عام

شموعُ العلم

مِيراثُ الأَثَر

محمد أبو عبدالحميد 

الحمدلله وبعد،

فمن المعروف المستقرّ في نفوس طلاب العلم وشداته أن القراءة في كتب التراجم والسير تضيف إلى قارئها عقلا إلى عقله، وعلمًا إلى علمه، وتجربة إلى تجربته. فكأنه في كل ترجمة ينادم صاحبها، ويستنطقه بأحسن ما عمل، وخير ما ورّث، ويعتصر خبرته اعتصارًا تستحيل منها مادةُ خامٍ يشكّلها كيف شاء، ويوظّفها حيث أراد.

وفي نظري فإن كتب التراجم لا تهب لنا ذلك فحسب، بل إنها تفتح أفقًا رحيبًا من المعاني والخواطر التي تجود بها الأخبار والآثار عند حرثها وتثويرها. فهذه الهبة مشروطةٌ بالملاحظة والتأمل وضمّ الخبر لنظيره وإعمال قوى الاستقراء والموازنة؛ حتى تتخلّق في الذهن بعد ذلك فكرة متكاملة البنية؛ تشكّلت من مادّة تلك الأخبار والآثار، تستند إلى تلك المآثر والقصص.

ومما تهيأ لكاتب هذه السطور قراءة ما شاء الله قراءته من الكتاب الموسوعي في بابه (علماء نجد خلال ثمانية قرون)، وهو -بحقّ- منجم أخبار العلم والعلماء في نجد.

إن القارئ له يمرّ عليه بكثرة -كسائر كتب التراجم- أسماء أعيان ورجال كان من قدَرهم أن وُجدوا في أزمان شحّ التاريخ بأوضاعها وأحوالها العلمية والاجتماعية، وكان لغفلة التاريخ عن تلك الأحقاب والأقطار أثر في ندرة الأخبار ونضوب الإرث. فلا نكاد نعرف عن أولئك النفر إلا أسماءهم وشيئا من الاتجاهات العامة لاهتمامهم ومحل عنايتهم، وربما -إن جادت المصادر- ذكرَت بعض أعمالهم في العلم والدعوة، كجلوس صاحب الترجمة للتدريس، أو افتتاحه مدرسة، أو كونه مشاركا في (الكُتّاب) ونحو ذلك.

وكان مما يسترعي ملاحظتي أثناء قراءتي للكتاب المذكور أن جملةً من هؤلاء المسمَّين -بحسب ظاهر الترجمة- من متوسطي طلاب العلم لا من مقدّميهم ونوابغهم، وتكشف لنا أخبارهم المأثورة عنهم أن لهم أثرا محدودًا لا يتجاوز قطرهم وزمانهم. هكذا ما تبديه صفحات التاريخ.. وكثيرًا ما يكون الأمران متلازمَين – أعني التوسط في العلم والأثر مع حجم الترجمة -.

لكنّ أمرًا ما جعلني أشعر بكبير فضل هؤلاء، وعظم أثرهم فيمن بعدهم؛ إذ لمّا أجيل النظر في سير آحاد العلماء الذين أحدثوا نهضة علمية، وغدوا ظواهر ونماذج يجري ذكرهم بعد رحيلهم وينتفع بهم لعقود وربما لقرون- وأتساءل: من أين جاؤوا؟ وما نسبهم في العلم؟ وكيف نُفخت فيهم روح العلم والنهمة في تحصيله وتعليمه؟ أجد أن لأولئك المغمورين المعدودين في الطبقة المتوسطة من العلم تأثيرا واسعا مدّه الزمان بعدهم، وإرثًا عميقا اكتنزه الدهر لمن عَقِبَهم.

فهؤلاء أبقوا العلم -بتلك الجهود اليسيرة والآثار المحدودة- موصولا بين الأجيال؛ إذ كانوا حلقة في سلسلته. وهكذا يعبُر العلم على الأجيال عبورًا يضعف ويقوى، حتى يأذن الله بيقظة علميّة عمليّة تجدّد للناس دينَها، وتنفخ فيها أرواح الحياة، حتى إذا أظلّتهم حقبةٌ من الزمان على حالة من الشرّة والفتوّة، تبع ذلك فترةٌ وخبوّ وركود.. إلا عند أفراد من الناس الذين بهم تكتمل حلقة العلم فيصلون الأول بالآخر، والمقدّم بالتالي؛ فيدور العلم دورتَه.

وإني لأشبّه وجود أولئك بالشمعة التي تستبقي شعلة النار موقَدة، وتتيح لمن شاء أن يُشعل بها مصباحًا، أو يأخذ منها جذوةً، أو يقتبس منها شمعةً أخرى تتناقلها الأجيال.. المهمّ أن تبقى مادة الضياء متصلة لا تنطفئ، وإن خبَت أحيانًا.

إن هؤلاء القائمين بالعلم والتعليم في أزمان الفترات والركود -ولو ضعُف تحصيلهم في العلم، أو قلّ الآخذون عنهم- لهم الفضل – بعد الله تبارك وتعالى – في كل خير نما عن طريقهم واتصل بسببهم.

ومن المؤكد أن كثيرًا منهم لم يورّث تراثًا ضخمًا، ولا مكتبةً هائلةً، لكن حسبُه أنه ترك تلاميذ معدودين، كان لأحدهم النصيب الأوفى والحظ الأوفر في كثرة العلم وسعة الأثر، فعادَ الفضل إلى مَن أخذ بيده بالتعليم والتربية، وإن كان – في الظاهر – أقلّ علمًا، وأضيق اطلاعًا، وأضعف أثرًا.

وهذا المعنى يدلّنا على حقيقة ملحّة تنادي بأن أحوج ما يكون إليه المجتمع في البيئة العلمية هو المعلم والشيخ الذي يأخذ بيد مريد العلم وطالب المعرفة في مبادئ الطريق، فيزرع في قلبه حب العلم، ويجذّر أصوله، ويملّكه أدواته، ويراعيه بالسقي، ويهذّبه بالتربية، ويوقفه على الطريق.. حتى إذا استوى على سوقه تركه يمشي بالنور بين الناس.

كما أن تلك التراجم والسير تبرز حقيقة أخرى، وهي: إنما يقاس الشيء بأثره لو فُقد. فلو قدّرنا في خيالنا أن هؤلاء لم يُـخلَقوا، ولم يأخذ الله بأيدهم نحو العلم والتعليم، ولم يهيئ لهم طلابا معدودين يتحمّلون عنهم وينقلونه لمن بعدهم… إذن لا تطمع بعد ذلك أن يقوم للعلم قائم، أو يبقى للدين إمام.

وما سبق يؤكد أيضًا أنه لا تلازم بين معيار (الشهرة) ومدى (الأثر)؛ فربما كان العالِم مشهورًا أطبق ذكره الخافقَين، لكنّ ذكرَه يخبو بوفاته. مع إمكان العكس؛ فيكون الرجل مغمورًا؛ لكنه تسبّب بخير عظيم إثرَه.

 كما أنه لا تلازم بين (ظهور الأثر) و(حقيقة الأثر)؛ فربما نُسب الأثر إلى رجل -لكونه سببًا في ظهوره-، مع كون الأثر في حقيقته -عند الله تعالى- يتجاوزه إلى غيره. فيكون حالُه:

كالعطر يعبق في المجالس نشره – – – والفضل منسوب إلى المتعطّر

وهذه المعاني من شأنها أن تبعث الهمّة وتنشر الفأل في نفس كلِّ من يعمل لدين الله تعالى -بدعوته وتعليمه وغير ذلك من صنوف الخدمة-؛ لأنه إذا استقر في نفس العابد العامل أن المجازي هو الله تبارك وتعالى= لم يلتفت بعد ذلك إلى ما (يظهر) من الأثر، بل يتوافر على (صناعته) والله يتولى الأجر والجزاء. ثم بعد ذلك إن شاء الله تعالى -بحكمته- أن ينشر ذلك الأثر، وإلا فالعمل قد أودع في موضعه (وما تفعلوا من خير يعلمه الله).

فالصادق لا ينقطع، ولو توهّم انعدام الأثر، ولا يستجيب لداعي النفس والشيطان حين يمثّل له أن الأثر في الخير لا يتم إلا باكتمال أدواته، وتوافر أسبابه، وانتفاء عقباته، واندفاع أعدائه.. بل (أذِّن في الناس) وسيبلّغ الله عنك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى