د. عبد الله بن سعيد الشهري
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على محمد النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، وما توفيقي إلا بالله. أما بعد:
كنت قد كتبتُ هذا البحث قديمًا (قبل 20 سنة تقريبًا)، ثم عدت إليه بالنظر والمراجعة، فرأيت أن أزيده تحريرًا وتجويدًا. وقد كتبته في زمن الشباب والشغف بالعلم الطبيعي ومحبة أن أرى دين الإسلام مُصدِّقًا لحقائقه، وهي مقاصد مشروعة طيبة، غير أن تقادم العهد ونضج النظر يدعوان صاحبهما إلى مراجعة اجتهاده وتسديده. وقد أبقيت على مادته الحديثية والتراثية، وهي عمدة البحث، وأعدت النظر في بعض وجوه الاستدلال. واستغنيت عن بعض الاستطرادات العلمية والأنظار الفلسفية، إذ رأيت أن أصل الحجة قائم بدونها، وأن تجريد المسألة منها أقرب إلى مقصود هذا المقال وأسلم في الاستدلال. وآثرت التوقف في تعيين موضع السجود وكيفيته، وإن تكلم فيه بعض الأئمة، لأن الدليل لا ينهض للجزم بذلك. وقد أعدت بناء الرد على التمييز بين ثبوت مضمون الخبر ومعرفة كيفيته، مع تهذيب العبارة واختصار البحث ومعالجة أقوى الاعتراضات. وكنت – بحمد الله – قد أفردت هذا الموضوع برسالة مستقلة على طريقة في العرض والاستدلال اجتهدت فيها، مع إفادتي ممن تقدمني من الأئمة كابن كثير والخطابي والمعلمي، وقد انتفع بها – بفضل الله – خلق كثير، وهذه صورته بعد المراجعة والتجويد. أستغفر الله من الزلل، ما كان من خطأ فمن نفسي والشيطان، وما كان من حق فبفضل الحق سبحانه وحده.
سأل سائل فقال: قد أشكل عليّ معنى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم عن سجود الشمس تحت عرش الرحمن؛ كيف تسجد، وما لنا لا نرى ذلك؟ ثم إن الشمس تغرب عن أهل كل بلد في وقت غير وقت غروبها عن غيرهم، فهل يلزم من ذلك أن تكون ساجدة في كل وقت؟ وكيف يجتمع ما في الحديث من الذهاب والخرور والارتفاع مع ما عُلم من حركة الأرض والشمس؟
والجواب الذي أدى إليه اجتهادي هو: منشأ اللبس في هذا الباب الخلط بين أمرين: ثبوت الخبر، وتصور كيفية ما أخبر به. فالحديث ثابت، ودلالته على سجود الشمس واستئذانها ظاهرة، أما كيفية ذلك فليست مبينة لنا، وليس كل ما خفيت كيفيته ممتنعًا، كما أنه ليس كل ما أمكن في العقل ثابتًا في الخارج؛ فالثبوت له دليله، ودعوى الامتناع لها دليلها. والمقصود هنا تحرير معنى الحديث، وبيان ما تدل عليه ألفاظه وما لا تدل عليه، ثم النظر في الاعتراضات الواردة عليه، من غير تكلف وصفٍ للغيب ولا منازعة في حقائق الفلك التي لا يتوقف قبول الحديث على ردها.
ثبوت الحديث وجمع ألفاظه
أصل الحديث في الصحيحين من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه. أخرج البخاري في كتاب بدء الخلق أنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر حين غربت الشمس: “أتدري أين تذهب؟” قلت: الله ورسوله أعلم. قال: “فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها، يقال لها: ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها، فذلك قوله تعالى: ﴿والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم﴾”.[1]
وأخرجه في التفسير بلفظ: “يا أبا ذر، أتدري أين تغرب الشمس؟” وفي جوابه: “فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش”. وفي رواية لمسلم: “يا أبا ذر، هل تدري أين تذهب هذه؟” ثم قال: “فإنها تذهب فتستأذن في السجود فيؤذن لها”. وأخرج مسلم أيضًا عن أبي ذر أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: ﴿والشمس تجري لمستقر لها﴾، فقال: “مستقرها تحت العرش”.[2]
وفي الرواية المطولة عند مسلم: “إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخر ساجدة، ولا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي، ارجعي من حيث جئت، فترجع، فتصبح طالعة من مطلعها”. وذكر تكرر ذلك، ثم قال: “ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئًا”، حتى تؤمر بأن تطلع من مغربها. وختم ببيان أن ذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا.[3]
فهذه الألفاظ يجمع بعضها إلى بعض؛ ولا يصح الاقتصار على لفظ “تغرب” وإهمال “تذهب” و”تجري”، كما لا يصح إهمال “فتخر ساجدة” و”ارتفعي” طلبًا لتفسير أسهل. والثابت فيها خبر عن فعل للشمس، وعن استئذان وإذن، وعن طلوع من المغرب في آخر الزمان. وليس في شيء منها تصريح بثبات الأرض، ولا وصف لمدار يومي للشمس حول أرض ساكنة، ولا تعيين لمدة السجود أو مسافة الخرور والارتفاع. وسيأتي بيان ما يتصل بمعنى الغروب وتعدد الآفاق في موضعه.
وأما ما أثير حول إبراهيم التيمي، أحد رواة الحديث، من وصفه بالتدليس، فليس بمجرده علةً قادحة في هذا الإسناد. فقد وثقه أئمة، والحديث هنا من روايته عن أبيه عن أبي ذر، لا من روايته عن زيد بن وهب التي يصدق عليها كلام الكرابيسي[4]. والأصل هو النظر في طرق الخبر وقرائن اتصاله وصنيع أئمة النقد فيه، لا الإفراط بإسقاطه استنادًا إلى حكم عام على الراوي، ولا التفريط بنفي كل ما قيل في ترجمته من غير تحقيق.[5] وقد أشار العلامة عبد الرحمن المعلمي رحمه الله، في كتابه “الأنوار الكاشفة” في الرد على كتاب أبي ريّة “أضواء على السنة المحمدية”، إلى احتمالين في روايات الباب: أن يكون إبراهيم التيمي قد ظن اتفاق معنى حديثين فجمع بينهما في الرواية المطولة، أو أن يكون الحديث واحدًا اختصره بعض الرواة على وجه وبعضهم على وجه آخر[6]. وأيًّا ما كان، فهذا يؤكد ما قدمناه من أن ألفاظ الباب يُجمع بعضها إلى بعض؛ فالاختصار والرواية بالمعنى مؤثران في فهم دلالة الحديث، وقد يُشكل اللفظ منفردًا ثم يتضح المراد منه بمجموع الروايات، بتقييد مطلق، أو بيان مجمل، أو تخصيص عام، أو إتمام مختصر.
السجود لا يستلزم معرفة كيفيته
قال الله تعالى: ﴿ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس﴾ [الحج: 18]. فذكر الشمس في جملة الساجدين، وذكر معها أجناسًا متباينة؛ ولا يلزم من اشتراكها في اسم السجود أن تتفق هيئاتها فيه. قال ابن كثير رحمه الله: “وسجود كل شيء مما يختص به”.[7]
وقال تعالى: ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾ [الإسراء: 44]. فأثبت التسبيح، وأخبر عن عدم فقهنا له؛ فاجتمع ثبوت الفعل وخفاء إدراكه. وليس المراد التسوية بين السجود والتسبيح في كل تفصيل، وإنما الشاهد أن فعل المخلوق قد يثبت بالوحي، ولكن على هيئة خارجة عن المعهود الخاص (كما في العلم الطبيعي مثلًا)، أو عن المعهود العام (التجربة العادية مثلًا). وفي هذا المعنى قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “لا يجب أن يكون سجود كل شيء مثل سجود الإنسان على سبعة أعضاء”. ثم بين أن السجود اسم جنس تتنوع صوره، حتى إن من الأمم من يركع ولا يسجد، وأن شيوع سجود الآدميين على الهيئة المعروفة حمل كثيرًا من الناس على ظن أنها هيئة سجود كل أحد.[8] قلت: وهذا أصل نافع؛ فإن تخصيص السجود بصورة الإنسان يحتاج إلى دليل، ولا يكفي فيه أن تكون تلك الصورة هي المألوفة لنا.
فإن قيل: كيف تسجد الشمس وهي جرم لا أعضاء له كأعضاء الإنسان؟ قيل: السؤال مبني على أن السجود لا يتحقق إلا بهذه الأعضاء وهذا محل المنع. فالحديث لم يخبر بأنها تسجد سجود الآدمي، ولا قريبًا منه، وإنما نسب إليها سجودًا يليق بها، كما نسب القرآن إلى سائر المخلوقات تسبيحًا لا نفقهه. ومن آمن بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم لم يجعل جهله بالكيفية سببًا لنفي ما صح عنه.
ولا يقتضي هذا بالضرورة صرف الحديث كله إلى مجرد التسخير العام؛ فإن ألفاظ الخرور والاستئذان والإذن والرجوع تدل على شأن مخصوص، زائد في وصفه على مجرد القول بأن الشمس خاضعة لقوانين خلقها. فيثبت هذا الشأن كما ورد، ويُتوقف في كيفيته. ولا تنافي بين دوام خضوعها لخالقها ووقوع سجود مخصوص منها؛ كما لا يلزم من عدم تعيين هيئته نفي حقيقته.
ومن الشواهد التي أوردها أهل التفسير قوله تعالى: ﴿ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون﴾ [النور: 41]. قال ابن كثير: “كل قد أرشده إلى طريقته ومسلكه في عبادة الله عز وجل”. وليس في الآية بيان الهيئة التفصيلية لكل مخلوق، وفي مرجع العلم في قوله ﴿قد علم﴾ أوجه ذكرها الطبري؛ فلا يحمل أحدها على أنه المعنى الوحيد المجمع عليه.[9]
ويؤكد هذا أن اسم السجود يصدق في الشرع نفسه على صور متفاوتة؛ فالأصل في سجود المصلي أن يكون على سبعة أعظم، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: “أمرت أن أسجد على سبعة أعظم”[10]، وعدّ منها الجبهة واليدين والركبتين وأطراف القدمين، ومع ذلك يصح من المريض العاجز أن يسجد إيماءً لا يكاد يُرى، ويسمى فعله سجودًا مع مخالفته للعزيمة[11]. فإذا اتسع اسم السجود لهذا التفاوت في بني آدم أنفسهم، كان أولى ألا يُشترط في سجود الشمس أن يكون على هيئة سجودهم، وهي خلق آخر لها من الأحوال ما لا نحيط به؛ ولذلك ختم الله آية النور بقوله: ﴿والله عليم بما يفعلون﴾.
حول معنى الغروب وتعدد الآفاق
اعلم أن غروب الشمس عن قوم لا يقتضي غيابها عن جميع أهل الأرض. ولفظ “غروب الشمس” صحيح في لغة المشاهدة؛ يقال لها طالعة وغاربة بحسب أفق الناظر، من غير أن يتضمن ذلك حكمًا على سبب الحركة الظاهرة أو هيئة النظام الشمسي. وقد نبه على عموم هذا المعنى الأئمة كالحافظ ابن حجر، قال في قوله تعالى: ﴿وجدها تغرب في عين حمئة﴾ [الكهف: 86]: “فإن المراد به نهاية مُدرَك البصر إليها حال الغروب”[12]. فلا حاجة إلى إبطال حقيقة دوران الأرض – على التسليم بأنها قاطعة ومعلومة لكل أحد – من أجل تصحيح التعبير المذكور، كما لا يلزم من التعبير نفسه أن الأرض ساكنة.
ووقوع سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عند غروب الشمس قرينة على مناسبة الخطاب، لكنه لا يحوّل مضمون الخبر بالضرورة إلى قاعدة تقول: “كلما غربت عن أي بلد وقع لها سجود مستقل في تلك اللحظة”. فهذا العموم غير لازم من منطوق الحديث. وكذلك قوله: “حتى تسجد” يثبت غايةً لذهابها، ولا يعين المدة الفاصلة بين غروبها عن أفق المخاطب وبين تلك الغاية.
فإن قيل: إنها تغرب في كل وقت عن أفق، فيلزم أن تكون ساجدة دائمًا؛ قيل: إنما يلزم ذلك لو ثبتت المقدمة المقحمة على معنى النص، وهي أن كل غروب محلي يقتضي سجودًا مستقلًا مقارنًا له؛ أما مع عدم ثبوتها، فإن الاستدلال لا يُنتج الدعوى المذكورة. ولا يلزم لدفع هذا الإشكال أن نعين لها خط طول، أو وقتًا أرضيًا جامعًا، أو موضعًا هندسيًا تحت العرش؛ فعدم لزوم الاعتراض شيء، ومعرفة الأمر الغيبي على وجه التفصيل شيء آخر.
ولهذا كان الأقرب أن يُحمل لفظ “تغرب” الوارد في بعض الروايات على ما جاء في أكثرها من لفظ “تذهب”؛ إذ لو كان سجودها مقترنًا بغروبها عن أهل كل قطر لفسد المعنى. وقد نبه العلامة المعلمي رحمه الله، بعد جمع روايات الباب، على أن زيادات الخبر لا تستلزم ذلك، فقال: “فلم يلزم مما في الرواية الثالثة من الزيادة غيبوبة الشمس عن الأرض كلها، ولا استقرارها عن الحركة كل يوم بذاك الموضع الذي كتب عليها أن تستقر فيه متى شاء ربها سبحانه”. ومما أورده في توجيه الروايات أن المعتبر في الخبر غيابها عن أهل الوجه من الأرض الذي كان فيه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، لا عن أهل كل قطر، ونقل عن بعض المعاصرين احتمال أن يكون طلوعها من مغربها آخر الزمان عن تباطؤ تدريجي في الحركة المحسوسة بين الشمس والأرض. فينتفع بتحرير الشيخ رحمه الله في عدم اللزوم، ولا يلزم اتخاذ تلك الاحتمالات وصفًا مقطوعًا به لكيفية السجود أو لآلية الطلوع من المغرب.[13]
السجود تحت العرش وحدود علمنا
العرش من الغيب الذي أخبر الله به، فنثبت ما ثبت من وصفه، ولا نتكلف له هيئة من عند أنفسنا. وقد وصفه الله بالعظمة فقال: ﴿رب العرش العظيم﴾ [التوبة: 129]، وثبت في حديث جويرية رضي الله عنها قوله صلى الله عليه وسلم: “سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته”، وثبت في خبر موسى عليه السلام ذكر “قائمة من قوائم العرش”. فهذه أخبار نؤمن بها، ولا نستخرج منها مقاييس لحجمه على وجه الحقيقة، ولا يؤخذ منها خريطة لموقع الشمس بالنسبة إلى أجزائه.[14]
ولفظ “تحت العرش” حق كما ورد، لكنه لا ينص على قرب الشمس منه أو ملاصقتها له، ولا يصف مسارًا تصعد فيه فوق السماوات ثم تعود. قال ابن كثير في الكلام على الحديث: “ولا يدل على أنها تصعد إلى فوق السموات من جهتنا حتى تسجد تحت العرش”، ثم ذكر أنها تغرب عن أعيننا وهي مستمرة في فلكها.[15]
وهذا القدر من كلامه مفيد في نفي لازم لم يذكره النص. أما ما وصله به من تعيين الفلك الرابع، ووقت نصف الليل، والمحاذاة، وهيئة العرش، فهو من البناء التفسيري الذي ناقشه في ضوء التصورات الفلكية المعروفة في زمنه؛ فلا يؤخذ منه مدلول غير لازم، ولا نقرر به نموذجًا كونيًا يجب اعتقاده.
وقال الخطابي، فيما نقله ابن حجر: “يحتمل أن يكون المراد باستقرارها تحت العرش أنها تستقر تحته استقرارًا لا نحيط به نحن”، وذكر أن سجودها لا يحول دون دورانها في سيرها. ولابن حجر نظر في ظاهر الاستقرار وعلاقته بالجري؛ فهذه شروح اجتهادية، وليست نصوصًا شرعية مرفوعة تقضي بصفة الهيئة.[16]
قلت: فمن جعل موضع السجود “مركز باطن العرش”، ثم عين له محاذاةً وسمتًا، فقد زاد تحديدًا لا يثبته لفظ الحديث، ولا يلزم منه في الواقع. ومن جازف بردّ الحديث لأن هذا النموذج لا يصح عنده، فقد رد في الحقيقة تفسيرًا زائدًا على النص، ولم يرد الخبر نفسه. والأصل في الحجاج أن يقف المرء حيث وقف الدليل، وألَّا يُحمَّل الوحي تبعات اجتهاد الناظر.
والحاصل أن سجود الشمس على الوجه الذي قررناه غير ممتنع في العقل؛ فهو لا يصادم صريح العقل، وإنما قد يخالف ما ألفه الناظر واعتاده، والمألوف ليس معيارًا للممكن، إذ هو نسبي يتفاوت بتفاوت الناس في نشأتهم وعلومهم، والله على كل شيء قدير. وقد قال تعالى: ﴿ويخلق ما لا تعلمون﴾ [النحل: 8]، وقال: ﴿والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ [البقرة: 216]، وقال: ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا﴾ [الإسراء: 85]. فما انكشف للإنسان من أسرار الخلق فبتوفيق الله، وما خفي عليه ودقّ فمردّه إلى علم الله وحده. غير أن إمكان الشيء في العقل لا يكفي لإثبات وقوعه، كما تقدم؛ وإنما يثبت سجود الشمس بالخبر الصادق، ويقتصر دور النظر العقلي هنا على دفع دعوى الامتناع، لا على تصوير الكيفية أو تقدير المدة.
الجريان والخرور والارتفاع والرصد
لا يصح أن يُقابَل قول الحديث “تجري” بقول إن الشمس ساكنة سكونًا مطلقًا؛ فالشمس نفسها تدور حول محورها، وتسير مع المجموعة الشمسية حول مركز المجرة، والأرض تدور حول محورها وحول الشمس، وكل هذه حركات متمايزة لا يصح الخلط بينها[17]. وسبب التعاقب اليومي لليل والنهار دوران الأرض حول محورها، وذلك لا يناقض صحة نسبة الجريان إلى الشمس.[18] ولكن لا يلزم من هذا أن الجريان المذكور في الحديث هو بعينه دورانها المجَرِّي، ولا أن “المستقر” اسم لمركز المجرة، ولا أن حركةً رصدها الفلكيون هي سجودها. فالموافقة في أصل الحركة لا تثبت اتحاد التفاصيل. والمقصود أن النص لا يقرر سكون الأرض ولا يقدم وصفًا فلكيًا يناقض دورانها؛ أما تعيين صلة الفعل الغيبي بكل حركة معروفة فلا دليل عندنا عليه. وأقوى ما يمكن أن يُورد هنا هو أن قوله “فتخر ساجدة” و”ولا تزال كذلك” و”ارتفعي ارجعي” دال في مجموعه على فعل التعاقب، وعلى مكث ثم ارتفاع ورجوع، فكيف لا يظهر في الرصد؟
والجواب أن دلالة هذه الألفاظ على شأن مخصوص وعلى عموم معنى تعاقب هي دلالة لا يجوز إهدارها، والإشكال هو في نقلها من الإجمال إلى مقادير وهيئات فلكية معلومة؛ فهل نص الحديث على أن الخرور انحراف في المسار المرصود بزاوية معينة؟ أو أن المكث سكونٌ بالنسبة إلى إطار مرجعي فلكي محدد؟ أو أن الارتفاع في البعد عن الأرض حاصلٌ بزيادة معلومة مخصوصة؟ منطوق الحديث لا يفصح عن شيء من ذلك. فإثبات الفعل لا يعني بالضرورة تعيين آليته الرصدية، ومن اختار الجزم بهذه الآلية فقد استخرج من النص معنى يفتقر إلى برهان.
ثم إن هذا لا يُحسم بقولنا إن السجود لا يستغرق وقتًا أصلًا؛ فالرواية تثبت التعاقب والبقاء حتى الإذن. كما لا نعين له زمنًا من عند أنفسنا ثم نقصر الجواب على هذا التعيين، وقصارى علمنا هو أن للشمس فعلًا وصفه الخبر بهذه الألفاظ، ولم يبين لنا مقدار مدته ولا كيفية اتصاله بحركتها المشهودة. وما قاله الشراح في استمرار السير أو معنى الاستقرار يظل تفسيرًا ينظر في قوة مأخذه، وقربه من الدليل، لا مقياسًا تجريبيًا لحقيقة السجود.
وأما قوله “ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئًا”، فيفيد جريانها على ما لا يستغربه الناس في السياق المذكور. وهنا أيضًا لا يصح أن نجعل هذا وحده برهانًا على نفي كل تغير دقيق يمكن أن تقيسه آلة؛ فإن عدم استنكار الناس أعم من عدم قابلية شيء للرصد، وإنما الجواب عن عدم الرصد أن المعترض لم يثبت أولًا أن الكيفية التي يبحث عنها بأجهزته هي نفسها الكيفية التي أرادها الحديث. فإذا لم يرصد الفلكي توقفًا في الحركة التي يقيسها، كان ذلك حجة على دعوى ذلك التوقف متى كانت محددة قابلة للقياس، ولكنه لا يكون بمجرده حجة على نفي سجود لا يُعلَم أن حقيقته هي نفس هذا التوقف. وليس المقصود من صنيعنا جعل كل تفسير ممتنعًا من النقد، وإنما المقصود منع إبطال النص بتفسير لا يلزم منه، وللعلماء قاعدة مشهورة في هذا السياق، وهي أن كل معنى مستنبط من النص يعود عليه بالإبطال فهو باطل.
ما يثبت الخبر وما يدفع دعوى التناقض
قولنا “عدم العلم ليس علمًا بالعدم” لا يثبت سجود الشمس، وإنما ينبه إلى أن خفاء كيفيته علينا لا ينتهض لنفيه واقعًا. فالذي يُثبت وقوعه عند المؤمن هو الخبر الثابت الصحيح، والذي يدفع دعوى التناقض هو بيان أن النتيجة المدَّعاة لا تلزم من منطوقه. وهذان مقامان مختلفان لا يتم الاستدلال إلا باعتبارهما معًا.
فمن لم يثبت عنده صدق النبوة أو حجية الخبر، لم يكفه البحث الحالي لإثبات الأمر الغيبي، وعليه أن يرجع إلى أدلة النبوة وثبوت النقل. أما من يزعم أن الحديث يناقض حقيقة فلكية بعينها، فالطريق إلى النظر في دعواه أن يعيّن القضية التي يدل عليها النص، ثم الحقيقة العلمية المناقضة لها، ويثبت أن التعارض بينهما حقيقي وغير متوهم، وعليه أن يتوقّى ضرب العلم المحقَّق بتصور أضافه إلى النص.
فإذا قال: الحديث يقرر أن الأرض ساكنة، قيل: أين تنصيص الحديث على ذلك؟ وإذا قال: الحديث يقرر أن الشمس تغيب عن الأرض كلها، قيل: أي لفظ فيه يوجب هذا العموم؟ وإذا قال: سجودها يقتضي توقفًا مرئيًا معلوم المقدار، قيل: ما دليلك على أن هذا المراد بكيفية سجودها؟ وليس في هذه الأسئلة تعرّضٌ لنفي دوران الأرض، ولا إنكار لما ترصده الآلات، وإنما المقصود بها تحرير القضية الخبرية – علمية كانت أو شرعية – قبل الحكم عليها.
وقد يقال: إن هذا يجعل السجود خبرًا متعاليًا عن أدوات الفلك. والجواب أن ثبوته في هذا البحث مستند إلى الوحي، لا إلى التجربة الفلكية؛ فلا نتكلف إثبات أن الرصد أثبته، ولا نطالب العلم التجريبي بالتنازل عن نطاقه وإثبات شيء لم يتعيّن له أثر قابل للقياس، ومع ذلك نقول إن عدم وجود اختبار تجريبي معين ليس دليلًا ذاتيًا على صدق الخبر، كما أنه ليس وحده دليلًا على كذبه. ولو ثبت – فرضًا – أن الحديث يقتضي حدوث شيء معين يمكن قياسه، ثم أثبت الرصد أن هذا الشيء لا يحدث، لوجب علينا مراجعة فهمنا للحديث، ودلالة الرصد، للتأكد من موضع الخطأ؛ أما القفز إلى وصفه بالغرابة أو بأنه غير متصور فلا يثبت تناقضًا.
وأما طلوع الشمس من مغربها، فهو في الحديث حدث مستقبل يغاير سيرها المعتاد، ولا يصف ما يقع قبل ذلك. فلا ينقضه رصد طلوعها الآن من المشرق؛ إذ الخبر نفسه يفرق بين الحالين. ونثبت أصل وقوعه كما صح، ولا نجزم بأن آليته انقلاب دوران الأرض أو غير ذلك من الآليات التي لم يبينها الوحي.[19]
خاتمة
الحاصل من البحث أن الشمس تجري وتسجد وتستأذن كما أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، وأن سجودها لا يقاس في هيئته على سجود الآدميين. وتعدد غروبها عن الآفاق لا يوجب تعدد سجود مستقل عند كل غروب؛ لأن هذا الربط لم يرد في النص. كما أن ذكر مستقرها تحت العرش لا يسوغ تعيين هندسة للعرش أو مسار للشمس بغير دليل. ولا يتوقف قبول الحديث على رد دوران الأرض أو القول بمركزيتها، ولا يثبت بمجرد إمكان السجود في العقل. إنما يثبت بالخبر، ويُدفع الاعتراض بتحرير دلالته وبيان فساد اللوازم الزائدة عليه. فثبوت المعنى غير الإحاطة بالكيفية، وإبطال دعوى التعارض غير إثبات نموذج فيزيائي للسجود. وبذلك يزول منشأ اللبس، ويبقى ما لم يبين لنا على وجه الحقيقة في علم الله وحده، ﴿والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ [البقرة: 216].
– – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – –
[1] صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة الشمس والقمر، رقم 3199. والآية من سورة يس: 38.
[2] صحيح البخاري، كتاب التفسير، تفسير سورة يس، رقم 4802؛ وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان، رقم 159، روايتا أبي معاوية ووكيع عن الأعمش.
[3] صحيح مسلم، الموضع السابق، رقم 159، رواية ابن علية عن يونس بن عبيد.
[4] قال الكرابيسي: حدث عن زيد بن وهب قليلًا أكثرها مدلَّسة. (تهذيب التهذيب: 1/177، ط. دائرة المعارف النظامية). قلت: إبراهيم التيمي قد وثقه من هو أحذق، وثقه ابن معين وأبو زرعة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وأخرج له الشيخان. ثم إنه إن دلس عن زيد بن وهب أحاديث فإن حديث سجود الشمس ليس منها ومعلوم طريقة البخاري ومسلم في الانتقاء من أحاديث المجروحين جرحًا لا يخرجهم عن مطلق العدالة والضبط. إلا أن الحافظ عاد فقال في تقريب التهذيب (ثقة إلا أنه يرسل ويدلس) وكأنه اعتمد على مقالة الكرابيسي. قال صاحبا تحرير تقريب التهذيب (1/103) استدراكًا على الحافظ (قوله يدلس وهم منه فإن أحدًا لم يصفه بذلك، بل لم يورده هو في طبقات المدلسين) أ.هـ. قلت: وصفه الكرابيسي كما ترى ولعل مرادهما من يعتد ويوثق بقوله من أئمة الحديث.
[5] ابن حجر، تهذيب التهذيب، ترجمة إبراهيم بن يزيد بن شريك التيمي، 1/176–177، ط. دائرة المعارف النظامية؛ وانظر أسانيد مسلم، رقم 159.
[6] الأنوار الكاشفة، ص294، ط. المطبعة السلفية.
[7] ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، تفسير سورة الحج، الآية 18.
[8] ابن تيمية، رسالة في قنوت الأشياء كلها لله تعالى، ضمن جامع الرسائل، تحقيق محمد رشاد سالم، 1/27–28، دار العطاء.
[9] ابن كثير، تفسير سورة النور، الآية 41؛ والطبري أيضًا في تفسير الآية نفسها. وقد ذكر الطبري أوجهًا في مرجع العلم، ورجح أن المعنى: قد علم الله صلاة كل مصل وتسبيحه.
[10] صحيح البخاري، كتاب الأذان، رقم 812؛ وصحيح مسلم، كتاب الصلاة، رقم 490، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
[11] المراد بالعزيمة هنا الحكم الوضعي المقابل للرخصة. (مذكرة في أصول الفقه، الشنقيطي، ص59، ط. دار العلوم والحكم).
[12] ابن حجر، فتح الباري، كتاب التفسير، شرح حديث 4802، 8/541، ط. المطبعة السلفية. وتمام كلامه: “وسجودها تحت العرش إنما هو بعد الغروب”.
[13] عبد الرحمن المعلمي، الأنوار الكاشفة لما في كتاب أضواء على السنة من الزلل والتضليل والمجازفة، ص293–295، ط. المطبعة السلفية.
[14] صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، رقم 2726، حديث جويرية؛ وصحيح البخاري، كتاب الخصومات، رقم 2412، حديث أبي سعيد الخدري في موسى وقائمة العرش.
[15] ابن كثير، البداية والنهاية، 1/70–71، فصل خلق السماوات والأرض وما فيهما، ط. دار إحياء التراث العربي. ويقتصر في الاستدلال على القدر المنقول، ولا حاجة لما يتصل به من تحديدات فلكية في سياق تعيين كيفية السجود.
[16] ابن حجر، فتح الباري، كتاب التفسير، شرح حديثي 4802 و4803، 8/541–542، ط. المطبعة السلفية؛ وينظر أيضًا شرحه للحديث 3199 في كتاب بدء الخلق. والمنقول خلاصة لجملة الشروح.
[17] وللحافظ في الفتح (6/299، ط. المطبعة السلفية) فائدة لطيفة حول حركة الشمس المذكورة في الحديث الذي أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق (رقم 3199) ألا وهي قوله: “وظاهره (أي نص الحديث) مغاير لقول أهل الهيئة أن الشمس مرصعة في الفلك، فإنه يقتضي أن الذي يسير هو الفلك وظاهر الحديث أنها هي التي تسير وتجري. ومثله قوله تعالى في الآية الأخرى ﴿كل في فلك يسبحون﴾ [يس: 40]”. اهـ. قلتُ: وظاهر النص في نسبة الجريان إلى الشمس نفسها أقرب إلى ما استقر عليه علم الفلك اليوم من أن الشمس متحركة، لا مرصّعة في فلك يحملها؛ مع التنبيه على ما تقدم في المتن من أن الموافقة في أصل المعنى لا تثبت اتحاد التفاصيل.
[18] موقع وكالة ناسا (https://science.nasa.gov/sun/facts/)، صفحة حقائق الشمس Sun Facts؛ وصفحة (https://science.nasa.gov/learn/heat/big-ideas/) في تعاقب الليل والنهار بدوران الأرض. ويقتصر الاستشهاد على الحركات الفلكية المذكورة، ولا يستدل به على تعيين السجود أو المستقر. تاريخ الدخول: 6 أكتوبر 2026.
[19] صحيح البخاري، رقم 3199؛ وصحيح مسلم، رقم 159.



