محمد عمر خسرو
هناك عبارة شهيرة بين الناس وردت في مجموع فتاوى ابن تيمية (٧٢٨ هـ) ألا وهي: «فإن الناس لم يتنازعوا في أن عاقبة الظلم وخيمة وعاقبة العدل كريمة، ولهذا يروى: الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة!».
قد تعامل مع هذه العبارة الذين لم يفهموها بطرق مختلفة؛ فبعضهم حكم عليها بالتناقض لأن العدل والكفر لا يجتمعان [انظر: محمد بنتاجة، العقيدة الأشعرية من منظور الفكر الإسلامي المعاصر (بيروت: دار الكتب العلمية، ٢٠٢٢)، ٣٧٤]، وبعضهم قرنها بعبارة منسوبة إلى محمد عبده (١٣٢٣ هـ) تقول: «ذهبت إلى الغرب فوجدت إسلامًا ولم أجد مسلمين ولما عُدت إلى الشرق وجدت مسلمين ولم أجد إسلامًا!» [انظر: فهمي هويدي، التدين المنقوص (بيروت: دار الشروق، ١٤١٤)، ٧٢؛ محمد جابر الأنصاري، تكوين العرب السياسي ومغزى الدولة القطرية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ١٩٩٥م)، ١٨. قال محمد عمارة إنها «من الأخطاء الشائعة التي لم يقلها محمد عبده بل كان فكره على النقيض من معناها» (محمد عمارة، تحليل الواقع بمنهاج العاهات المزمنة (القاهرة: نهضة مصر، ١٩٩٩م)، ٤٩)، ولم أجدها في مصدر إلا مجرد نقل مرسل من غير عزو، والله أعلم.]، ومنهم من وظفها في سياق تبرير الدولة العالمانية وتلميعها!
مع أنه «يجب أن يفسر كلام المتكلم بعضه ببعض ويؤخذ كلامه هاهنا وهاهنا، وتعرف ما عادته يعنيه ويريده بذلك اللفظ إذا تكلم به، وتعرف المعاني التي عرف أنه أرادها في موضع آخر» [ابن تيمية، الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، ج٤ (السعودية: دار العاصمة، ١٤١٩)، ٤٤]، فالمتكلم هو ابن تيمية والمصدر رسالة «الحسبة» [قال الماوردي: «الحسبة هي أمر بالمعروف إذا ظهر تركه ونهي عن المنكر إذا أظهر فعله» (الماوردي، الأحكام السلطانية (القاهرة: دار الحديث، د.ت.)، ٣٤٩).] والسياق يبين المراد!
فلنقرأ كلام ابن تيمية من غير إهمال السياق لندرك مراده به: «وكل بني آدم لا تتم مصلحتهم لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا بالاجتماع والتعاون والتناصر؛ فالتعاون والتناصر على جلب منافعهم والتناصر لدفع مضارهم، ولهذا يقال: الإنسان مدني بالطبع. فإذا اجتمعوا فلا بد لهم من أمور يفعلونها يجتلبون بها المصلحة وأمور يجتنبونها لما فيها من المفسدة… فجميع بني آدم لا بد لهم من طاعة آمر وناه. فمن لم يكن من أهل الكتب الإلهية ولا من أهل دين فإنهم يطيعون ملوكهم فيما يرون أنه يعود بمصالح دنياهم… وغير أهل الكتاب منهم من يؤمن بالجزاء بعد الموت، ومنهم من لا يؤمن به، وأما أهل الكتاب فمتفقون على الجزاء بعد الموت، ولكن الجزاء في الدنيا متفق عليه أهل الأرض؛ فإن الناس لم يتنازعوا في أن عاقبة الظلم وخيمة وعاقبة العدل كريمة، ولهذا يروى: الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة. وإذا كان لا بد من طاعة آمر وناه فمعلوم أن دخول المرء في طاعة الله ورسوله خير له!». [ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج٢٨ (المدينة المنورة: مجمع الملك فهد، ١٤٢٥)، ٦٢-٦٣]
وقد ذكر نحوه في موضع آخر فقال: «وأمور الناس تستقيم في الدنيا مع العدل الذي فيه الاشتراك في أنواع الإثم أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وإن لم تشترك في إثم، ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة، ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم والإسلام! [ليس حديثًا نبويًا ولم ينسبه ابن تيمية إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن بعض المتأخرين حسبوها حديثًا مرفوعًا، انظر مثلًا: إسماعيل حقي، روح البيان، ج٥ (بيروت: دار الفكر، د.ت.)، ٢٦٢؛ حسن بن علي الطبري، أسرار الإمامة (مشهد: مجمع البحوث الإسلامية، ١٤٣٢)، ٤٣٩] … وذلك أن العدل نظام كل شيء؛ فإذا أقيم أمر الدنيا بعدل قامت وإن لم يكن لصاحبها في الآخرة من خلاق، ومتى لم تقم بعدل لم تقم وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزى به في الآخرة». [ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج٢٨، ١٤٥-٤٦]
والحكم على عبارة «الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة» بالتناقض له صورتان: إحداهما أن الكفر ظلم فكيف يجتمع مع العدل، والأخرى أن الظالم ليس مؤمنًا. أما الثانية فنقول إن ابن تيمية قال في الموضع الثاني الذي مر معنا «وإن كانت مسلمة» بدلًا من «وإن كانت مؤمنة»، فالمراد به أصل الإيمان، وإلا فمن المعلوم أن الظالم ليس في مرتبة الإيمان المطلق الذي هو فعل جميع الواجبات وترك جميع المحرمات وصاحبه يستحق الجنة بلا عقاب [انظر: ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج٧، ٤٤٦]، فيبقى الجواب عن الأولى وهي السؤال عن طريقة الجمع بين العدل والكفر.
ما العدل الذي أراده ابن تيمية؟
يتضح بالنظر في سياق الكلام أن شيخ الإسلام يريد عدلًا خاصًا وظلمًا خاصًا؛ فالدولة الظالمة في هذا السياق هي دولة تأخذ أموال الناس بغير حق -مثلًا- وتغتصب الأراضي وتسفك الدماء المعصومة. لا شك أن اجتماع هذا الظلم مع الإسلام -دون كماله- ممكن بل واقع، كما أنه قد توجد دولة كافرة تجانب تلك الأعمال، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد» [ابن هشام، السيرة النبوية، ج١ (مصر: شركة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، ١٣٧٥)، ٣٢١]، وهذا مع أن الملك كان نصرانيًا قبل هجرة المسلمين إليها ولم يكن يعرف الإسلام أصلًا.
أما العدل بالمعنى العام فلا شك في أنه يناقض الكفر والشرك «فإن رأس العدل عبادة الله وحده لا شريك له، كما أن رأس الظلم هو الشرك؛ إذ كان الظلم وضع الشيء في غير موضعه ولا أظلم ممن وضع العبادة في غير موضعها» [ابن تيمية، جامع المسائل، ج٥، ١٦٣]، فإذن لا يمكن أن نعتبر الدولة الكافرة عادلة! وقد حكم الحليمي الشافعي (٤٠٣ هـ) على حديث «ولدت في زمن الملك العادل» بالوضع [الحليمي، المنهاج في شعب الإيمان، ج٣ (بيروت: دار الفكر، ١٣٩٩)، ١٥] وقد أقره البيهقي (٤٥٨ هـ) فقال: «قال الحليمي رحمه الله: ولو كان قاله لكان إطلاقه بذلك لتعريفه بالاسم الذي كان يدعي به لا بوصفه بالعدل والشهادة له به لأن الفرس كانوا يسمون أنو شروان الملك العادل وبهذا يسمى ويعرف فيهم، والعدل في الخليفة إنما هو في الحكم ولا حكم إلا لله عز وجل!». [البيهقي، شعب الإيمان، ج٤ (بيروت: دار الكتب العلمية، ١٤٢١)، ٣٠٥-٣٠٦]
«إن كثيرا من الناس لا يعلمون كون الشرك من الظلم وأنه لا ظلم إلا ظلم الحكام أو ظلم العبد نفسه» [ابن تيمية، جامع المسائل، ج٦، ٢٣٤-٣٥] «وهنا قاعدة شريفة ينبغي التفطن لها وهو أن ما عاد من الذنوب بإضرار الغير في دينه ودنياه فعقوبتنا له في الدنيا أكبر، وأما ما عاد من الذنوب بمضرة الإنسان في نفسه فقد تكون عقوبته في الآخرة أشد وإن كنا نحن لا نعاقبه في الدنيا» [ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج١٠، ٣٧٣] «كما يعاقب ذوو الجرائم من المسلمين بما لا يعاقب به أهل الذمة من الكافرين وإن كان الكافر أشد عذابا في الآخرة من المسلم… ويعاقب الداعي إلى بدعة والمظهر للمنكر بما لا يعاقب به المنافق المستسر بنفاقه من غير دعوة للغير… سبب ذلك أن عقوبة هؤلاء من باب دفع ظلم الظالمين عن الدين والدنيا، بخلاف من لم يظلم إلا نفسه فإن عقوبته إلى ربه!». [ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج٢٨، ١٨١-٨٢]
والمسلمون متفقون على أن كلَّ دولةٍ كافرةٍ ظالمةٌ، إذ النص ورد به فقال تعالى: {…وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة: ٤٥]، وقال تعالى: {…إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: ١٣]، وقال تعالى: {…وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: ٢٥٤]. فتبين أن الخطأ الأول الذي وقع فيه هؤلاء هو أنهم لم يراعوا دين المتكلم والطريقة التي يمشي عليها، فلم يعلموا أن العدل الذي تكلم عنه عدل جزئي خاص، وليس عدلًا مطلقًا شاملًا.
إن الله لا يحب الدولة الكافرة
ثم نقول في تصحيح الخطأ الثاني: لو مارست الدولةُ الكافرةُ العدلَ في بعض المجالات فطال بقاؤها، لا يعني ذلك أن الله يحب الدولة ويرضاها، وإن أحبَّ ذلك العدل الجزئي، وقد ورد في الحديث «إن الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر» [البخاري، صحيح البخاري، ج٥ (القاهرة: دار التأصيل، ١٤٣٣)، ٣٣٨؛ مسلم، صحيح مسلم، ج١ (تركيا: دار الطباعة العامرة، ١٣٣٤)، ٧٣] «كما سئل الإمام أحمد عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو، وأحدهما قوي فاجر والآخر ضعيف صالح، مع أيهما يغزى؟ فقال: أما الفاجر القوي فقوته للمسلمين وفجوره على نفسه، وأما الصالح الضعيف فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين، يغزى مع القوي الفاجر!» [ابن تيمية، السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية (الشارقة: دار عالم الفوائد، ١٤٢٩)، ١٨-١٩؛ ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج٢٨، ٢٥٥] ولا شك أن الله سبحانه وتعالى لا يحب الفجور ولا يرضاه!
تطبيق الشريعة من أسباب النصر
وإدراك الخطأ الثالث في هذه القراءة يتيسر بجمع أقوال ابن تيمية عن أسباب استقامة الملك والدنيا، ومن المعلوم أن لبقاء الدول وزوالها أسبابًا كثيرة وقد أشار ابن تيمية إلى بعضها في كتبه، منها اجتهاد الحاكم أن يعدل في الحقوق كما مرّ معنا عند الكلام عن العبارة المستشكلة، وقد بينه مختصرًا في موضع آخر فقال: «فإن الاجتماع والتمدن لا يمكن إلا مع قانون عدلي فلا يمكن أهل مدينة أن يجتمعوا على إباحة ظلم بعضهم بعضا مطلقا لأنه لا حياة لهم مع ذلك». [ابن تيمية، منهاج السنة النبوية، ج٨ (الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ١٤٠٦)، ٣٥٨] فلا يمكن أن ينشأ تعاون بناء إلا مع العدل، وتتعطل كل جماعة -سواء كانت مجتمعًا كبيرًا أم أسرة صغيرة- بدونها وتصاب بالشلل، وهذا مثل ما قاله أفلاطون في «الجمهورية» عن أثر العدل والظلم محاورًا: «أفلا ترى أن دولة أو جيشًا أو جماعة من قطاع الطريق والسراق أو أي جماعة أخرى من الأشرار، لا يمكنها أن تنجز شيئًا إذا كان أفرادها يؤذي بعضهم بعضًا؟ … فالظلم يُحدث الانقسام والبغضاء والاقتتال والعدل يحدث الاتفاق والصداقة» [Plato, The Republic of Plato, trans. Benjamin Jowett (Oxford: Clarendon Press, 1888), 31]، ويقول ابن خلدون بعد ذكره لبعض مظالم الحكام: «وبال ذلك كله عائد على الدولة بخراب العمران الذي هو مادتها لإذهابه الآمال من أهله». [ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، ج١ (بيروت: دار الفكر، ١٤٠١)، ٣٥٦]
وما أهملت في القراءة العالمانية من عوامل انحطاط الدول وانحدارها كثير، منها أن ابن تيمية يعدّ الجعد بن درهم من أسباب زوال الدولة الأموية [ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج١٣، ١٨٢] وظهورَ الباطنية «مبدأ انحلال الدولة العباسية» [ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج١٣، ١٧٧] والنتيجة أن «الإيمان بالرسول والجهاد عن دينه سببا لخير الدنيا والآخرة وبالعكس البدع والإلحاد ومخالفة ما جاء به سبب لشر الدنيا والآخرة». [ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج١٣، ١٧٩]
وينقض ابن تيمية تصور الذين استشهدوا بكلامه المذكور في بداية المقال لتجميل الدولة العالمانية إذ يعدُّ عدم تحكيم الشريعة من أسباب انحطاط الدول فيقول: «وإذا خرج ولاة الأمور عن هذا فقد حكموا بغير ما أنزل الله ووقع بأسهم بينهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما حكم قوم بغير ما أنزل الله إلا وقع بأسهم بينهم» [رواه ابن ماجه ولفظه «…وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم» (ابن ماجه، السنن (جبيل: دار الصديق، ١٤٣٥)، ٨٤٦).] وهذا من أعظم أسباب تغيير الدول كما قد جرى مثل هذا مرة بعد مرة في زماننا وغير زماننا، ومن أراد الله سعادته جعله يعتبر بما أصاب غيره؛ فيسلك مسلك من أيده الله ونصره ويجتنب مسلك من خذله الله وأهانه» [ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج٣٥، ٣٨٨] فـ«صلاح أمر السلطان بتجريد المتابعة لكتاب الله وسنة رسوله ونبيه وحمل الناس على ذلك؛ فإنه سبحانه جعل صلاح أهل التمكين في أربعة أشياء: إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر!». [ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج٢٨، ٢٤٢]
لم يذكر ابن تيمية تقسيمًا حاصرًا
تبيَّن لنا أن مراد ابن تيمية هو بيان أثر العدل والظلم -من بين أسباب بقاء الدول وزوالها- ومقارنتهما من غير ترجيح للدولة الكافرة على الدولة المسلمة، فالخطأ الرابع في القراءة العالمانية استنتاج حصر مخالف للواقع من العبارة: لا بد أن نختار من بين دولة ظالمة مسلمة ودولة عادلة كافرة! هكذا وقد يمكننا عقلًا أن نتصور أربع حالات مختلفة:
١. دولة مسلمة عادلة
٢. دولة مسلمة ظالمة
٣. دولة كافرة عادلة
٤. دولة كافرة ظالمة
وظني أن من يصدق ذاك المأزق المفتعل لديه غلو شديد في إحسان الظن بالعالمانيين وإساءة الظن بالمسلمين، وكأن لسان حاله يقول: حاشا أن تمد الدولة العالمانية يد الظلم إلى أحد أو تمنع ذا روح شيئًا من حقوقه المشروعة! وهم يزعمون أن استشهادهم بواقع عدد من الدول الدينية الفاشلة كاف لإبطال تحكيم الشريعة الإسلامية، لكنهم لا يقبلون أبدًا هذا المنطق من مخالفيهم بل يتغاضون عن التاريخ العالماني للاتحاد السوفيتي والصين وكمبوديا في عهد الخمير الحمر وألبانيا في عهد أنور خوجة وكوريا الشمالية! ولعلهم ينسبون العيب في كل ذلك إلى الشيوعية الشريرة، ولا تزلزل إيمانَهم بعصمة العالمانية الأمثلةُ غير الشيوعية مثل ألمانيا النازية وتركيا الكمالية والعراق وسوريا البعثيين، فضلًا عن الجرائم البشعة التي ارتكبتها فرنسا الاستعمارية في الجزائر وغيرها!
ولو قال قائل إن تلك الدول كانت لديها -مع تبنيها العالمانية- أيديولوجيات أخرى فلا ينبغي تحميل فكرة العالمانية مسؤولية جرائمها، فمن السهل على المسلم أن يجيب بنفس الجواب فيقول: إذا ظلمت دولة مسلمة وجارت في حكمها، لا ينبغي أن تنسبوا الظلم والجور إلى الإسلام؛ فإن الإسلام يبغض الظلم ويدينه ويجعل العدل فرضًا واجبًا؛ بل أمر الله تعالى في القرآن الكريم بالعدل مع العدوِ المأمورِ ببغضه: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: ٨]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتَّقُوا الظُّلْمَ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ!» [مسلم، صحيح مسلم، ج٨، ١٨؛ البخاري، صحيح البخاري، ج٣، ٣٨٢]، وفي حديث آخر: «اتَّقُوا دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، وَإِنْ كَانَ كَافِرًا!». [أحمد بن حنبل، المسند، ج٢٠ (بيروت: الرسالة، ١٤٢١)، ٢٢]
نعم، من الطبيعي ألّا يرغب غير المسلم في دولة إسلامية، ولكن من الصعب فهم امرئ ينتسب للإسلام ويكرر نفس الحجج! إذا اعتقدوا أن الإسلام لا يمكن تطبيقه اليوم فقد شكُّوا في عموم الشريعة، وإذا خافوا ألّا يعدل المسلم فيحيف عليهم فلنسأل: كيف تثقون بالعالمانيين ولا تخشون جورهم بعد الوصول للسلطة؟! وقد طرح القرآن الكريم ثلاثة احتمالات أخرى: {أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [النور: ٥٠].
عن أي عدل تتحدثون؟
أعتقد أن الخطأ الخامس في تجاهل الاختلاف بين مفهوم العدل عند ابن تيمية وعند العالماني الليبرالي. فافترضوا أن رجلًا وثنيًا يفطر على لحم الخنزير، ثم يغادر بيته ليشرب الخمر، ثم يذهب إلى الكازينو فيقامر بجميع ما يملك من المال ثم يلتقي امرأة فيخرج معها ليزني بها، وفي نهاية اليوم يستلقي داخل جهاز ساركو (Sarco) لينهي حياته طوعًا! قد يبتسم ليبرالي إزاء يوم هذا الرجل الحافل بالأحداث ولا يرى فيه ظلمًا، بخلاف الإسلام الذي يعد الإنسانَ مكلفًا في جميع شؤونه الفردية والاجتماعية ويرى صاحب القصة ظالمًا في جميع ما سبق؛ ظالمًا لنفسه!
ويمكن بيان هذا التباين من خلال قولين لكل من جون ستيوارت ميل -من أبرز وجوه الليبرالية الكلاسيكية في القرن التاسع عشر- وابن تيمية. يرى ميل أن «الجانب الوحيد من سلوك أي إنسان الذي يكون فيه خاضعًا للمساءلة أمام المجتمع هو ذلك الذي يتعلق بالآخرين، أما في الجانب الذي يخصه هو وحده، فإن استقلاله -من حيث الحق- مطلق والشخص سيد سيادة مطلقة على نفسه وجسده وعقله!» [John Stuart Mill, On Liberty (London: Walter Scott, 1901), 18]، بخلاف ابن تيمية الذي يقول: «ومعلوم أن الناس تحت أمر الله ورسوله فليس لأحد أن يضر نفسه وماله ضررا نهاه الله عنه!». [ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج٣٠، ٣٥٢]
ليس ما نراه تباين نظريتين وحسب، بل هو تباين رؤيتين مختلفتين للكون كله؛ فابن تيمية مؤمن بأن لهذا العالم خالقًا يملك كل الأشياء ومنها الإنسان، وما خُلق إلا ليعبده وحده لا شريك له، وليس الموت نهاية الحياة بل سيحشرهم جميعًا فإنهم مسؤولون عما اعتقدوه وما عملوه، ومن لا يؤمن بهذه الأمور فإن في ذهنه عالمًا آخر يختلف فيه معنى الإنسان والحياة والعدل بالكلية.
«والعدل مما اتفق أهل الأرض على مدحه ومحبته والثناء على أهله ومحبتهم، والظلم مما اتفقوا على بغضه وذمه وتقبيحه وذم أهله وبغضهم». [ابن تيمية، منهاج السنة النبوية، ج٥، ١٢٧] ولكن اتفاقهم على أصل العدل لا يعني عدم اختلافهم عند الحكم على فعل معين هل هو عدل أو ظلم، لأنهم يختلفون في التفاصيل والجزئيات؛ «وهو ما يؤدي إلى تفاوت أحكام الناس على وقائع كثيرة بإعطائها وصف العدل أو سلبها إياه بناء على تصوراتهم ومرجعياتهم، فمن تبنى الحرية الاقتصادية مرجعية حاكمة فالعدل عنده إنما يتمثل في كفالة حرية الأسواق والأفراد، بينما هي في الاشتراكية في تحقيق المساواة بين الناس حتى لا يقع بينهم تفاضل بسبب أحوالهم المالية». [عبد الله العجيري وفهد العجلان، زخرف القول (لندن: تكوين، ١٤٤٠)، ١٩٧-٩٨] «تحاول النظريات الحديثة للعدالة أن تفصل مسائل الإنصاف والحقوق عن الاستدلالات المتعلقة بالكرامة والفضيلة والاستحقاق الأخلاقي، وتسعى إلى مبادئ للعدالة تكون محايدة تجاه الغايات» [Michael Sandel, Justice: What’s the Right Thing to Do? (London: Penguin Books, 2010), 187]، مع أن الفصل بين العدل وبين الفضيلة والخير لا يقره ابن تيمية ولا غيره من علماء المسلمين، بل العدل هو الشريعة والشريعة هي العدل!
قال تعالى: {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ} [المائدة: ٤٢]، وقال في آية أخرى: {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [المائدة: ٤٨]، «فالذي أنزل الله هو القسط والقسط هو الذي أنزل الله» [ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج٣٥، ٣٦٦؛ وانظر: ابن تيمية، منهاج السنة، ج٥، ١٢٨] و«جميع الحسنات تدخل في العدل وجميع السيئات تدخل في الظلم». [ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج٢٨، ١٨٤] ويذكر ابن القيم -وهو أخص تلاميذه- أن «السياسة نوعان: سياسة ظالمة فالشريعة تحرمها، وسياسة عادلة… فهي من الشريعة». [ابن القيم، الطرق الحُكمية في السياسة الشرعية، ج١ (الرياض: دار عطاءات العلم، ١٤٤٠)، ٧-٨]
هل الدنيا هي المحطة الأخيرة؟
الخطأ السادس في القراءة العالمانية هو أنها تقلب هرم القيم عند ابن تيمية، فقاعدة ابن تيمية أن الدولة الكافرة -التي قد تكون نصرانية أو زرادشتية وليست عالمانية بالضرورة- قد يطول بقاؤها بسبب العدل الجزئي في بعض حقوق الخلق شيء ومسألة «أي دولة مشروعة دينيًا؟ ولأي دولة يجب أن نسعى؟» شيء آخر! فمن المعلوم أن الغاية عند ابن تيمية ليست بقاء الدول ولا الدنيا، بل «المقصود الواجب بالولايات إصلاح دين الخلق الذي متى فاتهم خسروا خسرانا مبينا ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا، وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم» [ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج٢٨، ٢٦٢؛ ابن تيمية، السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، ٣٠] و«ليس كل من أعطي مالا أو دنيا أو رئاسة كان ذلك نافعا له عند الله منجيا له من عذابه فإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطي الإيمان إلا من يحب!». [ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج٢٢، ٤٤٧]



