غريغوري ماركس
ترجمة/ د. عبد الله الشهري
لا يحتاج القارئ إلى التوغّل في مقدّمة فينومينولوجيا الروح حتى يعثر على وفرة من الصور اللافتة: نرى الأفكار تطير كطلقات المسدسات، وأبقارًا مختبئة في الظلام، وفلاسفة يعيدون طلاء لوحاتهم باللون الأبيض. صور أيقونية، مقتضبة، وتعلق بالذاكرة، لا شك في ذلك. لكن ماذا تؤدي هذه الاستعارات فعلًا في عرض هيغل؟ والإشكال أنّ هذه الصور لا تنسجم دائمًا مع العرض المفهومي الذي يُفترض بها أن توضّحه. سنلتفت إلى بعض الأمثلة بعد قليل، غير أنّه يمكن القول منذ الآن إنّ النمط العام هو نمط أشبه بتعاقب السجلات: فالعرض في المقدّمة عسير في أحسن الأحوال، وإن كان عُسره يرجع إلى إيجاز صِيَغه أكثر مما يرجع إلى التوائه، وهي صيغ تستدعي قراءة أخرى متأنّية تفُك عُقَدها. إنّ كثافة نثر هيغل تُبرِزُ صوره أكثر فأكثر، إن لم يكن من حيث الوضوح فمن حيث المباشَرَة. تبدو الصورة وكأنها تتكفّل بالحديث عن نفسها، لكن هذه البساطة الظاهرة لا تدوم؛ ذلك أن العودة إلى سجلّ العرض تقتضي تضمين الصورة مجددًا عبر شروحٍ تحلّ محلّها. وعلى الرغم من أنّ كِلا الطرفين – الصورة والشرح – يزعمان تقديم المسألة نفسها، إلا أن كلًّا منهما يقف في مواجهة الآخر. فإذا كانت الصورة تُوضّح الفكرة، فلمَ لا نتجاوز الشرح؟ وإذا كان الشرح يتوخى توضيح الصورة، فما الغاية التي أدّتها تلك الصورة أصلًا؟ لنلتفت إلى بعض الأمثلة.
في وقت مبكّر من المقدّمة، يعلن هيغل مشروعه بوصفه مرآةً للعصر. فقد اجتاح أوروبا عقدٌ ونصف من الحماسة الثورية، وبلغت الثورة الفرنسية طور النضج بعد أن روّضت اندفاعاتها اليافعة، وها هو الإمبراطور نابليون يجوب القارّة من أدناها إلى أقصاها، ويكنس النظام القديم من على وجه الأرض. يُطالب هذا الاضطراب السياسي بانقلاب مماثل في طرائق التفكير القديمة: ثورة ثقافية تُلحق حياة العقل بعالمٍ تجاوزها وخلّفها وراءه:
“إنّ الروح في الحقيقة لا تعرف السكون، بل تتقدم على الدوام. فكما أنّ النَّفَس الأوّل الذي يستنشقه الطفل بعد تغذيته الطويلة الهادئة يقطع تدرّج النموّ الكميّ المحض – قفزة نوعية – ويولد الطفل حينئذ، فكذلك تنضج الروح التي تُهذّب نفسها ببطءٍ وهدوء إلى هيئتها الجديدة، مُذوِّبةً شيئًا فشيئًا بنية عالمها السابق، ولا يدلّ على عدم استقراره إلا أعراض متفرّقة؛ فالاستخفاف والملل المستفحلان في النظام القائم، والإحساس الغامض بشيءٍ مجهول، إنما هما نُذُرُ التغيّر المرتقب. هذا التفتّت التدريجي الذي لم يغيّر ملامح الكلّ تبدده لحظة الشروق [Aufgang] التي، كالصاعقة [Blitz]، تكشف فجأةً محيط العالم الجديد” (فينومينولوجيا الروح، §11).
العالم القديم يحتضر، والجديد يتلمّس طريقه إلى الولادة؛ وها هو زمن الاستعارات المختلطة. فالتحوّل التاريخي-العالمي الذي يُفترض بالفينومينولوجيا أن تُدشّنه للفكر يُوصَف بأربع صورٍ تتداخل ولا تتماسك. أوّلًا، يستدعي هيغل صورة الطفل الذي يبلغ نموّه التدريجي في الرحم ذروته، وذلك عند استنشاقه نَفَسه الأوّل بوصفه الفعل الأوّل لكائنٍ مستقل. ولعلّ المقصود أنّ الروح في نشأتها قد نمت داخل العالم القديم، معتمدةً عليه، ولم تُعلن استقلالها إلا الآن. غير أنّها ولادة بلا أمومة: فالعالم القديم ليس أمًّا، بل هو أطلال، يخضع بدوره لعملية تفكّك مؤذنة بانهيارٍ تام. ولا يسع هذه الصورة المتعلّقة بالانحدار التدريجي إلا أن تعيد تأطير صورة النموّ السابقة: فالطاقة المستنزَفة من العالم القديم تتغذّى عليها هيئة الروح الجديدة، فتغدو – على نحوٍ مجازي – أقرب إلى مصّاص دماء منها إلى طفل.
سواء أكان الأمر ولادةً أم انهيارًا، فإنّ هذه العملية تؤول إلى تحوّلٍ حاسم. لكن حتى هنا يعجز هيغل عن الاستقرار على صورة واحدة؛ إذ يصف الانكشاف المفاجئ للعالم الجديد باستعارة شروق الشمس، ويُعزّزها بتشبيه البرق. فأين يضعنا هذا الانكشاف؟ إنّ استعارات الولادة والخراب تصف عملياتٍ داخل المشهد نفسه، وهو على وشك بلوغ نقطة انقلاب حرجة. أمّا الشمس فليست جزءًا حقيقيًا من هذا المشهد؛ فهي تقف على مسافة، تشرق أو تغرب وفق دورتها الخاصة، وتسطع على القديم والجديد معًا. إنها لا تغيّر المشهد، بل تجعل تغيّراته مرئية فحسب. والبرق يلائم فجائية التحوّل، إلا أنّه – بوصفه ومضةً خاطفة – أشدّ التباسًا زمانيًا. أهو تدشين عصرٍ جديد، أم مجرد لقطةٍ عابرة لعالمٍ سرعان ما يتلاشى عن الأنظار؟
هنا تختلط الولادة بالموت؛ والحركة التدريجية بالتحوّل المفاجئ؛ والثورة بالكشف. وعلى الرغم من امتلاء هذا المقطع بالحماسة، إلا أنه يصطف اصطفافًا حرجًا مع إدانة هيغل للتصوّف في الفلسفة، وهي إدانة لا تقلّ عنه حماسة. ففي الفقرة السابقة مباشرة يصرّح قائلًا: “من المفترض أن يقرَّ هذا القول النبويّ في صميم المركز والعمق، وينظر نظرة احتقار إلى التعيُّن (الهوروس [حجر الحدّ])، وينأى عمدًا عن المفهوم والضرورة، وعن التأمّل الثاوي في التناهي فقط” (فينومينولوجيا الروح، §10). لكن في الفقرة التالية عينها يفشل هيغل في تقديم صورة محدَّدة! فحين يحاول تقرير أهمية مشروعه (الاعتراف الفكري بحركةٍ مُنجزة للفكر بالفعل)، يلجأ إلى ’كياروسكورو‘ (تضادّ النور والظلّ) نبويّ يقتبس كشوفاتٍ خاطفة وامضة من ظلمات التاريخ. ثم يغيّر وجهته؛ فتعود الفقرات اللاحقة لتتراجع عن تحشيد الصور هذا، متحدّثةً عن “المفهوم البسيط للكلّ” الذي ظهر في عالم الفكر ويتعيّن أن يكون بدايته الجديدة (فينومينولوجيا الروح، §12).
في الواقع، جلّ استعارات المقدّمة متعلقٌ بالزمن والحركة، تاريخيًا كان ذلك أم فرديًا. وفي معرض هجومه الافتتاحي على الشكلانية الفلسفية، يوظّف هيغل مثالًا نباتيًا ليمعن في تعقيد الفهم التقليدي للتناقض:
“إنّ الرأي لا يفهم تنوّع النُّظم الفلسفية بوصفه انكشافًا تدريجيًا للحقيقة؛ بل لا يرى في هذا التنوّع إلا تناقضًا. فالبرعم يختفي عندما تنبثق الزهرة، ويمكن القول إنّ البرعم يُدحَض بالزهرة؛ وبالمثل، حين تظهر الثمرة تُعلَن الزهرة وجودًا زائفًا للنبات، وتحلّ الثمرة محلّها بوصفها حقيقةَ النبات. هذه الأشكال ليست مختلفة فحسب، بل إنّها تُقصي بعضها بعضًا بوصفها غير متوافقة. ومع ذلك، فإنّ طبيعتها السيالة تجعلها لحظاتٍ من وحدةٍ عضوية، لا تتعارض فيها فحسب، بل يكون كلٌّ منها ضروريًا بقدر الآخر؛ وهذه الضرورة المشتركة وحدها هي التي تُكوِّن حياة الكلّ” (فينومينولوجيا الروح، §2).
إنّ ما يسمّيه هيغل “دحض” البرعم بالزهرة لا يقع إلا لوعيٍ تجريدي يرى فيهما هيئاتٍ متناقضة. فالعضو الذي هو اليوم زهرة كان بالأمس برعمًا وقد يحمل غدًا ثمرًا. هذه تعيينات غير متوافقة – إذ لا يمكن أن يكون في آنٍ واحد برعمًا وزهرة – غير أنّ شيئًا لم يمت بفعل التناقض. بل إنّ عدم التطابق بين هذه المراحل لا ينفي وحدتها. إنّ أيّ سردٍ لحياة النبات (كما هو الشأن في أيّ سردٍ لأي حياة) لا بدّ أن يضمّ كلًّا من هذه الأشكال في مواجهة التمسّك الساذج بالقانون الصوري لعدم التناقض.
كلّ ذلك حسن. غير أنّ وحدة البرعم والزهرة ينبغي الآن أن تخدم باعتبارها تمثيلًا لوحدة النُّظم الفلسفية عبر التاريخ، لتوضيح “تنوّع النُّظم الفلسفية بوصفه انكشافًا تدريجيًا للحقيقة”. وهنا يُزحزح هيغل النقاش زحزحة خفية من الوحدة الداخلية لسلسلة ’ورقة-برعم-زهرة‘ إلى الوحدة الخارجية للفلسفات بوصفها أجزاءً لتاريخٍ كونيّ. أي إنّنا انتقلنا من تحوّلٍ كِنائيّ (metonymy) لجزئيٍّ إلى جزئيٍّ آخر، إلى علاقة الجزء بالكلّ التي يختصّ بها المجاز المرسل (synecdoche). والقياس الأقوم للتعبير عن هذه البنية القائمة على علاقة الجزء بالكلّ هو صورة نباتٍ واحد يمتلك أعضاءً عديدة، فيها براعم وزهور وثمار تُشكّل وحدةً من أجزاء متناقضة. غير أن ما نشهده هو انزلاق بلاغي، حيث تُخفي خصوصية المثال النطاقَ الكونيّ لما يُفترض أن يوضّحه.
غير أنّ هذا القياس الثاني سيهدر العنصر التعاقبي الزمني في صورة هيغل: فنحن بحاجة إلى رؤية وحدة الفكر في حركته، جامعةً لا تنوّع الفلسفات في الحاضر فحسب، بل تنوّعها عبر الزمن. تبدو الصورة مزدوجة، مقروءةً ضمن سجلّين من الشرح: إمّا أنّها توضّح الوحدة التعاقبية لهيئاتٍ متنوّعة يتّخذها كيانٌ واحد (النبات برعمًا، ثم شتلةً، ثم شجرة)، أو أنّها توضّح الوحدة التزامنية لعناصر غير متشابهة في جسدٍ واحد (في النبات الواحد توجد براعم وزهور وثمار). من حيث المفهوم، لا يتعارض هذان المنظوران، لكن من حيث الصورة لا يمكن إظهار إلا واحدٍ منهما في اللحظة الواحدة. ينتظر كلّ معنى دوره ليُستخرج بشرحٍ ليس جزءًا أصيلًا من الإيضاح، بل يقول ما تعجز الصورة عن تحديده بذاتها. وبالمناسبة، هذه هي المعضلة العامة للغة الأمثولة. فالأمثولة (الأليغوريا) استعارة ممتدّة، صورة لفظية مُفصّلة، يُفترض بها أن تنقل معنىً ثانويًا عبر هذه الصورة. فالحكاية، مثلًا، لها عِبرة تُعلِّمها؛ غير أنّ هذه العبرة لا تأتي إلا بعد اكتمال القصّة. تُروى لنا حكاية، ثم يُقال لنا ماذا تعني. إنها لا تحتوي هذا المعنى حقًّا، بل تُشكّل مناسبة لإعادة سرده. وقد يخطر ببالك أيضًا تلك الرسوم الكاريكاتورية السياسية التي تضطر إلى وضع تسمياتٍ على كلّ ما في الصورة كي يتّضح معناها – أو، على نحوٍ أدقّ، تلك القصص المصوّرة التي يكون فيها عدم التطابق الشكلي بين الصورة والنصّ جزءًا من النكتة. فكلّ شرحٍ يحمل معه حاجةً إلى شرحٍ آخر. ونادرًا ما يكون توضيح الفكرة مباشرًا بقدر ما يبدو في الوهلة الأولى. والفلاسفة ليسوا بمنأى عن ذلك.
* * *
إنّ المشكلة الأسلوبية المتعلّقة بالمعاني الظاهرة والمعاني الضمنية مسألةٌ يتناولها هيغل نفسه قرب نهاية المقدّمة. والمقصود هنا توضيحُ المعنى التأمّلي للقضايا الفلسفية، وهي قضايا قد تبدو من حيث الصياغة ملتزمة بالقوانين الصورية للمنطق، غير أنّها تميل في حقيقتها إلى تجاوزها. ومثال هيغل الأوّل هو القضية: “الذات [Subject] هي الجوهر”. فإذا قُرئت قراءةً صورية، بدت قضيةً تقريرية بسيطة يُسند فيها الجوهر إلى الذات، إمّا على نحوٍ وصفيّ («الذات جوهرية») أو على نحوٍ ماهويّ («الذات هي ما نسمّيه أيضًا الجوهر»). غير أنّ مشكلتين تبرزان هنا.
أولًا، يظلّ مضمون القضية منحازًا إلى جانب المحمول، فيغدو أثقل دلاليًا من الذات التي يُفترض به أن يصفها. فإذا أردتَ القول إنّ الذات هي الجوهر، كان عليك أوّلًا أن توضّح لنا ما هو الجوهر أصلًا، قبل أن تعود إلى الذات.
ثانيًا، إذا لم تكن العلاقة بين هذين الحدّين مجرّد تمرينٍ اعتباطيّ في الصيغة، بل تقريرًا لحقيقةٍ جوهرية عنهما، فإننا نُوشك أن نقع في تحصيل حاصل. فإذا كانت الذات هي الجوهر، أفلا يكون الجوهر هو الذات؟ وربما سُرّ السبينوزيّين منّا أن يقفزوا من القول: “الله هو الطبيعة – والطبيعة هي الله” إلى الصيغة الموصولة “الله – أو – الطبيعة”، غير أنّ هذه العبارة تكفّ حينئذ عن أن تكون قضية. فقول الهوية يُفرغ حدَّيه من التعيين، ويحوّلهما إلى اسمٍ أجوف يحتاج إلى تحديداتٍ إضافية؛ ومن ثمّ، لكي تؤدّي القضية وظيفتها، لا بدّ من الإبقاء على تمايز الحدّين داخل وحدتهما. ولتفادي هذه الإشكالات، نحتاج إلى إدراك الطابع التأمّلي للقضية، أي ميلها إلى وحدةٍ مفهومية تتضمن اللاتطابق الواقعيّ بين حدّيها. ولتوضيح ذلك، يستعين هيغل بمثالٍ موسيقيّ:
“إنّ هذا الصراع بين صورة القضية عمومًا ووحدة المفهوم التي تُبطلها يشبه الصراع القائم في الإيقاع بين الوزن والنبر. فالإيقاع ينشأ من مركزٍ عائم ومن توحيد العنصرين معًا. وكذلك الحال في القضية الفلسفية: فهُوية الموضوع والمحمول لا يُراد بها إبادة التمايز بينهما الذي تُعبِّر عنه صورة القضية، بل يُراد لوحدتهما أن تنبثق بوصفها انسجامًا” (فينومينولوجيا الروح، §61).
يمكن إعادة بناء هذا القياس على النحو الآتي: فالوزن والنبر يجتمعان ليُنتجا الإيقاع. والوزن – المشتقّ من اليونانية بمعنى «القياس» – يتعلّق بالأنماط الكميّة للمقاطع، في حين يصف النبر الكيفية الصوتية لبعض المقاطع من حيث كونها مشدَّدة أو غير مشدَّدة. وفي الشعر القائم على النبر والمقطع معًا، يُفترض بهذين العنصرين أن يعملا في انسجام، بحيث يظلّ توازن النبرات ثابتًا عبر الوزن، ويحافظ قياس المقاطع على نمطٍ منتظم من النبرات. وبتعبير هيغل، فإنّ الإيقاع هو هذه الوحدة المؤلَّفة من الوزن والنبر.
وقد يبدو هذا شبيهًا بذلك التركيب الذي يُلغي حدَّين متقابلين في إنتاج حدٍّ ثالث، غير أنّ فضل هذا القياس – فيما يظهر – يكمن في دقّته اللغوية. فالوزن والنبر لا يذوبان ذوبانًا كاملًا في الإيقاع: فبعض أنماط الشعر تقيس المقاطع وحدها، وبعضها الآخر يحصي النبرات وحدها. أمّا في الشعر النبري – المقطعي، فنرى هذين العنصرين متّحدين في أقدامٍ عروضية ذات عددٍ وترتيبٍ محدَّدين من المقاطع والنبرات، بحيث لا نصف الإيقاع بقولنا: “عشرة مقاطع مع خمس نبرات”، بل نقول: “البحر الإيامبي الخماسي”. ويمكن، بطبيعة الحال، تفكيك القدم إلى عناصرها المكوِّنة، بحيث لا تختفي هذه العناصر، وإن كانت قد فقدت استقلالها لصالح نظامٍ شعريٍّ أعلى.
وعلى هذا النحو يمكن استكمال القياس: فصورة القضية (الموضوع والمحمول، قياسًا إلى المقاطع المنبورة وغير المنبورة) تكون في صراعٍ مع محتواها المفهومي (الذي يقابله الوزن بوصفه الإطار الموحِّد)، إذ يُعبِّر المفهوم عن الهوية بينما تُقرِّر الصيغة الصورية الاختلاف. وليس هذا توضيحًا للقضية التأمّلية ذاتها، بل للعلاقة بين القضايا العادية ومفاهيمها. فالقضية لها موضوع ومحمول – حدٌّ منبور وحدٌّ غير منبور – يتحدّد كلٌّ منهما بالآخر على نحوٍ يجعل المحمول أساسيًا بالنسبة إلى الموضوع. وهذا التلازم يتجاوز الفصل الصوريّ بين الحدّين بأن يوحي بتوافقٍ ضمنيّ بينهما. فإذا قُرئت القضية قراءةً صورية، غدت حدودها قابلةً للتبادل؛ أمّا إذا قُرئت قراءةً تأمّلية، صارت مثل عناصر الأقدام العروضية التي تُؤلِّف إيقاعًا لا يُختزل إلى أحد عنصريه.
وتعرض الفقرات اللاحقة أمثلةً على قضايا تأمّلية خالصة، مثل: «الله هو الوجود»، حيث يستأثر المحمول بكلّ المعنى، ويغدو الموضوع اسمًا فارغًا، فيتحوّل الرابط نفسه إلى موضع الهوية. أو مثل: «الواقعيّ عقلانيّ»، وهي قضية يتقاطع فيها مفهومان يُفرغ كلٌّ منهما في الآخر: تعقيل الواقعيّ وإيقاع العقلانيّ. وفي كلّ حالة، لا تنتهي القضية التأمّلية إلى تركيبٍ نهائي، بل تنبثق بوصفها معنىً ثانويًا من القضايا العادية حين تكشف عن هويةٍ صورية أو ألفةٍ مفهومية. فالفكر المفهومي لا يملك وسيلة تعبيرٍ مباشرة؛ كما لا إيقاع من دون وزنٍ ونبر؛ وإنما لا يظهر الانسجام إلا من خلال تفاعل هذه العناصر.
وفي كلّ محاولةٍ لوصف فجر المعرفة التأمّلية وتطوّرها وانسجامها، يبرز توتّرٌ بين البرهنة والتمثيل. وبعض الصور أوفى من غيرها، غير أنّ جميعها يعجز عن توضيح حُجّة هيغل حيث ينبغي. فبدل أن تُقدِّم الحُجّة في صورةٍ مبسَّطة أسهل تناولًا، تُدخل هذه التمثيلات عناصر جديدة تتطلّب مزيدًا من الشرح، ولا تنسجم تمامًا مع الحدود الأصلية للحُجّة. فلماذا يواصل هيغل إساءة تمثيل مقاصده؟
قد يكون الجواب الهيغليّ الانعكاسي أنّ هذه الحالات تنتمي إلى التفكير التمثّلي (Vorstellung)، الذي سيُتجاوَز لاحقًا لصالح التفكير المفهوميّ الحقّ (Vernunft). وسيقول الهيغليون إنّ التمثّلات قاصرة دومًا، لأنها صورٌ مُغتربة تحلّ محلّ الفكر الذي يُفترض بها أن تعكسه. غير أنّ هذا التمييز البسيط يتعارض مع دفاع هيغل نفسه عن «التفكير التصويريّ» بوصفه أداةً تربوية في هذه الصفحات ذاتها. فمهما تكن نقائصها، تظلّ صور الفكر هي الوسيط الذي نتبوّأ به موقعنا في تاريخ التفكير:
“إنّ ما كان فيما مضى هو الشيء ذاته لم يعُد الآن سوى أثر؛ لقد استتر شكله وصار مجرّد تظليل. أمّا الفرد الذي يكون جوهره الروحَ الأسمى، فيجتاز هذا الماضي كما يجتاز من يتناول علمًا أرقى المعلومات التمهيدية التي كان قد استوعبها منذ زمن، فيستحضر مضمونها من غير أن يهتمّ به أو يمكث عنده” (فينومينولوجيا الروح، §28).
وهذا هو التجريد: اختزال المعرفة إلى عناوينها القصوى، بحيث تُعرَض خطوط المشكلة بدلًا من المشكلة نفسها. غير أنّ لهذا الوصف وجهًا ملتبسًا: فالتجريدات تُثير اهتمامًا ضئيلًا، وإن كانت راسخةً في الذاكرة. ويمكن تلقّيها حفظًا، واتّخاذها معطياتٍ أُنجِز بحثها من قبل، وتُستدعى لاحقًا لدعم أسئلة جديدة. بعبارة أخرى، التجريد عادةٌ ذهنية. ولأننا لا نستطيع البدء من الصفر في كلّ مرّة، فإننا نلجأ إلى اختصاراتٍ معرفية تسمح لنا بتجاوز ما ثبت سابقًا واعتماده أساسًا لما يليه. ونكتسب هذه الاختصارات عبر مسار التعليم، حين تُحفَظ في الذاكرة الصيغُ المكتملة لمشكلاتٍ كانت تستعصي علينا في الماضي. وهذا العمل التجريديّ لا يقتصر على الفرد وحده:
“وعلى الفرد أيضًا أن يجتاز المراحل التعليمية للروح الكلّية من حيث مضمونها، ولكن بوصفها أشكالًا قد نبذتها الروح بالفعل، من حيث هي مراحل على طريقٍ قد أُعِدّ ومُهِّد… وفي التدرّج التربوي سنُدرك تاريخ تربية العالَم كما لو كان مرسومًا في هيئة ظِلّية” (فينومينولوجيا الروح، §28).
وقبل أن يبدأ تعلُّمنا الفرديّ، يكون العمل التاريخيّ للتجريد قد أُنجز سلفًا. فمشكلات الماضي الكبرى قد اختُزلت إلى تمارين تُدرَّس للأطفال. ومع تقدّمنا في الدراسة، نسأم تظليلات الفكر هذه؛ فكلّما ترسّخت في الذاكرة قلّ اهتمامنا بها، وكلّما استُدعيت بدت أقلّ كفايةً وأحوج إلى المراجعة. ومع ذلك، لا يمكن التخلّي عن التجريد كليًا، لأنه الوسيلة التي بها يُختزل العمر التاريخيّ للروح إلى نطاق حياةٍ فردية:
“إنّ هذا الوجود الماضي هو ملكٌ مُكتسَب سلفًا للروح الكلّية التي تُشكّل جوهر الفرد… أمّا من حيث تُنظَر من جانب الروح الكلّية بوصفها جوهرًا، فليس ذلك إلا كونَ الجوهر يُعطي ذاته وعيَه بذاته، ويُنتج صيرورته وانعكاسه إلى ذاته” (فينومينولوجيا الروح، §28).
وبهذا يمكن تفكيك مشكلة التجريد عبر التمييز بين خبرته وإنتاجه. فالفرد يولد داخل تاريخٍ جارٍ، ويصادف كتلة التجريدات المتراكمة من الماضي، فيحاول إحياءها داخل فكره. غير أنّه، من جهةٍ أخرى، ليس سوى أداةٍ في مسارٍ تاريخيّ يتجاوزُه، إذ إنّ تقدّم الفلسفة لا تصنعه العبقريات الفردية، بل الثقافة الفكرية التي تكون هذه العبقريات أعراضًا لها لا أسبابًا. وما يسمّيه هيغل «عمل المفهوم» هو هذا الإنتاج العابر للأفراد للفكر، الذي يظهر لنا بوصفه أدنى مما هو مفهوميّ لأنّ منظورنا هو منظور أفرادٍ داخل التاريخ لا منظور التاريخ ذاته.
وطموح فينومينولوجيا الروح هو إعادة بناء هذا المسار وإحياء تجريداته لغاياتٍ جديدة: أن نرى ما هو جوهريّ في تاريخ الفكر، من دون أن تُثار مشكلاته مجددًا بكلّ تعقيدها. فلا بدّ من الاحتفاظ بالتجريد، ولكن مع إرغامه على أن ينطق نطقًا ملموسًا. ومن هنا يقف مشروع هيغل عند مفترق طرق: فليس واضحًا أهو يشقّ أقاليم جديدة للفكر، أم يُجمِل تجريدات الماضي لتسريع تعليمنا في الروح الكلّية. ويُفسِّر الاحتمال الأوّل عدمَ الانسجام بين الحُجّة والتمثيل، لأنّ التجريد لا بدّ أن يُلحِقَ عنفًا بمادّته. فالصور المتناقضة في المقدّمة تُجسِّد صعوبة بلورة الفكر في أشكالٍ تجريدية مُرضية. أمّا هيغل نفسه فيميل إلى الاحتمال الثاني، عارضًا عمله بوصفه خلاصة تاريخ الروح لا إضافةً إليه، ومراهنًا على أنّ الحقّ لا يظهر إلا في أوانه (فينومينولوجيا الروح، §71). غير أنّ هذا الرهان لا يمكن إنجازه في المقدّمة، لأنّها تُعلن – بلغةٍ تجريدية – تجاوز التجريد ذاته. فصورها ومفاهيمها لا تتطابق، لأنها تصف الحركة نفسها منقسمةً بين منظور الوعي الفرديّ ومنظور الروح الكلّية. وفي بقية الكتاب، يتجسّد المفهوم في شكله: الوعي التعيس، وقانون القلب، والروح الجميلة ليست استعارات، بل تشكلات محدّدة للفكر. أمّا هنا، ففي هذه الخطوة الأولى، لا بدّ للمقدّمة أن تُخاطبنا وسط التجريدات التي لم تكتشف بعدُ مضمونها المفهوميّ. وهنا قد «تدحض» الزهرةُ البرعمَ، غير أنّ الغاية هي تعيين موضعهما في الكلّ.
المصدر: https://thewastedworld.substack.com/p/hegels-bad-images



