- سارة رضائي وكومال تشوكشي
- ترجمة: هتون أبو الغيث
لضوء شمس الظهيرة ميزة خاصة تنفرد بها “البرامدا” (الشرفة) دون سواها؛ حين يمتزج هذا الضوء مع البخار المتصاعد من كوب الشاي، ويستقر على “الچارپاي” المهترئة، ليصادف جدة أحدهم وهي تراقب الشارع من أعلى، لا لسببٍ واضح، بل لمجرد أن تكون حاضرة وموجودة، يمرُّ بها أحد الجيران ويبطئ خطوه، ليتبادلا أطراف حديثٍ عابر.
لحظاتٌ كهذه قد لا تبدو للوهلة الأولى ذات أهمية، ولكنها بمرور الوقت تخلق حالةً من الألفة والاعتياد بين أفراد المجتمع؛ فشخصٌ ما سيلاحظ عندما يكون الكرسي فارغاً، وآخر سيتساءل عن سبب غيابك بالأمس، ومع ذلك، فإن شيئاً جوهرياً يحدث هنا بصمت.
هذه المساحات تساعد في تنظيم الجهاز العصبي بطرقٍ تعجز عنها بيئتنا المعاصرة؛ فالإنسان بطبيعته لم يُخلق للعزلة التامة ولا للتحفيز المستمر، بل إننا نكون في أفضل حالاتنا عندما نحظى بالتوازن والتدرج اللطيف في التعرض للحياة الحسية والاجتماعية. وهذا الوصف يصدق بدقة على نظام “البرامدا” (الشرفة)، إذ يساعد في خلق هذا الجو الذي يسمح للشخص بالبقاء متصلاً بالعالم، ولكن بشكلٍ جزئي وبدون عبء المشاركة الكاملة فيه. فمن تلك الشرفة، يستوعب العقل الأصوات العابرة، تبدّل الضوء، أطراف الأحاديث، وقع الخطوات، وإيقاع الحياة الاعتيادية.
علماء الاجتماع أحيانًا يصفون هذه الحالة بأنها شكل من أشكال الانتماء الاجتماعي منخفض الحدة أو الهادئ؛ حيث يشعر الفرد فيه بالاطمئنان بأنه جزء من نسيج اجتماعي حي حتى في لحظات عزلته. فالشرفة ليست مجرد شيء يربط المنزل بالشارع من ناحية معمارية، بل هي صلة تربط الفرد بإيقاع المجتمع المحيط به عاطفيًا ونفسيًا.
في الأحياء القديمة المكتظة كانت الشرفات تعد بمثابة جهاز عصبي خارجي للمنزل، إذ توسع الإدراك بما يدور خارجاً في نفس الوقت الذي تجتذب فيه المجتمع إلى الداخل. هناك حيث يتعلم الأطفال أن الألفة تسبق الصداقة، ويستبقي كبار السن مكانتهم بمجرد حضورهم، بل حيث يكتسي الصمت نفسه طابعاً اجتماعيًا.
وعلى النقيض من ذلك، فإن المجتمعات المدنية المعاصرة غالبًا ما تحد من هذه الأجواء الوسيطة بين العالم الداخلي والخارجي، حيث إننا ننتقل بشكل مفاجئ من المساحات المغلقة الخاصة إلى الحياة العامة المفرطة في الضجيج والتحفيز مع وجود قدر ضئيل جدًا من التدرج المكاني بينهما، ليواجه العقل هذا الانتقال كنوعٍ من الاحتكاك النفسي.
يطلق المعماريون ومصممو المدن على هذا النوع من المساحات مصطلح الفراغات “شبه العامة” أو “مساحات العتبة” (الانتقالية)، إذ تؤدي هذه المساحات وظيفةً نفسيةً خفية. فبينما تتطلب غرفة المعيشة حضوراً والتزاماً، ويفرض الشارع انكشافاً نفسيّاً كاملاً، تحتل الشرفة منزلةً وسطى، حيث تتيح لك أن تكون مرئيّاً للعامة دون أن تكون مستباحاً بالكامل.
من اللافت للانتباه أن جميع هذه الثقافات والبلدان المتباعدة التي تفصل بينها محيطات وقرون من التجارب والخبرات قد اهتدت إلى الحكمة التصميمية ذاتها بشكل مستقل، وقد وثقت موسوعة “بول أوليفير” للعمارة المحلية حول العالم مئات التقاليد المختلفة ليظهر من خلالها أن المساحة الوسيطة هي غريزة بشرية شبه عالمية أكثر من كونها مجرد خصوصية ثقافية.
ففي البيوت التقليدية في اليابان، لديهم ما يعرف بـ ” الإنغاوا”، وهي عتبة خشبية انتقالية تفصل بين المنزل وخارجه، تتيح لأصحاب المنزل الجلوس فيها لتأمل الطبيعة أو للتفاعل بعفوية مع المارّة.
وفي هولندا، أدت “الستوب” (المصطبة الأمامية) وظيفة الدرج شبه العام؛ إذ تعد بمثابة منصة اجتماعية، رؤيتك عليها تعني أنك متاح للجميع.
أما في العالم العربي فقد صمم فناء “الرياض” (النمط المعماري المغربي التقليدي) بحيث ينكفئ عن الشارع وينفتح على الحياة العائلية المشتركة داخل المنزل.
وفي الهند ذاتها، تضمنت منازل “البول” في أحمد آباد ومساكن “الوادا” في ماهارشتارا ما يسمى بـ “الأوتلا” (منصات مرتفعة عند المدخل)، حيث يتوقف الجيران ويتفاعل الباعة، وينخرط أصحاب المنازل في حياة الشارع من غير أن ينكشفوا له بشكل كامل.
وفي أحياء أمريكا الشمالية القديمة، خدمت الشرفات الأمامية الغرض ذاته؛ حيث كان الناس يجلسون في الخارج وقت المساء، يحيّون الجيران ويظلون جزءاً مرئياً من حياة الشارع.
هذه كلها ليست مصادفات جمالية وإنما تقنيات اجتماعية اهتدى إليها الحدس البشري عبر الثقافات طويلًا قبل أن تكون نظريات؛ حيث اكتشفت المجتمعات المختلفة، بشكل مستقل، أمراً غالبًا ما تغفله الحياة المدنية المعاصرة وهو أن الإنسان بطبيعته وتكوينه، بحاجة إلى هذه المساحات التي توفر له اتصالاً تدريجياً بالآخرين دون ضغوط.
ما الذي فعله التصميم الحديث في المقابل
لقد جعل التصميم الحديث الأولوية للكفاءة والخصوصية والسرعة على حساب المساحات الاجتماعية المشتركة؛ فغدت الشوارع ممراتٍ للسيارات بدلاً من أن تكون أماكن مخصصة للمكوث طويلًا.
واستبدلت مباني الشقق الشرفاتِ الأمامية بالتصميم الداخلي محكم الإغلاق، وباتت تفاصيل الحياة اليومية تتمحور حول الانعزال ونمطٍ قائم على التنقل بين وجهات محددة بدلاً من قضاء الوقت في المساحات المشتركة.
ومع إزالة العوائق والعناصر غير المتوقعة من تفاصيل الحياة اليومية، جرّدَنا التصميم الحديث أيضًا من الكثير من التفاعلات الصغيرة والمتكررة التي كانت تجعل العيش المشترك عفوياً وأقل تكلفاً. إن كل قرار تصميمي يقصي اللقاءات العفوية، يُفقر حياتنا الاجتماعية بصمت وبطرق لا نلاحظها إلا بعد أن يتراكم العجز ويستفحل.
وقد صرح الجراح العام للولايات المتحدة في عام 2023 بأن الوحدة تعد أزمة صحية عامة. ولم تكن هذه مجرد عاقبة لتحوّل ثقافي مجرد، إذ يُعد تصميم بيئتنا العمرانية عاملاً مساهماً لاقى من الاهتمام أقل بكثير مما يستحق.
ومن المفارقة أنه في حياتنا المدنية المعاصرة، قد يكون الشخص محاطاً دائما بأناس آخرين، ومع ذلك يظل يشعر بوحدة شديدة. وتشير الأبحاث حول الوحدة بشكل متزايد إلى أن الصحة النفسية لا تتشكل بفعل العلاقات الوثيقة فحسب، بل أيضًا بفعل ما أسماه عالم الاجتماع “مارك غرانوفيتر” بـ “الروابط الضعيفة”، وهي الصلات الاجتماعية العفوية أو العابرة مع الجيران، وأصحاب المتاجر، والغرباء المألوفين، والمعارف. هذه العلاقات قد تبدو تافهة، لكنها تخلق شعوراً بالتجذر في المحيط الاجتماعي، إذ تطمئننا بشكل غير واعٍ بأننا مرئيون، ومعترف بنا، وبأننا جزء من بيئة مشتركة.
إن كل قرار تصميمي يقصي اللقاءات العفوية، يُفقر حياتنا الاجتماعية بصمت وبطرق لا نلاحظها إلا بعد أن يتراكم العجز ويستفحل. اليوم، تدفعنا بيئتنا بتزايد نحو الكفاءة والخصوصية والتنقل المستمر، ولم تترك إلا حيزًا ضئيلاً للسكون العفوي الذي نما بهدوء في ظله التأمل والألفة والتواصل العفوي.
إعادة النظر لخلق مثل هذه المساحات لا يؤدي فقط إلى إعادة بناء المجتمع، بل يؤدي إلى استعادة إيقاع حياة صحي أكثر.
ماذا يمكن أن نبني إذا بنينا بهدف الشعور بالانتماء؟
كيف سيبدو شكل العمارة إذا كانت أهدافها البنائية ليست مجرد توسيع المساحة، أو انسيابية الحركة، أو القيمة العقارية، وإنما التواصل البشري؟
الخبر الجيد هو أن البعض منا بالفعل لديه هذا التساؤل؛ إذ إننا نصمم أحياءً ذات أفنية مشتركة بدلاً من الوحدات المنعزلة، وشوارع للمشي بدلاً من شبكاتٍ طرقية تهيمن عليها السيارات، ومساحات عامة تدعو إلى المكوث الطويل بدلاً من مجرد تحرك الناس عبرها ببساطة وبأعلى درجات الكفاءة. هذه المشاريع تدرك أن التفاعل الاجتماعي ليس مجرد نتيجة ثانوية للتصميم الجيّد، وإنما غاية يمكن للتصميم نفسه أن يغرسها ويسهم في نمائها بفعالية.
للخيارات الصغيرة قيمتها الفارقة؛ كمقعد وُجّه بطريقة تحفز على تبادل الحديث، أو شرفة أمامية وضعت بحيث تواجه الشارع، أو شرفات علوية ليست فقط مخصصة لأحواض النباتات، بل للجلوس أو الوقوف فيها لخلق اتصال حقيقي مع العالم الخارجي. مثل هذه المساحات متعددة الاستخدام تخلق تداخلاً طبيعياً بين المهام اليومية وحياة المجتمع. هذه العناصر التصميمية لا تجبر أحداً على التواصل وإنما تخلق الجو والظروف المناسبة التي تهيئ له، وبهذا المعنى فليست العمارة يوماً بمعزلٍ عن المجتمع ولا يمكن لأثرها أن يكون محايداً، فهذه المساحات التي نعيش فيها تشكّل بهدوء فرص تلاقينا، وتحدّد مدى شعورنا بالراحة عند التفاعل مع الآخرين، وما إذا كان مجتمعنا سينشأ بشكل عفوّي وطبيعي، أو ينعزل ببطء خلف الجدران والأبواب والشاشات.
ولعل ما اختفى مع غياب الشرفات ليس مجرد مساحة بنائية، بل علاقتنا ونظرتنا للزمن نفسه؛ فالشرفة تدعو للبطء والتروّي، وتمنحنا حق التوقف دون ضغط الإنتاجية، وتشجع على تواصلٍ اجتماعيّ لا يحتاج إلى موعد مسبق، ولحظات تأمل صافية بعيداً عن الملهيات.
لقد كانت الشرفة، بطرق عدة، تقاوم ضغوط الحياة المعاصرة التي تحاول استغلال وتنظيم كل زاوية من زوايا حياتنا. وهذا النوع من المساحات لا يشترط بالضرورة أن يكون في الهواء الطلق، بل يمكن تحقيق الغاية ذاتها بطرق أخرى؛ كالتصميم الذكي للعتبة الداخلية (المساحة الانتقالية)، مثل ممرٍّ واسعٍ مهيأٍ للمقاعد، أو مطبخٍ مشترك، أو حتى كوة النافذة التي تمنحك تدرجاً في الحضور، من غير تكلف أو التزام.
المصدر:



