غلاء سمير أنس
تتعدد أوجه الخطاب النفسي في أن “تتجنب” الأذى، تنأى بنفسك عن “المُسيئين”، وتفرِّق بين العيب المحتمل وغير المحتمل، بين ما يمكنك “تحمله” وما يجدر بك رفضه جملة وتفصيلاً. ولا أقول إن الحيرة هي ما يترتب على ذلك، فللإنسان مرونة أصيلة في تكييف الخطاب بحسب منظوره وظرفه كي يناسبه، فمهما تعددت الأصوات من حوله، المتخصصة وغير المتخصصة، يظل قادراً على الانتفاع بما يريد منها وترك ما لا يريد.
ما أريد التحدث عنه في هذا المقال، هو الحال المتطرف الذي قد يصل إليه الإنسان إن فقد القدرة على هذا التكييف، أو وجده أكبر منه ومفتقراً لمهاراته. إن التصنيف القائم على ما هو “صحيحٌ” و”خاطئ” من سلوكات، نوايا ومقولات في العلاقات الإنسانية، يعتمد على السياق أكثر من المعيارية الثابتة، مع ذلك، إن تطرف حالُ المرء، لا سيما المشتغل على نفسه، سيبدأ دوامة الهوس بكل ما هو “صحيحٌ” ليقدم عليه ويتعلمه، و”خاطئ” ليلوم نفسه عليه ويتركه.
هذه عملية جيدة في العموم، إنها تزكية للنفس ورفعة لها، أي أن يقضي المرء حياته يزكي نفسه، يعلمها، يؤدبها، يهذبها ويسمو بها، بل إنها من الدلالات الكثيرة التي ينطوي عليها “الأدب” العربي. جزءٌ منه يجب أن يتعلق بما “يؤدب” المرء ويزيده “صواباً”.
ولكن إن تصورنا النفس في هذا المثال سلةً مَلأى بالتفاح السليم، السليم جزئياً والفاسد، فإن محاولة المرء “تطهير” سلَّته لن تتمَّ في مرحلةٍ أو اثنتين، فكلما تقدم به العمر وضع في سلَّته المزيد من التفاح من دون فحصه بدقة، فتوجب عليه إعادة التطهير، وفي أحيان كثيرة سيتوجب عليه قبول التفاح الفاسد جزئياً بسرور، كجزء من عملية الحياة التي لا تجري على هواه، وتتطلب منه مرونة كبيرة في قبول الكثير من التفاح الفاسد جزئياً، والفاسد كلياً في أحيانٍ قليلة.
إني أتحدث عن موقف المرء تجاه الخطأ، أخطائه وأخطاء الآخرين، بما أننا جميعاً كائنات إنسانية لا نبدأ في النظر في أنفسنا إلا بعد سنين طويلة من نشأة لا يد لنا فيها، من مكونات وعناصر بنَت ذواتنا وشكَّلتها ونحن لم نخترها ولم تسنح لنا الفرصة في تقييمها إلا بعد أن “تصلبت” فينا. بعبارة جوديث بتلر، نحن نبدأ من المنتصف، ويتعين علينا دائماً أن ندفع ثمن سلوكاتٍ لم نقترفها، وظروفٍ لم نتسبب بها. هذا ما يدعى في علم نفس التعافي بتحمل الإنسان مسؤولية نفسه.
عندما يتعرض الإنسان إلى الخطاب النفسي، أياً كان شكله ومصدره، سيعرف أنه مُطالب بالتفرقة بين نوعين من السلوكات، الصحيحة والخاطئة. إذ يجدر به تعلم الأولى ومكافأة نفسه عليها، وتعلم الثانية وإلقائها من نفسه. ولكن المرء في أحيان كثيرة لا يفهم الفارق الكبير، بل والضخم، بين الحديث النظري وبين ما يُمليه عليه الواقع. إننا إن نظرنا إلى الواقع بعين النظرية، حجَّمناه بكُليته وتنوعه وضخامته وتفاصيله بحجم عدستنا المتواضعة جداً، وفهمنا مكوناته الغريبة واللامنطقية وفق منظورنا المنطقي جداً والمتناسق. وبهذا فنحن نطوِّعه لنظريتنا ونصبح كالذي يحمل على ظهره المقاييس الرياضية والمنطقية ويبحث عن عالمٍ يتوافق معها، غير أن هذا العالم غير موجود سوى على الورق (وأحياناً يضيق به الورق ويعبث بنظامه).
إن الواقع عوامل مختلفة ومتداخلة ومتنوعة باستمرار، فبدلاً من حمل عدستنا والنظر إلى تنوعه عبرها، أرى أن نضعها جانباً، وننظر إلى عين الواقع بجرأة ودهشة، لنفهم اللغة التي يتحدث إلينا بها، والتنوع الكامن في السياقات المختلفة التي يقدمها لنا، فنبني على ذلك ما شئنا من نظريات مختلفة.
بعبارة أخرى، يجب أن تخضع مفاهيم الصواب والخطأ في الخطاب النفسي إلى شروط الواقع قبل أن يتبناها المرء، ويجب أن يطوعها لما يعيش كي تصبح الحياة مُمكنة لديه، وكي يخفض نظره عن حياة مثالية متوهمة تقدمها له نظريته المحضة.
هنا نطرق باباً مُهماً وجديراً بالتأمل، وهو باب تجربة الآخر. إننا في العلاقات، أياً كان شكلها، نشارك الآخرين المحيط، كلٌّ وفق تجربته، التجربة المتألفة من عناصر شتى لا يعرف عنها صاحبها شيئاً، ناهيك عن موافقته عليها. مع ذلك فهو يعيشها ويتصرف وفقاً لها لأن هذا ما يحدث ببساطة. هكذا تسير الحياة. وإن اخترنا الجمع بين تصنيف الصواب والخطأ وبين تجربة المرء الثرية والطويلة، عرفنا أن هناك بعض العناصر المرفوضة تماماً، وبعضها المقبول تماماً، ولكن بينهما ثمة عناصر مهولة وكثيرة ومتنوعة وضاربة في عمق المرء، لا يمكن تصنيفها بأيّ نسبةٍ من الصواب والخطأ، ففي سياقٍ تكون صائبة بعض الشيء، وفي سياق آخر تكون غير صائبة بعض الشيء، وفي سياق ثالث تكون لا صائبة ولا خاطئة، بل مجرد سمة شخصية، وفي سياق رابع نقف أمامها حائرين، وهكذا.
إننا لا نتحدث ببساطة عن مناطق رمادية بين الأبيض والأسود، بل عن مناطق شاسعة تتلون باستمرارٍ بشتى الألوان التي نعرفها والتي نجهلها، التي سمَّيناها والتي لا تدركها أعيننا. إن الذات مَلأى بالعناصر التي أقصى ما يمكننا فعله تجاهها هو احترام وجودها وتسهيل السبيل لتوظيفها، من هنا، فإن البشر في علاقاتهم أشبه ببناءٍ من قطع الليغو في يد طفلٍ في الثالثة، لا يكترث بالتناسب والتوافق والتراكيب التامة والبناء المتماسك والمتين، بل يجمع بين قطعتين مصادفة، والطريقة التي تتوافق فيها هاتان القطعتان تظل منقوصة وغير مثالية، غير متناسقة وغير تامة، ولا بأس في ذلك.
يناقش آلان دو بوتون هذا التصور في كتابه “هدوء” عبر مفهوم ضعف القوة: “ينص هذا المبدأ على أن أية صفة حسنة موجودة لدى واحد من الناس سوف تتجلى (في بعض الأوضاع) مصحوبة بضعفٍ يوافقها”[1]. وهذا في الحقيقة يضرب بعرض الحائط أي تصنيفٍ للصواب والخطأ، فهو يخبرك ببساطة أنّ الصفات الحسنة عند المرء لها دائماً ظلالها “السيئة”، فمن تتسع مخيلته لشتى أنواع الإبداع قد تصعب عليه المبادرة والمتابعة في المهمات العملية الضرورية، ومن يطول صبره وحِلمه في المواقف التي تتطلب منه ذلك قد يجده شريكه متردداً وغير حازمٍ في مواقف أخرى، ومن يستمتع بالمغامرات الجنسية المتنوعة باستمرار قد يجد صعوبة في الوفاء لشريكه:
“تذكرنا نظرية ضعف القوة بأن الكثير من الصفات المزعجة أو المخيبة للأمل عند الشريك هي، في الواقع، جوانب خفية لتلك الأمور نفسها التي تعجبنا فيه”[2]. هنا يأتي دورنا كمُلاحظين لهذه السمات ومختبرين لهذه العلاقات، كيف سنتصرف إزاء هذه “الأخطاء”؟ وهل هي “أخطاء” بالفعل؟ ماذا عن “أخطائنا” أو مكامن ضعف القوة في نفوسنا؟ كيف نتعامل معها؟
هنا تكمن النقطة الحرجة لتطرف المرء، فمهما كانت نوايانا حسنة تجاه الآخر، ومهما كنا نرى أننا على صواب، وحتى لو كنا بالفعل على صواب منطقياً ونظرياً ودلالياً واستدلالياً، فإن هذا لا يمنحنا الحق في مصادرة تجربة الآخر في الخطأ. يجب أن نفهم أن نياتنا الحسنة لا تُبرر لنا تصنيف الآخر وتعليق السمات عليه في كل مرة، ومن ثم رفضه بالمجمل لأننا شهدنا ظلاله المتعددة. لا تكترث العلاقات الإنسانية للصواب والخطأ بل للإمكان والاحتمال، إلى أي درجة يمكن للطرفين في العلاقة المضيَّ في هذا الاحتمال الذي يشملهما معاً؟ إلى أية درجة يتسمان بالمرونة وتفضيل قول الواقع على قول النظرية؟ ما الذي يهمُّ كلاً منهما في المقام الأول، أن يكون على صواب، أم أن يبقى مع الآخر؟
تحدث كيركيغارد من قبل عن أنّ الندم جزء من الحياة الإنسانية لأنها منطوية على أخطاء متتالية يرتكبها المرء باستمرار، وهذا لا يعيبه ولا يقلل من إنسانيته في شيء، بل هو “جوهر الفلسفة” الذي تحاول وصفه. وبعبارة دو بوتون، فإننا في العلاقات سنختار دائماً الشخص الخطأ، لأن الشخص “الصحيح” غير موجود سوى في النظرية المثالية. تتبقى المسألة في كيفية تعاملنا مع هذا “الخطأ”، ربما يجدر بنا أولاً أن نزيح الحكم القيمي عنه وندعوه باسمه، التجربة الخاصة بالمرء، ومن هنا نبدأ في فهمه:
“أياً كان ما نختاره فسيكون خاطئاً بعض الشيء، لذلك لا ينبغي أن نتألم كثيراً بشأن أي خيارٍ نتخذه، فالمهارة الحقيقية لا تكمن دائماً في السعي لاتخاذ خيارات أفضل، وإنما أن نعرف كيف نصنع سلامنا بخياراتنا السيئة بالضرورة. نستمرُّ في افتراض أن حياتنا ستتحسن إذا تمكنا بطريقة ما من اتخاذ قرار مثالي صحيح. لكن كيركيغارد يعارض بشدة هذا الخطأ الساذج. إذ يجب أن نقبل بمرحٍ أنه لم يكن لدينا أبداً خيارات مثالية في المقام الأول”[3].
إنَّ الصواب إن تطرف، حرمك جمال الحياة المَلأى بالتنوع، ولم يقدم لك أي بديلٍ سوى أوهامٍ في رأسك تمنِّي بها نفسك ليلاً، وحيداً في عزلتك، لأنك عاجز عن إقامة أية علاقة جيدة. الصواب لا يمنحك الأصدقاء ولا الأحباب، بل يجعلك محاطاً بالنظريات المتفلسفة حوله، والبعيدة تماماً عن الحياة الوحيدة المتاحة لك، وهي الحياة في الواقع الذي لا يأبه بالنظرية. إن الحقيقة كامنة في الواقع، وهو الذي يمكنه أن يقدم لك ما يشبع حاجتك جزئياً، وربما كُلياً إن كنتَ محظوظاً في بعض المواقف والسياقات، ولكن هذا أقصى ما ستناله، فاستمتع به لأنه ليس هناك بديلٌ آخر.
قد تكون الفلسفة بارعة في الإشارة إلى أوجه الصواب والخطأ، رغم المرونة العالية التي تبديها في تناول التعقيد الإنساني، ولكن الأدب هو الذي يتمحور حول “الأخطاء” الإنسانية، وربما الأجدر بنا إعادة تسميتها “بالتجارب” الإنسانية، فبراعته كامنة في وصفها وتقديم تجربة عيشها للقارئ. قد يتمثل التعافي النفسي بالتفرقة الظاهرة بين الصواب والخطأ، ولكنه لن يعني يوماً أن تتجنب الخطأ القادم، بل أن يكون خطؤك محتملاً، وحتى جميلاً، مثل الأدب. ربما غاية التعافي أن تحوّل حياتك إلى أدب جميل، من يدري؟
– – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – –
[1] آلان دو بوتون، هدوء، دار التنوير للنشر، تونس، 2023، ص 47.
[2] المرجع السابق، ص 48.
[3] آلان دو بوتون، كيف تجد الحب؟، دار التنوير للنشر، تونس، 2023، ص 104.



