د. جمعان بن محمد الشهري
لمّا كان نصُّ الوحي زاخرًا بالمقاصد الشرعية والأحكام التكليفية، وكانت الحاجة ماسّة إلى تقعيد أصولٍ للفقه يُتحقَّق بها مراد الشارع ويُقلَّل بها تفاوت الفهم، نهض الشافعي بتأسيس أصول هذا العلم، ثم سار الأصوليون على أثره في طلب قواعد الاستنباط. غير أنّ هذا المسار لم يخلُ من دخول التراث اليوناني- ولا سيما المنطق – إلى بعض المباحث الأصولية، فكان لابن حزم موقفٌ خاص، إذْ لم يكتفِ بالإفادة من المنطق، بل سعى إلى تقريبه وتوظيفه في فهم الشريعة واستنباط الأحكام.
وقد وصف ابن حزم المنطق بأنّه: (علمٌ حسنٌ رفيعٌ؛ لأنَّه فيه معرفة العالم كله، بكل ما فيه من أجناسه إلى أنواعه إلى أشخاص جواهره وأعراضه، والوقوف على البرهان الذي لا يصح شيء إلا به …) ([1]). ولم يكن وحده في ذلك، بل وافقه الجويني والغزالي وغيرهما في العناية بالحدّ والتعريف، كما أشار النّشار إلى أنّ مزج المنطق الأرسطي بعلم الكلام والعلوم الإسلامية بدأ في أواخر القرن الخامس. ومن ثمّ صار المنطق عند هؤلاء آلةً تقنّن التفكير وتعصم الذهن من الخطأ، فهو عند علماء المسلمين (آلةٌ قانونيةٌ تعصمُ مراعاتها الذهنَ عن الخطأ في التفكير) ([2]).
وإذا كان المقال يتناول أثر المنطق في المنهج الأصولي لدى أبي محمد، فإنّ من المناسب تحديد هذا المركّب اللفظي؛ فالمنهج الأصولي، كما قرره طه عبد الرحمن، هو (مزيج من أبوابٍ نظريةٍ ومنهجيةٍ، وأخرى عمليّةٍ مضمونيّةٍ مستمدةٍ من علومٍ مستقلةٍ بنفسها) ([3])، وهو كذلك، عند حمّو النّقاري، حيث يقول: (نقصد بالمنهجية الأصولية، باعتبارها متعلَّق أصول الفقه= السبلَ النظريّةَ والمسالكَ الإجرائيةَ التي يسلكها الفقيه في ممارسته الفقهية) ([4]).
وعلى هذا الأساس، فالأصول ليست مجرد قواعد نظرية، بل هي أيضًا مسالك إجرائية تتوسط بين العلم والعمل، ومن هنا يتضح أن إدخال المنطق على الأصول لم يكن أمرًا عارضًا، بل كان محاولةً لرفع مستوى الضبط والاستنباط؛ ولذلك كان ابن حزم من أبرز من قرّب منطق اليونان ونصر هذا المشروع بالحجج والبرهان؛ لأنّه رأى في المنطق أساسًا لفهم الشريعة فهمًا قاطعًا.
ويمكن ردّ مشروعه التقريبي إلى ثلاثة عناصر متساندة: المنافحة، ثم التقريب، ثم التوظيف. فالمنافحة لإثبات مشروعية المنطق، والتقريب لتيسير صعوباته، والتوظيف لإظهار ثمرة استعماله في المجال الشرعي.
وقد اندفع ابن حزم إلى هذا المسلك لدافعين:
أولهما مقاومة الرافضين للمنطق، وبيان صلاحيته التداولية.
وثانيهما ما وجده في مباحثه من غموضٍ واستغلاق، فعمل على تبسيطه وتذليله، كما قال: (فقرّبنا من ذلك بعيدًا، وبيّنا مُشكلًا، وأوضحنا عَويصًا، وسهّلنا وَعِرًا، وذلّلنا صعبًا) ([5]). ولهذا صار المنطق عنده سُلّمًا لبناء المعرفة، وسُلّمًا في الوقت نفسه لبناء النظرية الأصولية.
ويمثّل الحدّ المنطقي – في منهج ابن حزم – ركنًا مركزيًا؛ إذْ رأى أنّ المعرفة اليقينية لا تتحقق إلا بضبط الحدود وتعريف الأشياء بماهياتها. ولذلك قال: (الحدُّ هو لفظٌ وجيزٌ يدلُ على طبيعة الشيء المخبَر عنه) ([6])، وقال أيضًا: (قولٌ وجيزٌ دالٌ على طبيعة الموضوع، مميزٌ له من غيره) ([7]). وهذا يعني أن الاسم عنده ليس مجرد علامة لفظية، بل هو أداة للوصول إلى حقيقة المسمّى. ومن هنا يصرّح ابن حزم بأنّه: (لا سبيل إلى معرفة حقائق الأشياء إلا بتوسط اللفظ) ([8])، وأنّ (لكل مسمًى من عرضٍ أو جسمٍ اسمًا يختص به، يتبيّن به مما سواه من الأشياء؛ ليقع بها التفاهم، وليعلم السامع المخاطب به مراد المتكلم المخاطب له) ([9]). وبذلك تترسخ عنده الصلة بين اللغة والحدّ والمعرفة، ويصبح اللفظ المفرد أساسًا في بناء الدلالة.
ومن هنا يتضح أنّ الدلالة الأساسية – في منهاجه – هي دلالة المفردة، وأن المركب تابع لها. فهو يتعامل مع اللفظ من حيث هو اسمٌ محددُ المعنى، ويجعل حدود المعنى منضبطة بحدود اللفظ. لذلك فَهمَ من قوله تعالى: (فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ) = أنّه ينهى عن لفظ الأُفّ خاصة، ولا يتعدى إلى الضرب والقتل إلا بدليل آخر، فقال: (فإنَّه لا يُفهم من هذا اللفظ إلا منع أفٍّ فقط، وأما القتل والضرب وغير ذلك فلا منع منه في هذا اللفظ أصلًا؛ لأن كل ذلك لا يسمّى: أفّ، ولا يعبر عنه بأفّ) ([10]). ومثّلَ لذلك بقوله: (فلانٌ لا يظلِم في حبة خردل، فلا يُفهم من ذلك عند التحقيق وترك المسامحة إلا ما اقتضاه اللفظ خاصةً من أنَّه لا يظلم في الخردل خاصةً، وهذا الذي وُضع له اللفظ في اللغة، ولا يُفهم من ذلك أنَّه لا يظلم في الآطام والضياع والدور؛ لأن الضياع والدور لا تُسمى خردلًا أصلًا) ([11]). فالمعنى هنا منضبط بالمفردة، لا بالسياق المركب ولا بالقرائن الخارجية.
ويخالف ابن حزم جمهور الأصوليين في هذا الباب؛ فالجمهور يراعون السياق وقصد المتكلم والتركيب، في حين ابن حزم يضيّق الدلالة في المفردة وحدها، إلا لحالاتٍ تحدثنا عنها في البُعد التداولي لديه، ليس هذا موضع بسطها. وقد عبّر الآمدي عن اتجاه الجمهور بقوله: (دلالات الألفاظ ليست لذواتها، بل هي تابعة لقصد المتكلم وإرادته) ([12])، وقال ابن تيمية في المعنى نفسه: (اللفظ لا يستعمل إلا مقيدًا بقيودٍ لفظيّةٍ موضوعةٍ، والحال – حال المتكلم والمستمع – لا بد من اعتباره في جميع الكلام) ([13]). ولهذا تبدو طريقة ابن حزم – في مقابل مسلك الجمهور – أقرب إلى التعامل مع الخطاب بوصفه نسقًا لغويًا مستقلًا، الأمر الذي أفضى إلى نوعٍ من الجمود الدلالي، لأن الدلالة تصبح مرهونة بالحدّ اللفظي لا بالمقام ولا بالمآلات.
ويظهر الأثر الصوري في تعامله مع النصوص الشرعية بوصفها قابلةً للرد إلى أنماط محددة. فهو يقسّم الأقوال إلى صيغ منطقية، إذ يجعلها: (إمّا قولٌ عامٌ كليٌّ ذو سورٍ، أو ما يجري مجرى ذي السور من المهمَل الذي قوّته في اللغة قوّة ذي السور، أو من الخبر الذي يفهم منه ما يفهم من الأمر …) ([14])، ثم يردّها إلى أقسام أربعة. ومن ثمّ صارت الدلالة الشرعية عنده مقنّنة وَفْقَ أسوارٍ منطقية، وتلبّست القيم الشرعية عنده صبغة الثبات، إذ قال: (ولا يجوز أن يكون حقٌّ أحقَّ من حقٍّ آخر، ولا باطلٌ أبطلَ من باطلٍ آخر؛ إذْ ما ثبتَ ووُجدَ؛ فقد ثبتَ ووُجدَ، وما بَطُلَ فقد بَطُلَ…) ([15]). وهذا يبرز لك النزعة إلى اليقين الصوري أكثر من الاعتداد بغلبة الظن.
ومن أبرز نتائج هذا التوجه الحزمي = ترجّيح قياس الشمول والبرهان، ورفض القياس التمثيلي المعروف عند جمهور الأصوليين. وقد رأى أبو محمد أنَّ البرهان هو الطريق السليم لتقنين الاستدلال الشرعي ورسم ضوابط الاستنباط من النصوص. ولذلك بنى نظريةً خاصةً في الدليل، تقوم على البرهان الصوري والضروري، وتتقصد تكميم المعنى في صورٍ منطقية مضبوطة. وفي المقابل، يرى غيره من الأصوليين – كالشاطبي مثلًا – أن الدلالة الشرعية لا تُفهم من المفردة وحدها، بل من الجملة التامة ومن القرائن المحيطة، وهو ما ينسجم مع قوله إنَّ (الحكم بغلبة الظن أصلٌ في الأحكام) ([16]).
وتظهر صورية ابن حزم بجلاء في بعض الأمثلة الفقهية، مثل قوله في ولوغ الكلب: (ولا يحلُّ أكلَ ما ولغَ فيه الكلب، لأمر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بهرقه، فإنْ أكل منه ولم يلغ فيه؛ فهو كلُّه حلال) ([17]). فالتفريع هنا قائم على اللفظ نفسه، دون التوسع في دلالاته التي تأتي على الأكل أو اللعق أو اللحس، إلا بنص مستقل. ويظهر هذا المنحى أيضًا في تعميمه لبعض الأحكام على أساس الاسم وحده، إذ قال: (فكل خطابٍ خاطبنا الله – تعالى – به، أو رسوله صلى الله عليه وسلم فهو على موضوعه في اللغة ومعهوده فيها؛ إلا بنصٍّ أو إجماعٍ أو ضرورة حسٍّ تشهد بأن الاسم قد نقله الله – تعالى – أو رسوله صلى الله عليه وسلم عن موضوعه إلى معنًى آخر، فإن وُجد ذلك؛ أخذناه على ما نُقل) ([18]). فالأسماء عنده حدود منطقية، ومعانيها ماهيات ثابتة.
والحاصل أنَّ نظرة ابن حزم لصلاحية المنطق في كونه أسلم وسيلة لصياغة البرهان؛ هي التي حملته على التقريب أولًا ثمَّ التوظيف ثانيًا، فبدأ باللبنة الأولى في تحقيق مراده، وكانت متمثّلة في اللغة التي تُشكّل دلالات تبيينيّة مع العقل والواقع. فاللغة تَبِينُ عن خصائص الواقع وبِنْيَتِهِ التي هو عليها، والعقل يميّز بين تلك البِنْيات المختلفة. وهذه الثلاثية لا يمكن أن تنتظم نظمًا معرفيًا عند أبي محمد؛ ما لم يكن المنطق هو جسرها الذي يؤلف بينها جميعًا. وهذا الانتظام البياني، من منظور ابن حزم، يُشاهد في الخطاب الشرعي مشاهدة واضحة لا مرية فيها؛ فاللغة باعتبارها أداة فَهْمٍ للخطاب الشرعي بَيِّنَة بَيانًا لا خفاء فيه. وواقع الأشياء – ذواتٍ أو صفاتٍ أو أفعالًا- وما هي عليه من خصائص ذاتيّة؛ ظاهرة ظهورًا لا لَبْسَ فيه، والعقل بعد ذلك يميّز واقع الأشياء في الخارج في حدود اللغة التي يتصور الأشياء من خلالها. ثم يعْقبُ ذلك تحقق المعرفة اليقينيّة؛ وَفْقَ الأسس الثلاثة التي أصَّلها ابن حزم في انتظامها السابق. وعليه؛ فإنَّ دعوى التفاوت في المعرفة والقبول بالظنِّ لا يمكن قبوله بأي وجه من الوجوه، من المنظور الحزمي.
وهذا هو الطابع الصوري الذي (ألبس القيم الشرعية صبغة الجمود حتى تكتسب شرط الثبات المنطقي، وهو الشرط الذي حمله (= ابن حزم) على أن يعتقد في القيم الشرعية ما يعتقده المنطقي في الخصائص الواقعية؛ فجاءت الجهات الشرعية عنده متطابقة مع نظيراتها الواقعية وجاءت الواجبات عنده على مرتبة واحدة لا يداخلها التفاضل ولا يتطرق إليها التفاوت) ([19]).
هذا، وإنْ صح موقف الباحث (= سي محمد) من أن ابن حزم يحرص كثيرًا على دلالة المطابقة والتضمن في الخطاب الشرعي؛ فلا يُسلّم للباحث نتيجته الكبرى (=إهدار دلالة الالتزام) التي توصل إليها من دراسته لأثر المنطق اليوناني في منهجيّة ابن حزم الأصولية في مبحث الدلالة، حيث يقول في هذا المعنى: (ولا أدلَّ على إهدار ابن حزم لدلالة الالتزام في الخطاب الشرعي من منعه كل دلالة لا ينطق بها اللفظ ولا يطابقها مدلوله) ([20])، وآية بطلان نتيجته؛ الممارسات الحزميّة لدلالة اللزوم في جل أنواع الدليل؛ ومنها ما قرره ابن حزم في القسم الثاني من الدليل النّصي([21]).
وقد تحققت لابن حزم دلالةُ اللزوم المستفادة من منطوق الآية عند تعرّضه لقول الله تعالى: {فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ}؛ إذ يقول: «وذلك أن المال ثلث وثلثان، والمال للأبوين، وللأم منه الثلث؛ فالنتيجة أن الثلثين للأب» ([22]). وهذه دلالةُ التزامٍ لم يدل عليها النص بكليته ولا بجزئيته؛ إذ لم يَرِد ذكر الثلثين صراحةً، غير أن ابن حزم يثبتها بشرط ألا يحتمل النص معنى آخر ينازع هذا المعنى المستفاد من مفهومه. وهذا هو الموضع الذي يختلف فيه ابن حزم مع الأصوليين في هذه الدلالة؛ إذ يتوسّعون فيها ويأخذون بالظن الغالب، في حين يقتصر هو على ما يثبت بيقين. ومن ثمّ، فإن ابن حزم يقول بالدلالات الثلاث المحققة لليقين في المعرفة.
بل إنَّ الدليل عند ابن حزم في مفهومه الخاص هو لازم عن مقدمتين منصوص عليهما، ولا نص في الخطاب الشرعي ينص على الدليل بلفظه، بل هو نتيجة خالصة لهاتين المقدمتين. وقد جاء هذا المعنى في تعريف الدليل بمفهومه الخاص عند ابن حزم؛ حيث ظهر لابن حزم من جمل النصوص الشرعية عند اجتماعها (حكم منصوص على معناه فكان ذلك كأنه وجه رابع) ([23]).
هذا هو التداخل الحاصل بين المنطق في نظريّته المقرّبة والمنهج الأصوليّ لدى أبي محمد؛ والذي لم يستوعب كل الطرق ولم يلائم طبيعة الخطاب الشرعيّ وما يحتف به من سباقٍ وسياقٍ وحكمةٍ وتعليلٍ – إلا في حدودٍ ضيّقةٍ في بُعدها التداولي المتفق مع شرائطه المعرفية – ونحو ذلك مما هو مبسوطٌ في مظان أخَر.
جليٌّ إذن من هذا العرض المقتضب أن ابن حزم لم يكن مجرد فقيهٍ ظاهري، بل كان مشروعًا معرفيًا سعى إلى إخضاع الخطاب الشرعي لآليات المنطق والحدّ والبرهان. وقد أثمر هذا التوجه منهجًا يقوم على اليقين والثبات والوضوح، لكنّه في الوقت نفسه أفضى إلى جمودٍ دلاليّ – في الغالب – ومفارقةٍ واضحة مع جمهور الأصوليين. فحينما وسّع الجمهور دائرة الفهم باستحضار السياق والقصد، ضيّقها ابن حزم داخل المفردة والحدّ والاسم، فجاءت صوريته الأصولية علامةً فارقةً في تاريخ المناهج الأصولية.
– – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – –
([1]) رسائل ابن حزم (=كتاب التقريب)، 4/35.
([2]) التعريفات، للجرجاني، ص186، وانظر: المنطق، محمد رضا المظفر، ص12.
([3]) تجديد المنهج في تقويم التراث، ص93.
([19]) أثر المنطق اليوناني في المنهجية الأصولية عند ابن حزم، لسي محمد، ص246.
([20]) أثر المنطق اليوناني في المنهجية الأصولية عند ابن حزم، ص191، 344.
([21]) انظر مبحث الدليل عنده، والذي هو المصدر الرابع من مصادره المعرفية.
([23]) الإحكام، لابن حزم، 1/66.



