عن شعورهن إزاء وجود رضيع في المكتب. فرغم أن جميعهن اضطررن إلى التعامل مع مربيات يتأخَّرن عن الوقت المحدد، إلا أنهن جميعًا لم يؤيدن فكرة إحضار الطفل إلى العمل، حتى في الحالات الطارئة.
كما أنني لست مقتنعًا بأن النسويات هن المسؤولات عن الصعوبات التي تواجهها النساء في حياتهن المزدوجة. صحيح أننا جميعًا ننتقد – أحيانًا – أساليب الحركات التي نتفق مع أهدافها. ومع ذلك، فإن هيولِت، رغم كل ما تبديه من قلق، تبدو متسامحة بصورة لافتة مع الرجال الذين يُعفون أنفسهم من الجزء الأكبر من رعاية الأطفال. وهي نفسها تذكر أن الوقت الذي يخصصه الأزواج للأعمال الأسرية لم يزد خلال العشرين سنة الماضية إلا بنسبة 6 %. بل إن أزواج النساء العاملات لا يساهمون إلا بدرجة طفيفة أكثر من الرجال المتزوجين من ربات بيوت متفرغات.
وبالطبع فإن النساء اللواتي يحتجن حقًا إلى المساندة هن اللواتي يتحملن المسؤولية وحدهن بسبب الطلاق أو غيره من الظروف. فهؤلاء يستحققن خدمات رعاية نهارية لائقة، وهيئات يمكن اللجوء إليها حينما يمرض أطفالهن ويضطرون إلى البقاء في المنزل. ومن نافلة القول إن مثل هذه الخدمات ستكون باهظة الكلفة، ولا سيما إذا كانت بالمستوى الذي يُقال لنا إنه ينبغي أن نتوقعه. ويمكن القول إن أبناءنا لا يستحقون أقل من ذلك. لكن ينبغي أن نكون واضحين في نقطة واحدة: فهذه الخدمات، إلى جانب مساعدتها للأطفال، تنقذ أيضًا آباءً لا يقومون إلا بالقليل من واجباتهم، أو يهجرون أسرهم كليًا.
بدت ديبورا فالوز مهيأة للجمع بين الحياة المهنية والأمومة. ومن المؤكد أنها كانت تمتلك الخبرة والعلاقات التي تؤهلها للحصول على وظيفة جيدة. لكنها، بعد عدة أشهر من العمل في الإدارة الجامعية، خلَصَت إلى أنها مدينة لأطفالها بالتفرغ تفرغًا كاملاً. بل إنها أصبحت تعتقد أن جميع الأطفال بحاجة إلى هذا النوع من الرعاية. فهم، في رأيها، يحتاجون إلى أب أو أم ينتظرهم عند عودتهم من المدرسة، وهو أمر يصعب التوفيق بينه وبين معظم جداول العمل. وتقول فالوز إن أكثر المربيات حنانًا لا يستطعن أن يقُمن مقام الوالدين، فهما “شخصان فريدان ومتميزان في حياة أطفالهما”. وتضيف أن الأمهات المتفرغات يقضين مع أطفالهن سبع ساعات إضافية أسبوعيًا في المتوسط مقارنة بالأمهات العاملات. والواقع أنني أستغرب ألا يكون الفارق أكبر من ذلك.
أما جوهر كتاب ’عمل الأم‘ (A Mother’s Work)فيكْمُن في إدانة رعاية الأطفال خارج المنزل، استنادًا إلى زيارات قامت بها المؤلفة لعشرات المراكز في أربع ولايات. وتتمثل المشكلة الأساسية في أن قطاع رعاية الأطفال يميل إلى أن يكون صناعة قائمة على أجور الحد الأدنى. وبما أن الأجور متدنية، فإن عددًا قليلًا من العاملين يمتلك مؤهلات مهنية، كما أن معدل دوران العاملين مرتفع، وما يُقدَّم بوصفه رعاية ليس في الغالب سوى حفظٍ للأطفال ومراقبتهم.
يوجد حاليًا أكثر من خمسة وعشرين ألف مركز لرعاية الأطفال، ويبدو أن عددها مرشح للزيادة. وتشير دراسة حديثة أجراها مجلس المؤتمرات (Conference Board)، وهو جمعية لرجال الأعمال، إلى أن نحو خمسة ملايين طفل لا يوجدون أصلًا في هذه المراكز، بل يُتركون يوميًا في عهدة أشخاص آخرين (2). ويدفع الآباء الذين يعتمدون على الرعاية الخارجية متوسط ستين دولارًا أسبوعيًا، وهو مبلغ يلتهم جزءًا معتبرًا من راتب الأم. أما رسوم رعاية طفلين في سن ما قبل المدرسة فقد تستهلك 30 % من دخل الأسرة.
وكان المكان الوحيد تقريبًا الذي نال استحسان فالوز مركزًا في كامبريدج بولاية ماساتشوستس، كان يرتاده آباء وأمهات متعلمون وميسورو الحال. فمع وجود تسعة عشر راشدًا لرعاية خمسة وستين طفلًا، لم تكن الرسوم الأسبوعية البالغة 150 دولارًا تكفي لتغطية التكاليف، ولذلك كان يُطلب من الآباء المساهمة بجزء من العمل. وترى فالوز أن نسبة العاملين هذه إلى الأطفال، وهي أفضل حتى من تلك الموجودة في أرقى المدارس الخاصة، ضرورية لتقديم رعاية جيدة.
ومع ذلك فإن رسوم هذا المركز في كامبريدج تتجاوز ما تعود به كثير من الأمهات إلى منازلهن من أجور. ومع ذلك، لا تدعو فالوز إلى دعم حكومي مباشر. بل تقول إن علينا “أن نهيئ الظروف التي تسمح لمزيد من الآباء برعاية أطفالهم بأنفسهم”. ومن الخطوات التي تقترحها منح مخصصات أسرية، أي إعانة تُدفع للأمهات مقابل بقائهن في المنزل.
ويشير كتاب ’عمل الأم‘ إلى أن ما يقرب من نصف الأمهات العازبات يفضلن الحصول على المساعدة العامة عوضًا عن الالتحاق بوظيفة. وترى فالوز أن هذا يدل على أنه “حتى تحت أشد الضغوط الاقتصادية، ما زالت كثير من النساء يقررن عدم العمل”. غير أن المجموعة التي تشير إليها تتكون في معظمها من نساء بدأن الإنجاب في سنوات المراهقة، ومن ثم افتقرن في الغالب إلى المهارات والعادات التي يتوقعها أصحاب العمل. بعبارة أخرى، من غير المرجح أنهن يستطعْنَ العثور على وظائف تدر عليهن دخلًا يفوق ما يحصلن عليه من إعانات الرعاية الاجتماعية.
معظم النساء يعملن لأن الدخل الذي يجلبنه إلى المنزل يجعل الجهد المبذول في سبيله مستحَقًا. ومن ثم فإن أي مخصصات أسرية تتيح لمن ترغب في البقاء في المنزل أن تفعل ذلك، لا بد أن تكون كبيرة نسبيًا؛ أي أكبر بكثير من إعانات الرعاية الاجتماعية الحالية التي تُبقي 83 % من متلقيها تحت خط الفقر. وتشير أرقام عام 1984، وهي أحدث الأرقام المتاحة لدينا، إلى أن الأسر التي تعيلها نساء يعملن بدوام كامل يبلغ متوسط دخلها من العمل 22,799 دولارًا. وأشك أن مخصصات أدنى من هذا بكثير ستدفعهن إلى ترك وظائفهن.
أما بين المتزوجين، فإن أكثر من ثلث الأسر قد قبلت بالفعل بترتيب يقوم على عمل الزوج وحده، وقد فعلت ذلك من دون أن تتوقع أي إعانات حكومية. والأهم من ذلك أن هذا النمط شائع بين الأسر منخفضة الدخل بالقدر نفسه الذي هو شائع بين الأسر الميسورة. بل إن المخصصات التي تتصورها فالوز كانت ستؤدي، في حالات كثيرة، إلى تعزيز مستوى معيشة مريح أصلًا. أما الدعم الوحيد الموجود حاليًا، والمتمثل في الخصومات الضريبية الخاصة برعاية الأطفال، فإن المستفيدين الرئيسيين منه هم أسر الطبقة المتوسطة.
إن هيولِت وفالوز تتبنيان معًا ما يمكن تسميته موقفًا “ما بعد نسوي” (postfeminist)، وهو موقف عبّرت عنه أيضًا بيتي فريدان وجيرمين جير (3). ففي رأيهما أن الحركة النسوية لم تبالغ فحسب في الترويج لمباهج الحياة المهنية وفوائدها، بل قللت أيضًا من أهمية التجارب الأخرى في حياة المرأة. بل إنهما تريان أن كثيرًا من النساء الشابات بدأن يدركن أن الجمع بين الأبوة أو الأمومة الجيدة وبين العمل المرهق أمرٌ بالغ الصعوبة. في هذا السياق تذكرنا هيولِت وفالوز بأن كثيرًا من النساء ما زلن يضعن أسرهن وأزواجهن في المقام الأول، ولا يرغبن أصلًا في دخول سوق العمل. كما أن حديث المساواة والحقوق، على الأقل بالصيغة المعتادة، لا يجذبهن كثيرًا.
وتحلل جين مانسبريدج هذه الاتجاهات في كتابها المرتقب ’لماذا خسرنا تعديل الحقوق المتساوية‘ Why We Lost the ERA، وهو دراسة أصيلة وثاقبة للتعديل الدستوري الذي مُني بالفشل. فبصرف النظر عن رونالد ريغان، لم يكن لمعظم الرجال آراء قوية في هذا الموضوع، سواء تأييدًا أو معارضة. أما المعارك الحقيقية فقد دارت بين النساء أنفسهن. فالنساء الأكثر حماسًا للتعديل كنّ في الغالب أكثر تعليمًا، وأكثر اهتمامًا بالحياة المهنية، وأقرب إلى الاتجاهات الليبرالية أو الراديكالية. ومع أن معظم النساء أخبرن مستطلعي الرأي أنهن يؤيدن التعديل، إلا أن كثيرًا منهن في الواقع ساورهن القلق إزاءه، ونقلن هذه التحفظات إلى المشرّعين. وكانت الرسائل المعارضة للتعديل تأتي كلها تقريبًا من ربات البيوت، اللواتي لم يكن قلقهن منصبًا على نص التعديل ذاته بقدر ما كان منصبًا على إحساسهن بأن “الاحترام الاجتماعي الممنوح لربات البيوت أخذ يتآكل”. والواقع أن التقدم في فتح مجالات العمل أمام النساء أسهم في تعميق هذا الإحساس بالمرارة:
“عندما فتح أصحاب العمل الوظائف الجيدة أمام النساء، كان المستفيدات النساء الأعلى تعليمًا اللواتي ممن قررن عدم التفرغ للأعمال المنزلية… أما النساء الأقل تعليمًا فقد ظل العمل المنزلي بالنسبة إليهن الخيار المفضل، لكنه فقد مكانته الاجتماعية مع تخلي النساء ذوات المكانة العالية عنه…وأصبح اليوم العمل الذي كان في الماضي نبيلًا عملًا عاديًا متواضع المكانة”.
وترسم مانسبريدج صورة مؤثرة للمرارة التي شعرت بها نساء وجدن أنفسهن بأنهن ’مجرد‘ ربات بيوت، لا أمام الرجال فحسب، وإنما أمام نساء أخريات أيضًا. وما كن يسعين إلى هزيمته لم يكن مجرد تعديل دستوري، وإنما مناخ ثقافي وموقف اجتماعي شعرتا أنهما ينتقصان من قيمة حياتهن.
كذلك تُنبه لينور ويتزمان على فئة أخرى لم تستفد كثيرًا من الإصلاحات الحديثة. فمع ظهور قانون “الطلاق بلا جريرة” (no-fault divorce)(2)، أصبح من الممكن إنهاء الزواج دون الحاجة إلى بيان الأسباب. ولم يعد إثبات الزنا أو القسوة يؤدي تلقائيًا إلى استحقاق النفقة، لا سيما أن هذه الأحكام أصبحت تعد مهينة بحق المرأة. وأخذ القضاة ينظرون إلى الزوجين بوصفهما متساويين، مع ما يترتب على ذلك من افتراض أن الزوجة السابقة ينبغي أن تكون قادرة على إعالة نفسها.
غير أن المشكلة، كما أوضح كتاب ’ثورة الطلاق‘ The Divorce Revolution (3)، تكمن في أن ثلث الزوجات فقط كن يعملن بدوام كامل قبل الطلاق. وحتى هؤلاء كن يشغلن في الغالب وظائف متواضعة الغرض منها توفير دخل إضافي للأسرة. أما الفئة التي قضت مضجع فايتسمان فهي النساء الأكبر سنًا، وهن أسرع الفئات نموًا بين المطلقات. قالت إحدى النساء، بعد زواج دام ثلاثين عامًا: “قرر زوجي أنه يريد امرأة أصغر سنًا. لكنني أنا من تلقى العقاب”. وقالت أخرى معبرة عن مشاعر كثيرات: “لا توجد أي طريقة تعوضني عن خمسة وعشرين عامًا قضيتها خارج سوق العمل”.
وتقول فايتسمان إن “الطلاق كارثة مالية بالنسبة لمعظم النساء”، مستندة في ذلك إلى دراسة أظهرت انخفاض الدخول بنسبة 75 %. وبما أن مقابلات الكتاب أجريت في السنة الأولى بعد الطلاق، فإننا لا نعرف عدد النساء اللواتي تمكنّ لاحقًا من إعادة بناء أوضاعهن. في الواقع معظم “ربات البيوت المبعَدات” وجدن وظائف واستطعن تدبر أمورهن، وإن كان ذلك على مستوى معيشي أدنى. وأشك أن كثيرات منهن كنّ، أثناء زواجهن، يحملن الآراء التي اعتبرتها مانسبريدج وراء إسقاط تعديل المساواة. ربما أكدت لهن تجربة المساواة الوهمية في نظام ’الطلاق بلا جريرة‘ صحة تلك الآراء.
ويُعد كتاب ’خيارات صعبة‘ Hard Choices لكاثرين جيرسون أفضل كتاب صادفته حول موضوع المرأة والعمل. فقد استخدمت مقابلاتها مع ثلاث وستين امرأة للكشف عن تجارب ومواقف متنوعة، قامت بتحليلها جميعًا بحساسية وبصيرة نافذتين. ومن خلالها بيَّنت كيف “حجبت” النظريات المتعلقة بـ ’النوع الاجتماعي‘(gender) “قدرًا كبيرًا من واقع حياة النساء”.
أما ما يُعرف بالمقاربة البنيوية، فإن الرجال، بصفتهم صانعي معظم المؤسسات الكبرى والمسيطرين عليها، هم من يحدد الخيارات المتاحة للنساء. وأما نظريات «التنشئة الاجتماعية» فتُشدّد على الكيفية التي تُشَكَّل بها الشخصيات بحيث يتبنى الصغار طموحات يُنظر إليها أنها مناسبة لجنسهم. غير أن جيرسون تشير إلى أن الواقع لا يطابق هذه الفرضيات دائمًا. فقد تُربّى المرأة على أن الأمومة ستكون محور حياتها، لكن واقعة مثل الطلاق وضرورة إعالة الأطفال سرعان ما تقوض هذا النوع من التنشئة. ورغم استمرار هيمنة الرجال في مواقع القوة، إلا أن كثيرًا من النساء لا يكتشفن فقط استمتاعهن بالعمل، وإنما يدركن أيضًا أن فرص التقدم أمامهن أكبر مما كن يتصورن.
يكشف كتاب ’خيارات صعبة‘ عن وجود “طموحات مهنية متصاعدة” و”تردد إزاء الأمومة” بين النساء من مختلف الطبقات:
- “اكتشفتُ أن لدي مهارات ومواهب كثيرة كنت أجهل وجودها…كان هناك جانب جديد كامل من شخصيتي لم أكن أعلم بوجوده”.
- “أصبحتُ خبيرة في العمل مع فرق الميدان والمهندسين…كنت أريد دائمًا أن أكون مجرد موظفة، ثم قررت أن أكون مديرة”.
- “العمل يجعلني أشعر بأنني إنسانة مكتملة. هذه المرة الأولى في حياتي التي أشعر فيها بهذا القدر من الرضا”.
وقد وجدت بعض النساء اللواتي قابلتهن جيرسون أنهن غير مؤهلات للأمومة المتفرغة، في حين قررت أخريات ألّا يُنجبن أطفالًا أصلًا. كما أبدت عدة نساء شكوكًا عميقة تجاه الزواج:
- “الأطفال الرضّع ليسوا كما يصوّرهم الناس. فليس هناك الكثير مما يمكنك فعله مع طفل عمره أربعة أو خمسة أشهر…لقد جرّبت البقاء في المنزل ستة أشهر، وكنت على وشك أن أفقد صوابي”.
- “البقاء في المنزل لم يكن مناسبًا لي. كنتُ أحب أطفالي كثيرًا، وكنت أحب زوجي كثيرًا أيضًا. لكنني لم أكن مستعدة للتضحية بحياتي من أجل هؤلاء الأشخاص”.
- “لم أكن يومًا مهتمة بالأطفال. أخاف منهم حقًا؛ أخشى المسؤولية، وما قد أفعله بعقولهم وبحياتهم”.
- “لدي قدر هائل من الشك تجاه الرجال”.
- “لا أعرف أحدًا يقول إنه يريد علاقة قائمة على المساواة التامة”.
ويظهر لي أن النساء اللواتي تحدثت إليهن جيرسون متعقّلات للغاية. وكثير منهن يُشكِّكْن في مقولة سيلفيا آن هيولِت إن جميع النساء «توّاقات إلى إنجاب الأطفال». فالواقع أن شطرًا كبيرًا جدًا من الناس يصبحون آباءً وأمهات لأسباب خاطئة، أو من دون أسباب واضحة أصلًا. والنساء اللواتي يعطين الأولوية لحياتهن المهنية لسن أكثر «أنانية» من الآباء الذين يحاولون حشر أبنائهم في قوالب تصورية مسبقة. كما أنه ليس من مصلحة الأطفال أن يُجلَبوا إلى العالم متى افتقر الوالدان إلى المزاج أو الاستعداد اللازمين لتربيتهم تربية سليمة. عنوان كتاب ’خيارات صعبة‘ ينبغي أن يُؤخذ على محمل الجد حرفيًا. فالنساء اللواتي يخترن العمل بدوام كامل مضطرات إلى اتخاذ قرارات يومية حول الجوانب التي يمكن التضحية بها أو التخفيف منها. ومن ذلك مثلًا: هل تخاطرين بوظيفتك إذا أخذتِ إجازة لحضور مسرحية مدرسية يشارك فيها طفلك؟
(2)
تناولت ثلاث وقائع قضائية حديثة الظروف التي تواجهها النساء في عالم العمل. بالنسبة لقضية ’(جمعية) كاليفورنيا الفيدرالية للادخار والقروض ضد (مارك) غيرا‘ California Federal Savings and Loan v. Guerra.، كانت المسألة الجوهرية هي ما إذا كنّ النساء “يحتجن إلى أكثر من مجرد المعاملة المتساوية”. كان السؤال من النوع الذي يعشقه أساتذة القانون: هل يُعدّ اشتراط منح مزايا إضافية للموظفات الحوامل انتهاكًا لمبدأ المساواة في المعاملة بين جميع العاملين؟
إن قانون التمييز بسبب الحمل لعام 1978 لا ينص إلا على منع التمييز ضد النساء بسبب الحمل. ويقضي القانون بأن تُعامل المرأة الحامل “المعاملة نفسها، في جميع الأمور المرتبطة بالعمل”، والتي يُعامل بها العاملون الآخرون “المماثلون لها في القدرة أو عدم القدرة على العمل”. غير أن قانونًا في ولاية كاليفورنيا ذهب إلى أبعد من ذلك، إذ نص على أن المرأة التي تلد يحق لها الحصول على إجازة تمتد عدة أشهر، مع ضمان الاحتفاظ بوظيفتها حتى عودتها. ويمكن تفسير ذلك لا باعتباره مساواة فحسب، بل معاملة خاصة أيضًا، لأن القانون لم يضع نصًا مماثلًا للرجال. فالرجل الذي يتعرض لنوبة قلبية، مثلًا، لا يستطيع المطالبة تلقائيًا باستعادة وظيفته عند تعافيه.
وقد أيدت محاكم كاليفورنيا هذا القانون، وقررت المحكمة العليا في الولايات المتحدة النظر في الاستئناف المقدم بشأنه في العام التالي. وقد طلبت كل من وزارة العدل الأمريكية ومنظمات أصحاب العمل إبطال قانون كاليفورنيا لأنه يمنح فئة من المواطنين معاملة تفضيلية. ومن اللافت أن المنظمة الوطنية للنساء واتحاد الحريات المدنية الأمريكية أيدا هذا الموقف أيضًا.قالت دايان فينشتاين Dianne Feinstein، وكانت آنذاك عمدة سان فرانسيسكو: “ما كنا نقوله نحن النساء طوال الوقت هو أننا نريد أن نُعامل على قدم المساواة. ولا أرى أن سوق العمل ملزم بالتكيف مع مسألة إنجاب النساء للأطفال”.
ولا يلزم أن يكون أصحاب هذا الرأي مجرّدين من التعاطف. فالمعارضون للمزايا الخاصة بالأمومة يخشون أن يؤدي اعتبار النساء فئة مختلفة من العاملين إلى فتح الباب أمام التمييز ضدهن. ذلك أن التشريعات الخاصة بالنساء لها تاريخ طويل؛ إذ مُنعن في السابق من العمل ليلًا، أو من شغل وظائف تتطلب رفع أوزان ثقيلة، بزعم حمايتهن أو صونهن من الاستغلال. أما اليوم فتعتبر مثل هذه القوانين على مهينة ومتحيزة. فوق ذلك، إذا كانت المزايا الإضافية تعني تكاليف إضافية، فقد يفضّل أصحاب العمل عدم توظيف النساء اللواتي قد ينجبن أطفالًا مستقبلًا.
وليست هذه القضية مسألة بيولوجيا أو لغة. فمن الواضح أن الرجال والنساء يختلفون، كما توجد فروق داخل كل جنس نفسه. والسؤال الحقيقي – وهو السؤال نفسه الذي صادفناه في القضايا العرقية – هو: هل يؤدي الالتفات إلى بعض الفروق إلى نتائج من الأفضل تجنبها؟ أحد الحلول الممكنة هو إلغاء مزايا الأمومة بصيغتها الخاصة، واستبدالها بمزايا أبوية لا تعتمد على مفهوم العجز الجسدي. عندئذ يمكن للأب أو الأم، أو لكليهما معًا، أن يحصلا على فترات محددة لرعاية المولود الجديد مع الاحتفاظ بوظيفتيهما.
ليس من المستغرب أن يكون السويديون أكثر عقلانية في هذا المجال. فوفقًا لروث سايدل Ruth Sidel، أكثر من ربع الآباء المستحقين يحصلون على إجازة أبوية عند ولادة أطفالهم (4). كما يسمح القانون السويدي للموظفين بالبقاء في المنزل لرعاية الأطفال المرضى، ويتقاسم الآباء والأمهات هذه المهمة بأعداد متقاربة. أما الفترات التي تحتاج فيها الأم إلى التوقف عن العمل قبل الولادة وبعدها لأسباب طبية، فتُعامل بوصفها جزءًا من المزايا الصحية العامة الخاصة بالعمليات الجراحية، تمامًا كما تُعامل عملية البروستاتا بالنسبة للرجل.
أما القضية الثانية فقد تناولت الاختلافات من زاوية أخرى. ففي ’قضية لجنة تكافؤ فرص العمل ضد شركة سيرز وروبك‘ Equal Employment Opportunity Commission v. Sears, Roebuck and Co.، طُلب من أحد القضاة أن يبتَّ فيما إن كان هناك تحيز ضد النساء لمجرد أنهن ممثَّلات تمثيلًا ناقصًا في أنواع معينة من الوظائف. ففي متاجر سيرز وروبك Sears, Roebuck and Co. كانت وظائف المبيعات تنقسم إلى نوعين رئيسيين: وظائف بأجر ثابت، ووظائف تعتمد على العمولات، وكان النوع الثاني يحقق دخلًا أعلى بكثير. ولم يتقدم إلى لجنة تكافؤ فرص العمل أي شاكيات أو شهود يؤكدون أنهم رأوا تمييزًا في شركة سيرز. وبدلًا من ذلك، استندت اللجنة إلى الإحصاءات. فبما أن النساء كن يشغلن 75 % من الوظائف ذات الأجر الثابت، في حين لم يشغلن سوى 40 % من وظائف العمولات الأعلى أجرًا، فقد استنتجت اللجنة أن التحيز موجود ولا بد. وقد استعان كل طرف بمؤرخة أكاديمية للإدلاء بشهادة خبيرة في هذا الخصوص. وكانت خبيرة شركة سيرز هي روزالند روزنبرغ Rosalind Rosenberg من كلية بارنارد. وقد ذهبت إلى أن النساء ينفرن عادة من الأجواء التنافسية في وظائف البيع بالعمولة. كما أنهن يفضلن في الغالب “الوظائف التي تنسجم مع التزاماتهن الأسرية على الوظائف التي قد تزيد من دخلهن أو تعزز آفاقهن المهنية”. وأضافت أنه مهما رغب المرء في تغيير هذه التوجهات، فإن الواقع هو أنها “قيم استبطنتها النساء أنفسهن”. (وهو في جوهره ما أطلقت عليه جيرسون في كتاب ’خيارات صعبة‘ نظرية «التنشئة الاجتماعية»). وخلصت روزنبرغ إلى أن الاتهامات الموجهة إلى سيرز تقوم على افتراض خاطئ مؤداه أن “النساء والرجال يتمتعون بالاهتمامات والطموحات نفسها فيما يتعلق بالعمل”.
أما أليس كيسلر-هاريسAlice Kessler-Harris من جامعة هوفسترا، والتي دعمت موقف لجنة تكافؤ فرص العمل، فقد تقدّمت بحجة أعقد. لقد رأت أن مواقف النساء من العمل تتغير تبعًا للمناخ الثقافي السائد في كل عصر، وأن هذا المناخ تصوغه في المقام الأول تصورات الرجال، كما تصوغه أيضًا الأفكار المتعلقة بالأعمال التي تُعد مناسبة للنساء. ومع ذلك، أكدت أن النساء “لم يتخلفن قط عن اقتناص الفرص حين أُتيحت لهن”. ففي عام 1850، على سبيل المثال، كانت النساء يعملن في أكثر من مئة صناعة، من تجليد الكتب وصناعة السياط إلى صناعة البارود والساعات. وكانت صناعة السيجار في مدينة فيلادلفيا حكرًا على الرجال، بينما كانت في ديترويت مهنة نسائية بالدرجة الأولى. وخلال الحرب العالمية الأولى أظهر النساء كفاءة عالية في العمل كمُحصِّلات ومشرفات على عربات الترام، غير أن هذه الوظائف أُعيد تعريفها بعد انتهاء الحرب بوصفها “أعمالًا رجالية”. انطلاقًا من هذا التاريخ، رأت كيسلر-هاريس أن ما يبدو أحيانًا امتثالًا نسائيًا لقيم الحياة المنزلية ليس تفضيلًا متجذرًا بطبيعته، وإنما انعكاس “لافتراضات أصحاب العمل وأحكامهم المسبقة بشأن أدوار النساء”. ومن ثم رأت أن شركة سيرز كانت مثالًا على هذا النوع من أصحاب العمل. وفي ردها على ذلك تساءلت روزنبرغ: أين يبقى مجال الاختيار الحر إذا كانت “اختيارات النساء خاضعة للسيطرة إلى درجة تجردها من صفة الاختيار أصلًا”، كما توحي بذلك حجة كيسلر-هاريس؟
على وجه الخصوص، بدا موقف لجنة تكافؤ فرص العمل وكأنه يفترض أن النساء اللواتي يخترن «وظائف الرجال» يفعلن ذلك بحرية، بينما النساء اللواتي يخترن «وظائف النساء» إنما فُرضت عليهن هذه الاختيارات من خلال التنشئة الاجتماعية. وقد أثارت شهادة الأستاذتين عاصفة في الأوساط الأكاديمية. بل إن قرارًا جرى تداوله بين المؤرخات انتقد روزنبرغ لأنها سمحت باستخدام تصريحاتها “ضد مصالح النساء المناضلات من أجل الإنصاف في مجتمعنا”. لكني لا أعتقد أن ساحات التقاضي هي البيئة الأنسب لمثل هذا الجدل، لأن أياً من الطرفين لا يعترف بما يعتري موقفه من شكوك أو التباسات، كما أن هناك معلومات مهمة غائبة عن النقاش. ولا يزال السؤال الأساسي بلا جواب: هل ينبغي اعتبار الاختلالات الإحصائية دليلًا على التمييز؟
فالواقع أن المحكمة العليا الحالية نفسها أخذت بالنسب المئوية في بعض القضايا عندما خلصت إلى أن غياب السود عن إحدى نقابات عمال الصفائح المعدنية لا يمكن تفسيره بافتراض أنهم لا يرغبون في هذا النوع من العمل. وفي قضية سيرز، نحتاج إلى معرفة مقدار الجهد الذي بُذل فعلًا لتشجيع النساء على التقدم إلى الوظائف الأعلى أجرًا، ونوع الالتزامات التي قدمتها الشركة لضمان معاملتهن بعدالة. واستنادًا إلى المعلومات المتوافرة لديه، حكم القاضي لصالح سيرز (وكانت القضية منظورة أمامه دون هيئة محلفين)، معتمدًا بدرجة كبيرة على شهادة روزنبرغ. لكن لجنة تكافؤ فرص العمل استأنفت الحكم، لأنها تريد اتخاذ إجراءات تصحيحية حتى في حال عدم القدرة على إثبات وجود تمييز مباشر وصريح. وتنتهي مذكرة كيسلر-هاريس بالمطالبة بإلزام الشركات مثل سيرز باتخاذ تدابير إيجابية؛ أي أن تعلن بوضوح أن الوظائف مفتوحة أمام النساء سواء تقدمن إليها أم لا. فحينها فقط، عندما تُعرض أمام النساء مجموعة واسعة من الفرص، يمكن القول إنهن اخترن نوع العمل الذي يرغبن فيه اختيارًا حرًا.
لقد أصبح تفسير الفوارق في الأجور بين الرجال والنساء صناعة قائمة بذاتها. وفي معظم الأحيان تقتصر المقارنات على العاملين بدوام كامل، لأن الوظائف الجزئية تختلف ساعاتها وأنماطها. والواقع أن الحكومة الأمريكية تعد مجموعتين من الإحصاءات في هذا الشأن. فمكتب الإحصاء الأمريكي United States Census Bureau ينشر بيانات تتعلق بالرجال والنساء الذين يشغلون وظائف بدوام كامل طوال العام. وفي عام 1984، وهو أحدث عام توفرت عنه بيانات كاملة، كانت النساء يحصلن في المتوسط على 637 دولارًا مقابل كل ألف دولار يجنيها الرجال. أما مكتب إحصاءات العملBureau of Labor Statistics فيحسب أجور الرجال والنساء خلال أسبوع عمل متوسط، مع التنبيه إلى أن بعضهم لم يعمل طوال السنة. وفقًا لهذه الحسابات كانت النساء يتقاضين 682 دولارًا مقابل كل ألف دولار يحصل عليها الرجال.
يبدو أن النساء يحققن أداءً أفضل نسبيًا حين لا يلتزمن بالعمل طوال العام. غير أن هذه الأرقام تخفي وراءها فروقًا كبيرة. فقد بينت الإحصاءات أن النساء الشابات والعازبات يقتربن كثيرًا من الرجال في مستوى الدخل. وينطبق الأمر نفسه على النساء السوداوات والنساء من أصول إسبانية، وإن كان ذلك يعود جزئيًا إلى انخفاض أجور الرجال السود والرجال من أصول إسبانية أنفسهم. في الجملة، النساء المتزوجات هن اللواتي يوسّعن الفجوة الإجمالية بين أجور الرجال والنساء، لأنهن يشغلن وظائف أقل أجرًا من النساء المطلقات أو اللواتي يعُلْن أسرهن بأنفسهن. كما أن الزوجات يشكلن أكثر من نصف القوة العاملة النسائية.
وليس من الصعب تعداد الأسباب التي تجعل بعض الناس يتقاضون أجورًا أعلى من غيرهم. لكن القضية الحقيقية تتعلق بمدى كفاية هذه التفسيرات. وحتى إذا اتفقنا على الأسباب، فقد لا نرى أنها تبرر فروق الأجور. فمثلًا، يشير الاقتصاديون إلى أن النساء كن أقل ميلًا إلى «الاستثمار» في أنفسهن بهدف العمل – أو أن آباءهن استثمروا في تعليمهن المهني بدرجة أقل. ولهذا فإن 28 % من الرجال العاملين بدوام كامل أكملوا أربع سنوات جامعية، في حين أن النسبة بين النساء العاملات تبلغ 23 %. كما أن النساء أكثر عرضة لانقطاع مسارهن المهني. فبين الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين الخامسة والثلاثين والرابعة والأربعين، أمضى 42 % عشر سنوات أو أكثر لدى صاحب العمل نفسه، بينما لم تحقق هذه الاستمرارية سوى 23 % من النساء. لذا تشير جون أونيل June O’Neill، وهي إحدى المساهمات في كتاب ’النساء والعمل‘ Women and Work، إلى أن “النساء اللواتي ينتهين إلى قضاء سنوات طويلة في سوق العمل لم يكنّ يتوقعن أصلًا أن يفعلن ذلك”. لهذا السبب كن أقل استعدادًا لشغل الوظائف الأعلى أجرًا. ومع ذلك، لم تجد أونيل أدلة كثيرة على أن طول سنوات الخدمة يرتبط فعلًا بالأداء أو الإنتاجية. وثمة عامل آخر يتمثل في أن ميل النساء إلى الانضمام للنقابات العمالية أقل؛ إذ لا تتجاوز نسبة المنتسبات 13 %، مقابل 22 % بين الرجال. ورغم أن هذه ليست أفضل الفترات التي تمر بها الحركة النقابية، فإن أجور الأعضاء لا تزال أعلى بنحو الثلث من أجور غير المنتسبين. كما أن النساء العاملات قد يفضلن أحيانًا الراحة والمرونة على الأجر الأعلى، ولا سيما إذا كن يواجهن مطالب أسرية ضاغطة من الأزواج أو الأطفال.
بعد مراجعة هذه «الخصائص القابلة للقياس» وغيرها، تقدر جون أونيل أن ما بين 10 و20 % من فجوة الأجور بين الرجال والنساء يمكن عزوه إلى معاملة تمييزية تتعرض لها النساء في سوق العمل. والواقع أن مبدأ «الأجر المتساوي للعمل المتساوي» أصبح اليوم، إلى حد بعيد، معيارًا وطنيًا مستقرًا. ولذلك فإن النساء والرجال داخل الفئة الوظيفية نفسها يتقاضون أجورًا متقاربة للغاية. وتقول جانيت نورود Janet Norwood، المفوضة الحالية لإحصاءات العمل، إن الهيئة التي ترأسها وجدَت أن الفروق في الأجور بين الرجال والنساء “تكاد تختفي حينما تُقسَّم كل مهنة إلى مستوياتها التفصيلية وفقًا للمهارة والخبرة” (5). فعلى سبيل المثال، تتقاضى المدققات الحسابيات المصنفات في المستوى الأول 980 دولارًا مقابل كل ألف دولار يحصل عليها الرجال في المستوى نفسه. وفي المستوى الثاني، تتقاضى الكيميائيات 940 دولارًا مقابل كل ألف دولار للرجال. أما المصورات الفوتوغرافيات المصنفات في المستوى الثالث فيحصلن على 1060 دولارًا، أي أكثر قليلًا مما يحصل عليه الرجال. ومع ذلك، فإن النساء حضورهن أقل في المستويات العليا. فهن يشكلن 36 % من أدنى درجات المدققين، لكنهن لا يمثلن سوى 5 % من المصورين الفوتوغرافيين في المستوى الثالث.
اليوم زادت صعوبة الادعاء بأن النساء يتقاضين أجورًا أقل مقابل أداء العمل نفسه بالضبط. ولذلك أُعيد تعريف المشكلة بوصفها مسألة ’فصل مهني على أساس الجنس‘، كما ألمحت إلى ذلك قضية سيرز. فالمشكلة، بحسب هذا التصور، ليست أن النساء يتقاضين أجورًا أقل داخل الوظيفة نفسها، بل أنهن يُدفعن – أو يدفعن أنفسهن – إلى وظائف هي تقليديًا أقل أجرًا. وتخلص دراسة صادرة عن المجلس الوطني للبحوثNational Research Council إلى أن “الدرجة العامة للفصل المهني بين الجنسين…لم تتغير كثيرًا منذ عام 1900 على الأقل” (6). فمن جهة، توضح البيانات أن النساء أصبحن ممَثَّلَات تمثيلًا أكبر في طيف واسع من المهن. كما أن معدلات الالتحاق بالبرامج المهنية المتخصصة تنبئ بمزيد من التقدم في المستقبل. ورغم هذه المؤشرات والتوقعات، ما يزال كل جنس مستقرًا استقرارًا كبيرًا داخل المجالات التقليدية الخاصة به. صحيح أن كثيرًا من التحصينات الذكورية القديمة اضطرت إلى التراجع، غير أن الزيادات النسبية لا تعني بالضرورة تحولات ضخمة في الأعداد الفعلية. فبين عامي 1970 و1985، دخلت 290 ألف امرأة إضافية إلى مجالات القانون والطب والصحافة والتعليم العالي. كما التحقت 220 ألف امرأة أخرى بوظائف السقاة، وضباط الشرطة، وعمال الصف، وفنيات تركيب خطوط الهاتف.
لكن مقابل هذه الزيادة البالغة 510 آلاف امرأة في مجالات كانت حتى وقت قريب حكرًا على الرجال، انضمت 3.3 ملايين امرأة إلى سوق العمل بوصفهن سكرتيرات وممرضات ومحاسبات صندوق وموظفات مسك دفاتر، أي إلى مهن كانت تهمين عليها النساء أصلًا. وهكذا نجد أنفسنا أمام الفرضية القائلة إن الفصل المهني بين الجنسين سيظل قائمًا ما دامت الوظائف التي تشغلها النساء تُمنح أجورًا أقل، وما دام المجال لا يكتسب قيمة مالية أعلى إلا إذا دخله الرجال. من هنا جاءت الدعوات إلى رفع مستويات الأجور في المهن التي تشكل النساء غالبية العاملين فيها. في هذا السياق ظهرت مطالب العدالة في الأجور (Pay Equity)، المستندة إلى حسابات ما يسمى القيمة المقارنة (Comparable Worth)، وهي الفكرة التي كانت موضوع قضية ثالثة هي قضية الاتحاد الأمريكي لموظفي الولايات والمقاطعات والبلديات ضد ولاية واشنطن American Federation of State, County, and Municipal Employees v. State of Washington.
وهذه موضوعات يصعب مناقشتها، لأن الدوافع والوسائل تتداخل فيها تداخلًا شديدًا. فأما الدافع فهو واضح: النساء العاملات يحتجن إلى أجور أفضل، ويردنها، ومن حقهن المطالبة بها. وأما الوسيلة فتتمثل في مطالبة الناس بقبول المنطق المستخدم للوصول إلى هذا الهدف. وتقوم فكرة العدالة في الأجور على افتراض أن الوظائف يمكن إخضاعها لتقييم عقلاني يحدد «قيمتها» وفق مقياس يسمح بمقارنتها العادلة بالوظائف الأخرى. ويشير المدافعون عن هذه الفكرة أولًا إلى أن المؤسسات تستخدم منذ زمن طويل أساليب مماثلة لتحديد الرواتب. بل إن هناك شركات استشارية متخصصة في تصميم مثل هذه الجداول. كما يرون أن العدالة («الأجر العادل») ينبغي أن تدخل هي أيضًا في تحديد الأجور.
وفي الوقت نفسه، لا يُشترط التعبير عن «قيمة» الوظيفة برقم مطلق. فقد يكفي ترتيبها مقارنة بوظائف أخرى. فقد لا نستطيع تحديد الراتب الدقيق الذي ينبغي أن تتقاضاه المعلمة، لكن يمكننا أن نحدد موقعها النسبي مقارنة، مثلًا، بعامل النظافة في المدرسة. ويقول أنصار العدالة في الأجور إن لدينا بالفعل تقنيات لتقييم الوظائف “تستند إلى عوامل مفهومة جيدًا مثل المهارة، والجهد، والمسؤولية، وظروف العمل”. ومن ثم يمكن إدخال عناصر أخرى في المعادلة مثل: الخبرة المرتبطة بالوظيفة، ومدة التدريب الرسمي المطلوبة، وتواتر مراجعة الأداء، وعدد العاملين الذين يشرف عليهم الموظف، وتأثير الوظيفة في الميزانية والمسؤولية عنها، والضغوط الجسدية، والوقت المقضي تحت ضغط المواعيد النهائية، والوقت المخصص لمعالجة المعلومات، وغير ذلك (7).
وليست هذه مجرد تمارين أكاديمية نظرية. فالمستشارون الذين استعانت بهم ولاية واشنطن شعروا بقدر كافٍ من الثقة بحيث منحوا نقاطًا لكل وظيفة في جهاز الدولة. فعلى سبيل المثال، حصلت مشرفة الأعمال المكتبية على 305 من النقاط بناءً على طبيعة عملها، ومتطلبات الوصول إلى منصبها، في حين لم يحصل مشغل الغلايات البخارية إلا على 144 نقطة. وبحسب نظام العدالة في الأجور، يُحدد الأجر بضرب عدد النقاط في مُعَامِل مالي معين. وبوصفي عضو هيئة تدريس في كلية بلدية، فإنني أجد نفسي فضوليًا لمعرفة كيف سيكون ترتيبي مقارنة بمحامٍ يعمل في الجهاز الإداري للمدينة.
ويقر بعض المدافعين عن العدالة في الأجور بأن قُوى السوق يمكن أن تكون أيضًا “مؤشرات على قيمة العمل بالنسبة لصاحب العمل”. غير أن مجرد الإقرار بهذا العامل يثير إشكالات تتعلق بمعنى «القيمة» نفسه. فهل ينبغي أن تعكِس أجورُ الممرضات القيمةَ الأخلاقية والمهنية العالية لما يقُمْن به؟ أم ينبغي أن تعكس أيضًا مقدار ما يجب دفعه لاستقطاب المتقدمين إلى هذه الوظائف؟ أو مقدار ما يضيفه العاملون إلى إيرادات أصحاب العمل؟
يميل أنصار مفهوم القيمة المقارنة إلى التشديد على أن عالم الأجور الحالي أقل خضوعًا للسوق الحرة مما يتصور كثيرون. فعلى الرغم من فائض خريجي كليات الحقوق المتفوقين، فإن بعض مكاتب المحاماة في نيويورك كانت تدفع 65 ألف دولار سنويًا للخريجين الذين توظفهم. ومع ذلك، خلصت اللجنة التابعة للأكاديمية الوطنية للعلوم National Academy of Sciences في نهاية المطاف إلى أن “عدم الموثوقية يمثل مشكلة خطيرة في تقييم العوامل المستهدفة بالتعويض”. (8) فعندما قورنت التقييمات التي وضعها خبراء مختلفون للوظائف نفسها، تراوحت معاملات الارتباط بين 0.34 و0.82، وهو نطاق واسع لا يبعث على كثير من الثقة.
ومع ذلك، فقد توصلت ولاية واشنطن إلى تسوية مع نقابة موظفي الخدمة المدنية على أساس هذه الفكرة، وخصصت 482 مليون دولار لإعادة هيكلة سلم الرواتب على مدى ست سنوات. وسيكون الأثر الرئيس لهذه الخطة رفع أجور الوظائف التي تشغلها النساء بصورة أساسية، مع إبقاء أجور الرجال عند مستوياتها الحالية. ومن المتوقع أن تُرفع دعاوى أخرى مماثلة تستند إلى مفهوم القيمة المقارنة، لا سيما أن قضية واشنطن كانت تتعلق بالتوظيف الحكومي، وهو قطاع أقل خضوعًا لاعتبارات العرض والطلب من القطاع الخاص.
ومع ذلك، سيكون من المثير للاهتمام معرفة ما إن كانت العدالة في الأجور ستؤثر في قدرة الولاية على استقطاب العدد الكافي من مشغلي الغلايات البخارية والاحتفاظ بهم. أما عندما تُقاضى الشركات الخاصة، فقد تجادل بأنها، مهما رغبت في ذلك، لا تملك السيولة اللازمة لدفع أجور موظفيها وفق حسابات «القيمة» المجردة. ولفكرة القيمة المقارنة أوجه شبه كثيرة مع حملات أقدم عهدًا. فمنذ أجيال، حين كان عددٌ أقل من الزوجات يعملن خارج المنزل، طالب الرجال بما سُمي آنذاك «أجْر الأسرة» (family wage). وكانوا يقولون إن ما يتقاضونه لا يكفي لإعالة أسرهم. من خلال هذا المطلب نظم الرجال أنفسهم في نقابات ونجحوا في رفع أجورهم. بطبيعة الحال، لم يشر أحد إلى أن بعض العمال كانوا عزابًا، وأن آخرين لم يعد لديهم أطفال يعيلونهم. والاستراتيجية نفسها تبدو حاضرة في فكرة القيمة المقارنة. وأظن أن الدافع الحقيقي وراء الدعوة إلى العدالة في الأجور هو حاجة النساء اللواتي يعُلْن أسَرًا إلى ما يشبه «أجر الأسرة». فمع أن هذا النوع من النساء لا يشكل سوى ثُمن النساء العاملات تقريبًا، إلا أنهن أكثر من يشعر بنقص الأجور الحالية. ويأتي بعدهن مباشرة 15.6 مليون امرأة غير متزوجة، ورغم أنهن لا يعُلْن أطفالًا، فإن عليهن إعالة أنفسهن. وبالنظر إلى تكاليف السَكن وحدها، فهذه ليست مهمة يسيرة على الدخل المعتاد للمرأة.
(3)
هل سيؤدّي مزيد من الاندماج بين الجنسين في المهن المختلفة إلى قدر أكبر من المساواة في الدخل؟ يبدو هذا التنبؤ معقولًا إن نحن أخذنا على محمل الجدّ الرأي القائل إن الفصل المهني بين الجنسين يغذّي التمييز في الأجور. فالرجال يستطيعون أن يكونوا ممرضين أو سكرتيرين أكْفاء، إلا أن قلة منهم تتقدم إلى هذه المهن لأن أجورها متواضعة. وإذا كانت النساء يقبلن بأجور أقل، فذلك لأن الوظائف الأعلى أجرًا ليست متاحة لهن، أو ليست متاحة إلا بقدر من الجهد لا يُطلَبُ من الرجال عادةً بذله.
ويتألف كتاب جان رايث شرودِل ’وحيدة وسط حشد‘ Alone in a Crowd من فصول تروي شهادات نساء يعملن في مهن كانت تُعَد تقليديًا حكرًا على الرجال. ومن بينها عاملة تركيب أنابيب، وعاملة صفائح معدنية، وسائقة شاحنات للمسافات الطويلة، ومساعدة ربان قاطرة بحرية. وقد أصيب بعضهن بالعزلة الاجتماعية، وهي حالة كانت تتفاقم لأن الواحدة منهن كانت المرأة الوحيدة في موقع العمل. ولم يكن التحرش يتمثل غالبًا في المغازلات الصريحة، بقدر ما كان يتجلَّى في الألفاظ البذيئة، وسوءِ المَرَافق الصحية، وتزويدهن بمعلومات خاطئة. وفي بعض الحالات تدخل مشرفون متعاطفون، لكن ذلك لم يكن هو القاعدة. لاحظت شرودِل وجود قواسم مشتركة بين النساء اللواتي سعَيْن إلى هذه الوظائف وتمسكن بها. فقد كن يحببن العمل في الهواء الطلق ويحافظن على لياقتهن البدنية. وكان لكثيرات منهن آباء عاملوهن كما لو كن فتيانًا، بينما نشأت أخريات وسط عدد كبير من الإخوة الذكور. كما شجع عدد غير قليل منهن أزواجهن من العمال على المضي قدمًا في هذه المسارات. ويظهر أيضًا أن هؤلاء النساء أفدن من أحكام وتشريعات ما كان لها أن توجد لولا الحركة النسوية:
- “ذهبت إلى شركة للرمل والحصى كنت أعلم أن لديها مشروعين ممولين اتحاديًا، وكنت أعلم أنهم بحاجة إلى امرأة”.
- “لم أبدأ التفكير في الأعمال غير التقليدية حتى سمعت أن نقابة النجارين تبحث عن نساء”.
فإذا كانت نساء شرودِل رياديات بالفعل، وقد تحملن الكثير من المشاق، فإنهن مدينات بوظائفهن إلى حد بعيد لنساء لم يلتقين بهن قط، ناضلن من أجل إدراج سياسات التمييز الإيجابي في القوانين. وقد شهد العقد الأخير دخول بعض الرجال إلى ميادين كانت تُعد «نسائية». ولعل أول ما يتبادر إلى الذهن هنا موظفو بدالات الهاتف ومضيفو الطيران. غير أن هؤلاء في الغالب رجال أصغر سنًا ويعيشون في أسر بدخلَيْن. كما أن أعدادهم لم تكن كبيرة بما يكفي لإحداث أثر ملموس عام.
وقد حلل مكتب إحصاءات العمل نحو سبعين مهنة تضم عددًا كافيًا من العاملين والعاملات يسمح بالمقارنة بين أجور الجنسين (9). ومن خلال هذه البيانات يمكن تقدير العلاقة بين الفصل المهني ومستويات الأجور. ويبين نموذج من نتائج المكتب أنه لا توجد علاقة واضحة بين نسبة النساء في مهنة ما ومستوى الأجور فيها، سواء قيست الأجور بقيمتها المطلقة أو بالمقارنة مع أجور الرجال العاملين في المهنة نفسها. وثمة عامل آخر يتمثل في أن تزايد حضور النساء في بعض المهن قد يكون نتيجة لتغير طبيعة العمل نفسه. ففي صناعة التأمين مثلًا، كانت وظائف مقدري الأضرار ومراجعي المطالبات تُشغل في الماضي أساسًا من قبل الرجال الذين يخرجون لمعاينة السيارات المتضررة. أما اليوم فقد أصبح العمل يتمثل إلى حد كبير في الجلوس أمام شاشات الحاسوب وإدخال بيانات المطالبات التأمينية.
وكذلك مهنة صف الحروف، حين كانت تعتمد على الرصاص المصهور، كانت معقلًا ذكوريًا. أما الآن، وبعد أن أصبحت العملية إلكترونية، فإن النساء يشغلن 71 % من وظائفها. غير أن إحلال النساء محل الرجال قد يكون له ثمن. فكلما انفتحت مهنة على النساء، شاع الانطباع بأنها ليست شاقة إلى ذلك الحد، أو أنها تتطلب مهارات أقل. وقد حدث ذلك حينما شرع النساء يعملن موظفات في البنوك أو مدرسات في المدارس الثانوية.
وقد خلصت دراسة صادرة عن الأكاديمية الوطنية للعلوم إلى أنه كلما دخلت النساء إلى مجال مهني معين انخفضت الأجور فيه، لا للنساء وحدهن، بل للرجال الذين بقوا فيه أيضًا. فكل زيادة بنسبة نقطة مئوية واحدة في نسبة النساء داخل مهنة ما كانت تقترن بانخفاض قدره 42 دولارًا في متوسط الدخل السنوي لتلك المهنة بأسرها (10).
ويبرز هنا سؤال لا مفر منه: هل ستحصل النساء الملتزمات مهنيًا على فرصة عادلة للتقدم الوظيفي؟ إن بيانات الدخل تُظهر هوة لا تزال النساء بحاجة إلى ردمها. فأقل من 2 % من العاملات يتجاوز دخلهن السنوي 35 ألف دولار، في حين تبلغ النسبة بين الرجال 15 %. وبينما يوجد 1,150,000 رجل يتقاضون أكثر من 75 ألف دولار سنويًا، لا يتجاوز عدد النساء اللاتي بلغن هذا المستوى 60 ألفًا.
ومن حيث الأعداد المطْلَقَة، كانت النساء دائمًا ممثَّلات بقوة فيما يسمى عمومًا بالمهن الاحترافية. ففي عام 1970 كن يشكلن 44 % من العاملين في الوظائف المصنفة «مهنية»، وارتفعت النسبة إلى 49 % عام 1985. والسبب واضح بطبيعة الحال، إذ إن المهن التقليدية المفتوحة أمام النساء – كالتمريض، والتعليم، والعمل الاجتماعي، وأمناء المكتبات، والعلاج الطبي المساند – تشكل 70 % من الوظائف التي يصنفها الإحصاء ضمن هذه الفئة. أما في المهن الأكثر نخبوية، كالقانون والطب، فإن حضور النساء يظل أقل بوضوح. ومن حيث النسب المئوية، يمكن ملاحظة علامات تقدم في الفئة التي يصنفها الإحصاء تحت عنوان «الوظائف التنفيذية والإدارية والإشرافية». فمن عام 1970 إلى عام 1985 كادت نسبة النساء فيها أن تتضاعف، إذ ارتفعت من 19 % إلى 36 %.
ولا شك أن جزءًا من هذا التقدم يرجع إلى تضخُّم الألقاب الوظيفية الذي أصبح شائعًا في كثير من المؤسسات. فلدينا اليوم نواب رؤساء لا يشرفون على أي موظف، وتقتصر مهمتهم على تقديم المشورة. ومع ذلك، فبعد حد معين يصبح النجاح الإداري مقاسًا بعدد الأشخاص الذين يعملون تحت إشرافك وبحجم القرارات التي تملك سلطة اتخاذها منفردًا. وبالنسبة إلى النساء، فإن هذا يعني ليس فقط الحصول على الترقية، بل الوصول إلى مواقع يشرفن فيها على رجال.
وقد أشارت نشرة خاصة نشرتها صحيفة وول ستريت جورنال عن النساء في عالم الشركات إلى أكبر عقبة تعترض طريق التقدم المهني: “إن الرجال الموجودين في القمة لا يشعرون بالارتياح حينما تكون النساء إلى جانبهم” (11). فالعلاقات الشخصية، وتقديم المشورة، وفتح أبواب الفرص، تتم غالبًا في أوساط ذكورية مغلقة، لا سيما في ملاعب الغولف وملاعب السكواش، فضلًا عن الأندية التي تستبعد النساء. كما أن دقائق التواصل اليومي والفكاهة المتبادلة تستند إلى إحالات رياضية ممزوجة بإيحاءات جنسية وعسكرية. ولذلك لا يسع المرأة التي تدخل هذه الدوائر إلا أن تشعر بأنها دخيلة، إن لم تكن متطفلة تطفلاً صريحًا. ومع ذلك، فإن النساء يواصلن التقدم، بل ويتجاوزن الرجال أحيانًا، في قطاعات مثل تجارة التجزئة والأزياء، حيث يشكل النساء غالبية الزبائن. فقرابة نصف متاجرFederated الكبرى يديرها الآن النساء. كما أن شركات كانت في السابق لا توظف إلا الرجال أجرت تغييرات تتجاوز الطابع الرمزي. ففي العام الماضي شكلت النساء قرابة ربع خريجي الجامعات الذين وظفتهم شركة جنرال إلكتريك، وثلث الذين وظفتهم شركة آي بي إم. أما إلى أي مدى سيصل هذا التقدم، فذلك أمر يصعب التنبؤ به.
وتذكر الدراسات التي أجرتها إيلين جاكوبسون وباتريشيا ماكبروم عن النساء في المناصب الإدارية ما يُنتظر ممن يطمحن في القمة. فقد وجدت جاكوبسون أن النساء المتزوجات كن مضطرات إلى التصرف كما لو أنهن لا يملكن حياة منزلية. فبينما يُسمح للمديرين الرجال بالإشارة إلى زوجاتهم في أحاديثهم، لا يرغب أحد في الاستماع إلى حديث امرأة عن زوجها. وبالمثل، يستطيع الرجال غير المتزوجين أن يتحدثوا بإسهاب عن أنشطتهم خارج العمل، في حين تجد النساء أن من الحكمة لزوم الصمت. في كلتا الحالتين، عليهن “إيجاد توازن بين العمل والأسرة لا يُطلَب من الرجال أبدًا”. كما أظهرت دراسة أجرتها الجمعية الأمريكية للإدارة قبل سنوات أن المديرات التنفيذيات كن “أكثر استعدادًا للعمل لساعات طويلة” و”أكثر استعدادًا للتخلي عن الأنشطة المنزلية إذا تعارضت مع متطلبات العمل”. بل إنهن لم يبلغن مواقعهن أصلًا إلا لأنهن كن مستعدات لتقديم هذه التضحيات (12).
قد تبدو كثير من صور التحيز التي يوردها كتاب ’نساء ممسكات بزمام الأمور‘ Women in Charge تافهة إذا نُظر إليها منفردة، لكنها لا تبدو كذلك حين يُجمع بعضها إلى بعض. فعلى سبيل المثال، إذا حمل صوت المرأة نبرة انفعالية معينة عُدَّ ذلك دليلًا على نقص الثقة بالنفس. وتلاحظ جاكوبسون أن “المرأة التي تكثر الابتسام قد لا تصعد السلم الإداري بالسرعة نفسها التي يصعد بها الرجل المبتسم”. بل إن مجرد الاستعداد للاستماع إلى المرؤوسين قد يُفسَّر بأنه علامة ضعف.
ولا تقتصرُ المناقشات حول المساواة والفرص على قضايا الحمل والأطفال. فثمة سؤال آخر يتعلق بما إن كان ينبغي للنساء أن يوافقن على أن يُحكم عليهن بالمعايير التي يضعها الرجال لأنفسهم. فقد أخبَرتْ نساءٌ يشغلن مناصب إدارية باتريشيا ماكبروم أنهن “لن يحصلن على السلطة التي يسعين إليها ما لم يتعلَّمن التصرف مثل الرجال”. وترى ماكبروم أن هذا التكيف ينطوي على خطر حقيقي. والأسوأ من ذلك أنها لاحظت مؤشرات تدل على أن بعضهن أصبحن “مفرطات في العُدوانية والذكورية، مع ازدراء لكل ما هو أنثوي”. ومن هنا منبع القلق الذي يعكسه عنوان كتابها الجنس الثالث (The Third Sex)، فهي تخشى أن النساء اللواتي يضعن العمل في المقام الأول قد ينتهين إلى التحوُّل إلى كائنٍ اجتماعي جديد لا ينتمي بالكامل إلى أي من الدورَيْن التقليديين. وهي تستشهد بدراسة أجريت على نساء ناجحات في عالم الأعمال، وأظهرت أن أكثر من نصفهن لم يتزوجن قط، أو لم يعدن متزوجات، وأن 61 % منهن لم ينجبن أطفالًا قط.
وترى ماكبروم أن هذا «الغياب الواسع للإنجاب» بين النساء المهنيات لا يمثل نقصًا إحصائيًا فحسب، وإنما ينطوي على معنى أعمق، وهو أن الامتناع عن الإنجاب، في رأيها، يُجرِّد هؤلاء النسْوة من “الفعل المركزي الذي يضفي المعنى على حياة” بنات جنسهن. ويتأيَّد هذا القلق بشأن الإنجاب ببعض البحوث الحديثة التي أشرف عليها عالم الاجتماع في جامعة ييل نيل ج. بينيت. فاستنادًا إلى بيانات التعداد السكاني، توصل هو وزملاؤه إلى توقع مفاده أن النساء الحاصلات على تعليم جامعي ممن بلغن الخامسة والعشرين وما زلن غير متزوجات لن يتزوج منهن في نهاية المطاف سوى نصفهن تقريبًا. أما اللواتي بلغن الثلاثين من العمر من دون زواج، فلن يحظى منهن مستقبلاً بفرصة زواج إلا واحدة من كل خمس (13). ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن الرجال يموتون في سن أبكر، كما أن دورة «الطفرة السكانية» أفرزت أعدادًا أقل من الشركاء المناسبين من جهة العُمْر. وفوق ذلك، فإن الرجال كلما تقدموا في السن مالوا إلى اختيار زوجات أصغر عمرًا عند الزواج ابتداءً، أو الزواج مرة أخرى. وهناك عاملٌ آخر لا ترصده بيانات التعداد، وهو أن عدد الرجال الذين يُعرّفون أنفسهم بأنهم مثليين جنسيًا يزيد على عدد النساء اللاتي يفعلن ذلك بنحو ثلاثة أضعاف (14).
غير أن الفكرة الأساسية في دراسة بينيت هي أن النساء اعتدن، تاريخيًا، البحث عن أزواج أكثر نجاحًا منهن بقليل. ففي الماضي كان «الزواج الذاهب صعودًا» يعني الاقتران برجل ينتمي إلى أسرة أغنى. أما في الأزمنة الحديثة فيكفي أن يكون الرجل أكثر تعليمًا أو يشغل وظيفة أفضل قليلًا. في المقابل، كان الرجال يشعرون بارتياح أكبر إذا كانت زوجاتهم أقل منهم من حيث المؤهلات والإنجازات.
وكان هذا التوازن ممكنًا حين كان عدد أقل من النساء يذهبن إلى الجامعة أو يواصلن العمل بعد الزواج. فعلى سبيل المثال، في دفعة عام 1963 كان هناك 1396 رجلًا يحملون درجة البكالوريوس مقابل كل ألف امرأة تحمل الدرجة نفسها. أما في دفعة عام 1983، وهي أحدث دفعة تتوافر عنها بيانات، فقد أصبحت النساء أكثر عددًا من الرجال، بواقع ألف امرأة مقابل 977 رجلًا.
وتشهد النسب داخل سوق العمل تغيرات مشابهة. ولا تفترض دراسة بينيت أن جميع النساء العاملات يرغبن في الزواج. لكن إن كانت بعضهن راغبة في ذلك، فإن عددًا غير قليل منهن سيضطر إلى التفكير في «الزواج الذاهب نزولاً» إن هُنَّ أردنَ الزواج أصلًا.
وقد واجهت النساء السوداوات هذه المعضلة منذ زمن طويل، لأنهن يتفوقن في العدد على الرجال السود بين خريجي الجامعات، كما أن حضورهن في المهن والإدارة أقوى من حضور النساء البيضاوات. غير أن النساء السوداوات يعرفن منذ زمن أن «الزواج الذاهب صعودًا» وفق المعايير التقليدية لا يكفي. فالمرأة التي تتفوق في التعليم وتشغل وظيفة صعبة تضع معايير شخصية أعلى للرجل الذي ترغب في مشاركة حياتها معه. فالمرأة التي قالت في كتاب ’خيارات صعبة‘. “كان هناك جانب جديد كامل من شخصيتي لم أكن أعلم بوجوده”، لن تقبل زوجًا يعتقد أن مهنته وحدها هي التي تستحق الاهتمام.
وأضيف أن هذا النمط ليس جديدًا تمامًا. فخلال نصف القرن الممتد من 1890 إلى 1940، رفضت كثير من خريجات الكليات النسائية الزواج، وشققن لأنفسهن مسارات مهنية لافتة في عالم لم يكن صديقًا للنساء على الإطلاق (15). غير قليل منهنَّ أصبحن طبيبات وباحثات أكاديميات، وأسهمن رياديًا في مجالات مثل الخدمة الاجتماعية وإصلاح المؤسسات العقابية. ورغم ما تمتعن به من جاذبية شخصية، إلا أنهن رفضن عروض الزواج التي تقدم بها خريجو جامعات النخبة، ممن عرضوا عليهن حياة زوجات المصرفيين ووسطاء البورصة. بل إن بعضهن كن يعرفن، منذ سن التاسعة عشرة – وهو العمر الذي يكثر فيه التقدم بهذه العروض – أنّهنَّ يردن أن يصنعن بحياتهن شيئًا أكبر.
ومن المثير حقًا معرفة ما كان يدفعهن لذلك. من المؤكد أنهن دخلن مجتمعًا نسائيًا اتسم بالمثالية والحيوية. وكثير منهنّ كنَّ متدينات، وكان ذلك مصدرًا منحهن سندًا إضافيًا. وفوق ذلك، نشأن في أسر كبيرة كان للعمة العانِس فيها مكانة معتبرة. لعل هذه النماذج النسائية من جيل سابق تملك بعض النصائح النافعة للنساء العاملات في عصرنا.
(1) توفي 21 أبريل من هذا العام 2026م؛ مفكر وعالم سياسةٍ أمريكي بارز، عُرف بدراساته النقدية للقضايا الاجتماعية والعرقية والاقتصادية في الولايات المتحدة وبكتاباته الموجَّهة إلى الجمهور إلى جانب عمله الأكاديمي.
(2) أي الطلاق دون اشتراط ما يثبت خطأ أحد الزوجين بحق الآخر. (المترجم)
(3) ثورة الطلاق: العواقب الاجتماعية والاقتصادية غير المنتظرة على النساء والأطفال في أمريكا؛ كتاب ذائع، ألّفته عالمة الاجتماع الأمريكية لينور جاي وايتسمان عام 1985م. يعد من أهم الدراسات التي كشفت الآثار السيئة لما عُرف بـ “الطلاق بلا جريرة” في الولايات المتحدة الأمريكية. (المترجم)
الهوامش
- Newsweek (March 31, 1986), p. 47.
- Dana Friedman, Corporate Financial Assistance for Child Care (Conference Board, 1985), p. 2.
- Betty Friedan, The Second Stage (Summit, 1982); Germaine Greer, Sex and Destiny: The Politics of Human Fertility (Harper and Row, 1984).
- Ruth Sidel, Women and Children Last (Viking, 1986), pp. 181–182.
- Janet Norwood, Monthly Labor Review (December 1985), pp. 3–4.
- Barbara F. Reskin and Heidi I. Hartmann, eds., Women’s Work, Men’s Work: Sex Segregation on the Job (National Academy Press, 1986), p. 1.
- Helen Remick, ed. Comparable Worth and Wage Discrimination (Temple University Press, 1984), p. 19.
- Heidi I. Hartmann, ed., Comparable Worth: New Directions for Research (National Academy Press, 1985), p. 39.
- Earl Mellor, Monthly Labor Review (June 1984), pp. 17–28.
- Women’s Work, Men’s Work, p. 10.
- “The Glass Ceiling,” The Wall Street Journal (March 24, 1986), p. 1D.
- Warren H. Schmidt and Barry Z. Posner, Managerial Values and Expectations: The Silent Power in Personal and Organizational Life (American Management Associations, 1982), p. 51.
- The final report has not yet been published. For a summary, see Chronicle of Higher Education (June 18, 1986), p. 1.
- An unpublished estimate made by the Kinsey Institute, in William Novak, The Great American Man Shortage and Other Roadblocks to Romance (Rawson, 1983), p. 38.
- See Penina Glazer and Miriam Slater, Unequal Colleagues: The Entrance of Women into the Professions, 1890–1940 (Rutgers University Press, forthcoming).
المصدر: https://www.nybooks.com/articles/1986/08/14/women-at-work/



