العلوم الاجتماعية والطبيعيةعام

الفقد… أما بعد، كيف نتسع للفقد دون أن يتحول إلى هوية؟

كتبه / شهلاء حسام الدين، وسنا عبد السلام

أحياناً نختار الرحيل، وأحياناً يباغتنا القدر. ما إن ولجتُ المنزل حتى استقبلتني رائحة كعكة برتقال تتوسط الطاولة، وللمفارقة، كان أول ما خطر ببالي: “يا للألم، كم هي مرّة!” تفوح رائحتها الزكية في الأرجاء لكني أغوص في الفقد أكثر؛ أستحضر السياق واللحظات والضحكات، وأدرك مع الشوق الغامر أن الجرح لم يبرأ تماماً، وأستحضر أن الغياب إلى الأبد…وحتى الجنة!

يأتي الفقد على استحياء متلصصًا، كظل خفي لا يستأذن الباب، بل يكسره، ليغتال من المآقي أحب العيون إلينا. فإذا ما نفذ القضاء، وجف دمع المقل، وجرد الدهرُ سيفَ البَيْن في لمحة.. التفت الفاقد ليرى نفسه وحيدًا أمام مرآة الروح، تحاصره أسئلة غائرة: كم قصّرنا في حقهم؟ ولماذا لم ينكشف لنا هذا التقصير إلا بعد الرحيل؟ ويا ليتنا حظينا بكلمة وداع أخيرة تطبب الخاطر!

هذه التجربة الوجدانية البسيطة تختزل حقيقة نفسية؛ فالأشخاص يتعاملون مع الفقد عبر آليات دفاعية متباينة لا واعية، لعل أكثرها شيوعاً هو “الإنكار والاستكبار”. إذ يتظاهر الفاقد بالجلَد وكأن شيئاً لم يكن، لكن هذا الكبت المستمر لا يلبث أن يتجلى لاحقاً في هيئة انهيار مفاجئ، لا يأتي دائماً على شكل غضب، إنما قد ينقلب إلى اضطرابات نفسية وجسدية واعتلالات في النوم والتغذية، وبعض الناس لا يشعرون بالحزن الحقيقي إلا بعد أشهر أو سنوات، حين تهدأ الصدمة الأولى أو عندما يصطدمون بأخرى. وعلى النقيض، يختار البعض الاعتزال التام، فيكبر الحزن في عزلتهم ككرة ثلج تدهس صاحبها بلا هوادة، بينما يهرب آخرون بالإفراط في العمل، أو الطعام، أو حتى المواد المخدرة، بحثاً عن جرعة تخدير مؤقتة للألم، فيغرقون في غياهب الإدمان دون أن يبرأ الجرح الحقيقي.

أول الفقد صدمة وحزن، وتاليه الولوج إلى عنق زجاجة ضيّق حتى يشعر الإنسان أن الحياة التي كانت رحبة صارت لا تطاق. فتتكدس المشاعر والأسئلة والذكريات في مساحة نفسية خانقة، ويبدو العبور بطيئًا ومؤلمًا. لكن الاختناق لا يعني التوقف الأبدي؛ فالكثير من عمليات التشكل النفسي الجديدة تبدأ من هذا الضيق ذاته. وربما لهذا تبدو تجارب الفقد متقلبة ومتناقضة؛ إذ يتنقّل الإنسان غالباً في مراحل الفقد الخمس ذهابًا وإيابًا بين الإنكار، والغضب، والمساومة، والانكسار، ثم القبول التدريجي، دون أن تسير هذه المراحل بخط مستقيم أو ترتيب ثابت. فقد يعود المرء إلى نقطة البداية مراراً كلما أيقظت الذاكرة غيابه من جديد.

في سياق متصل، يتفاعل آخرون مع الفقد عبر آلية “جلد الذات” وتحويل الحزن إلى محاكمة مستمرة للنفس بعبارات اللوم، مما يستنزف الفؤاد. وقد يدخل البعض في وضعية “تجميد الحياة”، حظراً للضحك أو منعًا للتخطيط للمستقبل، ظناً منهم أن الاستمرار خيانة للمفقود، وهكذا يتحول الحزن إلى سجن يُميت من هم على قيد الحياة. وثمة فئة أخرى تشترط للتعافي حصول “لحظة إغلاق كاملة” كوجود قبر للمفقود مثلاً، وهو ما يغدو تحدياً معقداً في ظروف الحروب والكوارث الطبيعية. وحين يعجز الإنسان عن تجاوز هذه المراحل يتحول الفقد لديه إلى “هوية”، ويُعرّف نفسه من خلال خسارته، فيعجز عن رؤية ذاته خارج إطار الإنسان الفاقد، رغم أن الأليق بالحياة أن تُعاش بمنطق أننا اليوم “ناجون” ولسنا ضحايا.

إن الأزمة الأعمق تكمن في المنظومة المجتمعية التي تسيء تصنيف هذه السلوكيات غير الصحية، فتترجمها إلى “وفاء” أو “حب عميق”، في حين أنها لا تعدو أن تكون ضعفًا في مهارات تنظيم وإدارة المشاعر أو التكيف مع التغيير. والتمييز هنا جوهري فوجود صعوبة في إدارة الألم لا ينفي صدق العاطفة. نعم يمكن للحب والاضطراب أن يترافقا بالتوازي والتقاطع، فقد بكى سيد الخلق صلى الله عليه وسلم لما فقد ابن ابنته، فقيل له: ما هذا يا رسول الله؟ فقال: “الرحمة التي جعلها الله في بني آدم، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء”. لكن المجتمع يُصر على تكريس هذا الخلط فيصور المعاناة الطويلة كدليل إخلاص، ويصم العودة للحياة الطبيعية بالنسيان، ويمدح الكتمان القاتل على حساب طلب المساعدة المتخصصة. بل إن هذا الخلط يمتد ليشمل كبح البكاء الفطري بدعوى النهي عن النياحة، وصولاً إلى فرض تقاليد بالية مثل تحريم الزواج على الأرملة بحجة “العيب”، مما يحول الوفاء من قيمة إنسانية نبيلة إلى قيد اجتماعي مشوه للذات.

أحياناً لا تكون المشكلة في الحب، بل في خوف الإنسان من أن يسمح للراحل بتبوء مكان في الذاكرة لا في الحاضر. أما بعض الفاقدين فيشعرون أن التعافي أو الضحك أو العودة للحياة نوع من التخلّي، بينما قد يكون السماح بالرحيل أحد أصدق أشكال الحب وأكثرها رحمة بالطرفين. وفي الواقع، قدرة الفاقد على الاستمرار في حياته، والاعتناء بنفسه، والعودة التدريجية إلى اختلاق البهجة وقراءة المعنى وبناء العلاقات، والمحافظة على صِلته بالله، لا تقلل من قيمة الفقد أو عمق الشعور؛ بل هي على النقيض تماماً، تجسيدٌ للنضج العاطفي والشعوري في أبهى صوره.

وللفقد في العمق ثلاث جراح متوازية؛ أولها جرح الفوضى، حين يهتز إحساس الإنسان بذاته وتتزعزع تصوراتُه عن نفسه ومبادئه وما كان يظنه ثابتاً فيه. وثانيها جرح التفسير، إذ يتحدى الفقد افتراضاتنا الأساسية عن العالم والحكمة والمعنى ومكاننا داخل هذا الوجود، فيحاول الإنسان عبثاً أن يعيد إدماج ما حدث ضمن إطار اعتقاده الأكبر عن الحياة. أما ثالثها فهو جرح الصلات، حيث يصبح البقاء متصلاً بالناس، أو بالأنشطة اليومية، أو حتى بالنسخة القديمة من الذات، أمراً بالغ الصعوبة. وتتقاطع هذه الجراح جميعها مع الألم العاطفي حتى تتجلى بشكل أو آخر.

تجربة الفقد نفسها تكتسب أبعادًا متباينة في كل مرة نسبة للقرب والبعد من المفقود ونسبة إلى كون الفاقد محاطًا بالمقربين أم معتزلًا بذاته وفي الحالة الأولى حيث الفقد وأنت قريب من المفقود وحدك، فتتحول التفاصيل الصغيرة إلى عبء يومي ويصبح الغياب مرئياً في كل زاوية. أما المغترب.. فيدركه الفقد وهو في قاصية الأرض، لا تبلغه إلا زلزلة الصدمة الأولى، وثقل الأيام العجاف التي تليها. يغترب حتى عن العزاء والمواساة، فلا ينوبه منها شيء، ليجد نفسه مستجيرا بإيمان يفوق إيمانه، وتجلد يرمم به انكساره. يغيب عنه “الوداع الأخير” ثم يورثه الفقد شجنا يفطر الروح، وخوفًا سرمديًّا يتسلل إلى أطراف أيامه؛ فيبيت يرتعد خشية ألا يعانق باقي أحبته بما يكفي قبل الرحيل، ويظل هاجسه الأكبر… أن يأتي الفقد بغتة مرة أخرى بلا فرصة للقاء أخير. ويبدو الإحساس بأن الحزن مؤجل أو غير مكتمل، حالة من أكثر الأشكال تعقيداً لأن الإنسان يشعر أنه خارج المشهد وخارج الحزن معاً.

تتمثل الحالة الثالثة للفقد في كونه تجربة جماعية تحوّل الألم من عبء فردي معزول إلى مسؤولية مشتركة؛ فالطقوس الاجتماعية ليست مجرد عادات، بل محاولة لترتيب الفوضى الداخلية وصناعة معنًى للرحيل عبر الإغلاق الرمزي للقصة. ومع ذلك، تتفاوت هذه الطقوس في أثرها؛ فبينما يوفّر بعضها مساحة للتعافي والتماسك، يتحوّل البعض الآخر إلى ضغط اجتماعي يستنزف الحزين، فارضاً عليه “أداء” الحزن بدل عيشه بصدق.

أما الفقد والفاقد وسط جماعة بعيدًا عن المفقود فهما تجربةٌ صعبةٌ بما يكفي للبعد، وفقد الوداع الأخير ينطبق فيها ما ينطبق في باقي حالات الفقد لكن لعل ما فيها من سوء يهون مقابل وجود الرابط الاجتماعي الذي يحميك من الخواء، لكنه الفقد!

ومع أن إطلاق الأحكام ليس هدفاً في مسيرة التعافي، إلا أن هناك سؤالين جوهريين يمثلان معياراً داعماً للفاقد في سيرورته الوجودية؛ أولهما: هل سلوكه الحالي يساعده على استيعاب الفقد وهضمه؟ أم أنه يكرّس عجزه وعزلته، ويجعله أكثر تعلقاً بالألم ذاته؟ وثانيهما: كيف صار إيمانه بالله بعد هذه الهزة؟ وهل حاله الراهن يوافق مراد الله في الصبر والسعي، أم ينافيه؟

يجب أن ندرك أن المشكلة لا تكمن في الحب ذاته حين يتحول الألم إلى تدمير مستمر للحياة، أو تشويه للهوية، أو يغدو هو المعنى الوحيد للوجود، فالحب في جوهره النقي لا يؤذي ولا يؤلم. استجابات الفقد تتباين جذرياً بين الأفراد متراوحة بين الحزن، والصمت، أو التبلد، والعصبية، أو حتى الضحك المفرط، فلا خطوات موحدة للتعامل. ومع ذلك، تشير الأنماط العلمية إلى مساراتٍ داعمة للتكيف مع مرور الوقت، لعل أبرزها:

السماح بالحزن بدلاً من مقاومته: والاعتراف بالمشاعر – أيًّا ما كانت – عوضاً عن مقاومتها، يُعد ركيزة أساسية للتعافي. مجرد الإقرار بالشعور على مستوى الأفكار ثم السماح لهذا الشعور بالرحيل يفعلان الكثير!

المشاركة الوجدانية: الحديث مع شخص موثوق يخفف من وطأة العزلة، فالإنسان في هذه اللحظات لا يبحث عن حلول بقدر حاجته إلى من يستمع إليه. وعلى الرغم من أهمية التواصل الاجتماعي فإن المقربين أحياناً، يريدون المساعدة لكنهم يجهلون كيف، أو يضغطون على المفجوع ليتجاوز بسرعة أو يشتت شعوره فيكررون عبارات مؤذية دون قصد مثل “تجاوز/اسكت”

التمسك بروتين بسيط: الحفاظ على حد أدنى من تنظيم النوم، والتغذية، والحركة اليومية؛ إذ إن الروتين لا يمحو الحزن، لكنه يقي من الانهيار الكامل وسط الفوضى الداخلية. وأقل حركة تفعل الكثير روحيًّا وفكريًّا كمقاومة شعور الغرق في الفراش كل صباح.

الروابط الرمزية: إيجاد طريقة جديدة لصلة ممتدة بالراحل عبر الدعاء، أو الصدقة، أو استحضار الذكريات الطيبة. الفكرة هنا ليست “النسيان”، بل إعادة تموضع العلاقة مع الغائب في عالم الذكرى. وبنفس الوقت الفكرة ليست إعادة الإحياء ولا الاستذكار والاستحضار الدائم. فهناك فرق بين الاحتفاظ بمحبة المفقود وبين تحويل الحياة كلها إلى متحف للحزن.

منح الوقت حقه: اللحظات الأولى هي الأقسى تمر لكن لا يبدو أنها تمر… وفي النهاية الوقت كفيل بكل شيء والألم لا يختفي فجأة، لكنه يغير شكله؛ فيتحول من حزن طاغٍ ومستمر إلى موجات متباعدة تأتي وتذهب.

طلب الدعم المتخصص: حين يتحول الفقد إلى عزلة ممتدة أو انقطاع كامل عن الحياة، يصبح اللجوء للمختص النفسي خطوة ضرورية. فالمسلم قوي بإخوانه، ومن المهم أن يحيط نفسه بمن يبث فيه الأمل ويوقد جذوة الحياة، سواء كان ذلك عبر رفيق، أو كاتب يقرأ له، أو معالج نفسي يثق به.

إن التعايش مع الفقد لا يعني أبداً أن الشخص قد “تجاوز” الراحل أو كفّ عن حبه، بل يعني ببساطة أنه تعلم كيف يتسع لحزنه ويعيش معه، دون أن يتيح له ابتلاع حياته بالكامل. ومهما نظهر من اختلافات فردية عند تعاملنا مع الفقدان والصدمة فسنواجه تحديات متشابهة عندما نعيد بناء أنفسنا ونتشافى نفسيًّا وعاطفيًّا، والفقد كثيرًا ما يتيح لنا فرصة للنمو للتركيز على أولوياتنا وعلاقاتنا المستمرة وأهدافنا من الحياة وغاياتنا من الوجود ويغمرنا بالرضا فيما يعرف “بتطور ما بعد الصدمة”

يستحثُّ الخطى فينا ذعرُ الفقد، ويُكبّلها بَطَرٌ وزُهد؛ رهبةٌ تُقيمنا وألفةٌ تُقعِدنا، وبينهما غفلةٌ مطوّلة تُسمّى العُمر. فالحي يحمل نصيبه من الألم، لكنه يحمل أيضاً مسؤوليته في السعي والنجاة ومواصلة الحياة. وربما كان أنضج أشكال الوفاء ألا نتوقف عند الفقد، بل أن نحيا بعده بقلوب أرحم وأوعى، وأن نبقَى للراحلين أثرًا صالحًا لا حكايةَ حزنٍ لا تنتهي.

وفي النهاية، لا يختبر الفقد قدرتنا على البكاء بقدر ما يختبر قدرتنا على الاستمرار دون أن نفقد ذواتنا بالكامل. فالغياب لا ينتزع المفقودات، بل يغيّر شكل الأيام، ويترك فراغاً تتعثر به التفاصيل الصغيرة والاعتقادات القديمة والنسخة التي كنّا عليها بقربهم. ثم يبدأ الإنسان، على مهل، في تعلّم الحياة بهذا النقص الجديد. ولا يُقاس صدق الحب بقدرتنا على تعطيل الحياة أو الإقامة الدائمة داخل الحزن، بل بقدرتنا على حمل أثر الراحلين برحمة واتزان؛ أن ندعو لهم، ونذكرهم بخير، ثم نواصل الطريق دون أن نحوّل الغياب إلى هويةٍ أو إلى قبرٍ آخر نسكنه ونحن أحياء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى