الفلسفة

اقْتِفَاءُ المفاهيم وصولًا إلى الحاجات

ماتيو كيلو

ترجمة: محمد حسن إبراهيم*

 

تعريف بالكاتب:

ماتيو كيلو زميل أبحاث مبتدئ في كلية وولفسون وعضو في كلية الفلسفة بجامعة أوكسفورد. وهو مؤلف كتاب “الأصول العملية للأفكار: الجينالوجيا بوصفها هندسة عكسية للمفاهيم” (The Practical Origins of Ideas: Genealogy as Conceptual Reverse-Engineering, 2021)، المترجم من قبل نادي الكتاب للنّشر والتوزيع.

النص:

ما الذي يناظر في واقع الأمر مفهومنا للاحتمال (Concept of probability)؟ في أطروحته الصادرة عام ١٩٢١م حول هذا الموضوع، قدم العالم الاقتصادي جون مينارد كينز (John Maynard Keynes) جواباً مفاده: إن مفهومنا للاحتمال إنما يعكس علاقات احتمالية موضوعية (Objective probability relations) قائمة في العالم. وهذه العلاقات الموضوعية، في رأي كينز، أمر نستطيع إدراكه إدراكاً مباشراً؛ فهي ممدودة بين المقدمات (Premises) والنتائج (Conclusions) كالأسلاك الممدودة بين الأعمدة. وقد لا يسعنا دائماً التعبير عنها برقم محدد، غير أننا ندري يقيناً أن احتمال “أن نبلغ الديار أحياء” بشرط “أن نكون عائدين إلى البيت تحت السماء صافية” هو أكبر موضوعياً من احتمال ذلك بشرط “أن نكون عائدين إلى البيت في وسط عاصفة رعدية”. وقد أكد كينز أن مثل هذه العلاقات الاحتمالية الموضوعية يمكن استجلاؤها بين أي مقدمات ونتائج.

بيد أن صديقه الفتى، العبقري النابه فرانك رمزي (Frank Ramsey)، كان على شك من ذلك. إذ تحدى كينز سائلاً: أية علاقة احتمال تقودنا من المقدمة القائلة “إن نابليون كان قائداً عسكرياً عظيماً” إلى النتيجة القائلة “إن بساطي أزرق اللون”؟ فأعلن رمزي أنه عن نفسه لا يدرك وجود مثل هذه العلاقات، ويرتاب في أن غيره يدركونها.

ووفق ما رآه رمزي، لم تكن محاولة التوفيق بين مفهوم الاحتمال والأجزاء المدركة من العالم هي السبيل لإجلائه وتوضيحه. فلم يكن كمفهوم “قوس قزح” (Rainbow)، وهو الشيء الذي يفهم على أحسن وجه بدراسة كنه أقواس قزح أولاً، ثم بيان كيفية وصولنا إلى مفهومه بدلالة معاينتنا المكررة له. بل كان مفهوم الاحتمال أقل شبهاً بانطباع انطبع في أذهاننا بفعل أصل قائم سلفاً في الخارج، وأكثر شبهاً بأداة (Device) صنعناها لنهتدي بها في غمار العالم على نحو أكثر نجاحاً. ومن ثم، اقترح رمزي النظر في الوظيفة (Function) التي يؤديها المفهوم في فكرنا وقولنا: ما العمل الذي ينجزه المفهوم لنا؟ وما الذي يتيح لنا نيله مما كنا لنناله بدونه؟ إن بوسعنا أن نسعى لإزالة اللبس عن مفهوم الاحتمال بقرنه بالحاجات البشرية (Human needs) بدلاً من العلاقات الموضوعية (Objective relations).

لو كنا آلهة كليي العلم، لصدقنا بالحق تصديقاً تاماً، ولأنكرنا الباطل إنكاراً كلياً. غير أن العقول البشرية غارقة في غياهب الشك وعدم اليقين (Uncertainty)؛ فهناك أمور جمة لا نوقن بها إلا يقيناً جزئياً. قد أكون على ثقة حسنة بأن هذا هو السبيل العائد إلى المعسكر، بيد أن ثقتي بتلك العقيدة قد تتفاوت زيادة ونقصاناً على امتداد الطريق، مما يجعلني بحسب ذلك أكثر أو أقل نزوعاً لإنفاق الوقت في إعادة الاستدلال بالخريطة أو استشارة الآخرين.

وقد حدس رمزي أن ثمة وظيفة جليلة لمفهوم الاحتمال تتجلى في كونه مقياساً لهذه الثقة العملية (Practical confidence)؛ فهو يتيح لنا الإبانة عن درجات الاعتقاد (Degrees of belief) التي تتأسس عليها أفعالنا. فإن كان لأفعالنا أن تكلل بالنجاح، فالأحرى بنا أن نضبط درجات اعتقادنا ضبطاً سديداً؛ وهذا يقتضي أن لنا مصلحة في الإعراب عن درجات اعتقادنا ومقارنتها، ومعايرتها (Calibrating) قبالة بعضها البعض. ومن خلال تمكيننا من التفكير والحديث عن الثقة العملية، يلبي مفهوم الاحتمال هذه الحاجة بدقة متناهية. وهذا ما يسهم في تعليل امتلاكنا لمفهوم الاحتمال وتبديد ظلمات الغموض المكتنفة له. وبدلاً من تفسير المفهوم بدلالة ما يشير إليه في الواقع، نكون قد فسرناه بدلالة الشواغل البشرية (Human concerns) التي ينهض بالتبلغ لها والرد عليها.

وقد توجد مفاهيم أخر كثر يفهم كنهها بأعلى درجات السداد بوصفها ثماراً نبتت من رحم الحاجات العملية (Practical needs)، لا بوصفها ظلالاً أو انطباعات لشيئية سابقة. وفي الحقيقة، فإن التجريدات الشامخة التي هي أكثر عرضة لجلب الحيرة الفلسفية – كالجمال، والحق (Truth)، والمعرفة (Knowledge)، والعدل (Justice) – هي جميعاً مرشحات سديدة لذلك. غير أن نهج رمزي يصعب النظم على منواله؛ إذ إن الومضات الباهرة من البصيرة لا تقيم بمفردها منهجاً فلسفياً (Method).

ولاقتفاء أثر مفهوم ما استجلاء للحاجات التي نبت منها، ينبغي للمرء إجراء هندسة عكسية (Reverse-engineer) للمشكلة التي يشكل المفهوم حلاً لها. وهذا يستدعي إعادة إحياء وبناء طراز الموقف العملي (Practical situation) الذي تنشأ في أتونه تلك المشكلة، وتحديد ما قد يحفز أقواماً يفتقرون إلى هذا المفهوم على ابتكاره. وهذه المهمة تشبه تلك التي تجابه علماء الآثار حين يستخرجون أثراً غامضاً (Artefact) من باطن الأرض: إذ يحتاجون إلى إعادة بناء الخيال التاريخي والشؤون البشرية التي أنشأت ذلك الأثر وكانت تدور في فلكه، بغية الوقوف على الغاية منه.

وثمة منهج فلسفي كرس لإنفاذ ذلك تحديداً: إنه منهج سرد الجينالوجيات البراغماتية للمفاهيم (Pragmatic genealogies of concepts). وهو منهج يتجاوز الانقسام القائم بين الفلسفة التحليلية والقارية (Analytic-continental divide)، إذ توسل به ديفيد هيوم (David Hume) بتمام القدر الذي توسل به فريدريش نيتشه (Friedrich Nietzsche). وفي الآونة الأخيرة، أعاد اكتشافه فلاسفة مرموقون من أمثال إدوارد كريج (Edward Craig)، وبرنارد ويليامز (Bernard Williams)، وميراندا فريكر (Miranda Fricker)، وفيليب بيتيت (Philip Pettit). يقدم هؤلاء الفلاسفة جينالوجيات بمعنى أنهم يتقفون أصول المفاهيم، بيد أنها جينالوجيات براغماتية (عملية) لأن اهتمامهم الرئيس ينصب على الأصول العملية: بالوظيفة التي برز المفهوم للنهوض بعبئها – ولعله يواصل النهوض بها إن ظلت الحاجات التي يلبيها قائمة ومستمرة.

بيد أنه بخلاف مؤرخي الفكر (Intellectual historians)، لا يعنى الجينالوجيون البراغماتيون (Pragmatic genealogists) في المقام الأول بضبط التأريخ الفعلي لظهور المفهوم؛ بل يتركز قاطبة اهتمامهم على تحديد ما يجعل أعتى مفاهيمنا المبجلة غير قابلة للاستغناء عنها بأي حال. والحق أنه إن كان المفهوم أصيلاً لا غنى عنه حقاً، فإن بداياته التاريخية ستكون على أي حال ملفوفة بضباب الماضي المجهول غير المدون. وبناء عليه، يضطر الجينالوجيون البراغماتيون في كثير من الأحيان إلى إعادة بناء نشأة المفهوم وتطوره من خلال المخيلة التخيلية.

ولما كانت المفاهيم الأشد لزوماً عريقة في القدم، فمن المرجح أنها صقلت وتأثرت بتنوع مذهل من الحاجات المتداخلة. فمن أين يبدأ المبتدئ؟ إن إحدى السبل لإحكام النظام في هذا التعقيد العارم هي السعي لتحديد أشد الوظائف أساسية مما تؤديه المفاهيم – وهي وظائف نادراً ما تكون هي الأظهر لعين الناظر. وكما نغفل عادة عن الكيفية التي تكون بها الممارسة الخفية للجاذبية الأرضية لا غنى عنها لنجاح حتى أكثر أفعالنا المبتذلة، فإن العمل الذي تنجزه مفاهيمنا كثيراً ما يكون خبيئاً في تلك الخلفية المتوارية من الفاعلية الوظيفية التي نحسبها بديهية مسلمة.

ولما كان هدفهم الابتداء بتحديد الوظائف الأكثر جوهرية للمفهوم، يسعى الجينالوجيون البراغماتيون في مستهل الأمر إلى تنزيه سرديتهم عن الخصوصيات المحلية. فيبدؤون برسم معلم أولي لموقف غير مقيد بزمان أو مكان معينين: “حالة طبيعة” متخيلة (State of Nature) أو ما ينوب منابها، كـ “إروهون” (Erewhon) عند فيليب بيتيت (وهي عكسٌ تقريبي لتهجئة كلمة “لا مكان” (Nowhere)، استعارها بيتيت من رواية صاموئيل بتلر المسماة بالاسم ذاته). والمقصد من ذلك هو بناء نموذج لموقف عام على أقصى درجات التعميم، لا يفترض فيه سوى الحاجات العملية التي يصح منطقياً القول بوجودها لدى أي مجتمع بشري على أي حال: كالحاجة إلى التماس الطعام والماء، أو الحاجة إلى الاستعلام عن أشد المخاطر جسامة في البيئة المباشرة (أين مكان ذلك الدب الآن؟). وبطبيعة الحال، عند تخيل الحاجات التي قد يمتلكها البشر “على أي حال”، ثمة محذور الوقوع في التعميم المفرط انطلاقاً من الخبرة الذاتية. بيد أن ثمة حاجات أساسية وبنيوية بدرجة كافية لتكون نافذة في كل موضع تقريباً: فالحاجة إلى تحصيل المعلومات عن المخاطر والفرص التي تجود بها البيئة، على سبيل المثال، هي حاجة تتشاركها حتى المجتمعات البشرية ذات الرؤى متباينة جذرياً، وإن كانت قد تختلف فيما تعده على أرض الواقع خطراً أو فرصة.

وانطلاقاً من نموذج حالة الطبيعة هذا، يستطيع الناظر أن يستشف كليات الضغوط العملية التي قد تحفز نشوء المفهوم الذي يراد إجراء هندسة عكسية لوظيفته. وكما تبدأ بعض المنحوتات وجودها كـ “هيكل داخلي” مجرد (Armature) – أي هيكل أو بنية شكلية يتراكم الطين حولها وداخلها قبل أن يصاغ ويهذب في صورة مكتملة التجسيم – فإن جينالوجيات حالة الطبيعة تعيننا على الاهتداء إلى “الأطر الوظيفية” (Functional armatures) القابعة خلف المفاهيم وتنويعاتها التاريخية المتعددة. ولا ريب أن التنظير القائم على حالة الطبيعة ينبغي أن يستنير باكتشافات الأنثروبولوجيا (Anthropology)، والتاريخ، والعلوم الإنسانية الأخرى ويمحص قبالتها، وحتى حينئذ يظل خطر تطويع النموذج ليوافق أهواء المرء وقوالبه المسبقة قائماً. بيد أن نموذج حالة الطبيعة ليس المقصود منه تجسيد دعاوى تاريخية حول كيفية نشأة المفاهيم في واقع الأمر، ولا تقديم إجابات قاطعة بنفسه؛ بل إن غايته هي استحثاثنا على طرح أسئلة لم نكن نعلم أن علينا طرحها، ولا سيما عبر تمكيننا من إدراك الروابط المحتملة بين مفاهيم تبدو عاطلة لا عمل لها والحاجات العملية.

في سالف الدهر – كما كتب نيتشه – كان ثمة كوكب في زاوية نائية من أرجاء الكون، استبد الشغف بالحق (Passion for truth) بنفر من المخلوقات الماكرة القاطنة فيه؛ فبجلوه بإجلال مهيب وكأن العالم معلق بأستاره. غير أن تلك المخلوقات ما لبثت أن نفدت وهلكت، وتجمد الكوكب، وكان الأمر وكأن شيئاً لم يكن.

إن خرافة نيتشه (Nietzsche’s fable) هذه يقصد منها إبراز مدى الزوال والتقلب والضآلة التي يمكن أن يبدو عليها الشغف البشري بالحق في النسق الكوني الكبير. لكن يقصد منها أيضاً تجسيد السؤال عن السبب الذي جعلنا نثمن الحق على النحو الذي نفعل، بوصفه شيئاً حرياً بالسعي وراءه والإفصاح عنه حتى ولو بتكلفة باهظة نتحملها، لمجرد أنه الحق. لماذا غدا ذلك المفهوم المجرد (Abstract concept) بمثل هذه الأهمية الشديدة لدينا؟ إذ ليس من الظاهر جلياً لماذا كان للذكاء البشري أن يرتقي ليفعل أي شيء آخر غير المواربة (Dissimulate)، والخداع (Deceive)، والغش (Cheat)، والاحتيال (Trick). كما لم تتلاش الدوافع القوية الداعية إلى مجانبة الصدق. وكان ذلك أساس ملاحظة فولتير (Voltaire) بأن “الناس لا يستخدمون اللغة إلا لستر أفكارهم”. فلماذا بحق السماء انتهى بنا المطاف إلى التفكير في الحق بوصفه قيمة بذاته ولذاته؟ وما قيمة تقييم الحق بهذه الطريقة؟

لماذا يعد الحق بمثل هذه الأهمية الشديدة لدينا؟ إذ ليس من الظاهر جلياً لماذا كان للذكاء البشري أن يرتقي ليفعل أي شيء آخر غير المواربة، والخداع، والغش، والاحتيال.

رفض نيتشه الإجابات التقليدية عن هذه الأسئلة – والقائلة إن قيمة الحق مستمدة من “المثل الأفلاطونية للحق” (Platonic Form of Truth)، أو أن البشر قدروا الحق لأنهم ثمنوا “العالم الحقيقي” (True World) القابع خلف العالم الظاهري. فبالنسبة لنيتشه، أغفلت هذه الإجابات الجوانب التي كانت فيها قيمة الحق مفرطة في إنسانيتها. لقد تركت تلك الإجابات للعالم – كما كان عليه على أي حال وبمنأى عن الشواغل الإنسانية – النهوض بكل العبء التفسيري. وادعت في واقع الحال أن العقول البشرية انطبعت بقيمة الحق لأن الحق كان قائماً في الخارج ولأنه كان مذهلاً. وكانت هذه في جوهرها النهج التفسيري ذاته الذي التزمه كينز، والمتمثل في إيضاح المفهوم بدلالة الحضور السابق لموضوع ما استيقظ البشر تدريجياً لإدراكه.

لكن نيتشه آثر التنقيب عن أصول المفاهيم الغامضة في أروقة الشؤون البشرية الدنيوية بدلاً من الأجواء الأثيرية السماوية. وكان في ذلك شبيهاً برمزي، الذي كتب أن صورته عن العالم كانت “مرسومة بالمنظور (In perspective)، وليست كأنموذج بمقياس رسم؛ والمقدمة يشغلها الكائنات البشرية، والنجوم كلها صغيرة كقطع النقد المعدنية”. وكأنه يجيب عن خرافة نيتشه، أضاف رمزي: “مع مرور الوقت يبرد العالم ويموت كل شيء؛ لكن ذلك لا يزال بعيد المنال، وقيمته الحالية بالخصم المركب لا تساوي شيئاً تقريباً. ولا تكون اللحظة الحالية أقل قيمة لمجرد أن المستقبل سيكون خاوياً. إن الإنسانية، التي تملأ مقدمة صورتي، أجدها مثيرة للاهتمام ومثيرة للإعجاب على العموم”.

وكما تناول رمزي مفهوم الاحتمال عبر تقفي أثره إلى الحاجة لقياس الثقة العملية والتعبير عنها، رأى نيتشه أن قيمة الحق نبعت من مقتضيات الحياة الاجتماعية (Exigencies of social life). ففي مقالته الصادرة عام ١٨٧٣م بعنوان “عن الحق والكذب بمعناهما غير الأخلاقي” (On Truth and Lies in an Extra-Moral Sense) وفي ملاحظاته المكتوبة في تلك الفترة، وضع الخطوط العريضة لجينالوجيا براغماتية لقيمة الحق. وهي تقدم أصول ذلك المفهوم السامي بوصفه نشاطاً عملياً محضاً، وتثني عليه لفائدته المستمرة ما لم يدفع به إلى أقاص مفرطة.

تنطلق جينالوجيا نيتشه لقيمة الحق من “حالة طبيعة” (State of Nature) تغيب عنها قيمة الحق كلياً حتى ذلك الحين: حرب هوبزية للجميع ضد الجميع (Hobbesian war of all against all)، يستخدم فيها الفكر بالدرجة الأولى للمواربة والختال. ولكن بمجرد أن يدخل البشر في حومة المجتمع واللغة، يكتب نيتشه: “ينشأ التباين بين الحق والكذب لأول مرة. فالكاذب يستخدم التسميات الصالحة، أي الكلمات، لكي يجعل غير الحقيقي يبدو حقيقياً: فيقول مثلاً ‘أنا غني’، في حين أن التسمية الصحيحة لهذه الحالة هي ‘فقير'”.

وفق رؤية نيتشه، فإن ظهور الكذابين – أناس فولتير الذين لا يستخدمون اللغة إلا لستر أفكارهم – هو ما يعطي الشرارة الأولى لنشوء قيمة الحق. وفي صورتها البدائية، تتكون قيمة الحق من استعدادين أو سمتين خلقيتين: الاستعداد للسعي وراء الحق، والاستعداد للإفصاح عن الحق. وكل من هذين الاستعدادين ينبثق استجابة لحاجات عملية تولدت عن ظهور الكذابين. فمن ناحية، يحتاج كل فرد إلى السعي وراء الحق لتجنب العواقب غير السارة للوقوع في الخداع؛ وهذا يشجع على ظهور ما يلقبه نيتشه بـ “الإرادة في عدم الوقوع في الخداع” (Will not to let oneself be deceived) – وهي الصورة البدائية للاستعداد للسعي وراء الحق. ومن ناحية أخرى، ثمة حاجة جماعية لتجنب العواقب الوخيمة للكذب المستشري، الذي يهدد بجعل التعاون والتواصل الفعال في المجتمع أمراً مستحيلاً؛ وهذا يشجع المجتمع على فرض واجب الإفصاح عن الحق والتهديد بنبذ من يخترق هذا الواجب. وبناء عليه، يطور الأعضاء الحذرون في المجتمع “الإرادة في عدم الخداع” (Will not to deceive) – وهي الصورة البدائية للاستعداد للإفصاح عن الحق. ومجتمعين، يشكل الاستعدادان التوأمان – السعي وراء الحق والإفصاح عنه – الطليعة الأولى لقيمة الحق.

غير أنه في هذه المرحلة من جينالوجيا نيتشه، لا تتعدى هذه الاستعدادات كونها نزعات لتقييم الحق تقييماً أداتياً (Instrumentally)، كوسيلة لتجنب العواقب غير السارة للوقوع في الخداع أو النبذ جراء خرق الواجب المفروض اجتماعياً للإفصاح عن الحق. وهكذا فإن أي قيمة تمتلكها الحقيقة تستنفدها القيمة التحرزية (Prudential value) التي تستمدها من نتائجها. فضلاً عن ذلك، فإن الاستعدادين للسعي وراء الحق والإفصاح عنه محدودا التطبيق؛ إذ ليس ثمة توقع بأن يسعى المرء وراء الحق أبعد مما هو مفيد أداتياً لنفسه، أو أن يفصح عن الحق لأشخاص خارج مجتمعه. ولكن في هذا الشكل المحدود، يظل ثمة نفع في تقييم الحق؛ فهو يجيب عن الحاجة لتجنب الخداع وتأمين شروط التعاون.

غير أنه مع ترسيخ هذين الاستعدادين التوأمين عبر العادة وغرسهما عبر الأجيال المتلاحقة، ينسى نفعهما الأصلي، ويوقظ الشعور بالالتزام الاجتماعي بالإفصاح عن الحق دافعاً أخلاقياً متصلاً بالحق. وتصبغ عادات السعي وراء الحق والإفصاح عنه بإحساس أخلاقي: إذ يطرح نيتشه أن “عاداتنا تصير فضائل” (Our habits become virtues)، لأننا ننتهي إلى التفكير في الأنماط السلوكية التي اعتدنا إظهارها بوصفها غير قابلة للانتهاك والحرمة، ونعد حرمة تلك الأنماط أكثر أهمية من رفاهيتنا الذاتية. فما إن تشبع عادات السعي والإفصاح بالشعور الأخلاقي بالحرمة، حتى تعمم أبعد من نطاق تطبيقها الأصلي: فتغدو الحقيقة مطلوبة بمهابة في كل موضع ونحو كل أحد. ويكون المخلوقات الماكرة قد طوروا شغفاً بالحق.

بدأت جينالوجيا نيتشه لقيمة الحق كمحاولة لفهم الجوانب التي جعلت امتلاكها أمراً يستحق العناء. غير أنه لم ينشر هذه الملاحظات قط، وظلت متوارية تحت ظلال بلاغته النارية التي وجهها لاحقاً إلى التصورات المنتفخة للحق في كتاباته المنشورة. ولعل هذا الاختيار في التركيز ليس مستغرباً بالنظر إلى سياق أواخر القرن التاسع عشر الذي كان يكتب فيه. وإذ كان شاهداً على العصر الذهبي للمجلدات الضخمة من الأبحاث الأكاديمية، يبدو أنه شعر بأن زملاءه المهووسين بالحق هوساً غير صحي لا يحتاجون إلى مزيد من التشجيع. وبدلاً من ذلك، حذرهم من الاستعداد للتضحية بكل شيء على مذبح الحق، ومن موقف “(Fiat veritas, pereat vita) – لتكن الحقيقة وإن هلكت الحياة!”. لقد كانت الحقيقة قيمة مشروعة، ولكن كان يتوجب عليها أن تقف في خدمة الحياة.

وفق رؤية نيتشه، فإن ظهور الكذابين هو ما يعطي الشرارة الأولى لنشوء قيمة الحق.

وعندما أعاد الفيلسوف الإنجليزي برنارد ويليامز (Bernard Williams) إحياء التقصي الجينالوجي لنيتشه حول المغزى من تقييم الحق في كتابه الصادر عام ٢٠٠٢م بعنوان الحق والصدق: مقال في الجينالوجيا (Truth and Truthfulness: An Essay in Genealogy)، كان يكتب في منعطف مختلف تماماً: بين الإنكارات ما بعد الحداثية لوجود الحق وسياسات ما بعد الحقيقة (Post-truth politics). وبناء عليه، كان تركيزه معاكساً لتركيز نيتشه؛ إذ سعى ويليامز إلى تسليط الضوء على فوائد تقييم الحق، وتنبيه القراء إلى ما سوف يفقد إن نحن تخلينا عنها.

ومما تسلط عليه جينالوجيا ويليامز ضوءاً أكثر إطراء مقارنة بنظرية نيتشه، على وجه الخصوص، هو تبيان أن ثمة مغزى ليس فقط لتقييم الحق أداتياً، بل لتقييمها لذاتها (For its own sake). وكان نيتشه قد أرجع ذلك إلى قوى العادة والنسيان. غير أن ويليامز يوضح وجود مقتضى عملي قوي يدعو لذلك: فإنه فقط بقدر ما تعد الحقيقة ذات قيمة جوهرية (Intrinsically valuable)، يمكن لتقييم الحق أن يكون ذا قيمة أداتية (Instrumentally valuable). وتبين أن قيمة الحق تحتاج إلى مجاوزة فاعليتها الوظيفية لكي تكون فاعلة وظيفياً.

ومستعيداً أصداء نيتشه، يبدأ ويليامز جينالوجيته عبر إظهار كيف أن مجتمعاً متخيلاً من البشر المستخدمين للغة في “حالة طبيعة” مبسطة، سينساق إلى تنمية استعدادات السعي وراء الحق والإفصاح عنه لدى أعضائه. فكل فرد، لكي يتكيف ويستمر، يحتاج إلى بعض المعلومات حول أمور مثل ما إذا كان الدب قد خرج من سباته الشتوي بعد، أو ما إذا كان الكرز على الجانب الآخر من التل قد نضج. ولهذه الغاية، يمكن للمرء الاعتماد على حواسه الخاصة إلى حد معين. غير أن محاولة اكتشاف كل شيء بنفسه أمر بالغ عدم الكفاءة، ولما لم يكن الجميع في المكان نفسه في الوقت نفسه، فقد يكون بمقدور شخص آخر رؤية أو سماع شيء لا يمكن للمرء اكتشافه بنفسه. ومن ثم، فإن لكل فرد مصلحة قوية في تجميع المعلومات (Pooling information) مع الآخرين في نوع من تقسيم العمل (Division of labour). ولكن إن كان للمجتمع المتخيل أن يجمع المعلومات، فهو بحاجة إلى غرس الصفات التي تجعل من أعضائه المساهمين جيدين في مجمع المعلومات. ووفقاً لويليامز، فإن تلك الصفات هي: أولاً، الاستعداد الموثوق لتوخي الصواب والأمور الصحيحة، وثانياً، الاستعداد الموثوق لنقل تلك المعلومات إلى الآخرين بطريقة مفيدة غير ضالة. ويطلق ويليامز على هذين الاستعدادين اسم “الدقة” (Accuracy) و”الصدق” (Sincerity)، مستخدماً الحروف الكبيرة للإشارة إلى أنه يتحدث عن نماذج أصلية أكثر بساطة مما نعنيه اليوم بهذه المصطلحات.

غير أن المشكلة تكمن في أنه طالما أن الناس متسمون بـ “الدقة” و”الصدق” فقط عندما يناسبهم ذلك على أي حال، فإن أي محاولة لتأسيس ممارسة تجميع المعلومات محكوم عليها بالانهيار في النهاية تحت وطأة “المستفيدين مجاناً” (Free riders): وهم الأشخاص الذين يحاولون التربح من مجمع المعلومات دون أن يزعجوا أنفسهم بالاتسام بالدقة أو الصدق إلا عندما تكون لهم مصلحة مباشرة في ذلك. لا يكتفي المتربحون مجاناً بقلة المساهمة في إثراء مجمع المعلومات بالمعلومات صعبة المنال؛ بل هم يُفسدونه بمعلومات مضلِّلة متى ما أمكنهم الربح من تضليل الناس. وبناء عليه، فطالما أن استعدادي الدقة والصدق يقيمان تقييماً أداتياً فحسب، فإن ممارسة تجميع المعلومات – مهما كانت قيمة – لا يمكن لها أن تنطلق، ويكون الجميع في وضع أسوأ نتيجة لذلك.

ولهذا السبب يحتاج الأشخاص الذين يجمعون المعلومات إلى تقييم الحق لذاته – بالسعي وراءه والإفصاح عنه للآخرين لمجرد أنه الحق. وما إن تعد الحقيقة ذات قيمة جوهرية، حتى تفرض استحقاقاً في مواجهة المصلحة الذاتية، وتغدو استعدادات الدقة والصدق مؤهلة لأن تعد صفات جديرة بالمحاكاة والثناء – أي بوصفها فضائل (Virtues). قد لا يكون هذا كافياً لتجاوز المصلحة الذاتية في كل مرة؛ ولكنه يتيح لممارسة تجميع المعلومات أن تنطلق، ولن تسقطها كذبة عارضة هنا أو هناك.

وهكذا فإن ثمة سبباً عملياً وجيهاً يفسر كوننا أشد تمسكاً صلب المكسر بالحق منا حساباً لمنفعتها البحتة. إن قيمة الحق أداة لا غنى عنها لمخلوقات تتشارك المعلومات مثلنا، لكنها أداة لا يمكنها تأدية عملها إلا إذا محت طابعها الأداتي لصالح اعتبارات أقل أداتية. ومثل مفهوم الاحتمال، فإن قيمة الحق وظيفية بالنسبة لنا؛ لكنها وظيفية فقط بقدر ما لا نفهمها بعبارات وظيفية محض. ويمكننا القول إن فاعليتها الوظيفية فاعليةٌ متوارية ذاتياً (Self-effacing).

يمكن للجينالوجيات البراغماتية، مثل جينالوجيات قيمة الحق التي يسردها نيتشه وويليامز، أن تساعدنا في إدراك سبب تفكيرنا على النحو الذي نفعل. وبدلاً من تفسير المفاهيم عبر تقفي أثرها إلى موضوعات سابقة في الواقع، فإنها تتقفى أثرها إلى حاجات عملية وتجري هندسة عكسية للوظائف التي تؤديها المفاهيم. وبدلاً من إيضاح المفاهيم بومضات رمزية من البصيرة العبقرية، فإنها تجعل النور يشرق تدريجياً، مشيدة بدقة مضنية كيف تنشئ بعض الحاجات الأساسية حاجات أبعد، وكيف تولد هذه بدورها مشكلات صممت مفاهيم معينة لحلها.

وفي قيامها بذلك، تضفي الجينالوجيات البراغماتية أيضاً ضوءاً تقييمياً معيناً على المفاهيم. إن الكشف عن وظيفة مفهوم ما بالنسبة لحاجات معينة هو إخبار لنا بشيء عن كيفية وقوف المفهوم بالنسبة لشواغلنا الخاصة. وهو يضعنا في موقف يتيح لنا التساؤل: هل نتشارك الحاجات ذاتها مع الكائنات المذكورة في القصة الجينالوجية، أم أن المفهوم قد تجاوز فترة فائدته؟ من الرابح تحديداً من العمل الذي تؤديه؟ هل ينبغي لنا الاستمرار في تنمية المفهوم، وهل يمكننا تكييفه أو توسيعه بحيث يمكنه تأدية وظيفته بشكل أفضل أو على نطاق أوسع؟

فقط بقدر ما تعد الحقيقة ذات قيمة جوهرية، يمكن لتقييم الحق أن يكون ذا قيمة أداتية.

ومن خلال تمكيننا من طرح هذه الأسئلة ومتابعتها، يتغذى المنهج الاستعادي (Backward-looking) للجينالوجيا البراغماتية في المشروع المستقبلي التطلعي لتعديل وتحسين حصيلتنا المفاهيمية (Conceptual repertoire). وخاصة عندما يفتقر المرء إلى حس واضح بما يفعله مفهوم ما ولماذا يفكر بتلك العبارات بدءاً، ينبغي للهندسة المفاهيمية (Conceptual engineering) أن تستهدى بالهندسة العكسية للمفاهيم (Conceptual reverse-engineering). وعلى حدّ تعبير نيتشه في صورته: لا بدّ للمرء أن يتقهقر أولاً إلى الوراء، كما يتقهقر كل من أراد أن يثب وثبة كبيرة إلى الأمام.

 

المصـدر

– – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – –

* باحث في اللاهوت والفلسفة ومترجم، بكالوريوس الفلسفة جامعة النيلين.

* تنويه: نحن فضّلنا إضافة كلمة “وصولًا” لأنّها أبلغ في تأدية المعنى؛ إذ إنّ المسافة بين المفهوم والحاجة لو اكتفينا في التعبير عن التحرك فيها من الأولى إلى الثانية بحرف الجر “إلى” لظهر أنّ الصلة بينهما بسيطة وهيّنة، ولربما طُرق التفكير فيها مرات عدة وحُسم أمرها. إلّا أن التقليد الفلسفي ميّال للفصل بينهما ميتافيزيقيًا، وإضافة كلمة “وصولًا” تُظهر مشقّةً في الفكر، وتُظهر مقاومةً لهذا الفصل الميتافيزيقي، وتقتضي هذه المقاومةُ سَفَرًا.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى