يوسف سمرين
كان عمر بن ذر (156هـ) قاصًّا بليغًا، راويًا للحديث اعتمد عليه البخاري (256هـ) في صحيحه[1]، رغم أنَّه من المرجئة[2]، جاء أنه كان يخاطب سامعيه في مجلسه: “أعيروني دموعكم“[3]، يعظُهم ويتحلَّق النَّاس حوله ما بين باكٍ وتائب، لكنَّ القصَّة أعمق من هذا، ترجع إلى ما يزيد على سبعين سنة من وفاته، إلى عام (81هـ) حين كان والده ذر بن عبد الله الهمداني (110هـ) خطيبًا بليغًا متحمِّسًا، تصدَّر للشأن العام فانخرط في خروج مسلَّح على عبد الملك بن مروان (86هـ)، تحت قيادة عبد الرَّحمن بن الأشعث (83هـ) الذي عرف قدرة ذرِّ في الخطابة والتَّحشيد فقد كان “من أبلغ النَّاس في القصص“[4]، فأرسل إليه ابن الأشعث وقد “كساه ووصله وأمره أن يُحضِّض النَّاس، فكان يقصُّ كلَّ يوم وينال من الحَجَّاج“[5].
شارك ذر (100هـ) في ذلك الخروج الطويل الذي استمر لعامين، يسهل على سامعيه الموت في سبيل ما يراه حقًا، يقف خطيبًا في النَّاس قائلًا: “هل هي إلا برد حديدة بيد كافر مفتون؟”[6]، فكان يرى خصومه كفارًا لكنَّ الخروج فشل! وسحَق الحجَّاج ذلك التمرُّد بكفاءة عالية، ولم يكن ذلك غامضًا، إذ فطن الحجَّاج بنباهة واقتدار إلى أمر الكوفة والبصرة وما يحمله كثير من أهلها من ضغينة على السُّلطة الأموية، وأنَّه لو بقي فيهما فإنَّ هذا يسهِّل الهجوم على قوَّاته وسحقها، فاختار أن يتمركز في موضع يتوسط الكوفة والبصرة، يمكنه من الحركة ويمنع قوَّاته من أن تحاصر، فعمد إلى بناء قاعدة منفصلة عنهما، وهكذا بنى الحجَّاجُ واسط، وسُميت بواسط لأنها وسط بين الكوفة والبصرة[7]، فأتم بناءها سنة (78هـ)[8]، وهكذا كان هناك تحذير واقعي قبل (3) سنوات لمن سيخرج مع ابن الأشعث بما كان ينتظرهم من وجود قاعدة مستقلة للحجَّاج بن يوف هي واسط! لكنَّ مثل ذر (100هـ) القاصَّ كان يعنيه الصُّور البلاغية والهجائية في خطابه، وتحريض السَّامعين!
حتى إذا صارت الهزيمة ضربة لازب اختار ذر بن عبد الله (100هـ) الإرجاء مذهبًا له[9]، وانشغل برواية الحديث حتى جعله البخاري (256هـ) من رجال صحيحه[10] كما فعل مع ابنه عمر، فطال عمر ذر (100هـ) حتى مات بعد الحَجاج (95هـ) وأورث تلك الصَّنعة في الوعظ لابنه عمر (157هـ) ذلك الذي كان يقول في مجلسه “أعيروني دموعكم“[11]، ولم يتورَّط في خروج على السُّلطة، مع أنَّه عاش بين سلطتين، انقضاء زمن الدَّولة الأمويَّة (132هـ) ومقدم بني هاشم فيما عُرف بالدَّولة العبَّاسية، فعاش واعظًا وراويًا بين النَّاس.
كان خطاب المدامع الذي احترفه ذر الهمداني (100هـ) يغطي على نقص المؤهلات فلم يكن عسكريًا ولا سياسيًّا إنَّما كان قاصًا قبل خروج ابن الأشعث، وتضعضع موقفه مع الانكسار في ذلك الخروج الذي اقتات على أرواحٍ كثيرة في الكوفة والبصرة! وبقي قاصًّا بعد تلك الهزيمة، هذا الخطاب أي: (المدامع) موروثه الذي حفظ اسمه في التَّاريخ كأحد أمهر القُصَّاص، وقد سأله مرَّة ابنه عمر (156هـ) “ما بالُ المتكلمين يتكلَّمون فلا يبكي أحد، فإذا تكلمتَ أنتَ سُمع البكاء من ها هنا وها هنا؟ قال: يا بُني! ليس النائحة المستأجرة، كالنائحة الثكلى!”[12]، فقد أجاد في فنِّ الإلقاء حتى أبهر سامعيه، لكنَّ كلَّ هذا لم يكن يجعله قائدًا سياسيًّا ولا مرَّة في حياته.
هذا الخطاب الذي احترفه ابنه عمر (156هـ) تواكبت أجيالٌ عليه ولم يكن ليؤهلهم في تقييم موازين القوى، ولا استشعار النَّقص في الوعي السِّياسي، ولا ملامح الثغرات تلك التي عمت ذر عن واسط سنة: (78هـ) فتجاهلها في تحركه سنة: (81هـ) وخاض مغامرة وقودها الدماء والدُّموع والهزائم، ولم يكن له أن يمنح ضمانة لمن بعد ألا يكرروا الكارثة، بعُدَّة القاصِّ والمحدِّث!
وبعد قرون كثيرة كان هناك من درس الحديث ومنه روايات عمر (156هـ) وأبيه ذر (100هـ) وهي التي في صحيح البخاري (256هـ)، وهو عبد الغني التميمي (2022م) الذي حاز على دكتوراه في الحديث وعلومه ومع ذلك نظم بعض القصائد ومن ذلك قوله: “أعيرونا مدافعَكُمْ ليومٍ، لا مدامعَكُمْ“، وكأنَّ الأمر ميسور باستبدال المدامع بالمدافع، أن يعطى عمر بن ذر (156هـ) مدفعًا بعد أن لم يكن له من عُدَّته سوى روايته والوعظ! هذا الخطاب تجاهل النقص الفادح في المؤهلات، فلا يُقفز من المدامع إلى المدافع إلا بشحِّ المؤهلات في قراءة الواقع وهو ما يتطلَّب دراسة جادَّة وطويلة لا يصلح لها ما كان عليه عمر ووالده ذر، وإلا ستعاد السِّيرة بالمقلوب حينَ يطالَب الابن بإنتاج نسخة إضافية من والده ولا غرابة إن كانت النَّتائج نفسها!
– – – – – – – – – – – – – – –
[1] انظر: رجال صحيح البخاري، أحمد بن محمد بن الحسين البخاري الكلاباذي، تحقيق: عبد الله الليثي، دار المعرفة، بيروت-لبنان، الطبعة الأولى: 1407هـ-1987م، ج2، ص509.
[2] انظر: الطبقات الكبير، محمد بن سعد الزهري، تحقيق: عليّ محمد عمير، مكتبة الخانجي، القاهرة، الطبعة الأولى: 1421هـ-2001م، ج8، ص485.
[3] حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، أبو نعيم الأصفهاني، دار الفكر، بيروت-لبنان، ١٤١٦هـ-١٩٩٦م، ج5، ص112.
[4] الطبقات الكبير، محمد بن سعد الزهري، ج8، ص410.
[5] تاريخ خليفة بن خياط، تحقيق: أكرم ضياء العمري، دار طيبة، الرياض-المملكة العربية السعودية، الطبعة الثانية: 1405هـ-1985م، ص280.
[6] الطبقات الكبير، محمد بن سعد الزهري، ج8، ص410.
[7] انظر: شرح كتاب سيبويه، أبو سعيد السِّيرافي، حققه: عبد الكريم محمد حسن جبل، مطبعة دار الكتب والوثائق القوميَّة بالقاهرة، 2009م، ج12، ص61.
[8] انظر: تاريخ واسط، أسلم بن سهل الرزاز المعروف ببحشل، تحقيق: كوركيس عوّاد، عالم الكتب، بيروت-لبنان، الطبعة الأولى: 1406هـ-1986م، ص38.
[9] انظر: مسائل حرب بن إسماعيل الكرماني، تحقيق: فايز بن أحمد بن حامد حابس، ج3، ص1239، 1240.
[10] انظر: رجال صحيح البخاري، أحمد بن محمد بن الحسين البخاري الكلاباذي، ج1، ص244.
[11] حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، أبو نعيم الأصفهاني، ج5، ص112.
[12] الزُّهد، أحمد بن حنبل، وضع حواشيه: محمد عبد السلام شاهين، دار الكتب العلمية، بيروت-لبنان، الطبعة الأولى: 1420هـ-1999م، ص288.



