الفلسفةالدين

مفهوم الضروري وحدود البداهة العقلية عند ابن تيمية

د. جمعان بن محمد الشهري

 

(1)

فاتحة:

أثارت عندي قراءةُ استعمالِ ابن تيمية (ت 728هـ) ألفاظَ الضَّروريِّ والبديهيِّ والأوّليِّ سؤالًا عن مدى نِسْبانيّةِ البداهة: أهي وصفٌ ثابتٌ للقضيّة في ذاتها، أم أنَّها تختلف، من جهة ظهورها وافتقار العارف إلى الدليل، باختلاف أحوال الناس واستعداداتهم؟ وما الصِّلةُ بين هذا التفاوتِ في أحوالِ العارفين وبين ثباتِ المعلومِ في نفسه؟

ولكي نقف على مفهوم الضروري وحدود البداهة العقلية عند ابن تيمية (ت 728هـ)، يحسن أن نبدأ بالإشارة إلى مسألة سابقة في التقليد الفلسفي لدى ابن سينا (ت 428هـ)، تقول:

هل كون القضية أوّليةً أو بديهيةً وصفٌ ثابتٌ لها في نفسها، أم أن ظهورها للذهن وإذعان الناظر لها قد يختلفان باختلاف أحوال الناس؟

ولا يُراد بهذه الإشارة عقد مقارنة شاملة بين ابن تيمية (ت 728هـ) وابن سينا (ت 428هـ)، ولا الخوض في منازعته للمناطقة في الحد والقياس وطرائق تحصيل المعرفة؛ فإن ذلك موضوع مستقل. وإنما الغرض وضع سؤال البداهة في سياقه وإطاره المعرفي، ثم توجيه النظر إلى موقف ابن تيمية (ت 728هـ) منه.

وفي معنى قصور التصور، يقرر ابن سينا (ت 428هـ) أنّ المتعلم قد يقصر عن تصور بعض الأوّليات أو عن التصديق بها، من غير أن يقتضي هذا القصور خللًا في أوّلية القضية ذاتها أو تبدّلًا في صدقها. فالذي يتغير هو حال الناظر، وما يعرض لفطرته وذهنه من موانع تحول دون تمام التصور أو سرعة الإذعان. وقد تكون الأوّليات، بالقياس إلى متعلم مخصوص، في حكم القضايا التي تحتاج إلى وضع أو تعليم، لا لأنها فقدت رتبتها الأوّلية في ذاتها، بل لأن ذلك المتعلم لم يستكمل بعدُ شروط تصورها والإذعان لها.

ويردّ ابن سينا (ت 428هـ) هذا القصور إلى أسباب مختلفة؛ فقد يكون ناشئًا من نقص أصلي في الفطرة، أو من عارض مرضي، أو من شيخوخةٍ، وقد ينشأ عن تشوّش الذهن بآراء مقبولة أو مشهورة تحمل صاحبه على رد القضية، خشية أن تفضي إلى ما يظنه مناقضًا لما تلقاه. فالعائق، في هذه الحال، لا يقوم في حقيقة القضية الأوّلية، بل في استعداد الذهن لتصورها أو في سلامته من الشبهات والحواجز.

ولهذا لا يكون التعليم في هذا المقام منشئًا لأوّلية القضية ولا موجبًا لصدقها، بل يكون تعليمًا كاشفًا أو منبّهًا؛ إذ قد يكون اللفظ غير مفهوم، أو يكون المعنى غامضًا، فإذا زال الغموض وتم التصور = أذعن العقل للقضية. وقد يزداد الغموض في المعاني الكلية المجردة البعيدة عن الحس والخيال، فيتأخر الإذعان؛ لا لافتقار القضية إلى برهان، بل لعدم استكمال تصور أطرافها أو كيفية التركيب بينها.

ومن هذه الجهة، يفيد كلام ابن سينا (ت 428هـ) أن تفاوت الناس في الإقرار بالأوّليات لا يقتضي نسبية الحقيقة ولا انقلاب القضية الأوّلية إلى نظرية في ذاتها؛ وإنما يدل على تفاوت انكشافها للعارفين بحسب الاستعداد والتصور وما يعرض للأذهان من موانع.

فالأوّليات، في أصلها لدى ابن سينا (ت 428هـ)، قضايا يوجبها العقل عند تمام تصور حدودها والتفات الذهن إلى النسبة التي تنتظمها؛ والمتغير هو حصول التصور والفطنة للتركيب، لا ذات الحكم ولا صدقه.

وفي الأوّليات يقول: “وأمّا الأوّليات فهي القضايا التي يوجبها العقل الصريح لذاته ولغريزته، لا لسبب من الأسباب الخارجة عنه؛ فإنّه كلّما وقع للعقل التصوّر لحدودها بالكنه وقع له التصديق، فلا يكون للتصديق فيه توقّف إلا على وقوع التصوّر والفطانة للتركيب”([i]).

وفي كون قصور بعض المتعلمين عن إدراك الأوّليات بوصفها أوّليّة لا يقتضي خروجها، في ذاتها، عن رتبة الأوّليات، وإنّما يجعلها أوضاعًا بالقياس إلى ذلك المتعلم خاصة، يقول: “وربما قَصُرَ المتعلِّمُ عن تصوُّر الأوّليات في العقل أوّليّة، فتصير الأوّليات بالقياس إليه أوضاعًا”([ii]).

وفي تفاوت الإدراك، وتعدّد موانعه، واختلاف أحوال النظار، وذكر أسباب القصور عن تلقي الأوّليات، وردّ ذلك إلى علل ذاتية وعوارض خارجية، يقول: “وذلك إمّا لنقصٍ في فطرته: أصليٍّ، أو حادثٍ مرضيٍّ، أو سِنِّيٍّ ([iii])، أو لتشوُّشِ فطرته بآراءٍ مقبولةٍ أو مشهورةٍ يلزم بها ردُّ الأوّلى؛ لئلّا ينتج نقيضَها”([iv]).

وفي بيان أن التعليم في هذا المقام وظيفة كاشفة، وأنه يزيل العائق اللفظي أو التصوّري الذي يحول دون إدراك القضية الأوّلية، من غير أن يكون تأسيسًا منشئًا لأوليتها أو لصدقها، يقول: “وربما كان اللفظ غيرَ مفهومٍ، فيحتاج إلى أن يُبدَّل، أو يكون المعنى غامضًا لا يُفهَم، فإذا فُهِم أذعن له”([v]).

وفي أنّ المعاني الكلية المجرّدة، البعيدة عن التمثيل الحسي والخيالي، قد يتعسّر تصورها على بعض الناس ابتداءً، فيتأخر إذعانهم لها، وإن كانت القضية بديهية بعد تمام التصور، يقول: “وغموضُه قد يكون كثيرًا لكُلِّيَّته وتجريده وبُعده عن الخيال”([vi]).

وفي منزلة الاستقراء في التعليم وتحصيل العلم، وأنّه قد يؤدي وظيفة تذكيرية، لا وظيفة برهانية مُنشئة لإثبات الأوّليات، يقول: “وفي مثل هذا قد يستقرئ المخاطَبُ الجزئيّات، فينفع كثيرًا؛ لأن الاستقراء، وإنْ كان لا يُثبِت، فقد يُذكِّر”([vii]).

وتجدُ في هذا السياق وجهَ قربٍ بين ابن سينا (ت 428هـ) وابن تيمية (ت 728هـ)؛ فكلاهما يلفت النظر إلى اختلاف أحوال العارفين، وإلى أن تأخر انكشاف قضية بديهية على بعض الناس لا يلزم منه أن تكون القضية في نفسها متغيرة أو فاقدة لرتبتها ([viii]). غير أن هذا التقارب لا يراد به إثبات تطابق بينهما في بناء مفهوم الأوّليات أو في تفاصيل مراتب العلم، وإنما يراد به التنبيه إلى أن اعتبار حال الناظر، وما يعرض لذهنه من قصور أو موانع، ليس غريبًا عن التراث الفلسفي السابق لابن تيمية (ت 728هـ).

أمّا ابن تيمية (ت 728هـ)، فيصرح بأن وصف العلم بالبداهة أو النظر، وبالضرورة أو الاكتساب، ليس وصفًا لازمًا يستوي فيه الناس جميعًا، بل قد يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، وما يصل إلى كل واحد منهم من أسباب العلم. فقد يكون ما يحتاج إليه إنسان من نظر واستدلال معلومًا عند غيره ضرورةً أو بداهةً، لا لتغير الحقيقة في ذاتها، بل لاختلاف طريق العلم بها ودرجة ظهورها للنفس.

ومن هذه الجهة تتجه المقالة إلى نصوص ابن تيمية (ت 728هـ)، لتحرير مفهوم الضروري وحدود البداهة العقلية لديه.

(2)

وبعد هذه الإشارة المقتضبة إلى بعض وجوه القرب بين ابن سينا (ت 428هـ) وابن تيمية (ت 728هـ) في الالتفات إلى تفاوت أحوال العارفين، يحسن الانتقال إلى كلام ابن تيمية (ت 728هـ) نفسه؛ لتحرير مفهوم الضروري، وبيان حدود إطلاق البداهة العقلية في نصوصه، والكشف عن الجهة التي يجعل فيها العلم بديهيًّا أو نظريًّا، ضروريًّا أو مكتسبًا.

ولا يراد بهذا الانتقال استقصاء مصطلحات المنطق ([ix]) ولا دراسة موقف ابن تيمية (ت 728هـ) من الحد والقياس وطرائق تحصيل المعرفة؛ فذلك موضوع آخر. وإنما المقصود النظر في أحوال العلم من حيث ظهوره للنفس، وافتقاره إلى النظر، وتفاوت الناس في إدراكه والإذعان له.

فالعلم البدهي، في الجملة، هو ما يحصل للنفس على وجه لا تجد معه حاجة إلى طلب دليل عليه. غير أن هذا الوصف لا يقتضي أن كل ما كان بديهيًّا عند شخص يكون بديهيًّا عند جميع الناس في كل حال؛ إذ قد تختلف مراتب العلم ودرجة ظهوره باختلاف الفطر، وقوة الإدراك، وتمام التصور، وما يعرض للأذهان من شبهة أو تقليد أو غفلة، وما يصل إلى الناس من أسباب العلم وقرائنه.

ومن هنا تتصل البداهة العقلية عند ابن تيمية (ت 728هـ) بحال العارف، لا من جهة أن الحقيقة تتبدل أو أن القضايا المتناقضة تصح باختلاف الناس، بل من جهة أن العلم قد يتأخر انكشافه عند بعضهم، ويظهر لغيرهم من غير كلفة نظر أو طول استدلال. فالتفاوت واقع في حصول العلم ودرجة ظهوره، لا في ثبوت المعلوم في نفسه.

وعلى هذا الأساس، يتجه سؤال المقال إلى تحديد مفهوم الضروري عند ابن تيمية (ت 728هـ)، وبيان ما إذا كانت البداهة وصفًا ملازمًا للقضية في جميع الأحوال، أو وصفًا يختلف باختلاف العارف وما يتصل به من شروط الإدراك وأسباب العلم. كما يتجه إلى تحرير العلاقة بين الضروري والبديهي، وبيان ما إذا كانا يُستعملان على سبيل الترادف في بعض المواضع، أو يختلفان باختلاف جهة الاعتبار.
وتكمن أهمية هذا المقال في أنه يبرز جانبًا من تصوّر ابن تيمية (ت 728هـ) لأحوال المعرفة الإنسانية؛ إذ يكشف عن صلته بين الفطرة والعقل وسلامة التصور، وقيام الموانع أو زوالها في حصول العلم. كما يتيح قراءة أكثر ضبطًا لاستعماله ألفاظ الضروري والبديهي والنظري، فلا تُحمَل على معنى واحد في جميع المواضع، ولا تُفسَّر بما هو شائع في التقسيمات المنطقية من غير استقراء لسياقاتها في كلامه.

(3)

وفي أصالة العلم الأوّلي والبديهي في المعرفة يقول ابن تيمية (ت 728هـ):

” فلا بدَّ من علمٍ أوّل يحصل ابتداءً، بلا علمٍ قبله، ولا دليلَ، ولا حجَّةَ، ولا مقدِّمةَ. وذلك علمٌ بَدَهَ النفس وابتدأ فيها، وهو الأوّل؛ فيُسمَّى بديهيًّا وأوّليًّا. وهو من نوع ما تضطرُّ النفسُ إليه، فيُسمَّى ضروريًّا؛ فإنَّ النفسَ تضطرُّ إلى العلم تارةً، وإلى العمل أخرى”([x]).

يدل هذا النص على أنَّ ابن تيمية (ت 728هـ) يثبت للنفس علمًا أوّلَ يحصل ابتداءً، فلا يكون متوقفًا في أصله على علم قبله، ولا على دليل أو حجة أو مقدمة. فهو علم سابق على النظر من حيث الرتبة، وليس ثمرة استدلال مكتسب. ومن هذه الجهة يسميه أوّليًّا؛ لأنه مبدأ من مبادئ العلم التي لا تبتني، في أصل حصولها، على مقدمات أسبق منها.

ويسميه بديهيًّا لأنه بده النفس، أي يرِد عليها ابتداءً ويظهر لها من غير تكلف طلب أو طول استدلال. وليس المراد أن كل ما يوصف بالبديهة حاضر في الذهن في كل وقت، بل المراد أن النفس إذا توجهت إليه على الوجه الذي يتم معه تصوره، لم تحتج إلى دليل خارج عنه يوجب لها التصديق به.
ثم يدرج هذا العلم في جملة ما تضطر النفس إليه، فيسميه ضروريًّا. فالضرورة هنا تشير إلى لزوم العلم للنفس وحصوله لها على وجه لا يكون متوقفًا على اختيارها أو على كسبها. وبذلك يجتمع في العلم الواحد أنه أوّلي من جهة رتبته، وبديهي من جهة ظهوره للنفس، وضروري من جهة لزومه وعدم افتقاره إلى استدلال مكتسب. ولا يلزم من اجتماع هذه الأوصاف في موضع واحد أن تكون مترادفة من جميع الوجوه. فالأوّلي يراعي سبق العلم وعدم ابتنائه على غيره، والبديهي يلحظ كيفية حضوره للنفس وانكشافه لها، والضروري يظهر لزومه لها أو حصوله من غير كسب واختيار. وهي تفرقة بالاعتبار، لا تقرير لأقسام متباعدة؛ إذ قد تجتمع الأوصاف الثلاثة في بعض القضايا الفطرية الصريحة، ثم يستعمل كل وصف في موضع آخر على جهة أوسع أو أخص بحسب السياق.

ويدل قول الشيخ (ت 728هـ): “وهو من نوع ما تضطر النفس إليه” على أن الأوّلي البديهي داخل في جملة العلوم الضرورية، لا أنه يساوي جميع صور الضروري. فالضرورة أوسع من الأوّليات العقلية؛ إذ قد يطلق العلم الضروري على ما يلزم النفس علمه ولا تملك دفعه، وعلى ما يحصل للإنسان من غير نظر مكتسب، وعلى ما يدركه بالحس إدراكًا مباشرًا، أو يجده المرء من أحوال نفسه. فالعلم بألم الجوع أو العطش أو الخوف، والعلم بالصوت عند سماعه، وبالضوء أو اللون عند رؤيته، وبالسخونة عند ملامسة النار= علوم تحصل للنفس على وجه مباشر، وإن اختلفت عن العلم الأوّلي العقلي في مصدرها وجهة تحققها.

ومن العلم الضروري كذلك التصديق بالقضايا العقلية التي يظهر حكمها عند تمام تصور أطرافها والنسبة بينها، كالعلم بأن الكل أكبر من الجزء، وأن الشيء لا يكون موجودًا ومعدومًا من الجهة نفسها في الوقت نفسه. وهذه الأنواع تشترك في عدم توقفها، في أصل حصولها، على نظر واستدلال مكتسب؛ لكنها تختلف من حيث منشأ العلم بها: فمنها ما يرجع إلى الفطرة والعقل، ومنها ما يرجع إلى الحس المباشر، ومنها ما يتصل بالشعور الباطن.

أما قول ابن تيمية (ت 728هـ) إنّ النفس قد تضطر إلى العلم تارةً وإلى العمل أخرى، فلا يراد به أن الاضطرار العملي قسم من أقسام العلم الضروري. وإنما ينبّه إلى أن الاضطرار وصف أعم لأحوال النفس؛ فقد تضطر إلى العلم عند قيام أسبابه، وقد تضطر إلى الفعل عند حضور داعٍ قوي وانتفاء المانع، كما يقع للإنسان عند الإحساس بالخطر أو الحاجة الشديدة. ولذلك ينبغي التمييز بين الاضطرار إلى العلم، وهو محل البحث هنا، والاضطرار إلى العمل، وهو باب آخر.

ومن هنا يظهر أن ابن تيمية (ت 728هـ) يجمع بين الأوصاف الثلاثة: الأوّلي والبديهي والضروري؛ لإثبات علم سابق على النظر والاستدلال، حاصل للنفس ابتداءً. غير أن كل لفظ منها ينظر إلى جهة مخصوصة: فالأوّلي باعتبار السبق وعدم الابتناء على علم سابق، والبديهي باعتبار الظهور للنفس، والضروري باعتبار لزوم العلم وعدم توقفه على كسب. وقد تتحد هذه الأوصاف في جملة من القضايا الفطرية الصريحة، وتفترق بحسب جهة النظر وسياق الاستعمال.

ولا نحتاج إلى إدخال التفصيل الاصطلاحي الموروث في تعريف: البديهي والأوّلي عند المناطقة ([xi])؛ إذ مدار المقال ليس على استقصاء حدود المصطلحين في المعجم المنطقي، بل على بيان استعمال ابن تيمية (ت 728هـ) لهما في وصف أحوال العلم. ويكفي هنا الوقوف عند ما يصرح به هو من أن العلم الأوّل الذي يحصل للنفس ابتداءً يوصف بالبديهة والأوّلية والضرورة، مع مراعاة اختلاف جهة كل وصف.

وفي موضع آخر يقول:”البديهي هو ما إذا تصوّر طرفاه جزم العقل به، والمتصوَّران قد يكونان خفيين، فالقضايا تتفاوت في الجلاء والخفاء لتفاوت تصوّرها، كما تتفاوت لتفاوت الأذهان، وذلك لا يقدح في كونها ضرورية” ([xii]).

يبيّن هذا النص أنّ البداهة لا تنفكّ عن التَّصوُّر؛ إذ لا يقع الجزم بالقضية البديهية إلا بعد تصوّر طرفيها تصوّرًا صحيحًا. فالمتصوَّران هما طرفا القضية التي يراد الحكم فيها، أعني الموضوع والمحمول، وتدخل النسبة الحكمية في تمام تصوّر القضية. فإذا قيل: الكل أعظم من الجزء، لم يكن الجزم بها موقوفًا على برهان ذي وسط، ولكنّه يتوقف على فهم معنى الكل ومعنى الجزء، وعلى التفطن إلى النسبة التي يثبتها الحكم بينهما؛ ولهذا قد تخفى القضية على بعض الناس، أو يتأخر جزمهم بها، لا لكونها فاقدة للبداهة أو خارجة عن الضرورة، بل لخفاء أحد طرفيها، أو لالتباس النسبة بينهما، أو لما يعتري الذهن من قصور أو غفلة أو شبهة. فالتفاوت الذي يذكره ابن تيمية (ت 728هـ) إنّما يقع في مدى الجلاء والخفاء، وفي درجة استكمال التصوّر وقوة الأذهان، لا في حقيقة القضية ولا في صدقها في نفسها.

ومعنى قوله: “وذلك لا يقدح في كونها ضرورية” أنَّ عدمَ انكشافِ القضية لبعض الناس لا يسلبها صفتَها الضَّرورية. فقد تكون القضية ضروريةً في نفسها، لكن لا يحصل العلم بها لشخصٍ بعينه إلا بعد إزالة مانعٍ يحول دون تمام التَّصوُّر، أو بعد تنبيهٍ يلفته إلى النسبة التي تقتضي الحكم. فليس كلُّ تأخُّرٍ في الإذعان دليلًا على أنَّ القضية نظريةٌ بالمعنى الذي يفتقر إلى دليلٍ مستقلٍّ؛ إذ قد يكون التأخر ناشئًا من خللٍ في التَّصوُّر، لا من حاجة القضية إلى برهانٍ.

ومن ثمَّ تجتمع البداهة والضَّرورة في القضية الواحدة من غير أن تتطابقا في جهة الدلالة. فهي بديهيةٌ لأنَّ العقل يجزم بها عند تمام تصوُّر طرفيها والنسبة بينهما، وهي ضروريةٌ لأنَّ هذا الجزم يلزم العقل عند تحقق ذلك التَّصوُّر، ولا يكون ثمرةَ نظرٍ واستدلالٍ مكتسبٍ. فالبداهة تصف وجه حضور العلم للنفس، والضَّرورة تصف لزومه لها وعدم افتقاره، في أصله، إلى كسبٍ أو دليلٍ متوسطٍ.

ويظهر من ذلك أنَّ نِسْبانيَّةَ البداهة عند ابن تيمية (ت 728هـ) لا تعني أنَّ القضية تكون بديهيةً لشخصٍ وضروريةً لشخصٍ آخر من حيث حقيقتها، ولا أنَّ وصف الضَّرورة يتبدل بتبدل الأشخاص على نحوٍ يفضي إلى نسبية الحق. وإنما المراد أنَّ القضية الضَّرورية قد يخفى وجه بداهتها على بعض الناس لعارضٍ في التَّصوُّر، أو لخفاء النسبة، أو لتفاوت الأذهان في قوة الإدراك. فإذا تمَّ التَّصوُّر على وجهه، زال المانع وحصل الجزم الذي تقتضيه القضية.

(4)

ومن خلال النظر في سياقات نصوص الشيخ (ت 728هـ) المتعلّقة بالأوّلي والبدهي، يتّضح أن المعرفة عنده لا تقوم كلها على النظر المركّب، ويفسر هذا قوله: “فيعود الفرق إلى أنّ الأوّليات ما لا يفتقر إلى دليل، والنظريات ما يفتقر إلى دليل”([xiii])، بل يؤكد – رحمه الله – على أنّه لا بد أن تنتهي إلى مبادئ أوّليّة وعلوم ضرورية أودعها الله في النفس، بحيث تقوم عليها سائر أبواب النظر والاستدلال. وفي ذلك يقول: “فلا بد من علومٍ بديهيّة أوّليّة يبتدئها الله في قلبه، وغاية البرهان أن ينتهي إليها” ([xiv]).

ومن ثمّ فإنّ العقل لا يعمل في لا شيء، ولا يستقلّ بتشييد المعرفة من العدم، وإنّما يبني استدلاله على تلك المعارف الفطرية التي تشكّل أساس التصديق الأوّل ومبدأ التمييز والاستدلال. فأنت ترى الشيخ (ت 728هـ) يقرر أن العلم لا يمكن أن يكون كله مكتسبًا بالنظر؛ إذ لا بد أن ينتهي النظر إلى مبادئ ضرورية فطرية يسلّم بها الذهن ابتداءً، ثم تُبنى عليها سائر المعارف؛ لهذا يصف هذه المبادئ بأنّها: أولية، بديهية، ضرورية، وأنّها مستقرة في فِطَر الناس جميعًا، حتى الصبيان.

وجاء في كلامه ما يشهد لهذا التأصيل المعرفي حيث يقول: “البرهان الذي يُنال بالنظر فيه العلم، لا بد أن ينتهي إلى مقدماتٍ ضروريةٍ فطرية؛ فإنّ كل علمٍ ليس بضروريٍّ لا بد أن ينتهي إلى علمٍ ضروريٍّ، إذ إنّ المقدمات النظرية لو أُثبتت بمقدماتٍ نظريةٍ دائمًا، للزم الدور القبلي، أو التسلسل في المؤثرات في محلٍّ له ابتداء، وكلاهما باطلٌ بالضرورة واتفاق العقلاء”([xv]).

فابن تيمية (ت 728هـ) يريد من نصّه هذا أن يؤسس للمعرفة على رجوع العلم النظري إلى العلم الأوّل الضروري الفطري؛ لأنّ العلم النظري في حدّ ذاته لا يقوى على الاستقلال بإنتاج المعرفة ما لم تكن له مقدمات أوّليّة معلومة يبدأ منها حصولُ العلم، ويقف عندها. ولا يمكن إثبات هذه المقدمات النظرية بمقدماتٍ مثلها؛ للزوم الدور القبلي. فإن شرط المعرفة وطريقها هو الانتقال من معلوم؛ وهو العلم الأوّل الضروري الفطري إلى مجهول؛ وهي المقدمة النظرية، وبعبارة أخرى: كلُّ علمٍ نظريٍّ مكتسَبٍ يحتاج إلى مقدمات معلومة، ولا يجوز أن يكون هذا الاحتياج بلا بداية؛ وإلا استلزم توقفَ المقدمة النظرية على نفسها، وهو دورٌ قبليٌّ باطل.

فيتعيّن، إذن، أن تنتهي السلسلة إلى أصول النظر، وهي: العلم الضروري الفطري. فالإنسان لو لم يكن له علمٌ أوّل لم يكن له علمٌ تالٍ؛ لأن كلَّ مرحلةٍ تنتظر مرحلةً قبلها، وهكذا. فلو اشترط البنّاءُ عند إنشائه ألا يُوضع حجرٌ حتى يُوضع قبلَه حجرٌ من غير حجرٍ أوّل، لم يحصل البناءُ أصلًا. ولعلك تلحظ جمعَ ابن تيمية (ت 728هـ) – في نصّه السابق – بين الضروري والفطري؛ لأنّ الموضعَ واحدٌ من حيث الوظيفة المعرفية.

وليس هذا الكلامُ موجَّهًا، في أصل مقصوده، إلى المناطقة؛ لأنهم يسلِّمون بأنّ البرهان لا بد أن ينتهي إلى مبادئ أولى ضرورية، ويجعلون ذلك من شروطه، كالذي تقدم ذكره عن ابن سينا (ت 428هـ). وإنّما يتجه إلى السوفسطائية ومن في معناهم، ممن يقدح في العلوم الضرورية، أو يزعم أن كلَّ معلومٍ لا بد له من دليلٍ نظريٍّ يثبته.

جليٌّ إذن أنّه لا يمكن للعقل، عند ابن تيمية (ت 728هـ)، أن يبني المعرفة كلها على استدلالات مكتسبة فقط، بل لا بد من علومٍ أوّليّة يفتتح بها الذهن المعرفة، ثم يُبنى عليها ما بعدها من الاستدلالات. ولهذا يكون إنكار البدهي – عنده – هدمًا لأصل المعرفة كلها. ويرسّخ هذا المعنى بقوله: “والعلم بذلك مستقرٌّ في فِطَر جميع الناس، حتى الصبيان”([xvi]).

وتتصل النصوص المتقدمة في الأوّلي والبديهي بتقرير ابن تيمية (ت 728هـ) أن النظر لا يستغني عن علم سابق عليه، وأن العلوم النظرية لا بد أن تنتهي إلى علوم ضرورية. وفي ذلك يقول:” ولا يجوز أن يكون الجميع نظريًا؛ لافتقار النظري إلى البديهي، فيلزم الدور القبلي أو التسلسل في المؤثرات، وهما ممتنعان”([xvii]).

فالمقصود أنّ العلم النظري لا يقوم بنفسه؛ إذ لا بد له من مقدمات معلومة يبتدئ منها النظر، ولا يصح أن تكون هذه المقدمات نظرية إلى غير نهاية. لأن إثبات كل مقدمة بمقدمة أخرى مثلها يفضي إلى الدور أو التسلسل في أسباب العلم، فلا يحصل للإنسان علم بالفعل. ومن هنا يقرر أنّ الأوّليات هي ما لا يفتقر إلى دليل، في مقابل النظريات التي تفتقر إليه. فالأوّلي ليس مجرد قضية موصوفة بالسبق الزمني، أو بأول ورودها إلى الذهن، بل هو مبدأ معرفي لا يحتاج، في أصل الإذعان إليه، إلى واسطة استدلالية خارجة عنه. أما النظري فهو ما لا يحصل العلم به إلا بواسطة دليل أو نظر أو ترتيب لمعلومات سابقة. ونصوص الشيخ في هذا السياق تدل على أنّ العلمَ الضَّروريَّ الفِطريَّ ليس علمًا زائدًا على بنية المعرفة يمكن الاستغناء عنه، بل هو شرطُ إمكانها؛ إذ لا يتحقق نظرٌ ولا استدلالٌ إلا إذا وُجد في النفس علمٌ معلومٌ يبتدئ منه الناظر. فكلُّ علمٍ مكتسبٍ يفتقر إلى ما قبله من العلوم، ولا بدَّ أن تقف هذه السلسلة عند علومٍ لا تُطلب بدليلٍ سابقٍ عليها. وليس المراد أن العقلَ لا يعمل، أو أن الاستدلالَ لا يفيد علمًا، وإنما المراد أن العقلَ لا يبتدئ من لا شيء. فهو لا ينشئ المعرفةَ من عدم، بل ينظر في معارفَ حاصلةٍ، ويربط بينها، ويدرك ما يلزم عنها. ولذلك لا تكون العلومُ الضَّروريةُ منافسةً للنظر، بل تكون أساسًا يقوم عليه النظر، ويبدأ منه الاستدلال، ويرجع إليه عند طلب التحقق.

وتجد ابن تيمية (ت 728هـ)، في هذا السياق، يجمع في أحايين بين الضَّروريِّ والفِطريِّ؛ لأنهما يلتقيان في الوظيفة المعرفية التي يعالجها النص. فالضَّروريُّ هو ما يحصل للنفس على وجهٍ لا يتوقف على نظرٍ مكتسبٍ، والفِطريُّ يشير إلى كون النفس مهيَّأةً له ومجبولةً على إدراكه عند سلامة الفطرة وتمام الشرط. ومن ثم تكون بعض العلوم ضروريةً فطريةً تحصل ابتداءً، وتقوم عليها سائر المعارف النظرية.

ولا يلزم من هذا أن كلَّ ما يخفى على شخصٍ، أو يحتاج فيه إلى تنبيهٍ، يكون خارجًا عن الضروريات؛ فقد تقدم أن ابن تيمية (ت 728هـ) يراعي تفاوت التَّصوُّرات والأذهان، وما يعرض للنفس من موانع. فقد تتأخر معرفةُ قضيةٍ ضروريةٍ عند فردٍ لقصورٍ في التَّصوُّر، أو لشبهةٍ، أو لغفلةٍ، ثم يظهر له وجهها إذا زال المانع وتمَّ التَّصوُّر. فالتفاوت هنا في حصول العلم وظهوره، لا في أصل ثبوت القضية ولا في إمكان تأسيس المعرفة على أصولٍ ضروريةٍ.

ولهذا يشدد ابن تيمية (ت 728هـ) على رسوخ بعض هذه المعاني في الفطرة، ويقرر أن العلم بها “مستقرٌّ في فطر جميع الناس، حتى الصبيان”. والمقصود من هذا أن أصلَ الإذعان ببعض القضايا لا يتوقف على تعلُّم صناعةٍ مخصوصةٍ أو على ممارسة استدلالٍ مركبٍ؛ بل إن النفسَ، عند سلامتها وقيام سبب الإدراك، تجد فيها من الاستعداد ما يقتضي قبولها.

(5)

غير أن أوّليّة العلم لا تعني عند ابن تيمية (ت 728هـ) أن تكون القضية بديهيةً على نحو واحد عند جميع الناس وفي كل الأحوال؛ إذ يقرر أن ما كان بيّنًا للإنسان، معلومًا له، حاضرًا في ذهنه، لم يحتج فيه إلى دليل، بخلاف ما لم يكن كذلك. ثم يبين أن “كون الشيء بيِّنًا وغير بيِّن نسبةٌ وإضافةٌ بين المعلوم والإنسان العالم”([xviii])، لتفاوت الناس في أسباب العلم، وقوة الشعور، وجودة الأذهان.

فالبيان والخفاء لا يوصف بهما الشيء على الإطلاق، وإنما يتحددان بالإضافة إلى العارف وحاله من تمام التصور والتفطن إلى وجه اللزوم؛ فما يظهر لبعض الناس قد يخفى على غيرهم، لا لتغير الحقيقة في ذاتها، بل لاختلافهم في تحصيل العلم بها. ومع ذلك، لا يلزم من هذه الإضافة أن تكون البداهة صفةً ذهنيةً محضة لا صلة لها بمعنى القضية؛ فإن ابن تيمية لا ينفي تفاوت القضايا في الجلاء والخفاء من جهة معانيها وتصور أطرافها، وإنما ينفي ثبوت وصف البيان لها بمعزل عن حال العارف بها.

والأدق، إذن، أن البداهة تتعلق بحال ظهور القضية للذهن بعد تمام تصورها، مع مراعاة ما في معناها من وضوح وظهور لزوم؛ فلا هي صفة موضوعية مطلقة، ولا مجرد انفعال ذهني منفصل عن مضمون القضية. فقد تكون القضية صادقةً ويظهر لزومها عند استكمال تصورها، ثم يخفى ذلك لقصور في التصور، أو ضعف في الفهم، أو عارض من شبهة أو تقليد أو غفلة.

ومن ثم، لا يسلب اختلاف الناس في إدراك القضايا الضرورية ضرورتَها في الجملة، وإنما يدل على تفاوتهم في التصور والتفطن وتوافر أسباب العلم وقرائنه.

ويفصّل ابن تيمية (ت 728هـ) هذا المعنى حين يتكلم على الفرق بين الأوّليات وغيرها. فهو يرفض أن يجعل هذا الفرق قائمًا على وجود واسطة في نفس ثبوت الصفة للموصوف أو عدم وجودها؛ لأن الدليل، في نظره، ليس واسطةً قائمةً في حقيقة ثبوت المحمول للموضوع، بل هو واسطةٌ في علم المستدل بذلك الثبوت. فالصفة قد تكون ثابتةً لموصوفها في نفس الأمر، لكن الناظر يحتاج إلى دليل ليتبيّن له وجه ثبوتها، وقد لا يحتاج إليه آخر إذا كان هذا اللزوم معلومًا له ظاهرًا في ذهنه.

ولهذا يقرر الشيخ (ت 728هـ) أنّ الاستدلال لا ينحصر في صورة واحدة؛ فقد يستدل الإنسان بالعلة على المعلول؛ كالنار على الاحتراق، أو بالمعلول على العلة؛ كالدخان على النار، أو بأحد المتلازمين على الآخر؛ كالنور والإضاءة، فإذا ثبت وجود النور = ثبتت الإضاءة، أو بثبوت أحد الضدين على انتفاء الآخر؛ كالحياة والموت، والحركة والسكون، والوجود والعدم.

وتعدد وجوه الاستدلال يبيّن أن الوسط ليس جزءًا من حقيقة ثبوت الصفة للموصوف، ولا دليلًا على ترتيب ذاتي ثابت بين المعاني في نفسها، بل هو طريق يسلكه الذهن لتحصيل العلم بما لم يتبيّن له بعد. فإذا كان الأمر كذلك، عاد الفرق بين الأوّلي والنظري إلى جهة الحاجة إلى الدليل؛ فالأوّلي ما لا يفتقر، بالنسبة إلى العارف، إلى دليل، والنظري ما يفتقر إليه. وهذا هو القدر الذي يقرره ابن تيمية (ت 728هـ) في قوله: إنّ الأوّليات ما لا تفتقر إلى دليل، وإنّ النظريات ما تفتقر إلى دليل. غير أنّ هذا الضابط نفسه يقتضي أن وصف القضية بالأوّلية أو النظرية لا يكون وصفًا مطلقًا منفصلًا عن حال العارف؛ فقد تكون القضية بديهيةً عند إنسان، ونظريةً عند آخر، بحسب تمام تصور كل منهما للشيء ولوازمه.

ويعبر ابن تيمية (ت 728هـ) عن ذلك بقوله: “… فإنَّه ليس في اللوازم ترتيبٌ حتى يكون بعضها أوَّلًا وبعضها ثانيًا، ولا في الذهن أيضًا؛ إذ الوسط إنَّما هو الدليل. فيعود الفرق إلى أنَّ الأوَّليَّ ما لا يفتقر إلى دليلٍ، والنظريَّ ما يفتقر إلى دليلٍ. وهذا كلامٌ صحيحٌ متفقٌ عليه، لا يحتاج إلى ما ذكروه. ولكن هذا يوجب كونَ القضيةِ أوَّليةً ونظريةً من الأمور الإضافية؛ فقد تكون بديهيةً لزيدٍ، نظريةً لعمرو، باعتبار تمام التَّصوُّر. فمتى تصوَّر الإنسان الشيءَ تصوُّرًا أتمَّ من تصوُّر غيره، تصوَّر من لوازمه ما لم يتصوَّره صاحبُ التَّصوُّر الناقص، فلم يحتج في معرفته بتلك اللوازم إلى وسطٍ، واحتاج صاحب التَّصوُّر الناقص إلى وسطٍ. وأيضًا، فهذا لا يوجب أن تكون المشهورات غير يقينية”([xix]).

والنصُّ يدلُّ على أنَّ تفاوتَ الناس لا ينشأ من اختلافِ الحقيقة، بل من اختلافِ مدى التَّصوُّر. فمن كان تصوُّرُه للشيءِ أتمَّ، ظهر له من لوازمِه ما قد يخفى على غيره؛ فلا يحتاج في معرفتِه إلى دليلٍ. أمَّا من كان تصوُّرُه ناقصًا، احتاج إلى وسطٍ أو دليلٍ يكشف له ذلك اللازم. فالوسط، هنا، ليس مكوِّنًا للحقيقة ولا سببًا في ثبوتها، بل هو وسيلةٌ لإظهار ما لم يتبيَّن للناظر.

وبذلك يجمع ابن تيمية (ت 728هـ) بين أمرين: ثباتِ المعلومِ في نفسه، وتفاوتِ علم الناس به. فلا يصح أن يقال إنَّ القضيةَ تتبدل من حيث هي أوّليّةٌ أو نظريةٌ بتبدل الأشخاص على نحوٍ يجعل الحقائقَ نسبيةً؛ ولكن يصح أن يقال إنَّ وصفَها بالأوّلية أو النظرية يختلف من جهة علاقتها بالعارف، وبمقدار ما تمَّ له من التَّصوُّر، وما يحتاج إليه من دليلٍ.

وفي هذا السياق يجمع ابن تيمية (ت 728هـ) بين الأوّليات والبديهيات، فيقول إنَّ البرهانَ لا بدَّ أن ينتهي إلى علومٍ بديهيةٍ أوّليّةٍ. والمراد بهذا الجمع أنَّ سائر ما يطلب بالدليل لا بدَّ أن يقف في نهايته عند علومٍ يحصل بها الابتداء: فهي أوّليّةٌ من جهة أنها أصولٌ لا تتوقف على علومٍ سابقةٍ، وبديهيةٌ من جهة أنها تظهر للنفس ولا تحتاج، عند تمام التَّصوُّر، إلى استدلالٍ متوسطٍ.

ولا يقتضي هذا الجمع ترادفَ اللفظين من كل وجه؛ فالأوّلية تشير إلى رتبة العلم في البناء المعرفي، وإلى كونه مبدأً ينتهي إليه ما بعده، في حين تشير البداهة إلى كيفية انكشاف العلم للنفس وعدم احتياجه، عند العارف، إلى دليلٍ. وقد يجتمع الوصفان في قضيةٍ واحدةٍ، ولا سيما في المبادئ العقلية التي تقوم عليها سائر المعارف، لكن اختلافَ الجهة يمنع من التسوية التامة بينهما.

ومن هنا يظهر أنَّ العلاقةَ بين الأوّلي والبديهي عند ابن تيمية (ت 728هـ) علاقةُ تداخلٍ؛ فقد يكون العلم أوّليًّا بديهيًّا إذا كان مبدأً من مبادئ المعرفة ظاهرًا للنفس عند تمام تصوّره، وقد يستعمل أحد الوصفين لإبراز جهة مخصوصة لا يبرزها الآخر. فالأوّلية تتصل بكون العلم أصلًا غير مبني على ما قبله، والبداهة تتصل بظهوره للذهن وباستغنائه، في حال العارف، عن طلب الدليل.

ويؤكِّد ابن تيمية (ت 728هـ) أنَّ هذا التفريق لا يفضي إلى نسبيّةِ الحقيقة نفسها، بل إلى نسبيّةِ الحكم على القضية من جهة العلم بها وظهورها للعارف. فهو يقرِّر أنَّ الحقائقَ الخارجيةَ المستغنيةَ عن تصوُّرات الناس لا تكون تابعةً لتصوُّراتهم، وأنَّ تقديمَ الذهن شيئًا أو تأخيره لا يقتضي أن يكون الأمرُ في الخارج كذلك. فالحقيقةُ ثابتةٌ في نفس الأمر، وإن اختلفت أحوال الناس في العلم بها. وفي هذا المعنى يقول: ” ومعلومٌ أنَّ الحقائقَ الخارجيةَ المستغنيةَ عنّا لا تكون تابعةً لتصوُّراتنا، فليس إذا فرضنا هذا مقدَّمًا، وهذا مؤخَّرًا، يكون هذا في الخارج كذلك”([xx])  .

ومن ثمَّ ينبغي التفريق بين أمرين: كونِ القضية حقًّا في ذاتها، وكونِها بديهيةً أو نظريةً عند شخصٍ معيَّن. فالأوَّل يتعلق بثبوت المعلوم في نفسه، أمَّا الثاني فيتعلق بحال العارف، وبما حصل له من تصوُّر، وما يحتاج إليه من دليلٍ. ولهذا يصرِّح ابن تيمية (ت 728هـ) بأنَّ كون القضية بديهيةً أو نظريةً ليس وصفًا لازمًا لها يجب أن يستوي الناس فيه، بل هو أمرٌ نسبيٌّ إضافيٌّ بحسب أحوالهم؛ فمن علم القضية من غير دليلٍ كانت بديهيةً له، ومن احتاج فيها إلى نظرٍ واستدلالٍ كانت نظريةً له. وفي هذا المعنى يقول: “فإنَّ كونَ القضيةِ بديهيّة أو نظريّةً ليس وصفًا لازمًا لها يجب استواءُ جميعِ الناس فيه، بل هو أمرٌ نسبيٌّ إضافيٌّ بحسب حالِ الناس؛ فمن علمها بلا دليلٍ كانت بديهيّة له، ومن احتاج إلى نظرٍ واستدلالٍ كانت نظريّةً له، وهكذا سائرُ الأمور” ([xxi]).

ولا يُراد بهذه الإضافة أنَّ الإنسانَ ينشئ الحقائقَ بتصوُّره، أو أنَّ القضيةَ تصحُّ عند شخصٍ وتبطل عند آخر لمجرد اختلاف الاعتقاد. وإنَّما المراد أنَّ طرقَ العلم متفاوتةٌ، وأنَّ درجةَ ظهور المعلوم تختلف باختلاف العارفين. فقد يتيقَّن إنسانٌ ما يظنُّه غيرُه، وقد يبدو لأحدهم من المعاني ما لا يعرفه آخر إلا بعد نظرٍ، وقد يكون العلم بشيءٍ حِسِّيًّا عند من شاهده، وخبريًّا عند من تلقاه عن غيره. فالاختلاف في هذه الصور اختلافٌ في طريق حصول العلم ومرتبته عند العارف، لا في المعلوم من حيث هو معلوم.

وفي ذلك كله يقول: “مثل كون القضية يقينيةً أو ظنية” ([xxii])، وقال: “إذْ قد يتيقن زيدٌ ما يظنه عمرو” ([xxiii])، وقال: “وقد يبدُو لزيدٍ من المعاني ما لا يعرفه غيره إلا بالنظر” ([xxiv])، وقال: “وقد يكون حسيًّا لزيدٍ من العلوم ما هو خبريٌّ عند عمرو” ([xxv]).

ولهذا لا يصحُّ حمل كلام ابن تيمية (ت 728هـ) على أنَّ تقسيمَ العلم إلى ضروريٍّ ونظريٍّ، أو بديهيٍّ وكسبيٍّ، أو يقينيٍّ وظنِّيٍّ، تقسيمٌ راجعٌ إلى المعلومات في ذواتها على نحوٍ مطلق. فالشيء الواحد قد يختلف وصفُ العلم به بحسب الطريق الذي وصل به إلى الإنسان: فقد يكون معلومًا بالحسِّ لمن شاهده، وبالخبر لمن لم يشاهده؛ وقد يكون يقينيًّا عند من اكتملت له أسبابه، ومظنونًا عند من لم تكتمل له. وكذلك قد يكون ظاهرًا بديهيًّا عند شخص، ويحتاج غيرُه إلى نظرٍ أو تنبيهٍ أو دليلٍ.

وبهذا يتضح أنَّ ابن تيمية (ت 728هـ) يجعل الأوّليَّ والبديهيَّ داخلين في أساس المعرفة، من غير أن يجعل البداهة خاصيةً موضوعيةً مستقلةً عن حال العارف على نحوٍ يستوي فيه الناس جميعًا. فالأوّلية تشير إلى كون العلم مبدأً لا يفتقر، في أصله، إلى دليلٍ سابق، والبداهة تشير إلى ظهوره للذهن وحصول الجزم به عند تمام التَّصوُّر. وقد يجتمع الوصفان في قضيةٍ واحدةٍ، لكنهما لا يتطابقان من جميع الوجوه؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يفسِّر جهةً مخصوصةً.

ولا يعني اختلاف الناس في البديهيات والأوّليات أن الحقيقة تصير متعددةً أو أن التناقض يصبح جائزًا. فابن تيمية (ت 728هـ) ينكر إنكار الحقائق الثابتة في أنفسها، ويردُّ على من يجعل الحقَّ تابعًا لمجرد اعتقاد المعتقد، أو يجعل العقائد منشئةً للحقائق. وهذا المسلك، في نظره، من جنس قول السوفسطائية الذين ينكرون أنَّ للأشياء حقائقَ ثابتةً يوافقها الاعتقاد تارةً ويخالفها أخرى.

وفي هذا المعنى يقول: “فمِنَ الناسِ مَن صارَ في طرفَي نقيض، فحُكي عن بعضِ السوفسطائية أنّه جعل جميعَ العقائدِ هي المؤثِّرةَ في الاعتقاداتِ، ولم يجعل للأشياءِ حقائقَ ثابتةً في نفسِها يوافقُها الاعتقادُ تارةً ويخالفُها أخرى، بل جُعل الحقُّ في كلِّ شيءٍ ما اعتقده المعتقدُ، وجعل الحقائقَ تابعةً للعقائد، وهذا القولُ على إطلاقِه وعمومِه لا يقوله عاقلٌ سليمُ العقل، وإنّما هو من جنسِ ما يُحكى أن السوفسطائية أنكروا الحقائقَ ولم يثبتوا حقيقةً ولا علمًا بحقيقة”([xxvi]).

فالتفاوت الذي يقرِّره إنما يقع في انكشاف الحقيقة، لا في الحقيقة المنكشفة؛ وفي حصول العلم، لا في ثبوت المعلوم. وقد يخفى على إنسانٍ ما هو ضروريٌّ عند غيره، أو يحتاج إلى نظرٍ فيما يجزم به غيره ابتداءً، بسبب نقصٍ في التَّصوُّر، أو ضعفٍ في الاستعداد، أو شبهةٍ عارضةٍ، أو تقليدٍ سابقٍ، أو اختلافٍ في أسباب العلم التي وصلته. فإذا زال المانع وتمَّ التَّصوُّر ظهر وجه القضية، من غير أن يكون هذا الظهور إنشاءً لحقيقتها أو نقلًا لها من الباطل إلى الحق.

ومن ثمَّ لا يبطل ابن تيمية (ت 728هـ) التمييزَ بين المعرفة الضَّرورية والمعرفة النظرية من أصله، وإنما يمنع حمله على صورةٍ ثابتةٍ تستوي في جميع الأشخاص والأحوال. فالعلوم الضَّرورية باقيةٌ في مكانها القبلي من المعرفة، والنظر لا يستغني عنها؛ غير أن إطلاق وصف الضَّرورة أو البداهة على علمٍ معيَّن يحتاج إلى مراعاة حال العارف، وتمام تصوُّره، وانتفاء العوارض التي تحول دون ظهور وجه الحق له.

وعلى هذا الأساس، تكون الأوّليات والبديهيات من مفاتيح فهم أحوال المعرفة عند ابن تيمية (ت 728هـ)؛ فالأوّلية تبرز جهة التأسيس وعدم الافتقار إلى ما قبلها من الأدلة، والبداهة تبرز درجة انكشاف العلم للنفس. ولا يفضي اختلاف هذه الدرجة بين الناس إلى التشكيك في إمكان العلم أو في ثبات الحق، بل يفسِّر تفاوتهم في سرعة الإدراك، وفي مقدار ما يحتاجون إليه من تنبيه أو نظر.

ولا يصح، في ضوء هذا التفاوت المعرفي، أن يُلحق ابن تيمية (ت 728هـ) بأصحاب السفسطة؛ فإنَّ هذا الإلحاق يقوم على الخلط بين ثبات الحقيقة في نفسها وتفاوت أحوال الناس في العلم بها. فهو يثبت أنَّ الحقائق الخارجية ثابتةٌ، غير تابعةٍ لتصوُّرات الناس واعتقاداتهم، لكنه يقرر في الوقت نفسه أنَّ العلم بها قد يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال؛ فقد يكون الشيء بديهيًّا عند إنسان، ونظريًّا عند آخر، لا لتبدل الحقيقة، بل لاختلاف تمام التَّصوُّر، وقوة الإدراك، وقيام أسباب العلم، أو وجود الموانع والشبهات. “فنسبانية البداهة” عنده ليست دعوةً إلى الشك، ولا قولًا بأن الحق تابع لاعتقاد كل أحد، وإنما هي تفسيرٌ لتفاوت الناس في انكشاف الحقيقة الواحدة. فالقضية ثابتةٌ في نفسها، غير أن طرق وصول الناس إليها ودرجة ظهورها في أذهانهم ليست سواءً.

ومع تبيّن المعالم، فكيف يُسوَّغ لمن ينتسب إلى الحقل المعرفي أن يَسِمَ شيخَ الإسلام ابن تيمية بالسفسطة، مع أن أوصاف السفسطائي، من حيث القصد والمنهج والخطاب، أبعد ما تكون عن طريقته في المعرفة؟

فالسفسطة لا تقوم على نقد دعوىٍ أو مراجعة أداةٍ استدلاليةٍ طلبًا للحق، وإنّما قوامها التمويه، وقصد الإبطال بغير حق، وإيهام المخاطَب أن الباطل حقٌّ أو أنّ الحق باطلٌ. فالسفسطائي يقيم رأيه على مقدماتٍ ليست مشهورةً ولا ثابتةً في نفسها، ثم يكسوها مظهرَ المشهور أو المقبول؛ وقد يعرض استدلالًا فاسد الصورة، فيبدو قياسًا وليس بقياس، أو يستعمل صورةً قياسيةً صحيحة في الظاهر، ولكن مادتها غير صحيحة أو غير مسلَّمة. فمحصَّل خطابه أن يُلبس على السامع، ويُخيِّل إليه لزومَ ما لا يلزم، أو صدقَ ما لا يصدق، أو انقلابَ الحقائق عن وجوهها ([xxvii]).

وأين هذا من منهج ابن تيمية؟

فإنّه، وإن نقد بعضَ دعاوى المناطقة في الحد والقياس، لم يقصد إلى إبطال إمكان العلم، ولا إلى هدم أصول الاستدلال، ولا إلى تسويغ إنكار الحقائق الضرورية؛ بل كان يؤكِّد أنَّ العلوم لا بدَّ أن تنتهي إلى مبادئ أوّلية وبديهيات فِطريّة، وأنَّ الطعن فيها هو طعنٌ في إمكان النظر والاستدلال نفسه. ونقدُه للمنطق لم يكن طعنًا في العقل، ولا دعوةً إلى الفوضى المعرفية، بل اعتراضًا على دعوى حصر طرق التَّصوُّر والتَّصديق في الحدود المنطقية والأقيسة الصورية، مع تنبيهه إلى أنَّ صحّة الصورة وحدها لا تكفي ما لم تصحَّ المادة، ويُثبت اللزوم، وينطبق الحكم على الواقع.

– – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – –

([i]) الإشارات والتنبيهات، ابن سينا، مع شرح نصير الدين الطوسي، والمحاكمات لقطب الدين محمد الرازي، ت: سليمان دنيا، قم، نشر البلاغة، 1425هـ، ط 2، 1/214.

([ii]) البرهان، لابن سينا، ت: بدوي، دار النهضة العربية، ط٢، ١٩٦٦ م، ص٥٩.

([iii]) ما كان ناشئًا عن السِّنّ، أي التقدّم في العمر والشيخوخة؛ وليس المراد «سُنِّيّ» المنسوب إلى السُّنّة.

([iv]) البرهان، لابن سينا، ت: بدوي، دار النهضة العربية، ط٢، ١٩٦٦ م، ص٥٩.

([v]) البرهان، لابن سينا، ت: بدوي، دار النهضة العربية، ط٢، ١٩٦٦ م، ص٥٩.

([vi]) البرهان، لابن سينا، ت: بدوي، دار النهضة العربية، ط٢، ١٩٦٦ م، ص٥٩.

([vii]) البرهان، لابن سينا، ت: بدوي، دار النهضة العربية، ط٢، ١٩٦٦ م، ص٥٩.

([viii]) إنّ اتفاقهما في هذه القضية الجزئية هو أمتن في تبكيت الخصم، لا بوصفه دالًّا على اتفاقهما الشامل في الأوليات، بل لأن الخصم يجعل قولًا يلتزم به ابن سينا نفسه قرينةً على: السفسطة حين يصدر عن ابن تيمية. انظر: التنبيهات العقلية على آراء ابن تيمية المنطقية: دراسة نقدية لكتاب الرد على المنطقيين، أيمن المصري، ط1، كربلاء: مؤسسة الدليل للدراسات والبحوث، 2023م، ص62 وما بعدها.

 ([x]) الاستقامة، ابن تيمية، ت: محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ط1، 1983 م، 2/149.

([xi]) انظر: موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، محمد علي التهانوي، ت: علي دحروج، نقل النص الفارسي إلى العربية عبد الله الخالدي، مراجعة رفيق العجم، بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، ط1، 1996م، مادة: البديهي. وانظر: االمعجم الفلسفي: بالألفاظ العربية والفرنسية والإنكليزية واللاتينية، جميل صليبا، دار الكتاب اللبناني ومكتبة المدرسة، بيروت، لبنان، 1982م، جـ 1، مادة «الأوّل»، ص 171 وما بعدها؛ ومادة «الأُولى»، ص 174 وما بعدها؛ ومادة «الأوّليات»، ص 175 وما بعدها.

([xii]) درء تعارض العقل والنقل، ابن تيمية، ت: محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، المملكة العربية السعودية، ط2، 1991 م، 1 /31.

([xiii]) الرد على المنطقيين، ابن تيمية، ص417.

([xiv]) درء تعارض العقل والنقل، ابن تيمية، 3/309.

([xv]) درء تعارض العقل والنقل، ابن تيمية، 3/309.

([xvi]) درء تعارض العقل والنقل، ابن تيمية، 8/305.

([xvii]) الرد على المنطقيين، ابن تيمية، دار المعرفة، بيروت، لبنان، ص4.

([xviii]) الرد على المنطقيين، ابن تيمية، ص400.

([xix]) الرد على المنطقيين، ابن تيمية، ص417.

([xx]) مجموع الفتاوى، ابن تيمية، جمع: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة المنورة، السعودية، 2004م، 9/99.

([xxi]) الرد على المنطقيين، ابن تيمية، ص363.

([xxii]) الرد على المنطقيين، ابن تيمية، ص13.

([xxiii]) الرد على المنطقيين، ابن تيمية، ص13.

([xxiv]) الرد على المنطقيين، ابن تيمية، ص13.

([xxv]) الرد على المنطقيين، ابن تيمية، ص13.

([xxvi]) مجموع الفتاوى، ابن تيمية، 19/135.

([xxvii]) انظر: منطق الكلام: من المنطق الجدلي الفلسفي إلى المنطق الحجاجي الأصولي، حمو النقاري، الرباط، دار الأمان للنشر والتوزيع، ط1، 2005م، ص 201 وما بعدها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى