ماريا إيراستورثا
ترجمة: زياد الأتاسي
في صالة مظلمة، لا تكاد تضيء إلا بشاشة مُزْرَقَّة، يطفو دماغ. ليس دماغاً حقيقياً، بل إعادة بناء رقمية له، بألوان حمراء وصفراء تشير إلى النشاط، وزرقاء توحي بالسكون. ينبض بلا نبض، يفكّر من دون تفكير. وحوله تقنيون وعلماء يراقبون خطوطاً وخرائط ومنحنيات إحصائية. يبدو المشهد تحقيقاً لحلمٍ قديم: وأخيراً، أصبح العقلُ مكشوفاً، وتحوَّلَ اللغزُ إلى صورة. ما كان غير مرئي لقرون – الفكر، والرغبة، والذاكرة – يبدو الآن أرضاً قابلة لرسم خريطتها.
الافتتان مفهوم. فخلال جزء كبير من تاريخ الغرب، كان العقل لغزاً يجري النقاش بشأنه فيما بين الروحي والميتافيزيقي. الروح كانت جوهراً أو مبدأً، نفخةً إلهية فقط أو صورةً للجسد، لكنها لم تكن قطّ مادةً قابلة للملاحظة. أزاح القرن التاسع عشر المشكلةَ باتجاه علم وظائف الأعضاء/الفيزيولوجيا، وأزاحها القرن العشرون نحو علم النفس التجريبي، وانتهى القرن الحادي والعشرون إلى تثبيت انتباهه على العضو الذي بدا مطالِبَاً منذ زمن بعيد بالدور الرئيس. احتل العقل مكان الروح من دون أن يرث هالتها المتعالية، وإنْ أخذ أهميتها المركزية. لا نقول اليوم عن شخص ما إنه صفراوي choleric أو سوداوي melancholic، بل نقول إن اللوزة الدماغية عنده مفرطة النشاط، أو إن نظام الدوبامين عنده يستجيب استجابةً غير نمطية. لا نستدعي الضمير، بل الشبكات العصبية ذات الرتب العليا. إنه تحوُّلٌ دلاليٌ عميق. لقد احتلت لغةُ الدماغِ الحياةَ اليوميةَ بالتلقائية التي يجري التعامل فيها مع أمر لا جدال فيه. عندما يجري اللجوء إلى الدماغ، يبدو النقاش محسوماً.
تقوم هذه السلطة على وعد بالموضوعية يغوي حتى أولئك الذين لا يثقون بخطابات علمية أخرى. يُقَدَّمُ الدماغُ بوصفه الأساس الجوهري، بوصفه هيئة مادية تنهي الغموض. فإذا كان شيء ما يحدث في الدماغ، فإنه يحدث حقاً. هكذا تقوم الحقيقة على البيولوجيا. والتجربة الذاتية لا تكتسب الشرعية إلا عندما تستطيع إظهار ارتباطها بأنماط قابلة للقياس. والماسح الضوئي يحل محل الحجة. بيد أنّ تحويل الدماغ إلى مرجعية عليا ينطوي على مفارقة: نحن لم نعرف قط مثل هذا القدر عن وظيفته، وفي الوقت نفسه، لم نمتلك قط مثل هذا القدر القليل من اليقينيات حول ما يعنيه فهمه. فصور الرنين المغناطيسي لا تُظْهِرُ أفكاراً، بل تغيرات في تدفق الدم. والتشابكات العصبية لا تفسر بحد ذاتها معنى قرار ما ولا بنية عاطفة ما. إن القفز من المعلومة الفيزيولوجية إلى التفسير الثقافي يتطلب وسائط غالباً ما يجري إسكاتها.
لا يقتصر الهوس المعاصر بالدماغ على الوسط الأكاديمي. لقد أنتج أنطولوجيا ضمنيةً Implicit Ontology يعرَّف الكائن الإنساني وفقاً لها بهندسته العصبية. نحن… أدمغتنا We Are Our Brains. تتكرر العبارة باقتناع، وكأنها تكفي لتبديد أي شك. ترتد الهوية إلى المادة الرمادية. والتاريخ الشخصي، والسياق الاجتماعي، واللغة التي نتكلمها، والمؤسسات التي نقيمها، كل ذلك يبدو معتمداً في نهاية المطاف على التكوين التشابكي العصبي.
هذه الإزاحة ليست بريئةً. فباختزال تعقيد الطبيعة البشرية إلى أداء عضو لعمله، يعاد أيضاً ترتيب مجال الممكن. إذا كان السلوك يُفَسَّر بالدوائر العصبية، فإن التدخل المناسب سيكون تعديله. بالعقاقير، والتحفيز الكهربائي، والتدريب المعرفي. الأخلاقيات تنزلق نحو الهندسة. والمشكلة الأخلاقية تتحول إلى مشكلة تقنية. والسؤال عن الخير يحل محله السؤالُ عن الفعالية. لقد عززت المرونة الدماغية، إحدى أهم الاكتشافات المحتفى بها في العقود الأخيرة، هذا الميل. فمعرفة أن الدماغ يتغير مع التجربة تفتح آفاقاً للأمل، لكن أيضاً للتطلُّب واللزوم. إذا كان العضو مطاوعاً، فالفرد عندئذٍ يصبح مسؤولاً دائماً عن تكوينه الداخلي. ونقص الانتباه، والاندفاعية، وحتى الفشل الدراسي يمكن قراءتها بوصفها نتائج إدارةٍ غير ملائمة للمرونة. إن البيولوجيا، التي بدت مُحَرِّرَةً من الحكم الأخلاقي، تستعيده بشكلٍ آخر.
المسألة الفلسفية الجوهرية، في العمق، تبقى دون تغيير. فبأي معنىً تساوي معرفةُ الآلية فهمَ الظاهرة؟ إن تفسير الكيفية التي تنشط بها مناطق معينة عند اتخاذ القرارات لا يحل لغز الحرية. ووصف كيمياء العاطفة لا يستنفد المعنى الوجودي. الارتباط ليس تطابقاً، وإنْ مال الحماس المعاصر لطمس الفارق. إن الدماغ شرط ضروري للتجربة، لكن التجربة لا تقتصر على هذا الشرط.
يحسن أن نتذكر أن كل وصف علمي يعمل عند مستوى معين من التجريد. فعلم الأعصاب يعمل على نماذج تبسِّطُ الواقع من أجل أن تجعله قابلاً للدراسة. وهذا التبسيط مشروع من الناحية المنهجية، لكن المشكلة تظهر عندما يتحول النموذج إلى أنطولوجيا وتُعْطَى قيمة مطلقة للمستوى التفسيري. الدماغ ليس هو الإنسان بكليته مثلما أن النوتة الموسيقية ليست هي الموسيقى وأن القواعد النحوية ليست هي الأدب.
يكشف الهوس بالدماغ أيضاً قلقاً ثقافياً أوسع. ففي زمن يتسم بعدم اليقين السياسي والانقسام الرمزي، يقدِّمُ الاحتكام إلى ما هو عصبي أملاً بالاستقرار. وفي مواجهة المناظرات الأيديولوجية أو الأخلاقية التي تبدو مستعصية على الحسم، يعمل اللجوء إلى الدماغ مرساةً للتثبيت. هناك ليس ثمة آراء، بل بيانات data. المادة تحل محل النزاع. والنسيج العصبي يتحول إلى ملاذٍ معرفي/ابستيمولوجي. لكنَّ مادية الدماغ لا تقصي تاريخية الذات. فالروابط التشابكية العصبية تتشكل في سياقات محددة، تتخللها اللغات، وقواعد القوة وعلاقاتها. لا يوجد دماغ مجرد. بل يوجد دائماً دماغ في موضع وسياق محدد. وتجاهل هذا البعد يؤدي إلى إضفاء السمة الطبيعية على ما هو ناتج عن عمليات اجتماعية. فعدم المساواة في الفرص التعليمية، على سبيل المثال، يمكن وصفه بلغة الفوارق المعرفية، لكن هذه الفوارق تحيل إلى مسارات حددتها الظروف الاقتصادية والثقافية.
إن النقد المُوَجَّه للهوس المعاصر بالدماغ لا يقتضي إنكار أهمية علم الأعصاب. إنه يعني وضعه في مكانه والاعتراف بقوته، دون تحويله إلى تفسير شامل، والإبقاء على سؤال المعنى مفتوحاً، وهو الذي لا تستطيع أية صورة ملونة الإجابة عليه وحدها. الدماغ عضو استثنائي، لكنه ليس عرَّافاً. التفكير يتطلب أكثر من القياس. قد تحتوي الصورة الأولية للدماغ العائم على الشاشة مفتاح حل المشكلة. فعند عزله عن الجسم وعن العالم، وتقديمه شيئاً مستقلاً ذاتياً، تحدث عملية تجريد تُسَهِّلُ التحليل التقني، لكنها تفقِرُ الفهم الوجودي. الفكر لا يحدث في فراغ معقَّم. إنه يحدث في جسم يشيخ، وبلغة تُنَظِّمُ التجربة، في مجتمع يوزِّعُ الفرص والحدود.
الافتتان بالدماغ لن يختفي. سنواصل إضاءةَ شبكاته، وصقلَ خرائطه، وفكَ شفرة داراته. والمهمة الفلسفية تتمثل في الحؤول دون أن تحجب هذه الإضاءة بقية المشهد. إن صورة الرنين المغناطيسي لا تسع الإنسان بكامله، فالدماغ يفسر شيئاً لكن ليس كل شيء البتة. وهناك حيث تنتهي الإشارة الكهربائية تبدأ أرض المعنى غير المستقرة.



