د. جمعان بن محمد الشهري
فاتحة
التاريخ المتداول بين الأمم، في نظر ابن خلدون، ذو ظاهرٍ وباطن؛ فأمّا ظاهره فأخبارٌ عن أيام الناس ودولهم وتعاقب القرون والأعوام، وأمّا باطنه، لمن تأمله، فنظرٌ وتحقيقٌ وتعليلٌ، وكشفٌ عن أسباب الوقائع ومبادئها. ومن أجل هذا الجمع بين ظاهر الخبر وباطن العلة، كان التاريخ جديرًا بأن يُعَدَّ من علوم الحكمة.
فالتاريخ عند ابن خلدون ليس مجرد خزانةٍ للأخبار، بل هو معرفةٌ تقوم على النظر والتمحيص؛ إذ لا تقف عند سرد الوقائع أو نقلها، بل تنفذ إلى كيفية وقوعها، وتحلل الأسباب والمقدمات التي أفضت إليها.
ومن ثمّ يبرز سؤال معيار صدق الخبر التاريخي: فلا يقتصر على صدق الراوي والثقة به، بل يتعداه إلى فحص الواقعة نفسها، واختبار شروط إمكانها ومطابقتها لأحوال العمران.
فكيف جعل ابن خلدون إمكان الوقوع، ومطابقة الخبر لطبائع العمران، معيارًا لنقد الرواية التاريخية؟
في هذا المعنى يقول ابن خلدون:
“فإنَّ فنَّ التاريخ من الفنون التي تتداولها الأمم والأجيال، وتُشدُّ إليه الركائب والرِّحال، وتسمو إلى معرفته السوقة والأغفال؛ إذ هو في ظاهره لا يزيد على أخبارٍ عن الأيام والدول، والسوابق من القرون الأُوَل، تُنمَّق فيها الأقوال، وتُضرَب فيها الأمثال، وتُطرَف بها الأندية إذا غصَّها الاحتفال. وهو في باطنه نظرٌ وتحقيق، وتعليلٌ للكائنات ومبادئها دقيق، وعلمٌ بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق؛ فهو لذلك أصيلٌ في الحكمة عريق، وجديرٌ بأن يُعَدَّ في علومها وخليق”([1]).
يكشف النص أن ابن خلدون يميز بين مستويين للتاريخ: مستوى ظاهرٍ مادته الأخبار المتعلقة بأيام الناس والدول وتعاقب القرون، ومستوى باطنٍ يقوم على النظر في كيفية الوقائع وتعليلها وردّها إلى أسبابها. ولذلك لا ينبغي للمؤرخ أن يقف عند الرواية، لا لأنها غير ذات قيمة، بل لأنها المادة الأولى التي يبدأ منها التحقيق.
فالتاريخ الحق يجمع بين الخبر، وتمحيصه، وتفسيره؛ وبهذا الانتقال من الحكاية إلى التعليل يستحق أن يُعَدَّ من علوم الحكمة.
ومن مجرد النقل إلى تمحيص الخبر: ينتقد ابن خلدون الاكتفاء بالنقل في كتابة التاريخ، ويدعو إلى إخضاع الخبر التاريخي لمِسبار النظر العقلي، والمقارنة بطبائع الوقائع. ويرى أن آفة التاريخ لا تكمن في قلة الأخبار، بل في قبولها قَبلَ تمحيصها. وفي هذا المعنى يقول:
“وكثيرًا ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمةِ النقل من المغالط في الحكايات والوقائع، لاعتمادهم فيها على مجرّد النقل، غثًّا أو سمينًا، ولم يعرضوها على أصولها، ولا قاسوها بأشباهها، ولا سبروها بمعيار الحكمة، والوقوفِ على طبائع الكائنات، وتحكيمِ النظر والبصيرة في الأخبار؛ فضلّوا عن الحق، وتاهوا في بيداء الوهم والغلط”([2]).
يُعَدُّ هذا النص الخلدوني نصًّا مؤسِّسًا للنقد المنهجي للرواية التاريخية؛ إذ يقوم على مبدأٍ أساس، هو أن الخبر لا يُقبل لمجرد نقله، بل لا بد من عرضه على معايير عقلية وواقعية.
وقد شخّص ابن خلدون الداء المتمثل في وقوع المؤرخين والمفسرين وأئمة النقل في المغالط، وبيّن أن سببه الاعتماد على مجرد النقل من غير فحص أو نظر. ثم اقترح منهجًا لتلافي ذلك، قوامه: عرض الأخبار على أصولها، وقياسها بأشباهها، وسبرها بمعيار الحكمة، والوقوف على طبائع الكائنات، وتحكيم النظر والبصيرة فيها.
فالآفة المنهجية، في المنظور الخلدوني، هي الاقتصار على مجرد النقل؛ إذ ينفصل الخبر، عندئذٍ، عن أدوات التحقق، فيغدو روايةً لا تُختبر صحتها ولا تُفحَص معقوليتها. وليس المقصود رفض النقل في ذاته؛ إذ لا سبيل إلى معرفة الماضي من غير أخبار وآثار، وإنّما المقصود نفي كفايته إذا انفرد عن النظر والتمحيص.
وأول أدوات التحقيق التي يدعو إليها ابن خلدون عرضُ الخبر على أصوله؛ أي مقابلته بها وامتحانه في ضوئها. والمقصود بالأصول: القواعد والمعارف التي يرجع إليها المؤرخ في الحكم على الرواية؛ مثل أحوال الدول، وعادات الأمم، واختلاف البيئات والأقاليم والأزمنة، وأحوال السكان والمدن والقبائل، والقواعد العامة التي تحكم العمران البشري وما يتصل به من المعاش والقوة والسلطان.
فإذا تضمّن خبرٌ، مثلًا، أن جيشين عظيمين التقيا في بقعةٍ لا يتّسع نطاقُها لنزول أحدهما أو انتشاره فيها منفردًا، فضلًا عن اجتماعهما فيها = وجب فحص إمكان الواقعة في ضوء أحوال العمران، ولم يجز قبول الخبر على ظاهره.
وهكذا تغدو معرفةُ طبائع العمران معيارًا للتمييز بين ما يمكن وقوعه من الأخبار وما يمتنع أو يبعد وقوعه.
ولا يقف الأمر عند عرض الخبر على أصوله، بل يتعداه إلى قياسه بأشباهه؛ أي مقارنته بنظائره من الوقائع والأحوال. فالرواية لا تُفهم بمعزل عن غيرها، وإنما تُختبر معقوليتها في ضوء ما يماثلها من الحوادث المعلومة. وتؤدي الأشباه، بهذا المعنى، وظيفة القرائن الواقعية التي تحول دون انفصال الخبر التاريخي عن حدود الإمكان؛ إذ يُنظر في مدى تناسبه مع أحوال الدول والناس والموارد والبيئات في الحالات المماثلة، مع حفظ الفروق الخاصة بكل واقعة.
ثم يدعو ابن خلدون إلى سبر الخبر بمعيار الحكمة؛ والسبر هو اختبار باطن الشيء وفحص غوره. والمقصود أن يتجاوز المؤرخ ظاهر الرواية إلى تحليل بنيتها الداخلية، بطلب عللها وأسبابها والروابط القائمة بين وقائعها. فلا يكتفي بالسؤال: ما الذي وقع؟ بل يضيف إليه: كيف وقع؟ وما المقدمات التي أفضت إليه؟ وهل تتناسب هذه المقدمات مع النتائج المنسوبة إليها؟ ومن ثمّ تكون الحكمة، بمعناها العقلي والتحليلي، أداةً لكشف التناقضات الكامنة في الخبر، وربط الواقعة بأسبابها وشروطها.
أما طبائع الكائنات في كلام ابن خلدون، فلا يقتصر معناها على القوانين الفيزيائية، بل يشمل السنن والأحوال الغالبة التي تنتظم بها الموجودات والوقائع في عالم الإنسان والاجتماع. ومن أبرز تطبيقات هذا المبدأ، في مجال التاريخ الإنساني، ما يسميه ابن خلدون طبائع العمران البشري؛ أي الأحوال الغالبة التي تنتظم بها الدول، والعصبيات، والمعاش، والسكان، والمدن، والقوة، والسلطان. فالمؤرخ لا يختبر الخبر بما يستحسنه أو يستبعده على نحوٍ ذاتي، بل بما يوافق أحوال البشر والعمران أو يجافيها.
وفي قوله: “وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار” خلاصة المنهج الخلدوني؛ فالتحكيم يقتضي جعل النظر والبصيرة حَكَمًا فاصلًا بين القبول والرد. والنظر هو الاستدلال، وربط المقدمات بالنتائج، ومقارنة الرواية بالقواعد والأصول؛ أمّا البصيرة فهي نفاذ الفهم إلى بواطن الوقائع، والقدرة على تمييز ما ينسجم مع طبائع العمران وقواعد الاجتماع مما لا ينسجم معها. وبذلك لا يعود الحكم على الخبر تابعًا لثقة الناقل وحدها، بل يتوقف كذلك على إمكان الواقعة، ومطابقة الرواية لأحوال العمران وقواعد الاجتماع.
وفي معيار المطابقة والإمكان: بعد أن بيّن ابن خلدون آفة الاقتصار على النقل وأدوات تلافيها، يفصّل في النص الآتي المعايير التي يُعرض عليها الخبر التاريخي للحكم على إمكانه ومطابقته، فيقول:
“لأن الأخبار إذا اعتُمد فيها على مجرد النقل، ولم تُحكَّم أصول العادة، وقواعد السياسة، وطبيعة العمران، والأحوال في الاجتماع الإنساني، ولا قيس الغائب منها بالشاهد، والحاضر بالذاهب، فربما لم يؤمن فيها من العثور، ومزلة القدم، والحيد عن جادة الصدق”([3]).
فالأخبار التاريخية لا تكون مأمونةً من الخطأ إذا اكتفى المؤرخ بنقلها كما وصلته، من غير تمحيص في ضوء هذه المعايير. فأصول العادة تقتضي أن يُنظر في موافقة الخبر لما جرى به العرف الغالب في أحوال البشر أو مخالفته له. وقواعد السياسة تقتضي أن يُختبر الخبر المتصل بالحرب، أو الحشد العسكري، أو التحول السياسي، في ضوء ما تملكه الدولة من قوة وموارد وتنظيم وقدرة على الإنفاق والتدبير.
وكذلك لا يؤمن الخطأ في الخبر إذا لم تُراعَ فيه مقتضيات الحياة البشرية وأحوال الاجتماع؛ من عدد السكان، وطرائق المعاش، وقوة العصبية، وأوضاع البدو والحضر، والصنائع، ونحو ذلك مما يدخل في معرفة العمران. فهذه المعرفة هي التي تمكّن المؤرخ من التمييز بين الممكن وقوعه، وما يستبعده الواقع أو تحيله أحواله.
وفي قوله: “ولا قيس الغائب منها بالشاهد، والحاضر بالذاهب” تنبيهٌ إلى أن على المؤرخ أن يستعين بالمعلوم والمشاهد في اختبار المجهول والمنقول. وليس المقصود أن الماضي يطابق الحاضر في كل تفاصيله، بل المقصود الإفادة من القدر المشترك بينهما من السنن والأحوال العمرانية؛ فالدول، والجيوش، والمدن، والمعاش، وإنِ اختلفت صورها من عصر إلى آخر، تظل محكومةً بشروطٍ وقيودٍ واقعية ينبغي استحضارها عند فحص الأخبار.
ومن ثمّ، يُخضع ابن خلدون الرواية التاريخية لجملةٍ من المعايير المتداخلة؛ إذْ إنّ إغفالها يعرّض المؤرخ لقبول أخبارٍ لا يتكفل الواقع بإمكانها، أو تناقض ما تقتضيه أحوال العمران والاجتماع، فيحيد التاريخ عن مقتضى الصدق والتحقيق.
وفي كون العمران معيارًا للتحقّق التاريخي، تُرَدُّ إليه الأخبار، وتُفهَم الروايات والآثار في ضوئه، يقول ابن خلدون في هذا المعنى:
“فللعمران طبائعُ في أحواله ترجع إليها الأخبار، وتُحمَل عليها الروايات والآثار”([4]).
فالأخبار التاريخية، لدى ابن خلدون، تُعرَض على طبائع العمران؛ أي: أحوال الاجتماع البشري وما يحكمه من السكان، والمال، والعصبية، والدولة، ونحو ذلك. فإنْ وافق الخبرُ هذه الطبائع، وكان ممكنَ الوقوع، بُحث بعد ذلك في ناقليه ومصادره؛ وإنْ لم يوافقها، فلا يُقبَل. فالمتن يُمتحَن بإمكانه الواقعي قبل الاكتفاء بصحّة نقله.
وفي تطبيق هذا المعيار على أخبار الأعداد، يقول ابن خلدون:
“…ولا سيما في إحصاء الأعداد من الأموال والعساكر إذا عُرِضت في الحكايات؛ إذْ هي مظنّة الكذب ومطيّة الهذر، ولا بد من ردّها إلى الأصول وعرضها على القواعد”([5]).
ثم يبيّن سببَ وجوب عرض الأعداد على أصول النقد التاريخي، وكونها مظنّةً للكذب، بقوله:
“ويذهل في ذلك عن تقدير مصر والشام واتّساعهما لمثل هذا العدد من الجيوش؛ فلكل مملكة من الممالك حِصّةٌ من الحامية تتّسع لها وتقوم بوظائفها، وتضيق عمّا فوقها، تشهد بذلك العوائد المعروفة والأحوال المألوفة”([6]).
ويُلحظ أن النّصين يعالجان جانبًا تطبيقيًّا من منهج ابن خلدون في نقد الأخبار، يتمثل في نقد الأعداد، ولا سيما أعداد الأموال والجيوش. فالأرقام الواردة في الأخبار التاريخية مظنّة للكذب لسببين: سهولةُ المبالغة فيها، وإيرادُها من غير تقديرٍ لما يقتضيه تحققها في الواقع.
لذلك لا تُقبَل الأعداد لمجرّد ورودها في الرواية، بل تُختبَر بشروط الإمكان الواقعي؛ فمن ادّعى جيشًا عظيم العدد، سُئل عن مدى اتّساع الإقليم له، وكفاية موارده الاقتصادية، وقدرة الدولة على جمعه وتنظيمه وتموينه. إذ لكل مملكة حدٌّ يناسب عمرانها ويكفي لأداء وظائفها، ثم تضيق قدرتها عمّا زاد عليه. فالعدد التاريخي ليس معلومةً محايدة، بل دعوى واقعية تُمَحَّص بمقياس القدرة العمرانية على الاستيعاب والتنظيم والتموين.
ومن نقد الخبر إلى تعليل الوقائع تتضح غاية ابن خلدون؛ فهي لا تقف عند كشف الرواية الكاذبة أو المبالغ فيها، بل تتجاوز ذلك إلى تفسير الحوادث التاريخية والكشف عن قوانينها الاجتماعية.
وفي ذلك يقول:
“ثم إذا تعرّضوا لذكر الدولة نسقوا أخبارها نسقًا، محافظين على نقلها وهمًا أو صدقًا، لا يتعرّضون لبدايتها، ولا يذكرون السبب الذي رفع من رايتها وأظهر من آيتها، ولا علّة الوقوف عند غايتها؛ فيبقى الناظر متطلّعًا بعدُ إلى افتقاد أحوال مبادئ الدول ومراتبها، مفتّشًا عن أسباب تزاحمها أو تعاقبها، باحثًا عن المقنع في تباينها أو تناسبها”([7]).
ويُلحظ أن ابن خلدون ينقد المؤرخين الذين يكتفون بسرد أخبار الدول وترتيب وقائعها، من غير أن يبحثوا في نشأتها، وأسباب صعودها وقوتها، وعلل ضعفها وتوقّفها أو زوالها. فالعبرة عنده ليست في مجرد حكاية الأحداث، بل في تفسير مجرياتها، وردّها إلى عللها وشروطها. ومن ثمّ يُطلب من الناظر (المؤرخ) أن يتجاوز ظاهر الخبر إلى ما وراءه: أن يدرس أحوال الدول في مبادئها ومراتبها، وأن يفتّش عن أسباب تزاحمها وتعاقبها، وأن يبحث عن وجوه تباينها أو تناسبها.
فالتاريخ، بهذا الاعتبار، علمٌ بالتحوّلات والعلل، قائمٌ على فهم طبائع العمران والاجتماع البشري.
أمّا غايةُ علم العمران، بعد تمحيص الخبر الذي يُعَدّ ثمرتَه الأولى، فهي الكشف عن علل الوقائع وأسبابها. وفي ذلك يقول ابن خلدون:
“وشرحتُ فيه من أحوال العمران والتمدّن، وما يعرض في الاجتماع الإنساني من العوارض الذاتية، ما يُمتّعك بعلل الكوائن وأسبابها، ويعرّفك كيف دخل أهلُ الدول من أبوابها، حتى تنزع من التقليد يدك”([8]).
ويقول أيضًا:
“فلا تثقنّ بما يُلقى إليك من ذلك، وتأمّل الأخبار، واعرضها على القوانين الصحيحة = يقع لك تمحيصها بأحسن وجه”([9]).
هنا تظهر ثمرة علم العمران؛ فهي لا تقتصر على تمحيص الأخبار وتمييز صحيحها من ضعيفها، بل تتجاوز ذلك إلى غايته الأبعد: الكشف عن علل الوقائع وأسبابها. ذلك أن دراسة أحوال العمران تمكّن الناظر من فهم المجريات فهمًا تعليليًّا؛ فلا يكتفي بالسؤال عن كيفية قيام الدولة أو وقوع الحادثة، بل يبحث في الأسباب التي أفضت إلى نشأتها، والعوامل التي مكّنتها من بلوغ تلك المنزلة، ثم العلل التي أدّت إلى ضعفها أو زوالها. فالتمحيص هو المدخل، أما الغاية فهي تحويل التاريخ من أخبارٍ تُتلقّى بالتقليد إلى وقائع تُفسَّر بالقوانين العمرانية وطبائع الاجتماع الإنساني.
– – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – –
([1]) تاريخ ابن خلدون، عبد الرحمن بن خلدون، ضبط المتن ووضع الحواشي والفهارس: أ. خليل شحادة، مراجعة: د. سهيل زكار، دار الفكر، بيروت، ط1، 1981 م، 1/6.



