غلاء أنس
يقول كارل يونغ، في معرض تحليله لمشروع نيتشه من منظورٍ سيكولوجي، إن كتاب “هكذا تكلم زرادشت” ليس للقراءة العامة، ولا يجب أن يقرأه الناس بمختلف مستوياتهم، بل يجب أن تقتصر قراءته على من تعمق في الوعي، اللاوعي الشخصي واللاوعي الجمعي ليتمكن من فهمه، ومن ثم البناء عليه وتحليله كما يجب.
أما قراءته من دون ذلك ولمن هم في مستويات مختلفة من الوعي فستفضي بهم إلى سوء الفهم، الحيرة، الجدل السطحي والسفسطة، ولكن الأخطر من ذلك، قد تفضي بهم إلى تبرير شرورهم أو شرور الآخرين، والاستشهاد به دعماً لأيديولوجيات معينة، أو حتى لتأييد تيارٍ عدمي يرى في الانتحار خلاصاً.
ولكن كان يجدر بنيتشه من الأصل ألا ينشر هذا الكتاب، وألا يقدمه للمجتمع في عصره، بل الاحتفاظ به وتخليده لمن بعده، وحصر قراءته على من تخصص وتعمق في النفس البشرية ليقدِّر مضمونه ويحلله ضمن الإطار الذي وُضع فيه.
لماذا يعتقد يونغ بذلك؟ لِم هذا الحذر من قراءة “هكذا تكلم زرادشت” والقول الصريح بخطأ نيتشه في نشره؟
كي نفهم منظور يونغ للمسألة، علينا أولاً إلقاء نظرة على مفهومه للنفس.
يقسم يونغ النفس إلى ثلاثة أقسام، الوعي، اللاوعي الشخصي واللاوعي الجمعي. أما الوعي فهو القدرة على الانتباه والتحليل، ومكمن الإرادة الحرة واتخاذ القرار، والعين التي نصوِّبها باتجاه عمق النفس والآخر، وباتجاه العالم الخارجي وعناصره. بينما اللاوعي الشخصي هو الجانب المظلم من المرء، والذي تُخزن فيه أخطاءه المعيبة، نزعاته التي يرفضها المجتمع، والمنطوية على العنف، الميل الجنسي غير المتفق عليه مجتمعياً، والشرور الخاصة، والرغبات الانتقامية، وكثير من أوجه السخرية القوية تجاه عناصر الوعي وقوانينه.
أما اللاوعي الجمعي فهو العنصر المشترك بين البشر جميعاً، والذي يتضمن شرورهم العامة، والرغبات المنحرفة والانتقامية، والغرائز والشهوات المرفوضة على مستوى الوعي الجمعي، والشرور العامة التي نشترك فيها جميعاً حتى لو لم نعترف بها طوال حياتنا. وإن أحببنا استخدام استعارة بسيطة، قلنا إن الوعي هو النهار، واللاوعي الشخصي هو الشفق، بعدما تغرب الشمس وتُصبغ الحياة بزرقة قاتمة، واللاوعي الجمعي هو الليل الحالك والمظلم.
يعيش البشر غالباً على مستوى الوعي، وفيه تظهر الفلسفات الأخلاقية، القوانين، المنطق وعلومه، الجدل، الحوار، تمثيل الأدوار الاجتماعية، الثقة في الأقنعة، البحث الواعي وتحقيق المصالح الخاصة والعامة. يشعر المرء في هذا المستوى ببعض مكنونه في اللاوعي الشخصي واللاوعي الجمعي، ولكنه لا يتحدث به ولا يلتفت إليه، بل ينكره ويكبته وعندما يرى تمثلاته يجعلها نقيضاً لكل ما هو عليه.
ولكن أحياناً نجد البعض يهبط قليلاً معانقاً لاوعيه، ومُخرجاً لنا إياه كشيء ثمين يجدر بنا تقديره لأنه “حقيقي للغاية” ويمثل “وجهه الآخر الخفي”. نجد ذلك عندما يقدم المرء على الاعتراف ببعض ما ارتكب من أخطاء معيبة قد تشوِّه سمعته، أو على الأقل تعبث بصورته الذهنية عند غيره، كأن يعترف بسرقته شيئاً ما، احتياله على طفلٍ أو التلصص على سيدة تبدل ثيابها (كما اعترف يونغ في الكتاب).
عادة ما يُخرج لنا المرء محتويات لاوعيه رغبة منه في المشاركة “الحميمية”، ربما في جلسات يكون فيها ثملاً أو منتشٍ، أو رغبة في “التطهر منها”، كأن يعترف بذنوبه أمام القس لينال الغفران. كما قد يُضطر إلى ذلك رغماً عنه لإخفاء رغبات أخرى أكثر بشاعة، كأن يعترف أنه اقتحم بيت سيدة وسرق مالها “معترفاً” بحاجته إلى المال، لإخفاء حقيقة رغبته في اغتصابها وإذلالها وربما قتلها.
تتعدد الدوافع خلف مشاركة المرء محتويات لاوعيه الشخصي، فقد يشاركه لمجرد المتعة والشعور بالتفوق، كأن يعترف بما ارتكب قبل عشرين عاماً (متيقناً من أن الأوان قد فات لمعاقبته) كي يُشعر الآخرين بأنه أكثر حقيقة منهم، أكثر علواً وتميزاً في مقابل زيفهم وأقنعتهم (كم هم كُثر!). ولكن ما يحدث عادة هو أن هذه المشاركة قد تحقق بعض الرغبات عند صاحبها، ولكن ذلك سيكون مؤقتاً جداً، وسيظل في نظر غيره من فعل كذا وكذا، سواءً البارحة أو قبل خمسين عاماً. وهو في نظر نفسه، إن شارك ذلك أم لا، سيظل من فعل كذا وكذا، سواءً البارحة أو قبل سبعين عاماً.
إن مشاركة اللاوعي الشخصي، مهما لبَّت عند المرء من رغبات، تظل هابطة به وبمنزلته في مجتمعه، وتُنزله منزلة أدنى منهم. يمكنه أن يشتكي من ذلك ما يشاء من الزمن، مبرراً مكانته الدونية الجديدة بنقائه وحقيقته في مقابل زيفهم وأقنعتهم، ولكن ذلك لن يغير شيئاً من واقعه ومن القانون المجتمعي الذي يُعلي من شأن الوعي، والوعي فقط.
الآن ننظر في اللاوعي الجمعي. إن المرء عندما يلمس هذا القاع، هذه الظلمة الحالكة جداً، ويتحدث عن الشرور المشتركة فينا جميعاً، فإن منزلته لن تهبط فقط في مجتمعه، بل إنه سيُدان، يُرفض، يوصم ويُنبذ. إن مثل هذا الاعتراف العلني لما نحاول جميعاً مداراته وإخفائه يحكم على صاحبه بالوصم الاجتماعي، ويلصق به جريمة إن لم يعاقب عليها القانون المعمول به، فإن المجتمع سيعاقبه عليها بنفسه، بل قد يجتمعون معاً على قتله.
وفي رأي يونغ، كان نيتشه ساذجاً بما يكفي لينشر كتابه “هكذا تكلم زرادشت”، وهو في مضمونه يدور حول اللاوعي الجمعي، وأين؟ في مجتمعٍ يقدس الوعي وما يزال يحجِّم اللاوعي ويقصره على الغرف المغلقة والهمس ويُدينه بأشد العبارات إن تسرب منه الشيء القليل إلى الخارج.
لننظر كيف قرأ يونغ مشروع نيتشه.
إن اعتراف المرء بمكنونات لاوعيه الشخصي، أياً كان دافعه، وأياً كان المجتمع الذي شاركه إياه (مجموعة علاج نفسي، عائلته، أصدقاؤه أو حتى لو نشر ذلك في كتاب للجميع)، يوهمه بأنه رفع لاوعيه إلى مستوى الوعي، فكشفه وأعلى قيمته وجعله في ضوء شمس الوعي، ولكن ذلك لن يكون سوى وهمٍ جميل ومؤقت جداً، فالحقيقة أنه هبط بوعيه بمقدار ما رفع لاوعيه، إن الأمر في نظر يونغ أشبه بالميزان: “لا يمكنك أن ترفع شيئاً من منطقة اللاوعي دون أن يحدث القليل من الانخفاض في منطقة الوعي”[1].
يتصور المرء عندئذٍ أنه “حمل وديع”، أنقى وأطهر بكثير لأنه فاض بمكنونه وظهر “بكامل حقيقته” أمام الآخرين، فقدَّروا له ذلك واحترموه أكثر لأجله، غير أن الواقع عكس ذلك، ظلَّ ويظل اليوم وسيظل أبداً عكس ذلك. يصوِّر يونغ هذه العملية وكأن المرء على سفينته في البحر، ينعم بالطفو في مستوى الوعي، ولكنه إذ يمدُّ يده في قلب البحر ويخرج مكنون اللاوعي الشخصي إلى مستوى سفينته ويضعه فيها، فإنه يهبط بها قليلاً إلى الأسفل. وبقدر ما يغرف من قلب البحر ويضع في سفينته فإنها تهبط أكثر:
“أنا لا أنال الخلاص من خلال الاعتراف بذلك. نعم، أستطيع أن أشعر أنكم جميعاً حمقى ملاعينٌ مثلي تماماً، تعتقدون أنكم نلتم السماح والمغفرة جميعاً، ولكننا جميعاً قطيع من الحمقى. فأنا لن أنال السماح أبداً، أنا دوماً الشخص الذي فعل ذلك. أصبحت هذه صفتي الرئيسية، وتثقل سفينتي بهذه الحقيقة. سأحمل هذا العبء دوماً .. أنا مجرد خنزيرٌ عادي، خنزير يتأسف على ما يأكله، خنزير مسكين لا يستطيع حتى أن يكون خنزيراً لائقاً. يحتاج المرء لأن يصل إلى هذه النتيجة. لقد تُبتُ طبعاً. وهذا جيد، لكن مع ذلك، فقد فعلتُ تلك الأشياء. هكذا يمكن للمرء أن يستيقظ لكي يفهم حياته، وهذا سيكون قاتلاً لأن المرء سيرى أن سفينته تغرق على الرغم من اعترافه وتوبته”.
هذه الأثقال التي نضعها في سفننا باستمرار، فتهبط بنا أكثر ونعجز عن موازنة السفن، هي مكنونات اللاوعي الشخصي، والتي يجدر بنا أن نكون حذرين في مشاركتها. أما نيتشه، فلم يكن يغرف من هذا المستوى من اللاوعي الشخصي ويضع في سفينته فحسب، بل كان يمدُّ يده إلى قاع البحر ليتناول ذلك الرصاص (المعدن الثقيل) ويضعه في سفينته باستمرار، كان يغرف من اللاوعي الجمعي، وينشر ذلك على الملأ.
عندما تسحب معدناً ثقيلاً كالرصاص من قاع البحر لتضعه في سفينتك، فإن قاع البحر لن يرتفع إليك، بل سفينتك هي التي ستهبط إليه، من هنا فإن مشاركة اللاوعي الجمعي لن ترفعه إلى مستوى الوعي، بل ستهبط بك أنت، بوعيك وبخطابك إلى مستواه. إننا نحمل جميعاً مُمانعة قوية ضد استحضار مكنون اللاوعي الجمعي من نفوسنا، وإلا ستغرق سفننا جميعاً. بل إن الأحمال الثقيلة (اللاوعي الشخصي) في سفننا تبدو لنا ثقيلة وتبعاتها مُرهقة.
بالطبع لا يمكنك التحليق فوق سفينتك والتنكر لجسدك وغرائزك، إنك حينئذٍ لن تعيش حياة مُرضية، كل ما يمكنك فعله هو ألا تُغرق سفينتك، وأن يكون مستوى هبوطك فيها قادراً على منحك حياة لائقة على أقل تقدير.
لقد أخطأ نيتشه، بنظر يونغ، إذ حاول رفع مكنون اللاوعي الجمعي إلى مستوى الوعي في نشره كتاب “هكذا تكلم زرادشت”، فقد تحدث عن الشرور المبطنة، والغرائز والشهوات التي نتركها في أقبية منازلنا ونوصد عليها. جديرٌ بالذكر أن فرويد ارتكب الخطأ ذاته، وتحدث عن سفاح القربى والغرائز والشهوات والميول حتى عند الأطفال الرضع، الأمر الذي يرفضه الوعي العام والخاص مهما كان حقيقياً، فالمسألة لم تعد تتعلق بدرجة حقيقته، بل بالجرأة على الحديث عنه ومناقشته.
يقول يونغ إن مثل هذا الخطاب يجب أن يقتصر على دوائر المختصين والعارفين باللاوعي، وألا يقرؤوه إلا بعد تمكنهم من مستويات التحليل والنظر في خطاب كل مستوى وكيفية تحليله، وذلك كي يتمكنوا من إدارته والخروج منه بطرق ربما تهذبه أو تحوله إلى صورٍ تعبيرية شتى لا تتضمن هلاك المرء والمجتمع. أو بعبارة القديس بولس:
“يجب أن يتم تعليم هذه الأشياء بالسر، والويل لمن يتحدث عنها في العلن، هكذا تتم خيانة الأسرار”[2].
في هذا الشأن يقتبس يونغ شعار الدرجة العليا لفرسان الهيكل: “مجدُ الله في إخفاء الكلمة”[3]، فواجب المرء تجاه هذه الحقائق إخفاؤها، لأن رفعها وتبيانها على السطح سيصعق الناس ويتسبب لهم بالهلع، هذا عدا عن تضليلهم ومواجهتهم للعجز عن إدارة هذه الحقائق بعد أن ظهرت، فنجدهم يستشهدون بها في مواقف لا صلة لها بها، مثلما جعلوا خطاب نيتشه في “هكذا تكلم زرادشت” داعماً لنازية هتلر، لا سيما أن الأخير قرأ الكتاب ووجده ملبياً لنزعاته.
جديرٌ بالذكر وصفُ يونغ لحال نيتشه في كتابه وفي حياته الأخيرة، فمشاركة الأخير هذه الحقائق جعلته منبوذاً في مجتمعه وقصياً، غير أنه لم يعدَّ ذلك علامة على خطأ ارتكبه، بل على رِفعته وتميزه، لقد خضع نيتشه لسلطة اللاوعي الشخصي والجمعي وهبطت سفينته إلى القاع، لم يدرك أنه كان أدنى من زمانه، بل تصور أنه لزمانٍ آخر، أفضل و”أعلى” من زمانه، بل افترض أنه “سهلٌ ورائعٌ وأخفُّ وزناً، وهكذا فقد تحدث عن الرقص والتحليق كتعويض عن حقيقة ثقله الذي يشدُّه إلى الأسفل. إذا كنتَ مهتماً بالرصاص، تلاحظ بشكل طبيعي تلك الخفة”[4].
لذلك يختتم يونغ حديثه بأن المرء لا يهرب مما يفعل، لا بالاعتراف ولا بطلب السماح ولا بأية طريقة، وما يفعله ويرتكبه ويقدم عليه سيتعين عليه التعايش معه والتعرض لتبعاته. إننا نتوقع المكافأة على الخير الذي نفعله كما نتوقع المعاقبة على الأخطاء التي نرتكبها، غير أن الفاعلية لا تأبه لأي معيار أخلاقي، والمنظور الذي يحمل استعارة السفينة لا يخدم سوانا، فالقوانين الفاعلة في الخارج، لا تأبه لنظامنا الأخلاقي الأصيل. فإن لم نمتثل لها سيبتلعنا البحر ولن تنقذنا أية أوهام بأننا متميزون أو خطابنا يخص بشراً لوم يولدوا بعدُ.
لذلك، كان إصرار يونغ على أن يراعي المرء مستوى من يحدثه كي لا يقع في مشكلتين: عجزه أمام ثقل سفينته وإساءة فهم خطابه. فيعرض نفسه للاتهام ممن سيستخدمون خطابه ضده: “هناك من تم زجُّه في السجن لأنه قام بتشريح الجثث مثلاً، لقد قدموا فائدة كبيرة للبشر لكن ذلك لم يكن مفهوماً، وتم اعتبار عملهم هذا كجريمة. وقد كان بطريقة ما جريمة في ذلك الوقت أيضاً لأنهم كانوا ساذجين حيال الأمر، كان عليهم أن يعرفوا إلى أي عصرٍ يتحدثون .. عليك أن تأخذ بعين الاعتبار دوماً من هو الشخص الذي تتحدث إليه، فهو استخفاف يلامس الجريمة أن تتحدث إلى الأطفال عن حقائق معينة. أحد أهم الاعتبارات في التحليل النفسي هو أن يحاول المرء أن يفهم إلى من يتحدث، وهذا صعبٌ للغاية، فالمرء يكون دوماً في حالة خطرٍ دائم من أن يقول الكثير جداً أو القليل جداً”[5].
ولكن يونغ لا يتركنا حائرين بعد هذا النقد المطوَّل، فهو لا يعارض على الإطلاق تناول الحقائق العميقة حول البشر، أي محتوى اللاوعي الجمعي، وعند التناول ينوِّه إلى ضرورة اختيار الجمهور الصائب لمخاطبته، ومن ثم تحويل هذا الرصاص الثقيل الذي يهبط بنا إلى الأسفل إلى ذهبٍ ينفعنا، عبر النفوذ إلى عمقه ورؤية أوجه التعبير عنه بما يلائم المجتمع ويخفف عنا أحمالنا.
إنك إن استطعت أن تظل طافياً وأنت تنفذ إلى عمق الرصاص تكون قد حققتَ الغاية المثلى، يجب ألا يبتلعك البحر، وأن ترفع الرصاص إلى مستوى تتمكن فيه من النجاة وفي الوقت نفسه تحليله وتحويله. يقول يونغ إن هذه هي الحالة المثالية للإنسان، والمعروفة على مر العصور:
“إن رمز الحالة المثالية، أو الذات في الإنسان، لم تكن بالنسبة للمُعلمين القدماء شيئاً متطايراً أو خفيفاً، بل كانت حجراً أو معدناً، وهم يقولون .. إن حجر الفلاسفة ليس جسداً مثالياً بل هو في الوسط، بين الأجساد المثالية وغير المثالية. أنت تتوقع أن يكون بين الأجساد المثالية، لكن الأجساد المثالية هي في الأعلى على مستوى الوعي، وهذا ليس الموقع الوسط الحقيقي”[6].
وأرى أنه يقصد بذلك تحويل الغاية الإنسانية من سؤال “كيف يمكن للإنسان أن يكون فاضلاً؟” إلى سؤال “كيف يمكن للإنسان إدارة خيره وشرِّه بحكمة؟”. فالسعي الدؤوب لإيصال الإنسان إلى صورة مثالية من الخير والحياة الفاضلة يعني تنكره لما هو مجبولٌ عليه، لطبيعته الإنسانية ومكوناتها، أن يخرج من جلده ويتحول إلى إله، وهذا، إلى جانب استحالته، يخلق بؤساً مستمراً للمرء لعجزه عن تحقيق هذه الغاية، ويتركه في دوامة من الشعور بالذنب والتقصير.
بينما إن حوَّلنا السؤال إلى إدارة الشر والخير في الإنسان، أدرك الإنسان عناصره وتصرف بما يراعيها ويراعي الظرف الذي يعيشه. هناك قوة وذكاء في توظيف المرء لخيره تارة وشرِّه تارة أخرى حسبما تستدعي المواقف. لا سيما إن كان توظيف الشر في بعض الأحيان وجهٌ من أوجه الخير، وتوظيف الخير في بعض الأحيان وجهٌ من أوجه الشر والهلاك. هناك قدرٌ من الحكمة يتعلق بإدراك السياق واختيار الطريقة المثلى من الخير أو الشر (أو كلاهما معاً) للتعامل معه.
هذا يعني أن عليك أن تغوص قليلاً، بحذرٍ وبعُدتك الخاصة من الأسئلة الصائبة والمعارف والتنويهات، وأن تتجرأ على تناول الرصاص من قاع البحر، فتهبط إليه قليلاً وترفعه إليك قليلاً، حتى تُحقق منطقة وسطى تنجو أنت فيها، ويتحول الرصاص بين يديك إلى ذهب.
– – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – –
[1] يونغ، كارل غوستاف، نيتشه-زرادشت: أسفار الخير والشر، ترجمة متيم الضايع، دار الحوار، سوريا، 2021، ص229.
[2] المرجع نفسه، ص236.
[3] المرجع نفسه، ص238.
[4] المرجع نفسه، ص239.
[5] المرجع نفسه، ص243.
[6] المرجع نفسه، ص233-234.



