فكر وثقافةالتربية والتعليم

في مديح الظل

سردية التركيب في عصر سطوة الإبداع

محمد بن تاج الدين بن مرعي

 

مقدِّمة:

أحكي لكم عن شركة قررت بذل مقدارٍ معيِّنٍ ثابتٍ من المال يقسَّم على موظفي الشركة كلٌّ منهم بحسب مساهمته فيها وانتفاعها به، وبعد رفع التقارير، وظهور المستحقَّات وجد أغلب العمال أنه لم يقدِّم لهم من المبذول إلا أقلُّ القليل فيما لا يتناسب مع مساهمتهم في الشركة ولا يقارب -بأيِّ حالٍ من الأحوال- ما حصَّلُته القلة الباقية من زملائهم، فراجعوا التقارير المقدّمة عن أعمالهم فلم يجدوا كثيرَ ظلمٍ -وإن ظلموا- فيما نسب إليهم من أعمالٍ نافعة، فما سبب قلة المبذول إذن؟، وما سبب هذا البون الشاسع بين ما قُدِّمَ لهم وما قُدِّمَ للقلة الباقية منزملائهم؟

وفي محاولةٍ أخرى لاسترداد حقوقهم المسلوبة طلبوا النظر في تقارير القلة الباقية من زملائهم، فكانت المفاجأة: التقارير ممتلئة بالمبالغات من أولها إلى آخرها، فكان السبب الرئيسي في سلب حقوقهم هي المبالغة في تقدير زملائهم ممَّا أدى إلي لتصاغر أعمالهم أمام أعمال زملائهم، ولنفترض هنا أنهم أقدموا على تقديم شكوى فماذا ستكون سرديتهم؟ السردية التي سيقدِّمونها هي ذات سردية التركيبي في عصرنا.

ففي عصرنا سطت مفاهيم كـ“الإبداع“ و”العقل الإبداعي” وما جرى مجراهما على أذهان الكثير من طلاب المعرفة، حتى أصبحت ديدنهم وملأت شعابهم، وغدا وصفهم “لم يأتِ بجديد” مذمَّة لا تغتفر، بها يحلُّ لهم القاءُ ساعاتٍ بل أيامٍ وشهورٍ وسنينٍ من الجهد والتعب والتفكير والتأمل والتصنيف والدراسة إلخ في القمامة بلا تقدير، وبالغوا وغالوا فيها حتى قال د. غارندر -المصنَّف ضمن أهم مئة شخصية في القرن العشرين-: “إن الأشخاص الذين لا يمتلكون مقدرات إبداعية سوف تتم الاستعاضة عنهم بأجهزة كمبيوتر”[1]؛ فعزمت أن أقدم مقارنة مختصرة بين نتاج “العقل التركيبي” و“العقل الإبداعي”، بغية إيضاح ما للأول من نفعٍ تغوفل عنه، وما يحيط بالثاني ونتاجه من عقباتٍ عدمت الإشارة إليها، ترتفع -بمجموعهما- بالعقل التركيبي -خاصة في عصرنا: عصر الانفجار المعلوماتي- إلى المرتبة التي يستحقُّها، وإن كنَّا مقرِّين في نهاية المطاف بأفضلية “العقل الإبداعي”.

تمهيد:

نتحدث في هذه المقالة عن العقل الإبداعي من حيث هو متفرد بخصائص عن العقل التركيبي، إذ لا إبداع بدون قدرٍ مُرتفعٍ من القدرة على التركيب، فيتشارك العقلان في هذه الصفة من جهة الأصل، ويتميَّز العقل التركيبي بمستوى مختلف كيفًا عن نظيره الإبداعي ويفوقه كميًا من حيث الممارسة. هذا والأفكار التي ينتجها العقل التركيبي تقع في حيِّز أسميه بـ”المحتمل” ولا أعني به ضد المستحيل والواجب، بل ما يمكن أن يتوصل إليه المرء بقدر وكيفٍ من التعقل دون القدر والكيف الإبداعي، وأما ما يُنتجه العقل الإبداعي -من حيث هو كذلك- فيقع في حيزٍ آخر أسميه “غير المحتمل”. وبهذا يتبيِّن أن بينهما عمومٌ وخصوصٌ في أغلب القضايا، حيث يعمُّ الإبداعي نظيره التركيبي.

وقبل البدء أنبِّه إلى أنِّي إذا عنيت بـ”المحتمل” ذلك الحيز جعلته بين علامتي تنصيص، وإلا فيبقى على استعماله اللغوي.

المقارنة

تنحِّى العقل الإبداعي وسطوع التركيبي:

في عصرنا -عصر الانفجار المعلوماتي- أصبحت المجالات والحقول المعرفية من الكثرة والاتساع بحيث لا يستطيع أي إنسان أن يحيط بأي فرعٍ يتفرع عنها فضلا عن أحدها بأسره، وأصبحت أي معلومة يتلقَّفها تكاد تكون -عمليًا- معلومةٌ جديدةٌ كليًّا إذ لا يشاركه فيها إلا نسبة قليلة من البشر، فتفتح للفرد آفاقًا معرفية جديدة متفرِّدة وكأنه امتلك معلومة -فكرة- إبداعية، ومن ثمّ فإن أي رؤية تشارك هذه المعلومة في تشكيلها تكون أكثر ندرة؛ وبالتالي تكون آثارها أكثر قربًا من آثار الرؤية الإبداعية. ولعلَّ هذا المفهوم -الندرة- أحد اسباب اعتناء العلماء بالفوائد التي في غير مظانها إذ بها تُفتح آفاقٌ معرفية جديدة لم تكن في الحسبان.

ومن هنا تنحى العقل الإبداعي قليلًا عن الصورة ليفسح مجالًا يُرى منه العقل التركيبي، الذي يتَّسم بالقدرة على التعامل مع كمٍ هائل من المعلومات والقدرة على إعادة تشكيلها حسب حاجاته الفكرية وحسب ما تملي عليه رؤيته. فلم يعد العقل الإبداعي ذلك العقل الذي لا يقاربه نوعٌ آخر من العقول، فالعقل التركيبي اقترب منه عمليًا حيث تشكَّل به رؤى نادرة للغاية تعمل عملًا يشبه عمل الرؤى الإبداعية، بالإضافة إلى كونه يُحتاج إليه على المستوى الفردي بصورة أكثر إلحاحًا من الحاجة إلى نظيره الإبداعي -وخاصة لغلبة ممارسة التركيب فيه-، إذ به يستقيم الفعل الفكري والعملي في الواقع المعقَّد، فالخصائص التركيبية للعقل التركيبي -على المستوى الفردي الحياتي- أهم من الخصائص الإبداعية والتركيبية التي يتميَّز بها العقل الإبداعي، سواء من الجهة الكيفية أو جهة مقدار الممارسة لها.

ثمَّ لمن تأمل فإن الإبداع “الكبروي” في عصرنا بدأ يندثر ويتلاشى، وذلك لسببين: أولهما: الفصل القسري والقاسي بين التخصُّصات والذي بدوره يمنع التواصل بين العلوم المختلفة والتي تجتمع معًا لتشكيله، يقول د. عبد الوهاب المسيري مشيرًا إلى أحد صور الإبداع الكبروي: “فردٌ واحدٌ لا يستطيع أن يستوعب نتائج العلوم لكثرتها وتشعبها، وفردٌ واحدٌ هو الذي ينبغي أن يتوَصَّل إلى كشفٍ علميٍّ أو نظرية واحدةٍ لتفسير النتائج التي توصَّلت إليها العلوم المختلفة“[2]

وثانيهما: أن الإبداع الصغروي، الذي بتراكمه في سياقٍ معين يشكِّل -غالبا- الإبداع الكبروي قلَّ، فما تظن أنه من إبداعك في كثيرٍ من الأحيان سبقك به غيرك ممن لم تسمع به، مما يعيق العقل الإبداعي من إنتاج إبداع من الجهة العملية[3]، وإن صحت من الجهة النظرية باعتباره أتى بفكرة عميقة لم يسبق له أن تلقَّاها. ولعلَّ أحدهم يجادل في السبب الثاني فيقول: كما أن الكثير من مواطن الإبداع طرقت وكادت تستهلك، فهذا التوسع نفسه: فتح آفاقا جديدة وأبان عن مواطن أخرى للإبداع، وهو صادقٌ في ذلك إلا أنه لم ينتبه إلى أمورٍ منها: أنه كلَّما زاد العلم توسُّعًا، ازداد تخصُّصًا[4] وهو عين العقبة الأولى (الفصل القسري والقاسي بين التخصُّصات)، وأنه كلَّما ازداد توسُّعًا ازداد تعقيدًا واحتيج للتقدُّم “الكبروي” فيه إلى مؤسَّساتٍ لا مجرَّد أفراد، يقول أ. أحمد سالم: “الإمكانات المادية والتقنية الكبيرة التي يحتاجها الإبداع في العلوم الطبيعية والتقنية = يجعل من الصعب اكتمال نموذج إبداعي بعيداً عن الهياكل والمؤسسات الكبرى”[5]، ويقول د. ميهالي سيزنتميهالي: “من المهم الإشارة إلى ضعف المساهمة الفردية بالنسبة للإبداع، لأنه عادة يوجد مغالاة في التقييم”[6]

ولعلَّ ما أبنَّاه من علاقة الإبداع في العلوم الطبيعية والتقنية بمجتمع المعرفة مدخل جيد لبيان عقبتين أخريتين ذات علاقة بذلك المجتمع: أولهما -وهي شبيهة بسابقتها-: أن الذكاء الذي يُحتاج إليه في عصرنا ليس الذكاء الفردي، والذي يتربع على عرشه العقل الإبداعي، وإنما الذكاء ضمن مجموعة، فيعرض كلاً من ستيفن سلومان وفيليب فيرنباخ في كتابهما “وهم المعرفة” رؤية أكثر عملية عن الذكاء، تحطِّم -هذه الرؤية- جوانب من الفردانية وتتوافق مع تعقيد العالم وتشابكه، فيقولا: “يمنحنا الوعي بأنَّ المعرفة تعيش في مجتمع طريقة مختلفة لتصوّر الذَّكاء. وبدلاً من اعتبار الذَّكاء سمة شخصيَّة، يمكن فهمه على أنّه مقدار مساهمة الفرد في المجتمع. إذا كان التَّفكير كياناً اجتماعياً يحدث في مجموعة ويضمّ فرقاً، فإنَّ الذَّكاء يكمن في الفريق وليس في الأفراد فحسب … يساهم الفرد في الفريق، والفريق هو المهمّ، لأنَّ الفريق هو الذي ينجز الأمور … إذا فكَّرنا بهذه الطَّريقة، فإنَّ الذَّكاء لن يبقى مجرَّدَ قدرة الشَّخص على التَّفكير وحلّ المشكلات؛ إنّه مقدار مساهمة الشَّخص في عمليّة التّفكير المنطقيّ للمجموعة وحلّها للمشكلات … يصبح الذّكاء كياناً أوسع بكثير عندما يُنظر إليه من زاوية مجتمع المعرفة … بدلاً من قياس الذّكاء عن طريق اختبار الأفراد بمفردهم في غرفة، نحتاج إلى اختبار فرق من الأشخاص الذين يعملون في مجموعات”[7] فـ“المجموعة هي ما تصنع المنتج النهائيّ، وليس أيّ فرد. والمنتج النهائيّ هو المهمّ”[8]

ويقولان في تبيين عدم مركزية الإبداع في العمل الاجتماعي: “يمكن للنّاس المساهمة في المجتمع بعدّة طرق مختلفة: من خلال البصيرة الإبداعية، ولكن أيضاً من خلال الاستعداد للقيام بعمل شاقّ لفترات طويلة، ومن خلال كونهم خطباء رائعين ومستكشفين رائعين.”[9]، فالإبداع عنصرٌ مهمٌ من عناصر النجاح والإنجاز -بلا شك- لكنَّه ليس هو ذات النجاح والإنجاز!، أو قل -كما يقول ماكلوهان- أن الإنجاز -أيًا كانت صورته ضمن المجموعة- هو الإبداع الحقيقي، إذ يقول: “الوسط هو الرسالة، إن ما ينجزونه [أي أعضاء الفريق] ضمن بنية تنظيمية هو إنجازهم الإبداعي”[10]

ومن أدل الأمور التي تبيِّن واقعية هذه الرؤية استراتيجية واي كومبينيتر -إحدى الحاضنات للمراحل الأولى لانطلاق شركات التكنولوجيا- إذ: “تستند استراتيجيتهم إلى الاعتقاد بأنّ الشركات الناشئة الناجحة نادراً ما تنتفع من فكرتها الأوليّة، إن وُجدت. الأفكار تتحول. إذن فإنّ الأفكار ليست الأكثر أهمية. وإنّ جودة الفريق أهم بكثير من جودة الفكرة…”[11]

وثانيهما: وهو أنه قد تأتي بفكرة إبداعية ولكن غير مهمة أو غير منجِزة عمليًا فلا يتقبلها الحقل المعرفي وهم خبراء الفن الذي تنتمي هذه الفكرة الإبداعية له، أو على الأقل ألا تلوح لهم أهميتها فالإبداع “شيء غير قابل للعدِّ والحساب, فلا يعرفه إلا أهله الراسخون!”[12] وقليلٌ ما هم!، فتموت الفكرة وكأنك لم تقدِّم شيئًا، ولهذا اعتبر د.سيزنتميهالي أن أحد العناصر الثلاثة للإبداع أن يقبل من قبل الحقل المعرفي[13]

وتأمل أيضًا: كون التركيب عملية مفهومة الملامح -إلى حدٍ ما- وبديهية من الجهة العملية، وكون حضور الإبداع مرتبطٌ بعوامل كثيرة للغاية لا يستطيع الإنسان التحكم بأكثرها، منها على سبيل المثال: السياق المحفِّز للفكرة، يقول د.ماكس فيبر: “ومضة الخاطر هذه (أي هذا الإلهام) لا يمكن للإنسان أن يُكره نفسه على استحضارها”[14] فحضور الإبداع مرتبطٌ بصورة خاصة بالتوفيق الإلهي، وهذا التوفيق هو ما يشار إليه في الكتب الغربية التي ناقشت قضية الإبداع: بالإلهام أو الحظ يقول د. سيزنتميهالي: “الحظ هو قوامٌ مهمٌ في الاكتشافات الإبداعية”[15]، هذا وفي تراثنا قال أبو علي الفارسي لأبى عبد الله البصرى: ”أنا أعجب من هذا الخاطر، في حضوره تارة، ومغيبه أخرى، وهذا يدلّ على أنه من عند الله”، فقال: “نعم، هو من عند الله، إلا أنه لا بد من تقديم النظر، ألا ترى أن حامدا البقال لا يخطر له”[16]، فهنا جمع أبو عبد الله بين السبب الذي ملَّكه الله إياه وهو تقديم النظر، وما لا يملكه وهو توفيق الله تعالى له.

وبمجموع آخر عقبتين: قبول الحقل للإبداع، وارتباط حضوره بأمورٍ لا يملكها الفرد ولا يستطيع التحكم بحضورها؛ يتبيَّن أن الغلو في مفهوم الإبداع والاستحقار لمواطن نفعٍ أخرى على اثر ذلك الغلو، قد يحرمنا من أعمالٍ مضمونة النفع في مقابل البحث عن أمورٍ محتملة النفع، نعم قد تظهر لها -إن انشئت وظلت محفوظة- أهمية بعد ذلك، ولكن يبقى هذا محتملًا. ثمَّ إن “الشَّرِه في تحصيل الأشياء يُفوِّت الشَّرَهُ عليه مقصوده”[17] فمن يغلو في السعي وراء الإبداع والاختلاف قد تكون عاقبة أمره أن يحرم من مراده ذاك، إذ إنه يَكْثُرُ مِنْهُ -بسبب سطوة مفهوم الإبداع على عقله- أن يتغاضى عن القديم ويستحقره و”أوّل الجديد [كما يقول أمين الخولي] قتلُ القديم فهمًا”[18]، وتقول الفنانة إيفا زيسيل مبيِّنة أن السعي إلى الإبداع أحد عوامل الحرمان منه: أن “تكون مختلفاً هو دافع سلبي ولا ينشأ فكر مبدع أو خلاق من اندفاع سلبي”[19]

هذا وقد كان أحد أهم أسباب تقدُّم الصين هو تكيفها مع العصر والمخترعات، ولا يعني هذا نفي أنها تصعد في الإبداعية، فالصينيون هم أكثر من سجلوا براءات اختراع في غضون السنة الماضية، ولكن كان لتكيُّفهم وتقليدهم لمنجزات الغرب وتفعيلها في سياقهم دورًا فعَّالًا للغاية لمنافسة التفوق التكنولوجي والحياة العصرية لهم، وهو عين ما ندعو إليه هنا: فلا ينبغي أن نأسر أنفسنا ونصفِّد قدراتنا بحثًا عن جديدٍ محتمل في ظل أن تكيُّفنا مع المعلومات في هذا العصر كافٍ للكثير والكثير مما نسمو إليه، وقد أشار زاك ديشتوالد أثناء عرض تجربة الصين إلى أهمية تجاوز وصمة التقليد وعدم الإبداعية، فقال: “إن كنت تؤمن بأن التقليد استراتيجية تتخذ لإعلان فشلك فعليك إعادة التفكير بذلك لأن الابتكار يتمحور دائمًا حول الاختراع والتقليد … حتى العباقرة يسرقون وليس بالأمر الجديد”[20]، وبالطبع هنا لا ندعو إلى السرقة وإنما الاستفادة.

ما زال المتصدِّر:

على ما يحصل للإبداع من عقبات في عصرنا، إلا أنه يبقى متصدِّرًا لكونه أعم من نتاج العقل التركيبي من جهة، ولكون هذا العموم يدخل فيه فوائد في غاية الأهمية: فالمعلومة الجديدة غير الإبداعية -وإن قاربتها-، أقل تأثيرًا من المعلومة الإبداعية، فالثانية تتفوق على الأولى في مقدار تأثيرها -ضمن أطرٍ منها الزمن- على الرؤى والأفكار، ثمَّ إن هذه المعلومة بعد أن تتقادم وتغدو من النوع الأول (جديدة غير إبداعية) يقلُّ تأثيرها عمَّا كانت عليه؛ لوجودِ جوانبَ وأجزاءٍ منها في الرؤى والأفكار لدى الفرد أو المجتمع الثقافي كاملًا سواءً بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فيكون تأثيرها هو مقدار الفرق بين ما أدرك منها سابقًا: سواءً من أجزاءٍ من معانيها أو أنماط إدراكها أو نظرائها التي ساهمت حينها في تشكُّلها أو رصدها إلخ، وما تستطيع تقديمه حاليًا. أما المعلومة الإبداعية فتكون جديدة تمامًا فآثارها الممكنة تكون مكتملة دون أن ينزع منها شيءٌ.

ومن جهة أخرى فالعقل الإبداعي من الجهة المجتمعية يتميَّز بفتحه لآفاقٍ جديدة لم تكن محتملة من قبل (إلا كإبداع بالطبع)؛ فالعقل التركيبي ما لم يبلغ درجة العقل الإبداعي، فإنه يتعامل مع الحقول والأفكار المتاحة ليشكِّل رؤى -في عصر الانفجار المعرفي- تتسم بالندرة -أجل- ولكن تبقى في حيز “المحتمل”. أما العقل الإبداعي فيكسر حاجز “المحتمل” ليشكِّل رؤية يتفرد بها، ويضيفها إلى الفضاء المعرفي، لتصبح مادة تستخدم بعده في تركيب الرؤى، فالعقل الإبداعي يفتح للمجتمع والأفراد من بعده آفاقًا جديدة تدخل في تركيب الرؤى والأفكار التي في حيِّز “المحتمل” من بعده، والعقل التركيبي في هذا السياق إنما يفتح آفاقًا للفرد كفرد، دون أن تضاهي هذه الآفاق -باعتبارها مادة جديدة تستخدم من بعده في تكوين الرؤى- الآفاق الناتجة عن تلك المادة الإبداعية.

خاتمة

أخيرًا: على المرء أن يسعى إلى تحقيق ما ينفع دون أن يحقِّر أيًا من صوره وقد قال ابن الجنيِّ قديمًا مبيِّنًا قاعدةً لغوية حياتية: “ليس ينبغي أن يطلق على شيءٍ له وجهٌ من العربية قائمٌ -وإن كان غيره أقوى منه- أنه غلط”[21]، ولا أزهِّدُ بهذه الدعوة من البحث عن أفضل السبل لتحقيق ما ينفع بما يتناسب من الأطر الغائية والحياتية إلخ، ولكن أدعو إلى عدم تقصير النظر على صورة واحدة فتصفَّد القدرات بغية تحقيق تلك الصورة، فيُترك النافع مضمون المنفعة سعيًا إلى منفعة ممكنة، ولكن إن لاحت له تلك المنفعة الممكنة السامية ظفر بها.

وإن طبقنا هذا على مضمون المقالة نقول: على الإنسان أن يظفر بالإبداع ما لاح له وأمكنه تحصيله، فلا يرضى أن يكون في نتاجه الفكري “كعامل المطبعة: يرتب الحروف ويصنفها ثم يطبع كتابا لم يبذل فيه إلا عملا يدويًّا”: “يأخذ من هنا وهناك أجزاءً من كتب غيره, ويضمِّنها كتبه كقطع من العشب في روضة”[22] حتى “إذا قلنا لكل كلمة له ارجعي إلى صاحبك؛ ما بقيت له كلمة”[23]، على ألا يكثر ويغالي في ذم غير الساعين إلى الإبداع أو غير القادرين عليه، فللنتاج التقليدي أهمية بالغة في نشر العلم وتقريبه والتذكير به، وتيسيره إلخ، كما أن عصرنا ضيَّق هذه الحاجة إلى الإبداع بالنسبة إلى الفرد، كما سبق وبيَّنّا.

 

– – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – –

[1] خمسة عقول من أجل المستقبل ص38، يكمل مباشرة فيقول: “وسوف يعملون [أجهزة الكمبيوتر] على إقصاء أولئك الذين يمتلكون بالفعل الشرارة الإبداعية”، قلت: والآن -بعد 21 سنة- يبدو أن غارندر وجد بغيته في تمثيل هذا الشطر من استشرافه في الذكاء الاصطناعي فيقول في مقال له على مدونته: “يبدو أن الذكاء الاصطناعي يتفوق على البشر في الأنواع الثلاثة الأولى من العقول التي وصفتها [العقل التخصصي، العقل التركيبي، العقل الإبداعي]. تمتلك هذه الأدوات المعرفة المنهجية، والقدرات التركيبية، بل وحتى المهارات الإبداعية -نعم، أجرؤ على هذا القول- التي تضاهي أو تتجاوز أي مجموعة نظيرة قد تختارها – كالأكاديمية الوطنية للعلوم، أو الحائزين على جائزة نوبل، أو الحاصلين على ميداليات الفنون، أو أعضاء هيئة التدريس في كبرى الجامعات حول العالم. قد تعترض على الأمثلة المحددة التي أذكرها، ولكن على مر العقود، سيبدو اعتراضك كصوت يتلاشى في غياهب النسيان.”

[2] رحلتي الفكرية ص273

[3] وأنظر: المرقاة لـ د. سلمان العبودي ص147-151 (الطبعة الأولى – دار الحضارة)، تجد مثالين لطيفين أولهما: عن اجتهاد العلامة سعيد الأفغاني في جمع الرواة عن أم المؤمنين عائشة حتى ظنَّ أنه “أتى بما لم يأتي به الأوائل” ومن ثمَّ علمه بأسبقية الذهبي في جمع الرواة وتفوُّقه عليه، وثانيهما: التقاط صديق المؤلف لعلاقة بعض التقريرات الكلامية للمعتزلة بتقريرات الأشاعرة بعدهم، حتى أحس بوجوب أن يكتب عن هذه العلاقة المضمرة، فإذ به -بعد مدة- يجد النص عليها في بعض الرسائل العلمية المعاصرة.

[4] أنظر: مبحث “الانشطارية مدخل إلى التخصُّص” في كتاب “تداخل المعارف ونهاية التخصص في الفكر الإسلامي العربي…”، لـ د. محمد همَّام ص46-48

[5] مقالة: “أركان الإبداع”، وقد فرَّق هنا بين العلوم الطبيعية والتقنية، والعلوم الدينية والإنسانية، فالثانية: “تتسم كل لحظات الإبداع ونماذج العبقرية فيها بالطابع الفردي ونادراً ما احتاج الإبداع في هذه المجالات لمؤسسة داعمة، بل أحياناً كثيرة تكون المؤسسات عدوة للإبداع في هذه المجالات.”

[6] تدفُّق الإبداع: الاكتشاف والاختراع في منظور علم النفس ص53

[7] وهم المعرفة لماذا لا نفكِّر بمفردنا أبدًا؟ ص225-226

[8] نفس المصدر ص228

[9] نفس المصدر ص226

[10] أنظر: تدفُّق الإبداع ص102

[11] نفس المصدر

[12] د. البشير عصام المراكيشي، منار الطريق في طلب العلم ومناهجه ص116

[13] أنظر: تدفُّق الإبداع ص9

[14] محاضرة: “العلم بوصفه حرفه” ضمن: “العلم والسياسة بوصفهما حرفة” ص164

[15] تدفُّق الإبداع ص52

[16] نقله ابن الجني في الخصائص (3/ 172)

[17] ابن الجوزي، صيد الخاطر ص220

[18] مستفاد من “ظلال الأشياء: ليالي عبد الله الهدلق” ص118

[19] تدفُّق الإبداع ص80

[20] مقالة: “ميزة الابتكار الجديدة للصين: تتصدر الصين القدرة التنافسية العالمية ويعود الفضل لقدرة تكيف سكانها العالية”، تأليف: زاك ديشتوالد، ترجمة: ندى الهذلول

[21] المحتسب (1/ 236)

[22] مونتسكيو، الرسائل الفارسية ص143-144 بتصرف كبير

[23] قالها أحد النقاد في بعض الكتُّاب, مستفاد من ميراث الصمت والملكوت ص66

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى