فكر وثقافةالفلسفة

الإنسان الواجب وإقصاء السلفية من دخوله

قراءة عابرة للإنسان عند طه عبدالرحمن .. الكتاب والمكتوب عنه

 د.حامد بن أحمد الإقبالي

 

 

لا يعرف الإنسان إلا بأخلاقه وفضائله ولذلك كان مصطلح الإنسانية عند علماء الأخلاق معبراً عن الفضائل النفسية المختصة بالإنسان، وبقدر ما يكتسبه من أخلاقها فهو يستحق التسمية، فمنهم من قد ارتفع حتى لحق بأفق الملك، ومنهم من اتضع حاله حتى صار في أفق البهائم ومنهم من هو في أواسط هذين، كما يقول الراغب الأصفهاني، فاختص هذا اللفظ بالأفعال والأخلاق المحمودة، وأما الأخلاق المرذولة فتشارك الإنسان فيها مع البهائم، لذلك كان موضوع دراسة الإنسان من المهمات الأخلاقية المعاصرة التي تستحق أن ينتهض لها الباحثون، ولعل ما كتبته الدكتورة سوسن العتيبي في دراستها للإنسان عند طه عبدالرحمن يسهم في تطوير هذه المباحث المعرفية.

 وهذه لمحة موجزة لكشف معالم كتاب الإنسان عند طه عبدالرحمن، على أنها لمحة لا تستوفي شرائط التوصيف الدقيق للكتاب، ولكنها تحاول رسم الملامح الكبرى وتعالقاته ببعض المباحث المعرفية والاشتباك مع نتائجها البحثية، ولذلك يمكن القول أن الكتاب يبحث فكرة الأخلاق المنشودة عند طه عبدالرحمن، فالإنسان عند فيلسوف القصدية كما أطلقته الباحثة هو حجر الزاوية الناظم لفلسفته، لذلك تراه جمع تحت لفظ المخلوق تعريف الإنسان خلقْا وخلُقا، فالتكريم يتناول خلْقه، والتشريف يتناول خُلقَه المتحلي بكمالات الأسماء الحسنى، ولذلك تناولت الباحثة هذا المفهوم من جهتين، إحداهما: التشخيص حيث وصفت حال الإنسان مجرداً وهو ما يُطلق عليه: الإنسان الواقعي، والثانية: باعتبار التأسيس وفيه شيّدت نموذجاً للإنسان المقصود شرعا، وأسمته: الإنسان الواجب.

وهي بذلك تحاول رد الإنسان من عالم الحس إلى عالم المعنى المتصل بحياته، وهذا التجلي يكون في القيم والأخلاق، فإن الإنسان تعريفه بالسلوك أقرب لحقيقته الإنسانية، فهذا هو مفهوم الإنسان الواجب بوصفه الخلقي الجامع بين باطنه وظاهره، متجاوزاً به الإطار الذي قصَر الإنسان المعاصر على العاقلية والصورة المحصورة في الظواهر (الإنسان الواقعي) لذلك فقد حددت الباحثة أصولاً ثلاثة للأخلاق وهي: أن ماهية الإنسان تحددها أخلاقه، وإن هذه الأخلاق لا تحصرها أفعالاً محددة بل تشمل جميع الأنشطة الإنسانية، وأن أحكام الشريعة مبناها أخلاقي([1]) ووددت أنها استثمرت تقسيم القرآن الثلاثي للمسلم في تصنيفها للإنسان الواجب وتأسيس هذه الأصول، فالإنسان في الأمة إما ظالم لنفسه، أو مقتصد، أو سابق بالخيرات، يتراوحون بين هذه المقامات والأحوال، وهو تقسيم واقعي مبني على تصنيف شرعي أيضاً وهو: الإسلام، والإيمان، والإحسان، فلكل صنف مقامٌ محددٌ يلائمه، وجهة عليا ينتسب إليها، وهذا تستسيغه حتى نظرية المجال التداولي بمكوناته العقدية واللغوية والأصولية، فالإنسان الواجب جنس تحته ثلاثة أنواع، يتمايزون فيما بينهم في الوصف والعمل كما يتمايزون في الفضل والكمال، وهو معيار ضابط لا يقل شأناً عن معياره الشرعي الذي راعاه في التفريق بين النفس التي تلحقها أفعال الذم، والروح التي تلحق بها أخلاق الحمد.

ولعل من الملاحظات السريعة على الكتاب هو الاستطراد في توسيع دلالات الإنسان الواجب والإنسان الواقعي ليتحول من موضوع إلى رؤية، وهذا أدى إلى تتبّع تفصيلاته في كل كتابات المؤلف، لذلك تطوّر المفهوم بحسب المراحل التاريخية، فمن الإنسان الخُلقي مروراً بالإنسان الآياتي حتى توقف عند الإنسان الائتماني، وهي حقب تاريخية استلزمت تطوراً في تشكّل المفهوم نفسه عند المؤلف، وإن كان يُفهم من وجه آخر قصوراً في ضبابية الرؤية قبل التشكّل وإنجاز ملامح الإنسان الائتماني، فظهر أن الإنسان المتخلق هو أدنى من الآياتي، والائتماني أعلى من الآياتي وهكذا، ولا يزال الإنسان الواجب في صورته الناجزة المقصودة لم تخرج بعد، ووددت أنها ناقشت مفهوم الإنسان في الفصول الأولى ثم تركت بقية الفصول لاستمدادته، وأسبابه، وتأثيراته، وانعكاساته الأخلاقية في المجال التداولي، ومن ثم تطوير المفهوم وتعالقاته بالدراسات الحديثة، بل ونقده أيضاً، إذ خلا البحث حتى من تعقبات الباحثة وإبداء الملاحظات البحثية عليه لاسيما في تصوراته الخاطئة عن السلفية والفقهاء الذين يضعهم في مرتبة النموذج الأدنى للإنسان (القربائي) باعتبار تقربه من الألوهية ناقص، زاعماً توسله المعرفة بالفرائض، وذلك خلافاً للنموذج الأعلى للإنسان (المقرب) الذي يدخل إلى العمل الشرعي بعد تعرفه على الله تعالى، معتبراً أنه قد كمّل نفسه بالتجربة، والواقع أن المُحقق أو (المقرّب) ربما كان فقيهاً أو سلفياً لا حكراً على المتصوفة، ولا أعرف لماذا يفترض بعض الباحثين تعارضاً نكِداً بين الفرض المطلوب من العبد ومعرفة الله، والحق أن المعرفة بالرب ضرورية لكنها لا تكمل إلا بالفرض وحينئذ يحصل (التعبد المشروع) المتضمن لغاية الحب بنهاية الذل، لكن ربما كان لتجربة طه عبدالرحمن التزكوية بملازمة الشيخ حمزة بودشيش شيخ الطريقة البودشيشية أثراً في تشكيل هذا النموذج الأخلاقي لاسيما أن هذه التجربة اعتبرها ذات منعطف فكري في حياته.

ولعل من المعاني المهمة التي يُعترض عليها؛ حصر كمال التدين في الفتوة – باعتبارها الدرجة الثالثة – والحقيقة هي ليست بأولى من التقوى، بل هي منطوية فيه، وقد سئل الإمام أحمد عن الفتوة فقال: ترك لما تخشى، أي هي بمعنى التقوى([2]) وقد جعلها الراغب الأصفهاني إضافة إلى الإنسانية والمروءة متقاربة المعنى متكاملة فيما بينها، فالإنسانية أصل والمروءة صيانة للذات، والفتوة ذروة الإيثار الأخلاقي مع الآخر، وهو المعنى الذي توصّل إليه طه عبدالرحمن، لكنه ربما حمله على ذلك محاولته تنزيل هذا المصطلح على المقاومة الفلسطينية الباسلة، وهو استبدل مصطلحاً بمصطلح ليتسنى له رفع مرتبتهم باعتبارها النموذج المحتذى، ولو أطلق عليهم مصطلح (المجاهدون) أو أهل الثغر لكانوا أحرى بذلك، بل ووجد سعة لغوية وفكرية تحمل عملهم على أحسن محامله وأوصافه ودلالاته. وعموماً هناك العديد من الإشكالات القلقة التي تثيرها كتابات د. طه سواء في إفراغ المفاهيم من معانيها المركزية أو كسوتها معنى مختلفاً، ينضاف إلى ذلك مقابلاته المفهومية التي لا يُسلّم له بها مثل جعله (الأخلاق مقابل العقل) و(الآية مقابل الآلة) و(الملك مقابل الملكوت) وهكذا.

قصارى القول أن الدكتورة سوسن العتيبي بذلت جهداً مميزاً في معالجة فصوله الأربعة، فمفهوم الإنسان يُعد من أهم المفاهيم المحورية الكاشفة للفلسفة الائتمانية، والجامع لعدّة نظريات ومفاهيم؛ ربما تكمن الإشكالات في بعض مباحث الفلسفة الائتمانية ومن ذلك التمييز بين الفطرة والخلْق بحيث تصبحان في شكل تقابلي يفرق بين الظاهر والباطن، في حين جاءت في الوحي بالجمع بين المعنيين كما أشارت الباحثة([3]) واعتبار أن الخلْق أعم من الفطرة التي هي خلق خاص، والحقيقة أن مفهوم الفطرة لا يزال مشكلاً عند طه عبدالرحمن بل وفي المجال التداولي عموماً – ويمكن تتبع ما كتبه ياسر قاضي في فطرية ابن تيمية أو ما كتبه عبدالجليل الكور في فطرية طه عبدالرحمن أو ما كتبه بنفسه في بحث الإشهاد الإلهي – وظهر هذا حتى في تجنّب الباحثة الخوض في حدوده ونتائجه، إذ يفيد تعريفه أنها ذاكرة الروح الغيبية وأن خلقها جاء مع الطور الثاني للوجود وهو (الخلق) لكن بجمع كتابات د. طه ذكرت الباحثة أنه يلزم إغفال لفظ (الخلْق) والنظر في وظيفة الفطرة إذ تنبئ أنها في الطور الثالث وهو الطور النفخي، وهو استنباط من الباحثة([4]) مما يكشف حجم المشكلة الطاهوية في التعامل مع هذه المفاهيم. وإن كان يحسب له جمعه بين (العقل والقلب) واجتهاده في التكامل بين علوم الشرع، ودوره في الشمولية الخلُقية والأولوية الخلقية في هذه العلوم، والمقاربة بين اللغة والمنطق باعتبار البيان العربي أصله برهانياً.

– – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – –

[1] – سوسن العتيبي، مفهوم الإنسان عند طه عبدالرحمن، ص324

[2] – ابن تيمية ، مجموع المسائل، 178/1

[3] – مفهوم الإنسان عند طه عبدالرحمن، ص320.

[4] – مفهوم الإنسان عند طه عبدالرحمن، ص438 .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى