عام

نظرات نقدية في بعض الترجمات العربية المعاصرة مع نماذج منها

“أشد محرقة للكتاب الجيد هي الترجمة الرديئة المعقدة، التي تجعل تعلم لغة الكتاب الأصليَّة أجدى وأسهل وأنفع من فهم النسخة المترجمة إلى اللغة العربية”.

عايض بن سعد الدوسري

تُعتبر الترجمة إحدى أهم مصادر المعرفة قديمًا وحديثًا، ومن أهم الروافد التي تقف من خلالها على معلومات ومعارف وآداب وعلوم الأمم الأخرى. وقد مرَّ في تاريخنا البشري أمثلة عديدة شكلت فيها الترجمة العمود الفقري وبوابة الانطلاق لنهضة الأمم ودخولها في سلك الحضارات المتقدمة. يقول الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر: “قل لي ما موقفك من الترجمة، أقل لك من تكون“.

ومما يؤسف له أنَّ الترجمة، كعمل مؤسسي ترعاه الدولة أو المؤسسات المدنيَّة، لم تأخذ حقها في معظم الدول العربية، وظلت الترجمة في الغالب اجتهادات فردية أو نحو ذلك. وفي إحدى الإحصائيات، جاء فيها أنَّ دولة كإسبانيا تترجم في كل سنة أكثر بأضعاف المرات من جميع الدول العربية مجتمعة. وإذا ما استثنينا بعض المراكز، مثل بعض مراكز الترجمة في مصر ودولة الإمارات، فإنَّ الترجمة إلى العربية تعاني فقرًا وضعفًا.

وإذا كانت الترجمة إلى العربية نشطة في جوانب مثل الروايات والآداب ونحوها، فإنَّ الضعف يتجلى في الجوانب العلمية الحديثة ونحوها. ولأنَّ الدراسات العلمية والفكرية تحتاج إلى دقة، أي إلى مؤسسات ومشاريع ضخمة لإتقان العمل، فإن هذا هو دور الدولة التي تسعى للنهضة. وقد عدَّ بعض الباحثين أن الترجمة مثلاً في مجال الفلسفة هو في الحقيقة “مغامرة“، واعتبر فون هرمان أنَّ الترجمة تُمثل “مشكلة فلسفيَّة“.

والسبب أنَّ الترجمة مترابطة بشكل عضوي بعلوم أخرى، كاللغات وماهيتها، وتطور المصطلحات، وسياق التاريخ “الذي يتحرك المترجم في أفقه“. بل إن بعضهم –كباري سميث– اعتبر بعض اللغات الصعبة كالألمانية غير قابلة للترجمة، ومن ثم عدم قابلية ترجمة الفلاسفة الذين ينتمون لذلك التراث. إنَّ أخطر ما في الترجمة أنَّها ليست عملية نقل مجردة ومتجردة، بل هي عملية تفسير، مثل آلية تفسير نص آخر من اللغة نفسها، بل أصعب.

قال مارتن هيدغر: “كل ترجمة هي بعد في ذاتها ضربٌ من التفسير، فالتفسير والترجمة هما من حيث نواتهما الجوهرية صنوان“. ويقول أيضًا: “كما أنَّه يصعب علينا أن نترجم الشعر، كذلك يصعب أن نترجم فكرًا ما“. ولا يعني هذا –كما يقول بعض الباحثين- أن هيدجر يرمي إلى “إبطال الترجمة والتشكيك في المترجمين، بل هو يحض على التهيب من جسامة أمر الترجمة وخطرها“.

ولأنَّ هذه المقالة ليس معنية بالدرجة الأولى ببيان أهمية الترجمة وقصور العالم العربي في خدمة لغته بنقل العلوم إليها، وإنما معنية بجملة من الملاحظات في بعض الترجمات العربيَّة المعاصرة للكتب الأجنبية، مع إرفاق صور لبعض النماذج والشواهد عليها.

 

والموضوع المخصوص الأول الذي سوف أتحدث عنه هو: لماذا يتدخل المترجم في النص المُتَرجم؟

يتدخل المترجم في نصه الذي يترجمه لأسباب كثيرة جدًا، قد يصعب حصرها، لكن يُمكن أن تُجمع في فئتين: التدخل المتعمد، والتدخل غير المتعمد.

والتدخل المتعمد ينقسم من حيث الدافع إلى: تدخل بحسن نية، وتدخل بسوء نية. وهو بدوره ينقسم إلى:  تدخل صامت،  وتدخل معلن.

 

ومن أسباب التدخل في النص المُتَرجم:

 أ-الغيرة الدينية التي تدفع المترجم إلى عدم قبول النص كما هو، فيقوم بتغييره، أو حذفه، أو تهذيبه.

ب-مخالفة النص المُتَرجم للأيديولوجية الوضعية التي يعتنقها المترجم، فيقوم باطراح النص، بل الفصل كاملاً إذا دعته الحاجة!

ج-اعتقاد المترجم بافتقار النص، ومن ورغبته في إثرائه، فيقوم بالتدخل في المتن، ويضيف له من عندياته ما ليس من كلام المؤلف نفسه!

د-أحيانًا يقوم المترجم باختيار كتاب ما لأنَّه يخدم فكرته أو أيديولوجيته، لكن يرد في الكتاب ما يُعكر صفوه ولا يخدم فكرته الرئيسة التي يريد تمريرها، فيتدخل إما بالحذف أو بالتحريف، وغالبًا هذا النوع من التحريف يظل صامتًا، ولا يُشار إليه!

هـ– يضطر بعض المترجمين تحت توهم الخوف من إثارة الضجة في مجتمع ما إلى التدخل في النص المُترجم، فيعمد إلى حذف ما يُصادم فكر المجتمع أو القانون، وقد يكون غير مقتنع بذلك.

و-وأحيانًا لعدم تخصص المترجم الدقيق في مجال العلم الذي يترجم منه وعدم ألفته لمصطلحاته، يقع في تحريف النص دون قصده، فيحيل معناه تمامًا في بعض الأحيان، أو بسبب العجلة وعدم التدقيق.

ز-وأحيانًا يأتي التدخل بسبب ضعف المترجم في إحدى اللغتين أو هما معًا، فينقل المعنى بصورة مشوهة أو غامضة، وقد تكون خلاف ما أراده المؤلف.

ولذلك من المهم جدًا أن يكون القارئ الفطن واعيًا لذلك، فإنَّ كثيرًا من الأفكار الأجنبية تصل القارئ مشوهة فيبني عليها نتائج خطرة. والشواهد على ذلك كثيرة في تاريخنا وتراثنا، فكم من كتب منحولة ترجمت ونسبت لأصحابها بشكل خاطئ، ومن ثم نسبت الأفكار إلى غير أصحابها. وكم من المعاني المترجمة نقلت بخلاف حقيقتها بل بصورة مناقضة، فانتشرت وتداولها الناس وتجادلوا حولها، وبذلت الأعمار والكتب للتوفيق بينها.

إذنَّ هذه المقالة القصيرة معنية بالترجمات المعاصرة من اللغة الأجنبية إلى العربية، وسوف نقدم الآن بعض الأمثلة كشواهد على أنواع التدخل في النص:

المثال الأول: أمامنا الآن هذا الأنموذج الذي تدخلت فيه المؤلفة لتغيير النص المُترجم، والسبب هو غيرتها الدينية واستصعابها ترجمة النص كما هو؛ لفجاجته. والمؤلفة لم تكتم هذا الأمر، بل بينته بشكلٍ واضحٍ، وبينت الدافع الذي حملها على ذلك، وكذلك في كثير من المواضع التي تدخلت فيها نبهت لذلك.

انظر إلى كلامها في المقدمة:

الترجمات المعاصرة1الترجمات المعاصرة2

 

وفي موضع في الكتاب تدخلت في ترجمة النص، لكنها أشارت لذلك بشكلٍ واضحٍ في الهامش:

الترجمات المعاصرة3

وإذ تُشكر المؤلفة على غيرتها وأمانتها في ذكر منهجها، فإنَّها ما كان ينبغي أن تفعل ذلك، فإما أن تترك الكتاب، أو أن تترجمه كما هو، ثم تتعقبه في الهامش بالبيان والرد.

 

المثال الثاني: تدخل المؤلف لأجل إثراء الكتاب، فجعل إثراءه في متن الكتاب! ولا شك أن هذا خطأ، وما كان ينبغي له ذلك، فالإثراء له مكان آخر.

انظر صورة الغلاف وكلام المؤلف في مقدمته:

الترجمات المعاصرة4الترجمات المعاصرة5

 

المثال الثالث: مؤلف عَلمَاني يساري ترجم كتابًا ألمانيًا عن مستقبل الحياة في الغرب، ولأنَّ الكتاب في فصلٍ كاملٍ قد تحدث بما لا يليق عن الاشتراكية فقد قام بحذفه!

وقد نصَّ المترجم في مقدمته على أنَّه حذف هذا الفصل؛ لأن قد احتوى على “فصل متدنٍ“!! وذكر أن الكتاب معادي للاشتراكية:

الترجمات المعاصرة6الترجمات المعاصرة7

 

العجيب أنَّ الكتاب تحدث عن الإسلام بصورة سخيفة وجاهلة، لكن المترجم لم يحذفه بحجة أن ذلك لا يضر الإسلام!

الترجمات المعاصرة8

 

ففي الأمثلة الماضية ذكرنا بعض المترجمين، الذين تدخلوا في تغيير النص أو حذفه لأسباب مختلفه، ومع ذلك فقد نصوا بشكلٍ واضحٍ على ذلك، ولم يكن في نيتهم إخفاء ذلك.

 الآن، نذكر بعض الأمثلة على المترجمين الذين تدخلوا في ترجماتهم بالتغيير أو الحذف دون الإشارة إلى ذلك بتاتًا، لا في المقدمات ولا في الهوامش، مما يعني أنَّه تم تعمد إخفاء المحذوف أو المُغَيَّر، لأسباب لا تخدم أهداف المؤلف وأجندته غير المُعلنة أو المُعلنة.

 

المثال الرابع: مؤلف الكتاب ليس أكاديميًا بل يعمل في أرصفة السفن، فهو عاملٌ لكنَّه شُغِفَ بالقراءة والمطالعة، وأُتي حسًا دقيقًا وملاحظة عميقة فيما كتبه، خصوصًا في هذا الكتاب. هذا الكتاب لم يلق رواجًا بلغته الأم، ومع ذلك فإنَّ الكتاب في الحقيقة مثير في أفكاره، وتضمن لمحات عميقة، وآراء تحليليَّة مفيدة.

هذا الكتاب هو (المؤمن الصادق) ومؤلفه (إيريك هوفر)، والكتاب مكرس للحديث عن المتطرفين، ودوافعهم الإيمانية نحو التطرف، والمترجم هو الدكتور غازي القصيبي. المترجم تدخل في نص الكتاب، إما بتغيير الترجمة، وإما بحذف النص مع حاشية المؤلف، دون أن يشير إلى ذلك في مقدمة ترجمته، أو في الهوامش عند الموضع، بتاتًا.

وهذه صورة الكتاب بلغته الأصلية الإنجليزية، ومعه صورة الكتاب المترجم إلى العربية:

الترجمات المعاصرة9الترجمات المعاصرة10

 

وسوف اكتفي بانتخاب مثالين: الأول عن تغيير الترجمة، والثاني عن حذف نص من الكتاب دون التنبيه على ذلك، ووضع صورة من الموضع، من الأصل والترجمة.

مقارنة بين النص الأصلي والترجمة العربية:

الترجمات المعاصرة11

الترجمات المعاصرة12

الترجمات المعاصرة13

 

وهذه مقارنة أخرى بين النص الأصلي والترجمة العربية، حيث يظهر النص المحذوف!

الترجمات المعاصرة14

الترجمات المعاصرة15

 

المثال الخامس: كتاب مهم وكلاسيكي في الفلسفة، وهو (الفلسفة: أنواعها ومشكلاتها)، لمؤلفه هنتر ميد، ترجمه الدكتور فؤاد زكريا. المترجم -مع تعدد طبعات ترجمته- وبدون أي إشارةٍ منه في المقدمة أو في الهامش -عند الموضع- قام بحذف أهم فصل فيه، يتحدث عن وجود الله تعالى!

وهذا الفصل هو الفصل السابع عشر:

الترجمات العربية1الترجمات العربية2

الترجمات العربية3الترجمات العربية4

 

المثال السادس: يتعلق بأهم وأشهر موسوعة عالمية وهي (دائرة المعارف الإسلامية)، حيث نجد عدم دقة في الترجمة في مواضع كثيرة، بعضها ينقلب فيها المعنى. ومترجم النص المنتخب لا أظنه تعمد تحريف النص، بقدر ما هو اجتهاد خاطئ في الترجمة، واجتهاد آخر خاطئ في الترانزلتريشن= (الترجمة الصوتية).

ففي النص التالي، وهو ترجمة لأبي المعين ميمون النسفي ونجم الدين النسفي، نقل المترجم كلام الكاتب الأصلي وهو (ويلفرد مادلنغ) بشكل خاطئ. وللأسف أن بعض الكتب العربية نقلت هذا الكلام على أن القائل هو المؤلف الكبير المختص بعلم الكلام (مادلنغ).

ففي النص الأول كتب اسم (التبصرة) بطريقة خاطئة، ثم نَصَّ على أن هذا الكتاب عبارة عن مختصرٍ لكتابه (بحر الكلام). وأي مختص يعرف خطأ ذلك.

صورة الترجمة العربية مع صورة النص الأصلي الإنجليزي:

الترجمات العربية5الترجمات العربية6

الترجمات العربية7

 

وفي الموضع الثاني، كَتَبَ لقب نجم الدين النسفي بطريقة خاطئة، بسبب نطقه لحرف (D).

انظر صورة الترجمة ثم انظر الأصل:

الترجمات العربية8

الترجمات العربية9

 

المثال السابع: ولعله يدخل في عدم التدقيق في الترجمة، أو عدم ألفة المصطلحات المتخصصة.

حيث قام المترجم بترجمة عبارة: “الإسلاميون الشيعة في العراق” إلى: “الشيعة الإسماعيلية في العراق“!

الترجمات العربية10

الترجمات العربية11

 

وأخيرًا، فما مضى كان جملة من الأمثلة والشواهد على بعض تدخلات المترجمين في النصوص المتُرجمة، ودوافع ذلك. أسأل الله أن تكون قد قدمت فائدة للقراء الكرام، ووفق الله الجميع لكل ما يحبه ويرضاه.

 

 

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى