محمد بن تاج الدين بن مرعي
مقدِّمة:
في عصرنا سطت مفاهيم كـ“الإبداع” و“العقل الإبداعي” وما جرى مجراهما على أذهان بعض مدَّعيي الثقافة، حتى أصبحت ديدنهم وملأت شعابهم، وغدا وصفهم “لم يأتِ بجديد” مذمَّة لا تغتفر، بها يحلُّ لهم إلقاءُ ساعاتٍ بل أيامٍ وشهورٍ وسنينٍ من الجهد والتعب والتفكير والتأمل والتصنيف والدراسة إلخ في القمامة بلا تقدير، وبالغوا وغالوا فيها حتى قال د. غارندر -المصنَّف ضمن أهم مئة شخصية في القرن العشرين-: “إن الأشخاص الذين لا يمتلكون مقدرات إبداعية سوف تتم الاستعاضة عنهم بأجهزة كمبيوتر”([1])؛ ولذا قررت أن أقدم مقارنة مختصرة بين نتاج “العقل التركيبي” و“العقل الإبداعي”، بغية إيضاح ما للأول من سماتٍ وما لحصول الثاني ونتاجه من عقباتٍ ترتفع -بمجموعهما- بالعقل التركيبي -خاصة في عصرنا: عصر الانفجار المعلوماتي- إلى المرتبة التي يستحقُّها، وإن كنَّا مقرِّين في نهاية المطاف بأفضلية “العقل الإبداعي”.
تمهيد:
نتحدث في هذه المقالة عن العقل الإبداعي من حيث هو متفرد بخصائص عن العقل التركيبي، إذ لا إبداع بدون قدرٍ مُرتفعٍ من القدرة على التركيب، فيتشارك العقلان في هذه الصفة من جهة الأصل، ويتميَّز العقل التركيبي بمستوى مختلف كيفًا عن نظيره الإبداعي ويغلب أن يفوقه كميًا من حيث الممارسة. هذا والأفكار التي ينتجها العقل التركيبي تقع في حيِّز أسميه بـ“المحتمل” ولا أعني به ضد المستحيل والواجب، بل ما يمكن أن يتوصل إليه المرء بقدر وكيفٍ من التعقل دون القدر والكيف الإبداعي، وآخر حيِّزٌ أسميه “غير المحتمل” والذي لا يُتوصَّل إليه إلا بالعقل الإبداعي. وبهذا يتبيِّن أن بينهما عمومٌ وخصوصٌ في أغلب القضايا، حيث يعمُّ الإبداعي نظيره التركيبي.
المقارنة
تنحّي العقل الإبداعي وسطوع التركيبي:
في عصرنا، عصر الانفجار المعلوماتي، أصبحت المجالات والحقول المعرفية من الكثرة بحيث لا يستطيع أي إنسان أن يحيط بأي فرعٍ يتفرع عنها فضلا عن أحدها بأسره، وأصبحت أي معلومة يلتقفها تكاد تكون معلومة جديدة كليًّا إذ لا تشاركه فيها إلا نسبة قليلة من البشر، فتفتح للفرد آفاقًا معرفية جديدة متفرِّدة وكأنه اصطنع معلومة -فكرة- إبداعية، ثمَّ إن أي رؤية تشارك فيها هذه المعلومة تكون أكثر ندرة؛ وبالتالي تكون آثارها أكثر قربًا من آثار الرؤية الإبداعية. ولعلَّ هذا مفهوم -الندرة- أحد أسباب اعتناء العلماء بالفوائد التي في غير مظانها إذ بها تُفتح آفاقٌ معرفية جديدة لم تكن في الحسبان.
ومن هنا تنحى العقل الإبداعي قليلًا عن الصورة ليفسح مجالًا يُرى منه العقل التركيبي، الذي يتَّسم بالقدرة على التعامل مع كمٍ هائل من المعلومات والقدرة على إعادة تشكيلها حسب حاجاته الفكرية وحسب ما تملي عليه رؤيته. فلم يعد العقل الإبداعي ذلك العقل الذي لا يقاربه نوعٌ آخر من العقول، فالعقل التركيبي اقترب منه عمليًا حيث به تشكَّل رؤى نادرة للغاية تعمل عملًا يشبه عمل الرؤى الإبداعية، بالإضافة إلى كونه يُحتاج إليه على المستوى الفردي بصورة أكثر إلحاحًا من نظيره الإبداعي -حال غلبة التركيب فيه على العقل الإبداعي-، إذ به يستقيم الفعل الفكري والعملي في الواقع المعقَّد، فالخصائص التركيبية للعقل التركيبي -على المستوى الفردي الحياتي- أهم من الخصائص الإبداعية والتركيبية التي يتميَّز بها العقل الإبداعي، ونكتفي بهذا في هذه المسألة.
ثمَّ لمن تأمل فإن الإبداع “الكبروي” في عصرنا بدأ يندثر ويتلاشى، وذلك لسببين: أولهما: الفصل القسري والقاسي بين التخصُّصات والذي بدوره يمنع التواصل بين العلوم المختلفة والتي تجتمع معًا لتشكيل يقول د. عبد الوهاب المسيري: “فردٌ واحدٌ لا يستطيع أن يستوعب نتائج العلوم لكثرتها وتشعبها، وفردٌ واحدٌ هو الذي ينبغي أن يتوَصَّل إلى كشفٍ علميٍّ أو نظرية واحدةٍ لتفسير النتائج التي توصَّلت إليها العلوم المختلفة”([2])
وثانيهما: أن الإبداع الصغروي، الذي بتراكمه في سياقٍ معين يشكِّل -غالبا- الإبداع الكبروي قلَّ، فما تظن أنه من إبداعك في كثيرٍ من الأحيان سبقك به غيرك ممن لم تسمع به، مما يعيق العقل الإبداعي من إنتاج إبداع من الجهة العملية، وإن صحّ من الجهة النظرية باعتباره أتى بفكرة عميقة لم يسبق له أن تلقَّاها. ولعلَّ أحدهم يجادل في السبب الثاني فيقول: كما أن الكثير من مواطن الإبداع طرقت وكادت تُهلك، فهذا التوسع نفسه: فتح آفاقًا جديدة وأبان عن مواطن أخرى للإبداع، وهو صادقٌ في ذلك إلا أنه لم ينتبه إلى أمورٍ منها: أنه كلَّما زاد العلم توسُّعًا، ازداد تخصُّصًا([3]) وهو عين السبب الأول، وأنه كلَّما ازداد توسُّعًا ازداد تعقيدًا واحتيج للتقدُّم الكبروي فيه إلى مؤسَّساتٍ لا مجرَّد أفراد، يقول أ. أحمد سالم: “الإمكانات المادية والتقنية الكبيرة التي يحتاجها الإبداع في العلوم الطبيعية والتقنية، مما يجعل من الصعب اكتمال نموذج إبداعي بعيداً عن الهياكل والمؤسسات الكبرى”([4]).
ولعلَّ ما أبنَّاه من علاقة الإبداع في العلوم الطبيعية والتقنية بمجتمع المعرفة مدخل جيد لبيان عقبتين أخريتين ذات علاقة بمجتمع المعرفة: أولهما -وهي شبيهة بسابقتها-: أن الذكاء الذي يُحتاج إليه في عصرنا ليس الذكاء الفردي، والذي يتربع على عرشه العقل الإبداعي، وإنما الذكاء ضمن مجموعة كلاً من ستيفن سلومان وفيليب فيرنباخ في كتابهما “وهم المعرفة” رؤية أكثر عملية عن الذكاء، تحطِّم جوانب من الرؤية الفردانية وتتوافق مع تعقيد العالم وتشابكه والحاجة والواقع التعاوني فيه وركائز الإنجاز إلخ، فيقولان: “يمنحنا الوعي بأنَّ المعرفة تعيش في مجتمع طريقة مختلفة لتصوّر الذَّكاء. وبدلاً من اعتبار الذَّكاء سمة شخصيَّة، يمكن فهمه على أنّه مقدار مساهمة الفرد في المجتمع. إذا كان التَّفكير كياناً اجتماعياً يحدث في مجموعة ويضمّ فرقاً، فإنَّ الذَّكاء يكمن في الفريق وليس في الأفراد فحسب … يساهم الفرد في الفريق، والفريق هو المهمّ، لأنَّ الفريق هو الذي ينجز الأمور. يعكس ذكاء الفرد مدى أهميّة هذا الفرد للفريق.
إذا فكَّرنا بهذه الطَّريقة، فإنَّ الذَّكاء لن يبقى مجرَّدَ قدرة الشَّخص على التَّفكير وحلّ المشكلات؛ إنّه مقدار مساهمة الشَّخص في عمليّة التّفكير المنطقيّ للمجموعة وحلّها للمشكلات. سيتضمّن ذلك أكثر من قدراتِ معالجةِ المعلوماتِ الفرديّة، كالذَّاكرات الكبيرة ووحدات المعالجة التَّنفيذيّة السَّريعة. وسيشمل القدرة على فهم منظور الآخرين والتَّناوب بشكل فعَّال وفهم الاستجابات العاطفية والاستماع. يصبح الذّكاء كياناً أوسع بكثير عندما يُنظر إليه من زاوية مجتمع المعرفة. يمكن للنّاس المساهمة في المجتمع بعدّة طرق مختلفة: من خلال البصيرة الإبداعية، ولكن أيضاً من خلال الاستعداد للقيام بعمل شاقّ لفترات طويلة، ومن خلال كونهم خطباء رائعين ومستكشفين رائعين.
والنّتيجة هي أنّ المجموعة الفعّالة لا تحتاج إلى الكثير من الأشخاص ذوي الدّرجات العالية، إنّها تحتاج إلى توازن من الأشخاص ذوي المهارات المختلفة. ومهما كانت المهمّة التي تقوم بها، سواء كانت البحث عن الطّعام أو بناء منزل أو الإبحار في سفينة فستكون لها مكوّنات مختلفة تتطلّب مهارات مختلفة. سيكون الأداء أفضل عندما يكون لديك فريق يمتلك مجموعة كاملة من المهارات المطلوبة للقيام بالمهمّة. ومن المرجّح أكثر أن تكون هذه المهارات متاحة إذا كان النّاس يعملون معاً. والفريق ذو المهارات التكميليّة أكثر ترجيحاً لأن يلبي كافّة الاحتياجات التي يتطلّبها تقسيم العمل المعرفيّ. ولذلك، عندما تختار أناسا ليصبحوا جزءاً من هذا الفريق، تكون قدرة كلّ شخص على المساهمة في المجموعة أكثر أهميّة من درجته الـg([5]). بدلاً من قياس الذّكاء عن طريق اختبار الأفراد بمفردهم في غرفة، نحتاج إلى اختبار فرق من الأشخاص الذين يعملون في مجموعات … يجب علينا التفكير في العقل من حيث أنه قسم في العمل المعرفي: أن العقل ينتمي إلى المجتمع، لا للأفراد، وأن الأشخاص المختلفين يلعبون أدواراً مختلفة في أن يجعلوا المجتمع بأكمله منتجاً”([6]) “فإنّ المجموعة هي ما يصنع المنتج النهائيّ، وليس أيّ فرد. والمنتج النهائيّ هو المهمّ. فما نحتاجه حقاً هو مقياس لأداء المجموعة، وليس مقياساً للذكاء الفرديّ”([7]) “بمجرّد قبولك أنّنا نعيش في مجتمع المعرفة، يصبح من الواضح أنّ معظم الباحثين كانوا يبحثون عن تعريف الذكاء في المكان الخطأ. فالذكاء ليس ملكيّة للفرد. إنّه ملكيّة للفريق”([8])
ومن أدل الأمور التي تبيِّن واقعية هذه الرؤية ما تحكيه واي كومبينيتر -إحدى الحاضنات للمراحل الأولى لانطلاق شركات التكنولوجيا- عن استراتيجية تلك الشركات، إذ تقول: “تستند استراتيجيتهم إلى الاعتقاد بأنّ الشركات الناشئة الناجحة نادراً ما تنتفع من فكرتها الأوليّة، إن وُجدت. الأفكار تتحول. إذن فإنّ الأفكار ليست الأكثر أهمية. وإنّ جودة الفريق أهم بكثير من جودة الفكرة، إذ يمكن للفريق الجيد أن يُنجح شركة ناشئة لأنه يمكن أن يكتشف فكرة جيدة عن طريق تعلّم كيفية عمل السوق ثم إنجاز العمل المطلوب لتنفيذ الفكرة. سيقوم الفريق الجيّد بتقسيم العمل وتوزيعه بطريقة تستفيد من المهارات الفردية.”([9])
وثانيهما: وهو أنه قد تأتي بفكرة إبداعية ولكن غير مهمة فلا يكون لها فائدة أو على الأقل لا يتقبلها أصحاب المجال الذي تنتمي هذه الفكرة الإبداعية له، فتموت الفكرة وكأنك لم تقدِّم شيئًا، ولهذا اعتبر ميهالي سيزنتميهالي أن أحد العناصر الثلاثة للإبداع أن يقبل من قبل الحقل المعرفي -ويعنى به الخبراء في الفن محل الفكرة الإبداعية-([10])
وتأمل أيضًا: كون التركيب عملية مفهومة الملامح -إلى حدٍ ما- بديهية من الجهة العملية، وكون حضور الإبداع مرتبطٌ بعوامل كثيرة للغاية لا يستطيع الإنسان التحكم بأكثرها، منها على سبيل المثال: السياق المحفِّز للفكرة، يقول ميهالي سيزنتميهالي: “من المهم الإشارة إلى ضعف المساهمة الفردية بالنسبة للإبداع، لأنه عادة يوجد مغالاة في التقييم”([11])، ويقول ماكس فيبر: “ومضة الخاطر هذه (أي هذا الإلهام) لا يمكن للإنسان أن يُكره نفسه على استحضارها”([12]) فحضور الإبداع مرتبطٌ بصورة خاصة بالتوفيق الإلهي، وهذا التوفيق هو ما يشار إليه في الكتب الغربية التي ناقشت قضية الإبداع: بالإلهام أو الحظ. يقول سيزنتميهالي: “الحظ هو قوامٌ مهمٌ في الاكتشافات الإبداعية”([13])، هذا وقد قال أبو علي الفارسي لأبي عبد الله البصري: “أنا أعجب من هذا الخاطر، في حضوره تارة، ومغيبه أخرى، وهذا يدلّ على أنه من عند الله”، فقال: “نعم، هو من عند الله، إلا أنه لا بد من تقديم النظر، ألا ترى أن حامدا البقال لا يخطر له”([14])، فهنا جمع أبو عبد الله بين السبب الذي ملَّكه الله إياه وهو تقديم النظر، وما لا يملكه وهو توفيق الله تعالى له
وبمجموع آخر عقبتين: قبول الحقل للإبداع، وارتباط حضوره بأمورٍ لا يملكها الفرد؛ يتبيَّن أن الغلو في مفهوم الإبداع واستحقارنا لمواطن نفعٍ أخرى، قد يحرمنا من أعمالٍ مضمونة النفع في مقابل البحث عن أفكارٍ محتملة النفع، نعم قد تظهر أهميتها بعد ذلك إن أُنشئت وظلت محفوظة، ولكن يبقى هذا في حيِّز المحتمل.
هذا وقد كان أحد أهم أسباب تقدُّم الصين هو تكيفها مع العصر والمخترعات، ولا يعني هذا نفي أنها تصعد في الإبداعية، فالصينيون هم أكثر من سجلوا براءات اختراع في غضون السنة الماضية، ولكن كان لتكيُّفهم وتقليدهم لمنجزات الغرب وتفعيلها في سياقهم دورٌ فعَّالٌ للغاية لمنافسة التفوق التكنولوجي والحياة العصرية لهم، وهو عين ما ندعو إليه هنا: فلا ينبغي أن نأسر أنفسنا ونصفِّد قدراتنا بحثًا عن جديدٍ محتمل في ظل أن تكيُّفنا مع المعلومات في هذا العصر كافٍ للكثير والكثير مما نسمو إليه، وقد أشار زاك ديشتوالد أثناء عرض تجربة الصين إلى أهمية تجاوز وصمة التقليد وعدم الإبداعية، فيقول: “إن كنت تؤمن بأن التقليد استراتيجية تتخذ لإعلان فشلك فعليك إعادة التفكير بذلك لأن الابتكار يتمحور دائمًا حول الاختراع والتقليد. فلا نقلل من شأن شركة أبل لأن ستيف جوبز قد استوحى فكرة الفأرة من زيروكس، حتى العباقرة يسرقون وليس بالأمر الجديد. ولمنافسة الصين فالتقليد سيكون سلاحًا فعّالًا للشركات العالمية إن استخدموه”([15])
ما زال المتصدِّر:
على ما يحصل للإبداع من عقبات في عصرنا، إلا أنه يبقى متصدِّرًا لكونه أعم من نتاج العقل التركيبي من جهة، ولكون هذا العموم يدخل فيه فوائد في غاية الأهمية: فالمعلومة الجديدة غير الإبداعية -وإن قاربتها- أقل تأثيرًا من المعلومة الإبداعية، فالثانية تتفوق على الأولى في مقدار تأثيرها -ضمن أطرٍ من الزمن- على الرؤى والأفكار، ثمَّ إنَّ هذه المعلومة بعد أن تتقادم وتغدو من النوع الأول (جديدة غير إبداعية) يقلُّ تأثيرها عمَّا كانت عليه؛ لوجودِ جوانبَ وأجزاءٍ منها في الرؤى والأفكار لدى الفرد أو المجتمع الثقافي كامل سواءً بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فيكون تأثيرها هو مقدار الفرق بين ما أدرك منها سابقًا: سواءً من أجزاءٍ من معانيها أو أنماط إدراكها أو نظرائها التي ساهمت حينها في تشكُّلها أو رصدها إلخ، وما تستطيع تقديمه حاليًا. أما المعلومة الإبداعية فتكون جديدةً تمامًا فآثارها الممكنة تكون مكتملة دون أن ينزع منها شيءٌ.
ومن جهة أخرى فالعقل الإبداعي من الجهة المجتمعية يتميَّز بفتحه لآفاقٍ جديدة لم تكن محتملة من قبل (إلا كإبداع بالطبع)؛ فالعقل التركيبي ما لم يبلغ درجة العقل الإبداعي، فإنه يتعامل مع الحقول والأفكار المتاحة ليشكِّل رؤى -في عصر الانفجار المعرفي- تتسم بالندرة -أجل- ولكن تبقى في حيز “المحتمل”. أما العقل الإبداعي فيكسر حاجز المحتمل ليشكِّل رؤية يتفرد بها، ويضيفها إلى الفضاء المعرفي، لتصبح مادة تستخدم بعده في تركيب الرؤى، فالعقل الإبداعي يفتح للمجتمع والأفراد من بعده آفاقًا جديدة تدخل في تركيب الرؤى والأفكار المحتملة من بعده، والعقل التركيبي في هذا السياق إنما يفتح آفاقًا للفرد كفرد، دون أن تضاهي هذه الآفاق -باعتبارها مادة جديدة تستخدم من بعده في تكوين الرؤى- الآفاق الناتجة عن تلك المادة الإبداعية.
خاتمة
أخيرًا: على المرء أن يسعى إلى تحقيق ما ينفع دون أن يحقِّر أيًا من صوره وقد قال ابن الجنيِّ قديمًا مبيِّنًا قاعدةً لغوية حياتية: “ليس ينبغي أن يطلق على شيءٍ له وجهٌ من العربية قائمٌ -وإن كان غيره أقوى منه- أنه غلط”([16])، ولا أزهِّدُ بهذه الدعوة من البحث عن أفضل السبل لتحقيق ما ينفع بما يتناسب من الأطر الغائية والحياتية إلخ، ولكن أدعو إلى عدم تقصير النظر على صورة واحدة فتصفَّد القدرات بغية تحقيق تلك الصورة، فيُترك النافع مضمون المنفعة سعيًا إلى منفعة ممكنة، ولكن إن لاحت له تلك المنفعة الممكنة السامية ظفر بها.
وإن طبقنا هذا على مضمون المقالة نقول: على الإنسان أن يظفر بالإبداع ما لاح له وأمكنه تحصيله، فلا يرضى أن يكون في نتاجه الفكري “كعامل المطبعة: يرتب الحروف ويصنفها ثم يطبع كتابا لم يبذل فيه إلا عملا يدويًّا”: “يأخذ من هنا وهناك أجزاءً من كتب غيره، ويضمِّنها كتبه كقطع من العشب في روضة”([17]) حتى “إذا قلنا لكل كلمة له ارجعي إلى صاحبك؛ ما بقيت له كلمة”([18])، على ألا يكثر ويغالي في ذم غير الساعين إلى الإبداع أو غير القادرين عليه، فللنتاج التقليدي أهمية بالغة في نشر العلم وتقريبه والتذكير به، وتيسيره إلخ، كما أن عصرنا ضيَّق هذه الحاجة إلى الإبداع بالنسبة إلى الفرد، كما سبق وبيَّنّا.
– – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – –
الهوامش:
([1]) خمسة عقول من أجل المستقبل ص38، يكمل مباشرة فيقول: “وسوف يعملون [أجهزة الكمبيوتر] على إقصاء أولئك الذين يمتلكون بالفعل الشرارة الإبداعية”، قلت: والآن -بعد 21 سنة- يبدو أن غارندر وجد بغيته في تمثيل هذا الشطر من استشرافه في الذكاء الاصطناعي فيقول في مقال له على مدونته: “يبدو أن الذكاء الاصطناعي يتفوق على البشر في الأنواع الثلاثة الأولى من العقول التي وصفتها [العقل التخصصي، العقل التركيبي، العقل الإبداعي]. تمتلك هذه الأدوات المعرفة المنهجية، والقدرات التركيبية، بل وحتى المهارات الإبداعية -نعم، أجرؤ على القول- التي تضاهي أو تتجاوز أي مجموعة نظيرة قد تختارها – كالأكاديمية الوطنية للعلوم، أو الحائزين على جائزة نوبل، أو الحاصلين على ميداليات الفنون، أو أعضاء هيئة التدريس في كبرى الجامعات حول العالم. قد تعترض على الأمثلة المحددة التي أذكرها، ولكن على مر العقود، سيبدو اعتراضك كصوت يتلاشى في غياهب النسيان.”
([3]) أنظر: مبحث “الانشطارية مدخل إلى التخصُّص” في كتاب “تداخل المعارف ونهاية التخصص في الفكر الإسلامي العربي…”، لـ د.محمد همَّام ص46-48
([4]) مقالة: “أركان الإبداع”، وقد فرَّق هنا بين العلوم الطبيعية والتقنية، والعلوم الدينية والإنسانية، فالثانية: “تتسم كل لحظات الإبداع ونماذج العبقرية فيها بالطابع الفردي ونادراً ما احتاج الإبداع في هذه المجالات لمؤسسة داعمة، بل أحياناً كثيرة تكون المؤسسات عدوة للإبداع في هذه المجالات.”
([5]) اختبار لقياس الذكاء العام
([6]) وهم المعرفة لماذا لا نفكِّر بمفردنا أبدًا؟ ص225-226
([10]) أنظر: تدفُّق الإبداع: الاكتشاف والاختراع في منظور علم النفس ص9
([12]) محاضرة: “العلم بوصفه حرفه” ضمن: “العلم والسياسة بوصفهما حرفة” ص164
([14]) نقله ابن الجني في الخصائص (3/ 172)
([15]) مقالة: “ميزة الابتكار الجديدة للصين: تتصدر الصين القدرة التنافسية العالمية ويعود الفضل لقدرة تكيف سكانها العالية”، تأليف: زاك ديشتوالد، ترجمة: ندى الهذلول
([17]) مونتسكيو، الرسائل الفارسية ص143-144 بتصرف كبير
([18]) قالها أحد النقاد في بعض الكتُّاب، مستفاد من ميراث الصمت والملكوت ص66
مصادر مستخدمة
كتب:
- “الخصائص”، ابن الجني، طبعة: (دار الكتب العلمية)
- “المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها”، ابن الجني، طبعة المجلس الأعلى
- “ميراث الصمت والملكوت”، عبد الله الهدلق
- “رحلتي الفكرية: سيرة غير موضوعية”، د. عبد الوهاب المسيري
- “العلم بوصفه حرفة” ضمن: “العلم والسياسة بوصفهما حرفة”، د.ماكس فيبر، ترجمة: جورج كتورة
- “الرسائل الفارسية”، مونتسكيو
- “تدفُّق الإبداع: الاكتشاف والاختراع في منظور علم النفس”، د.ميهالي سيزنتميهالي، ترجمة: د. سائر بصمه جي
- “خمسة عقول من أجل المستقبل”، د. هوارد غارندر
- “وهم المعرفة: لماذا لا نفكِّر بمفردنا أبدًا؟”، د. ستيفن سلومان ود. فيليب فيرنباخ، ترجمة: أحمد م. أحمد
مقالات:
- “أركان الإبداع”، أحمد سالم، على موقعه الخاص
- “ميزة الابتكار الجديدة للصين: تتصدر الصين القدرة التنافسية العالمية ويعود الفضل لقدرة تكيف سكانها العالية”، زاك ديشتوالد، ترجمة: ندى الهذلول، منشورة على موقع: “أثارة من علمٍ”
- “خمسة عقول من أجل المستقبل” د. هوارد غارندر، مقالة على مدونته، باللغة الإنجليزية



