عام

بنت جوردان

هوجم عالم النفس الإكلينيكي، الكندي، البروفيسور جوردان بيترسون لأسباب تتعلق بآرائه، ومنها أراؤه في النسوية والمثلية الجنسية والأدوار الجندرية، والدين. شنت ضده صحف إنجليزية، وغير إنجليزية حملاتها، بعد أن ظهر في مقابلتين تلفزيونيتين مع صحيفتين إنجليزيتين، حصدت المقابلتان مشاهدات عشرات الملايين (قد تكشف لك مشاهدة المقابلتين أو إحداهما صورة عن طبيعة “الصراع” وبعض مسبباته).

وكانت جامعة كيمبرج قد ألغت دعوةً وجهتها له ليزورها أستاذاً (لشهرين)، وفي خضم هذه الأحداث، ومع مرض زوجته بالسرطان، أصيب جوردان، بانهيار عصبي واكتئاب، مما استدعى أن يتلقى علاجًا إكلينيكيًا، قال جوردان في إحدى مقابلاته أن بعض تلك الأدوية كان جيداً وبعضها كان سيئاً، إذ تدهورت حالته على إثر تلقيه بعض العقاقير، وأدمن المهدئات.

كانت ابنته ميكايلا، التي تولت إدارة أعماله، تسجل مقطعًا وتنشره على وسائل التواصل الاجتماعي مرة كل عدة أسابيع لتخبر المتابعين عن حالة والدها الصحية الراهنة. ثم بدأ جوردان يعود إلى الظهور على وسائل التواصل، رويداً رويداً، في مقابلات يكون ضيفاً فيها، أو في حلقات على قناته في اليوتيوب، يكون فيها المضيف، ويناقش موضوعات في مجالات شتى، مع مختصين في علم النفس، والدين، والاقتصاد، والاجتماع وغيرهم. (لم يبدُ جوردان في هذه المقاطع وهو على أحسن حال، لكن كان بإمكانه أن يحاور ويجيب، ويناقش في جلسات طويلة).

مارفل كوميكس

في إبريل 2021م، ظهر عدد من (مارفل كوميكس)، وهي مجموعة أمريكية للقصص الخيالية المصورة (وأبطالها الخارقين) موجهة لليافعين (تصدرها شركة مارفل التي استحوذت عليها ديزني)، البطل الخارق في هذا العدد كان (كابتن أمريكا).

ظهرت في هذا العدد شخصية (الجمجمة الحمراء)، وهي تحاكي جوردان بيترسون، إذ ظهرت الشخصية تقدم نصائح تشابه في بعض تعبيراتها النصائح التي قدمها بيترسون في كتابه (12 قاعدة للحياة)، بحيث يدرك القارئ بسهولة أنّ المقصود بـ (الجمجمة الحمراء) هو عالم النفس الكندي جوردان بيترسون.

عن الجمجمة الحمراء

هي أحد الشخصيات الخيالية التي تمثل (الشر)، وقد ظهرت هذه الشخصية أول مرة في قصص (مارفل) عام 1941م، وكانت تمثل عميلاً نازيًا وربيبًا لهتلر خلال الحرب العالمية الثانية، وتُعد العدو اللدود للبطل الخارق (كابتن أمريكا)، تظهر الشخصية وهي ترتدي قناع جمجمة أحمر مخيفًا، مشوّهًا من أثر قتاله مع البطل الخارق (كابتن أمريكا).

رد فعل جوردن

جوردان الذي عبّر عن صدمته قال إنه لم يصدّق، في البدء الأمرَ، وظن أنّ ظهوره على غلاف المجلة كان ملفقًا ببرامج “فوتوشوب”، وقال إنه لم يستوعب الأمر حتى مرور اثنتي عشرة ساعة، واعتبر ما قامت به دار النشر حملة دعائية موجهة لتشويهه تستهدف محاربة أفكاره والتأثير على الناشئين. ومثلما عبّر عن صدمته، عبّر عن أسفه بأنه قد فقد كثيراً من روح الفكاهة والسخرية، -متأثراً بحالته الصحية-.

بنت جوردان

كانت ابنته أكثر تعافيًا منه، كما يقول جوردان، حيث استطاعت أنْ تتعامل مع الأمر بشيء من روح الفكاهة، وقد ظهرت في مقطع على صفحتها، بعد ظهور المجلة بعدة أيام، تعبّر عن دهشتها، وقالت إنها لا تجد في تشبيه والدها بشخصية نازية ما يثير الضحك، وتعاملت مع الأمر بطريقتها.

ميكايلا أعلنت في المقطع نفسه عن إطلاق حملة مبيعات لمنتج محدود: سترات قطنية مطبوع عليها رمز كرتوني مصوّر يعبر عن (انتصار الكرنكد) تذهب أرباحه كاملة إلى تمويل مشروعين خيريين اختارهما والدها، موجهين للأطفال وللعائلات التي تعاني صعوبات نفسية.

يشير رمز انتصار الكرنكد (اللوبستر) إلى أحد أفكار جوردان التي عبّر عنها في كتابه (12 قاعدة للحياة)، ومع أنّ هذه الفكرة توصف بأنها أقل أفكار الكتاب إقناعًا، إلا أنها تمثل بعض أفكاره التي حاجج عنها، والتي “يؤكد فيها بيترسون اهتمامه بالمعرفة التجريبية والبحث العلمي”.

حملة مبيعات أرباحها خيرية

عرض (قسم المبيعات) في موقع جوردان بيترسون سترات تحمل شعار الكرنكد، وذكر أنّ أرباح المنتج كلها مخصصة لأعمال خيرية. ثم أعلن عن الجهات التي ستمنح هذه الأموال، والمشاريع التي ستصرف فيها هذه الأموال.

كانت إيرادات الحملة مئة وخمسين ألف دولار، خُصصت مناصفة لجمعيتين خيريتين. عبّرتْ إحدى الجمعيتين عن عدم رغبتها بتلقي هذا التبرع، وعن رغبتها بإزالة اسمها من موقع جوردان بيترسون. نشرت ابنة جوردان مقطعًا أعلنت فيه عن الرد الذي تلقوه من الجمعية، وألحقته بإعلانها عن تمديد مدة بيع المنتج أسبوعين إضافيين.

ثم عرضت (للبيع أيضًا) خمس عشرة نسخة من القصة المصورة (كابتن أمريكا – مارفل كوميكس)، عليها توقيع والدها، عرضتها للبيع بـ 250 دولاراً، للنسخة الواحدة معلقة بقولها: “ذلك لأنني رأسمالية جشعة”، وقالت ميكايلا إنها احتفظت بخَمس نُسخٍ أُخرى من القصة المصورة التي تحمل على غلافها توقيع جوردان، ثم قالت: “لا تعبثوا معي أو مع عائلتي.”

حدّثت نورة صديقتي عن هذه القصة، وطلبت مني أنْ أحكيها لأبنائها، تقول إنها تريد أنْ يتعلموا كيف يمكن أنْ يواجهوا السخرية. لم أحكها لهم، لكني وجدت في القصة ما يمكن أن يكون مفتاحاً لمعانٍ أُخر:

  • لن تكفيك الكتب، تعافَ بتجاربك

أستاذ علم النفس الإكينيكي يصاب باكتئاب وبانهيار، ويدمن المهدئات (لأسباب طبية أو لغيرها).

ستمرض، وستتعافى من تجاربك وبها. لن تمنحك الكتب إلا معرفة في صورتها النظرية ولافتات. وستعطيك التجربة المعنى والطريق، وقلّ أن يكون المعنى إلا مربوطاً بألم. “ولم تزل المعارف الحاصلة عن أحوال الاضطرار أشد رسوخاً في القلب من المعارف الحاصلة عن نتائج الأفكار” (المِفضل بن سلطان الحموي)

  • لن يحميك العالم، ستؤويك عائلتك

العائلة سبيل لعافية الروح، هذه العلاقة الدائرية تعطيك بقدر ما مددت إليها أو مثلما زرعت فيها، طفلك سيشبّ ويصاحبك، صغيرتك سرعان ما تغدو لك كأم. عائلتك استثمارك الأول الذي يرتد إليك أسرع مما تظن.

  • سيروا إلى مشاريعكم عُرْجاً، انتظار الصحة بطالة[1]

أستاذ علم النفس الإكلينيكي (الذي درّس في هارفاد وتورينتو)، المعالج، والمحاضر، والمؤلف، أطلّ من الشاشات بادية عليه آثار الإعياء، في مرحلة تعافٍ لم تبلغ تمامها، وحين ظهر في مقابلة قصيرة أعلن فيها عن إطلاق ابنته لحملة المبيعات، أخطأ في تاريخ اليوم، وموعد الحملة فقال: “إنني لا أعرف حتى تاريخ اليوم”. لم يكن بكامل إمكانياته حين عاود نشاطه، ولكن يظهر لي أنه ظهر عندما كان عنده ما يقوله، ولديه من الوسع حدّ الكفاية.

انطلق حسب طاقتك، وابذل ما يمكنك، لا تنتظر التمام.

  • منتجات خيرية

في السنوات الأخيرة، ظهرت سوق لمنتجات خيرية، وسوق لتجارة توصف بأنها “منصفة”، يقصد بالأولى: سوق لا تهدف للربح، ويخصص ريعها للمحتاجين ومشاريع التنمية. ويقصد بالأخرى: سوق تهدف لربح “عادل” يراعى في إنتاجها وتسويقها معايير أخلاقية (منها، مثلا: حقوق العمال، وصيانة موارد الطبيعة).

تكاثرت هذه المشروعات، وتنوعت، حتى أنك لا تعدم أن تجد بعضها حولك أو غير بعيد عنك، في محلات إلكترونية وغير إلكترونية، ولن أبالغ إن قلت إنك ولو اعتنيت بهذا لأمكنك أن يكون نصف إنفاقك في مشترياتك في سوق خيرية أو عادلة.

“فكّر بغيرك” كما قالها محمود درويش.

و”اعمل لنفسك وفي بالك أيضاً مصلحة الغير وحاجتهم، فإن فعلت ذلك فأنت في عبادة”، كما قال الشعراوي.[2]

  • كن صادقاً، مع نفسك أولاً.

في ختام مقابلته مع هيلين لويس، سألته الصحفية الإنجليزية: “وختاماً، كيف تحب أن يذكرك الناس؟”، قال جودان: “على أني امرؤ صادق”. (وليست هذه مرافعة عما إذا كان جودان صادقاً أو كان غير صادق، ولكنه توجيه إلى المعنى).

وفي الختام، قد يهم القارئ هنا مشاهدة هذه الحلقة، (وهي مترجمة إلى العربية هنا).


[1] “سيروا إلى الله عرجاً ومكاسير، فإن انتظار الصحة بطالة” ينسب إلى محمد بن أحمد بن إبراهيم، أبو عبد الله القرشي الهاشمي. (الوافي بالوفيات)

[2] في الدقيقة الثامنة في المقطع.

بواسطة
image: time.com || Daniel Hambury—Evening Standard/eyevine/Redux

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. «ولم تزل المعارف الحاصلة عن أحوال الاضطرار أشد رسوخًا في القلب من المعارف الحاصلة عن نتائج الأفكار».

    المفضل الحموي (ت ٦٦٠ هـ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى