عايض بن سعد الدوسري
شهدت علاقة الكنيسة الكاثوليكية بالأديان الأخرى تحولاً لافتًا منذ الإعلان عن المَجْمَعِ الفَاتِيكَانيِّ الثَّاني (1962-1965)، وُصِفَ محتوى المَجْمَع بأنَّه خطابٌ استثنائيٌّ، ونقلةٌ جوهريَّةٌ، وحدثٌ تاريخيٌّ جليلٌ، وانتفاضةٌ دينيَّةٌ حضاريَّةٌ، و”ثورة انفصاليَّة”، مَثَّلَ انقلابًا على العقائد التقليديَّة للكنيسة الكاثوليكيَّة، ودشَّنَ سابقة جديدة في العلاقات الحواريَّة مع الأديان الأخرى، نقلها من المواجهة والصراع إلى الحِوار والتفاهم. وكان ذلك المَجْمَع من أبرز وأحدث محاولات الكنيسة الكاثوليكية لإعادة رسم علاقتها بالإسلام على نحو يتجاوز إرث الصدام التاريخي. ومن أهم الوثائق التي صدرت تبعًا للمَجْمَعِ لتعميق هذا التوجه الحواري ما عُرف بالإعلان الذي حمل اسم: (علاقة الكنيسة بالديانات غير المسيحية)، وقيل إنه قدَّم رؤية جديدة في النظر إلى الإسلام.
وفي سياق تطبيق هذه الرؤية، أصدر الفاتيكان كتاب (تَوجِيَهاتٌ في سَبِيلِ الحِوارِ بَيْنَ المَسيحيِّينَ والمُسلِمِينَ)، الذي صاغه ونقحه موريس بورمانس، واعتُبر من أبرز الوثائق الإرشادية التي تمثل الروح الجديدة للفاتيكان تجاه الإسلام. ويُعَدُّ هذا الكتاب امتدادًا لتعليمات المجمع الفاتيكاني الثاني، وتجسيدًا عمليًا لتوجهات الكنيسة الكاثوليكية نحو إقامة ’حَوَار‘ مع المسلمين، وقد تُرجم إلى لغات عديدة، ما يعكس أهميته ومركزيَّة في الرؤية الحواريَّة للفاتيكان.
وكتاب (تَوجِيَهاتٌ في سَبِيلِ الحِوارِ بَيْنَ المَسيحيِّينَ والمُسلِمِينَ)، كُتِبَ كدليلٍ تطبيقي وإرشادي للحِوار بين المسيحيين والمسلمين، ويُعتبر كتابًا محوريَّاً لدى الفَاتِيكَان، إذ صدر تَحَدِيدًا عن (أَمَانَةِ السِّرِّ للعِلاقاتِ بغير المسيحيِّين)، التي صارت تُعرف باسم: (المجلس البابوي للحوار بين الأديان)، ويعبر عن توجيهات أساسيَّة ورسميَّة من المَجْمَعِ نفسه، طورها موريس بورمَانس في عام 1980م ووضعه في صيغته النهائيَّة، وساعده على تنقيحها وتطويرها فريقٌ من الآباء والقساوسة الغربيين والعرب، وبعض أولئك العرب من أصولٍ مسلمة كانوا يتعاونون مع الكنيسة الكاثوليكيَّة. ولهذا، فهو يُمَثَّلُ بالنسبة إلى مُصْدِرِيه أنموذجًا “لروح الحِوار”، ويُجَسِّدُ “توجيهاتٍ سليمةٍ في الأسس التي يقوم عليه الحِوار”.
صَدَرَ الكتابُ باللغةِ الفرنسيَّةِ في عام 1981م، تحت عنوان: (Orientations pour un dialogue entre Chrétiens et Musulmans)، وترجم بعد ذلك إلى لغات عديدة، منها: العربية، والهولندية، والإنجليزية، والألمانية، والإيطالية، والتركية. والذي نَقَلَهُ إلى اللغة العربيَّة هو المطران يُوحَنَّا منصور، معاون بطريرك الروم الكاثوليك بلبنان، وأصدرته منشورات المكتبة البُولسيَّة في عام 1986م، بتقديم المطران جان جادو. ويذكر العَالِم اللاهوتي والبروفيسور الأمريكي الكاثوليكي جيفري جروس، أنَّ هذا الكتاب الذي صَدَرَ عن الفاتيكان بتكليفٍ من المجلس البابويِّ للحِوار بين الأديان، تم توزيعه بطلب منه أيضًا، وأنَّ هذا الكتاب “صُمِّمَ للاستهلاك الرَّعَويِّ الشعبي”.
أمَّا مؤلف هذا الكتاب، فهو الدكتور والأب الفرنسي موريس بورمَانس، ولد عام 1926م وتوفي عام 2017م، وهو عالم ولاهوتي ومنصر كاثوليكي مشهور، ينتمي إلى جمعية المبشرين في إفريقيا (الآباء البيض)، وحصل على الدكتوراه من جامعة السوربون، وعاش لمدة عشرين عامًا مُنَصِّرًا في الجزائر وتونس، ودَرَّسَ في المعهد البابوي للدراسات العربيَّة والإسلاميَّة (PISAI) في روما، وعمل بروفيسورًا مُتَمَيِّزًا بالمعهد البابويِّ للدراسات العربيَّة والإسلاميَّة بروما، وكان محررًا لمجلة (Islamochristiana) من 1975م إلى 2004م، ومستشارًا للمجلس البابوي (الحبري) للحِوار بين الأديان، وقضى 30 عامًا في الحِوار مع المسلمين. وحين مات نعاه المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام بمقالة تحمل عنوان: “رحيل واحد من أكبر رواد الحوار الإسلامي المسيحي: الأب موريس بورمانس“.
ومن العناصر المهمة التي تميط اللثام عن البنية النظريَّة-الفكريَّة التي من أجلها تم تأليف الكتاب، وتكشف حقيقة موضوعه الرئيس، وغاياته المحركة: القسم التطبيقي العملي للممارسة الحوار مع المسلمين، حيث مُثِّلَ ذلك في الشخصيات النموذجيَّة التي يقدمها الكتاب بوصفها تجسيدًا عمليًّا لقيم الحوار التي تعكس الرؤية التي يتبنَّاها المجمع.
حيث قَدَّم الكتاب إلى القارئ المسيحي، وهو الذي يتوجَّه إليه الكتاب أصالة، الشخصيات النَّموذجيَّة للحوار، التي يجب عليه أن يحتذي بطريقتهم في الحوار مع المسلمين. فقد قام موريس بورمَانس بانتقاء نماذج مختارة بعناية من الديانة المسيحيَّة باعتبارها أمثلة نيرة وقدوة رائدة تعبر عن الإمكان الفعلي للحوار بين المسيحيين والمسلمين، وهي شخصيَّات مسيحيَّة كان من المفترض أنها تميزت بمواقفها الواضحة في تبني الحوار البناء مع الآخر، وبتفاعلها الإيجابي المطلوب، ومن ثَمَّ كان هو الأمر الذي خوَّلها أن تكون أنموذجًا يُستأنس به في بلورة ثقافة حواريَّة.
ولم ينس موريس بورمَانس، وهو يقدم نماذجه ’المشرقة والرائدة في الحوار الديني‘ مع المسلمين، أن تحدَّثَ بطريقة سلبيَّة جدًّا عن الدين الإسلامي وموقفه من الحوار، وأن الإسلام سبب المماحكات الجدليَّة والأيديولوجيَّة. إذ بَدَأَ موريس بورمَانس مباشرة بالاستنقاص من النبي محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم، مُدعيًا أنَّه اختار العنف تجاه الآخرين…إلخ. وعلى النقيض من ذلك، يرى موريس بورمَانس أنَّ رُوَّاد الحِوار وبُنَاة الحضارة العربيَّة هم أبناء الشرقِ المسيحي العربي، فهم من “استطاع أن يقيمَ الحِوار مع المسلمين”، وعَدَّدَ المؤلف جملة من الأسماء المسيحيَّة المشهورة، من أهمهم: ثَاوُدُورُسُ أبي قُرَّة، وقُسْطَا بن لُوقَا، وبولس الأنطاكي، وأبي رائطة التكريتي، والصَّفِي ابن العَسَّال. ثم ينتقل موريس بورمَانس إلى لفت الانتباه إلى مساهمة رجال الدين المسيحيين في الغرب في تعميقِ الحِوارِ أيضًا، ويُقَدِّم على ذلك أهم الأمثلة لديه، وهم: بطرس الكلوني، ورامون لول الفرنسيسكاني، وفرنسيس الأسيزي، وتوما الأكويني، باعتبارهم “مثالاً للحِوارِ السلميِ الوسيطِ بين الثقافتينِ والديانتينِ”، كما يقول موريس بورمَانس، وهم الذين “أعدُّوا، كلٌّ على طريقته، وبعيدًا عن المماحكات الجدليَّة، لقاءً يُخَيِّمُ عليه أخيرًا الاحترام والجد”.
ويمكن بوضوح ملاحظة أنَّ موريس بورمَانس بدأ كلامه في هذه بالمقارنةِ بطريقة غيرِ منصفةِ في تصوير دور الإسلام والمسيحيَّة في قضيَّةِ الحِوارِ، حيث أشارَ إشارةً سلبيَّةً واضحةً ومسيئةً إلى الإسلام وإلى النبي محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم، مُتَّهِمًا إياه بإفسَادِ الحِوار وتعميق الصِّرَاعاتِ، وفي المقابلِ أكَّدَ الدورَ الإيجابيَّ الكبيرَ للشخصيات المسيحيَّة التي قَدَّمَها كنماذج مُشَرِّفَة في تعميق روح الحِوارِ السلمي والاحترام المتبادل. وإنَّه من خلال الدراسة النقديَّة لتلك الشخصيات المسيحيَّة المقدمة في الكتاب كنماذج، يُدرِكُ الباحث والدارسُ للتراثِ المسيحيَّ أنَّ تلك الأسماء الشرقيَّة والغربيَّة لم تكن في الحقيقة نَماذج جيدة أو إيجابيَّة في تاريخ اللقاءِ والحِوارِ الإسلاميِّ المسيحيِّ. فالمسيحيِّونَ الشرقيُّونَ الذين وردت أسماؤهم آنفًا قد كَتَبَ كُلُّ واحدٍ منهم جملة من الكتب في مهاجمة الإسلام والرد الجدلي على المسلمين، ومحاولة دَحْضِ عقائدهم والتَّشْكِيكِ فيها، ومحاولة إثبات صحة مذهبِهِ المسيحي الخاصِّ داخل الديانة المسيحيَّة ككل، وإن كانت معظم تلك الكتابات الشرقيَّة أقلَّ حدةً بالمقارنة مع الكتابات الغربيَّة لظروفها الخاصَّة، إذ يستحضر الكُتَّاب والمؤلفون لها وجودهم في ذمة وتحت سلطان الدولة المسلمة، فكان امتناع معظمهم عن مماثلة كتب اللاتينيين والبيزنطيين، في سوء أدبهم وصراحة تهجُّمِهم، هو الخوف من عاقبة ذلك. ومع ذلك، لم يمنعهم ذلك جميعًا من الدخول وبجدارةٍ في دائرة “المماحكة الجدليَّة والأيديولوجيَّة” التي انتقدها موريس بورمَانس.
فمثلاً: الشخصيَّة النموذجيَّة الأولى التي قدَّمها موريس بورمَانس ’للحوار البناء والمثمر‘، تتمثل في فثيودورس أو ثَاوُدُورُسُ أبو قُرَّة (توفي حوالي 825م)، وهو عالمٌ مسيحيٌّ عاش في العَالَم العربي، وله العديد من الكُتُبِ في نُصْرَةِ المسيحيَّة الأرثوذكسيَّة، منها: كتاب (مَيْمَرٌ في تحقيق ناموس موسى والإنجيل الطاهر وتحقيق الأرثوذكسيَّة وإبطال كل كلَّةٍ تنتحل النصرانيَّة سواها)، وكتاب: (مسائل لاهوتيَّة)، ويُنسب إليه مُجَادلات مع المسلمين بحضرة الخليفة العباسي المأمون، ومُجالادت مع علماء الفِرَق المسيحيَّة الأخرى. وكتب العديد من الرسائل والكتب التي يزعم أنَّه جادل فيها بعض المسلمين، يظهر عليها أنَّها مَصْنُوعة منه، يُهاجم فيها دين المسلمين ونبيهم صلى الله عليه وآلم وسلم بألفاظٍ حادةٍ. ومن كتبه تلك: (مَيْمَرٌ في الحُرِّيَّةِ)، وفيه اتَّهَمَ النبي محمدًا صلى الله عليه وآلم وسلم بادعاء الوحي والرسالة، وأنَّه مُخترع دين الإسلام، وأنَّه دين قام على الشهوات، ووصف النبي محمدًا صلى الله عليه وآلم وسلم بأوصاف مشينة وباطلة، وجادل ومَاحَكَ في كتابه عقائد المسلمين. والعجيب في الأمرِ، أنَّ الذي حَقَّقَ هذا الكتاب، الذي يُهاجم عقائد الإسلام ونبيه صلى الله عليه وآله وسلم، هو الأب سمير خليل، وهو نفسه الذي شارك في مراجعة كتاب (تَوجِيَهاتٌ في سَبِيلِ الحِوارِ بَيْنَ المَسيحيِّينَ والمُسلِمِينَ)!
ومن كتب ثَاوُدُورُسُ أبي قُرَّة أيضًا: كتاب: (مَيْمَرٌ في وُجُودِ الخَالِق والدِّين القَويم)، وهو كتابُ جدلٍ ومماحكةٍ، حاول فيه إثبات أنَّ الدِّينَ الحقَّ هو المسيحيَّة فقط، وهاجم بقية الأديان، ومنها الإسلام، وأنَّها كلها على ضلال. وله أيضًا كتابٌ آخر بعنوان: (أبو قُرَّة والمأمون: المُجَادَلة)، وهو كما يظهر من اسمه كتابُ جدلٍ ومُماحكةٍ، حيث يقود ثَاوُدُورُسُ أبو قُرَّة تلك المناظرة المصنوعة، بألفاظٍ بذيئة وعبارات تتجاوز حدود الأدب والأخلاق، ليثت فيها ضلال دين المسلمين، وأنَّهم ليسوا مؤمنين، ويقيم ’البراهين‘ على أحَقِّيَّة دين المسيحيين بالهدى والصواب والإيمان، ويثبت العدواة بين المسلمين والمسيحيين، ويطعن ويتهكم ويسخر من مقام النبي صلى اله عليه وآله وسلم، ويطعن ويسخر من القرآن الكريم، لتنتهي المناظرة في الكتاب بانتصارٍ ساحقٍ للمسيحيَّة على الإسلام. وفي كتاب آخر له بعنوان: (مَيْمَرٌ في صِحَّةِ الدِّينِ المسيحيِّ)، يُجادل ويُماحِك اليهود، ويسخر من اعتقاداتهم، ويدحض عقائد الطوائف المسيحيَّة الأخرى المخالفة له، وينعتهم بالهراطقة، ويُثَبِّت صحة المذهب الأرثوذكسي فقط.
أمَّا الشخصيَّة النموذجيَّة الثانية، فهو قُسْطَا بن لُوقَا، وهو فيلسوف مسيحي توفي في أرمينيا سنة (311هـ)، كانت له ترجمات عديدة من اليونانيَّة إلى العربيَّة، وله عدة كتب في الدفاع عن المسيحيَّة ونقد الإسلام، منها كتابه في الجواب على أبي عيسى أحمد بن علي ابن المُنَجِّم الذي كَتَبَ في إثبات صحة عقائد الإسلام. وجواب قُسْطَا بن لُوقَا هذا هو محاولة لنقض ما كتبه ابن المُنَجِّم في إثبات نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وإثبات إعجاز القرآن الكريم. وقد طُبِعَ هذا الكتاب -الذي يُمَثِّلُ فعليًّا مُمَاحَكَة جَدَلِيَّة- في إيطاليا، وحَقَّقَه أيضًا الأب سمير خليل، الذي شارك في مراجعة كتاب (تَوجِيَهاتٌ في سَبِيلِ الحِوارِ بَيْنَ المَسيحيِّينَ والمُسلِمِينَ)! وقد بدأ قُسْطَا بن لُوقَا رسالته الجوابيَّة بإظهار كُرْهَهُ للحِوارِ الدِّينيِّ، ثم شَرَعَ بعدها في توهين حُجَجِ خصمه المسلم، ومَدَارُ جَوَابِهَ قائمٌ على الطعن والتشكيك والتهوين من مقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونبوته، وعصمة، وإعجاز القرآن الكريم وصحته.
وأمَّا الشخصيَّة النموذجيَّة الثالثة، فهو بولس الأنطاكي، المُلَقَّب بالقديس، وهو الأُسْقُف الملكاني لصيدا، ولا يُعرف بصورةٍ رئيسةٍ إلا من خلال رسالةٍ صغيرةٍ، لا يُعرف بالتحديد تاريخ كتابتها (ويُرَجِّح بعض الباحثين أنَّها كُتِبَت في الفترة ما بين:1140م-1200م، وبعضهم يرى أنَّها كُتِبَت ما بين 1027م-1232م). طبعت رسالة بولس الأنطاكي أكثر من مرة في الغرب وفي الشرق، ومنها طبعة عني بنشرها وتصحيحها الأب لويس شيخو اليسوعي، وطبعها تحت عنوان: (رسالة بولس أسقف صيدا الراهب الأنطاكي قد أرسلها لبعض معارفه الذين بصيدا من المسلمين)، ضمن كتاب (مقالات دينية قديمة لبعض مشاهير الكتبة النصارى من القرن التاسع إلى القرن الثالث عشر)، ببيروت، بمطبعة الآباء اليسوعيين، سنة 1920م.
ويَزْعُمُ بولس الأنطاكي في رسلته تلك أنَّه كتبها لصديقه المسلم المُفْتَرَض، وهو فيها يُشَكِّكُ في أصول الإسلام، ويُثَبِّت عقائد المسيحيَّة من خلال القرآن الكريم، ومع أنَّ لغتها العامَّة -بالمقارنة مع الرسائل المسيحيَّة الجدليَّة- أقل حدة، إلا أنَّ لطافتها اُعْتُبِرَت، من قبل باحثين غربيين متخصصين، بمثابة الهدم الماكر والفطن، وأنَّ محتوها في الحقيقة لا يخرجها عن دائرةِ الجدلِ البيزنطيِّ الإسلاميِّ، وأنَّها إعادةٌ وتكرارٌ للمضامين نفسها التي وقعت في مُناظراتٍ مسيحيَّةٍ إسلاميَّةٍ سابقةٍ. يقول البروفيسور ديفيد توماس، أستاذ العلاقات المسيحيَّة الإسلاميَّة والعلاقات بين الأديان بجامعة برمنجهام: “رسالة بولس نفسها نسبيًا وَجِيزَةٌ، حيث إنَّها لا تزيد عن 64 فقرة قصيرة…ولهجتها ظاهريًا ليست جدليَّةً، وإنَّما مقبولة ومنطقيَّة، ومع ذلك، كما يكشف جِدَالها هذا النهج، فهي تثبت أنَّها أكثر تحريضًا من أي هُجومٍ مباشرٍ…وأنَّ الإيماءَة الباهتة الدَّالة على المديح بحق الإسلام هنا [=في ثنايا الرسالة]، وما تُذَكِّرنا به من رأيٍ مسيحيٍّ تقليديٍّ بأنَّ تعليمات الإسلام مُسْتَقَاة من المسيحيَّة، تُمَثِّل سوءًا في تَلَطُّفِها”. ولم تضف رسالة بولس الأنطاكي إلى العلاقات المسيحيَّة الإسلاميَّة إلا قلقًا وتوترًا، حيث أثارت لغطًا وجَدلاً كبيرًا، فقام بعض علماء المسلمين بالرد عليها، مثل: شهاب الدين القرافي (1285م)، الذي رد على الأصل والأساس الذي بُنِيَت عليه الرسالة القبرصيَّة، تلك الرسالة الجَدَليَّة المسيحيَّة التي رد عليها جملة من العلماء، منهم: تقي الدين ابن تيميَّة (1328م)، وشمس الدين محمد بن أبي طالب الأنصاري الدمشقي (1327م).
وأمَّا الشخصيَّة النموذجيَّة الرابعة، فهو أبو رائطة التكريتي، وهو الأُسقُف حبيب بن حديثه أو خدمة التكريتي اليعقوبي السُّرياني (835م)، عالمٌ أرثوذكسيٌّ ومُتَكَلِّمٌ جَدَليٌّ ومَنْطِقِيٌّ. ففي كتابه: (في الثالوث المُقَدَّس)، خاض أبو رائطة التكريتي غمار ممحاكةٍ جَدَليَّةٍ ضد المسلمين -الذين يسميهم أهل التَيْمَن، أي أهل الجنوب- من أجل إثباتِ أَهَم العقائد المسيحيَّة وهي عقيدة التثليث، ومحاولة إبطال اعتقاد المسلمين في الوحدانيَّة، وأشار في رسالته تلك إلى سوء العلاقة بين المسيحيين والمسلمين. وفي كتابه الآخر الذي يحمل عنوان: (في إثبات دين النصرانيَّة وإثبات الثالوث المُقَدَّس)، يُجادلُ ويُماحِكُ مرةً أخرى في إثبات صِحَّة الديانة المسيحيَّة وبطلان غيرها من الأديان.
وأخيرًا، الشخصيَّة النموذجيَّة الخامسة، وهو الصَّفِي ابن العَسَّال، وهو أحد علماء المسيحيَّة الذين كَتَبُوا عدة كُتُبٍ في نُصْرَةِ الدِّينِ المسيحيِّ ومُماحَكَة المسلمين والرد عليهم. أَلَّفَ كتابه (الصحائح في جواب النصائح)، في الجَدَلِ مع المسلمين، واستعان في كتابه هذا برسالة بولس الأنطاكي، وكَرَّر في كتابه محتوى المُمَحكات القديمة والردود التي جَرَت بين المتناظرين والمجادلين المسيحيين مع المسلمين، من أجل إثبات أحقِّيَّة الديانة المسيحيَّة بالصوابِ والحقِّ وتزييفِ ما عَدَاها من الأديان، وتكذيبه بنبوة النبي عليه الصلاة والسلام، ونفيه أنَّه قد أرسله الله إلى النَّاس أجمعين، وتَعْرِيضِهِ بعقائد الإسلام: في الله، وفي الجنة وما فيها من النعيم، وفي النَّار وما فيها من العذاب. كذلك أَلَّفَ كتابه الآخر، وهو (كتاب نهج السبيل في تخجيل محرفي الإنجيل)، في الرد على المسلمين ومجادلتهم، وأنَّ غَرَضَهُ من الكتابِ “إظهار الحقِّ” و”إبطال الباطل”، ألمح فيه إلى الطعن في صدق القرآن وإعجازه، وأَجْهَدَ نفسه في توهين استدلالات المسلمين من الكتاب المُقَدَّس للتدليل على البشارات السابقة من قِبَلِ الأنبياء عليهم السلام بقدوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
هذا ما يتعلق بالنَّماذج الحِوارِيَّة للمسيحيَّين الشرقيَّين التي يقدمها موريس بورمَانس، أما ما يتعلق بالمسيحيِّين الغربيين الذين أورد موريس بورمَانس أسماءهم كنماذج مثاليَّة “للحِوارِ السلميِّ”، فإنَّه من المعروف والمشتهر عن جميع هؤلاء أنَّهم من أشَدِّ أعدَاءِ الإسلامِ والمسلمين في الغرب، وأكثرهم هجومًا على الدين الإسلامي وقَسْوَةً على المسلمين، ومُساهمةً عَمَلِيَّةً في الحروب الصليبيَّة، وأشد الناس نشاطًا في محاولة تنصير المسلمين.
فالشخصيَّة النموذجيَّة الأولى: بطرس الكلوني (1156م)، المعروف باسم بطرس المبجل، الراهب واللاهوتي الفرنسي ورئيس دير كلوني، من الشخصيَّات المُتَطَرِّفَة في التاريخِ الكاثوليكيِّ، فقد أفتى وأيَّدَ وشَجَّعَ، ضمن مجموعةٍ من رجالات الدِّين الكاثوليكيِّ، الملك الفرنسي لويس السابع (1180م) لتوجيه السلاح إلى بيزنطة الأرثوذكسيَّة مباشرةً، وبالفعل استجاب الملك لذلك، وشَرَعَ في إعدادِ حملةٍ صليبيَّةٍ جديدةٍ ضد بيزنطة. هذا ما يتعلق بموقفٍ واحدٍ من مواقفه تجاه إخوته من المسيحيين المخالفين لمذهبه، أمَّا بالنسبة إلى موقِفِهِ من المسلمين، فقد كان يرى فيهم أنموذجَ الكُفْرِ المُهَدِّدِ للمسيحيَّة، ولهذا قَدَّمَ وَعْدَ الخَلاصِ للذين يتطوعون في الحملة الصليبيَّة ويقاتلون المسلمين. وقام بتأليف كتابٍ تَحْرِيضيٍّ ضد المسلمين تحت عنوان: (ضد الزندقة البغيضة لطائفة المسلمين)، وأصبح بطرس المبجل مصدرًا رئيسًا للكراهيَّة وللتصورات الغربيَّة المُشَوَّهَة عن الإسلام والمسمين.
أمَّا الشخصيَّة النموذجيَّة الثانية، وهو الراهب رامون لول الفرنسيسكاني (1316م)، الذي أثنى عليه موريس بورمَانس على وجهِ الخصوصِ وقال عنه: “…مثالاً للحِوارِ السلميِّ الوسيط بين الثقافتين والديانتين”، فهو من أشد المسيحيين جِدَالاً ومماحكة للمسلمين، عوامهم وخواصهم، وهو من أكثر الرهبان الكاثوليك تَطَرُّفًا ضد غير الكاثوليك، وحماسًا لتنصير المسلمين، فقد أَلَّف سنة 1305م كتابه (النهاية)، الذي كَرَّسَهُ لمشروعيَّة قيام حملة صليبية لغزو القسطنطينية الأرثوذكسيَّة، وكان يحمل موقفًا سلبيًا من نصارى المشرق. وقَدَّم في كتابه اقترحًا مهمًا إلى المؤسسة البابويَّة، يشتمل على أمرين أساسيين، الأول: توحيد القوات المسيحيَّة المختلفة لإعداد حملة صليبيَّة قادرة على أن تَحْتَلَّ أرض المسلمين، وأكَّدَ على أهميَّة المقاطعة التجاريَّة والحصار الاقتصادي ضد المسلمين. والثاني، إنشاء مدارس متخصصة تهدف إلى تنصير المسلمين أو على الأقل تشكيكهم بدينهم. يقول القس الدومينيكاني المعاصر جوردن جالجِّو: “حَسْبُنَا أن نُذَكِّر بأنَّه رَغِبَ في أن يَتمَّ الدعوة إلى حربٍ صليبيَّةٍ كبرى، وأن تُنَظَّم رسالةٌ عامَّةٌ من أجل هداية المسلمين، وأن تصدر إدارةٌ بابويَّةٌ تفرض إنشاء معاهد تُعَلِّم اللغات الشرقيَّة تمهيدًا لنشر الإنجيل”. وقد عُرِفَ عنه أنَّه لم يدخر وسعًا في مخاطبة الملوك والبابوات وجميع أصحاب النفوذ الذين بوسعم أن يساعدوه من أجل تنصير المسلمين.
ففي مَجْمَعِ فيينا الكنسي بفرنسا، الذي عُقِدَ في عام 1311م، لَعِب دورًا أساسيًّا في صدورِ مرسومٍ بإنشاء كراسي اللغات الشرقيَّة، وخاصَّة العربيَّة، في جامعات أكسفورد وباريس، وغيرها من المدن التي كانت تحت هيمنة البابويَّة، وكان الهدف منها محاولة إقناع المسلمين، بواسطة لغتهم العربيَّة، ببطلان دين الإسلام وأحَقَّة المسيحيَّة. يقول عنه يوجين ستوك (1928م)، سكرتير التحرير في جمعيَّة الكنيسة التبشيريَّة (CMS): “رايموند لول أوَّل وربما أكبر المبشرين للمحمديين“. ويقول عنه العالم الكاثوليكي هانز كينغ: “أنفق جزءًا كبيرًا من حياته في سبيل هداية المسلمين”. ويقول عنه المنصر المشهور صمويل زويمر: “رايموند لول كان المبشر المسيحي الأول إلى المحمديين…وكانت حجته المستمرة مع المُعَلِّمِينَ المسلمين، هي: الإسلام كاذبٌ، ويجب أن يموت…وكان هدفه المركزي العظيم هو الإطاحة بقوةِ الإسلامِ كنظامٍ، وذلك من خلال البرهنة المنطقيَّة على ضلاله”، ويقول أيضًا: “إنَّ حياة رايموند لول تحمل لنا رسالة اليوم، وتدعونا إلى إعادةِ العَالَم المحمديِّ إلى المسيح“.
أمَّا الشخصيَّة النموذجيَّة الثالثة، فهو فرنسيس الأسيزي (1226م)، مؤسِّس جماعة الرهبنة الفرنسيسكانيَّة الذين عُرِفُوا باسم (الرهبان الرماديين)، وعُرِفُوا كذلك باسم (الإخوة الأصاغر)، وكانت من أقوى التنظيمات التبشيريَّة وأسرعها انتشارًا وتمددًا. وبلغت هذه الجماعة من النفوذ والتمكين، أن اُنْتُخِبَ زعيم رهبنتها غيرولامو ماسكي (1292م) في عام 1288م لمنصب البابا الجديد، وتسمى باسم نيقولا الرابع، وبذل نشاطًا عظيمًا في تكثيف أعمال التنصير، خصوصًا بين المغول في الصين، ونجح نجاحًا ملحوظًا هناك. ويُعْتَبَرُ فرنسيس الأسيزي أوَّل من جرَّب في زمنه أن يُنَصِّرَ المسلمين في بلاد المسلمين، دون أن يمتلك أي معرفة جادة بالإسلام، حيث سافر إلى عدة بلدان مسلمة من أجل هذا الغرض، منها مصر وفلسطين وتونس، ولم يتعرض له المسلمون بأذى، مع أنَّ ذلك كان في أوج الحروب الصليبيَّة.
وفي سنة 1212م قَرَّرَ فرنسيس الأسيزي الذهب إلى ملك مراكش الموحدي محمد بن الناصر بن يعقوب المنصور (1213م)، من أجل إقناعه بالتحول إلى المسيحيَّة. وفي عام 1219م، صاحب الحملة الصليبيَّة الخامسة المُتَوجِّهة لاحتلال مصر، وذهبَ بجرأةٍ لمقابلة السلطان الكامل الأيوبي (1238م)، من أجل أن يثبت له حقيقة الإنجيل، ويقنعه باعتناق المسيحيَّة وبطلان دين الإسلام، فاستقبله الكامل وأصغى إليه “بأدبٍ ومزيدٍ من الاحترام”، لكنَّه لم يقتنع بأقواله. وهذه الزيارة التبشيريَّة إلى مصر المرافقة للحملة الصليبيَّة، ومقابلة سلطانها المسلم لأجل هذا الغرض، هو ما جَعَلَ موريس بورمَانس يختص فرنسيس الأسيزي بمزيدِ مدحٍ وثناءٍ، ويعتبره قُدوةً حسنةً، ويرى زيارته تلك “مَأْثَرة“، حيث قال عنه في نفس الموضعِ من كتاب (تَوجِيَهاتٌ في سَبِيلِ الحِوارِ بَيْنَ المَسيحيِّينَ والمُسلِمِينَ) ما نَصُّهُ: “إنَّ مأثرة القديس فرنسيس لدى الملك الكامل في مصر، قد طبعت بطابعها العديد من العقول”.
أمَّا الشخصيَّة النموذجيَّة الرابعة، فهو توماس الأكويني (1274م)، الذي قال عنه موريس بورمَانس أنَّه من الذين أعدُّوا طريقًا للقاء يُخَيِّمُ عليه الاحترام والجد بعيدًا عن المماحكات الجدليَّة، فهو أحد قادة جماعة الرهبانيَّة الدومينيكانيَّة، وهي جماعة عُرِفَت بالجدل واستخدام العنف والإرهاب تجاه المخالفين، واشتهرت في أوروبا بأمرين اثنين: جهودها التنصيريَّة الحثيثة القائمة على الجدل وعلم المنطق، وارتبطها بصورةٍ وثيقةٍ بنشأة محاكم التفتيش الكاثوليكيَّة، حيث كانوا هم قادة المُحَقِّقِين فيها. فقد كَرَّسَهم البابا إينوسنت الثالث (1216م)، لقيادة التحقيقات الأمنيَّة مع المخالفين للمذهب الكاثوليكي، وممارسة التعذيب والتنكيل بأنواعه، فيما عُرَفَ تاريخيًّا باسم (محاكم التفتيش)، كحلٍ ثانٍ إذا لم ينفع الجدل وعلم المنطق. فقد وَجَدَ البابا “في عقد الرهبان الرومينيكيين الجديد أداةً قويَّةً للقَمْعِ، ومن ثَمَّ نُظِمَت محاكم التفتيش كأداةِ تحقيقٍ مستديمةٍ تحت إدارتهم”، كما يقول المؤرخ ويلز. وفي الوقت نفسه، فقد كُرِّسَت هذا الجماعة نَفْسُها، منذ عام 1220م، على يد البابا غريغوري التاسع (1241م)، الذي قَدَّم لهم دعمًا كبيرًا، من أجل مجادلة الهراطقة، بهدف الإقناع “العلمي والمنطقي” بصحة المسيحيَّة الكاثوليكيَّة، بحكم تخصصهم الفلسفي والمنطقي، وإرجاع الهراطقة إلى حظيرة المؤسسة البابويَّة إذا قبلوا بذلك من دون تعذيب.
وقد كان توماس الأكويني من أَهَمِّ المتكلمين والمتفلسفين الكاثوليك واللاهوتيين المُنَظِّرين للممارسات العنيفة تجاه الهراطقة الكاثوليك في أوروبا، حيث كان يُقَرِّرُ أنَّه فيما يتعلق بالمسيحيين المخالفين، فإنَّهم لا يستحقون الانتماء إلى الكنيسة، بل يستحقون العقوبة التي تصل إلى القتل، وعلى الكنيسة أن تطردهم عنها، وتحرمهم منها (=تكفيرهم)، ويجب أن يتركوا إلى المحكمة ليحرموا من العَالَم بالموت. أمَّا ما يتعلق بالمسيحيين الشرقيين، فقد كان توماس الأكويني أحد قادة الجَدَل الطائفيَّ، ففي عام 1273م عُقِدَ مَجْمَعٌ في ليون برئاسة البابا غريغوري العاشر (1276م)، لِمُنَاقَشَةِ قضية الكنيسة الأرثوذكسيَّة الشرقيَّة، وبناء على طلب البابا قام توماس الأكويني بإعدادِ مقالةٍ خاصَّةٍ لبيان الأخطاء الدينيَّة للكنيسة الإغريقيَّة الأرثوذكسيَّة.
أمَّا ما يتعلق بالإسلام والمسلمين، فقد كان توماس الأكويني يعتبر الإسلامَ هرطقةً والمسلمينَ هراطقةً، وقام بكتابة العديد من الكتب والرسائل في الرد على المسلمين ومجادلتهم، وتثبيت العقائد الكاثوليكيَّة بالفلسفة وعلم المنطق، وبمثل تلك الكتابات احتلَّ مكانة مرموقة في الفكر الكنسي، حتى لُقِّبَ بـ(معلم الكنيسة)، و(المعلِّم الملائكيِّ). ومن تلك الكتب: كتاب (الخُلاصة اللاهوتيَّة) ، و(الخُلاصة في الرد على الأمم)، وقد تُرْجِم هذا الكتاب الأخير عن اللغة اللاتينيَّة إلى اللغة العربيَّة أكثر من مرة، منها ترجمة تحت عنوان: (مجموعة الردود على الخوارج) أي المسلمين، وقام بتلك الترجمة المطران نعمة الله أبي كرم الماروني، مستشار مَجْمَع الكنيسة الشرقيَّة المُقَدَّس. ومما قاله توماس الأكويني في مقدمة كتابه (مجموعة الردود على الخوارج)، أنَّ غَرَضه من تأليفه هو “بذل الوسع في إيضاح الحق الذي يعترف به الإيمان الكاثوليكي، ودفع ما يُضادّه من الأضاليل…[و]هدم أباطيل الخوارج…أولئك الخوارج كأتباع محمِّدٍ وعبدة الأصنام…وكيف أنَّ الحقيقة الثابتة ببرهان العقل تجيء موافقة لعقيدة الدين الكاثوليكي“. ويُكَرِّر توماس الأكويني التُّهم المُسْتَهلَكَة نفسها التي قالها قبله بقرونٍ الرهبان والقساوسة عن الإسلام والنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فهاجم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، واتهمه بأنَّه أَسَّسَ الإسلام على الملذات الجسديَّة، وأنَّه أطلق العنان لاتباعه لممارسة الشهوات الحسيَّة، وأنَّه مزج دينه بالخرفات والكذب، وفَرَضَهُ بقوةِ السلاح. وقد ظَلَّ دور وأثر توماس الأكويني كبيرًا وعميقًا، ليس فقط في الموقف من المخالفين الآخرين من المسيحيين أو من المسلمين، بل في فلسفة ولاهوت الكنيسة الكاثوليكيَّة ككل، حيث استمرت الكنيسة تستلهم أفكاره الكلاميَّة والجَدَلِيَّة، وتبني مواقفها حول تصوراته، إلى أن جعلته المُمَثِّل الرسمي لفسفتها ولاهوتها. حيث أصدر البابا ليون الثالث عشر (1903م) في شهر أغسطس 1879م منشورًا عامًا بعنوان: (Aeterni Patris)، أعلن فيه أنَّ فلسفة ولاهوت ’القديس‘ توماس الأكويني تُعتبر الفلسفة واللاهوت الرسمي للكنيسة الكاثوليكيَّة الرومانيَّة.
وعليه، فكل هذه الشخصيَّات المسيحيَّة، الشرقيَّة والغربيَّة، التي قَدَّمها موريس بورمَانس كنماذج وأمثلة على “الحِوار السلمي“، و”المأثرة“، والقائمة على بِنَاءِ “اللقاء الذي يُخَيِّم عليه الاحترام والجد“، والبعد عن “المماحكات الجدليَّة“، لا يخفى على الباحث والدارس حقيقة حالهم وموقفهم العدائي تجاه الإسلام، والمسلمين، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم، بل لا يخفى حالهم على موريس بورمَانس نفسه، حيث إنَّه أشار إلى الغَرَضِ الحقيقيِّ لهؤلاء الشرقيين والغربيين من الحِوارِ مع المسلمين، حين قال: “وإذا كان المسيحيُّون الشرقيُّون يميلون إلى إدراج الإسلام في سياق مغامرة البدع الأليمة، فاللاتين الغربيون قد أبدوا تأثرهم بما رأوا فيه من ملامح النمط اليهودي-المسيحي. ولقد كانت الدوافع إلى الحِوارِ عندهم مختلفة، تتدرَّج من الشهادة الصِّرف [=التنصير] أو العناية بالمناظرة إلى المرامي الأُخْرَوِيَّة أو المساعي البابويَّة السياسيَّة حِيال الإسلام”. فالمؤلف لا يخفى عليه حالهم ولا سلوكهم ولا أخلاقياتهم ولا ما كتبوه أو قالوه عن الإسلام وعن المسلمين، فقد كان اختياره لهم اختيارًا واعيًا ومقصودًا، فموريس بورمَانس، ومن ورائه مَنْ أصدر هذا الكتاب الإرشادي ونشره ودعمه، ووجَّهه إلى القراء المسيحيين خاصَّةً، يريدون بوضوح أن يحتذي المسيحي حذو هذه النماذج في التعامل مع الإسلام والمسلمين، بوصفها النماذج الرائدة لدى الكنيسة الكثوليكيَّة التي تعبر عن الطريقة المثلى المُرادة في الحوار مع المسلمين.
والسؤال هنا، هو: إلى أي مدى يصح استدعاء شخصيات متطرفة من العصور الوسطى ذات مشاريع جدلية وتبشيرية، وبعضها مرتبط بمشروعات صليبية، بوصفها سوابق تاريخية لـ’روح الحوار‘ التي أعلنها مجمع الفاتيكان الثاني؟ ولهذا، فإن من حق القارئ مساءلة مدى اتساق مفهوم ’الحوار‘ الذي يتبناه الخطاب الكاثوليكي المعاصر مع النماذج التاريخية التي يستدعيها لتأصيل هذا المفهوم. فهذا النماذج المقدمة لا تدعم دعوى الحوار الديني البناء، بل تحمل القارئ المنصف على التشكيك فيه، لأنه لا يرى فيها مجرد لقاءات أو حوارات مثمرة بين المسيحيين والمسلمين في العصور الوسطى، قائمة على التفاهم والأدب، بل على الجدل والمماحكات والتفنيد والتبشير والعزم على تحويل المسلم عن دينه. فالقارئ لا تخطئ عينه عن لحاظ وجود فجوة بين المفهوم المعلن للحوار في الخطاب الكاثوليكي الحديث وبين تلك النماذج التاريخية التي استدعاها ذلك الخطاب نفسه لتأصيل الحوار.
ومما يزيد الأمر تعقيدًا، أن الكتاب الإرشادي هذا لا يستعدي فقط تلك الشخصيات التاريخية كنماذج تحتذى ويقتدى بها، بل يؤكد مضمون خطابها، ويُمارس الممارسات القديمة نفسها. ولهذا، نجد بورمَانس في الكتاب نفسه يؤكد أنَّ المسيحي في الحوار ’البناء والمثمر والسلمي‘ مع المسلمين لا يُمكنه أن يُجامل أو يُجاري المسلم في قول المسلم: “قال الله في القرآن“، لكن بورمَانس يؤكد في المقابل أنَّه “من الواضح بالنسبة إلى المسيحيين، أنَّ الوحي كله يبلغ أوجه في يسوع المسيح“، فالكتاب المقدَّس “وديعة واحدة مقدَّسة لكلام الله أوكلت إلى الكنيسة”. ويمضي بورمَانس في الطعن والتشكيك في صحة مصادر القرآن الكريم، زاعمًا أنَّ القرآن الكريم “يُؤثِرُ ما أوردته أناجيلُ مَنْحُولَة”، ثم ينتقل بورمَانس بأسلوب ماكر إلى الطعن في النبي محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم، واتهامه بالجهل، وارتكاب الأخطاء العظيمة، وانتحال النبوة!
ويوجه موريس بورمَانس في كتابه القارئ المسيحي بأنَّ واجبه كمحاور مسيحي في حِوارِ الأديان مع المسلم أن يشرح له ’حقائق المسيحيَّة‘ بصورة وافية، من أجل أن يكشفوا حقيقة هذه الاتهامات التي وردت في الإسلام عن المسيحية، ويزيلوا الالتباس عن الدِّينِ المسيحيِّ وهذا هو ما يجعل المسلم يتعرف على المسيحيَّة كما هي، إذ يرى موريس بورمَانس أنَّ الإسلام قَدَّم أوهامًا وتصورات مغلوطة عن المسيحيَّة، وأحكامًا تعسفيَّة، ومن ذلك، في رأي موريس بورمَانس: تحريف الكتاب المُقَدَّس، ويرى موريس بورمَانس أنّ اعتقادات المسلمين المستمدة من القرآن الكريم التي تشكك في سلامة الكتاب المُقَدَّس تمثل حجر عثرة أمام والتلاقي الأخوي وإعاقة للحِوار الديني، فهذه المعتقدات “تُلقي ظلالاً من الاتهام قاتمة على كتبهم المُقَدَّسة، وتجعل أيّ استنادٍ إليها، في حِوارٍ دينيٍّ على النصوص الكتابيَّة، غير ذي جدوى”، ويؤكد موريس بورمَانس سلامة الكتاب المُقَدَّس من التحريف واستحالة ذلك.
وينبه موريس بورمَانس في هذا الكتاب القارئ والمحاور المسيحي إلى أهميَّة تفهُّم قصور تصورات المسلمين التي لا تستوعب الحقائق المسيحيَّة مثل: الثالوث، والتجسد الإلهي، والفداء على الصليب، فـ”المسلم لا يسعه، بسبب ما جاء في القرآن والسنة…إلا أن يرى في سر الثالوث المسيحي شكلاً خفيًّا من أشكال التعدديَّة في الذاتِ الإلهيَّةِ، فكأنَّ لله عندئذٍ شركاء…تلك هي العقيدة الإسلاميَّة والقرآن يؤكِّد ذلك”. ولهذا، يؤكد موريس بورمَانس على ضرورة أن يطلب المسيحيون من المسلمين “أن يكون عندهم احترامٌ أكبر لتلك الأسرار [=الثالوث، والتجسد الإلهي، والفداء على الصليب] التي هي في صميم حياتهم الإيمانيَّة”.
وبعد أن ينتهي موريس بورمَانس في كتابه من دفاعه المستميت عن المسيحيَّة وعن تشويهه المتكرر والمتعمد للإسلام، ينتقل إلى الوعظ بأهميَّة التوافق ونسيان الماضي، وأهميَّة الدعوة إلى الديانة المسيحيَّة بالنسبة إلى المسيحيين، بناءً على مبدأ الحُرِّيَّة الدينيَّة، وحق الإنسان في اعتناق الدين الذي يختاره، وهو نشاطٌ يُراد منه، كما يؤكد موريس بورمَانس في كتابه هذا، جمع الخلق إلى وحدة جامعة على عقيدة واحدة، تتمثل في الكنيسة الكاثوليكيَّة. إنَّ هذا الكتاب الكاثوليكي الرسمي، الموجه إلى القارئ والمحاور المسيحي في الأساس، يكشف بصورة مؤسفة وبوضوح لا لبس فيه ماهيَّة الحوار الديني الذي تريده الكنيسة الكاثوليكيَّة مع المسلمين.



