فكر وثقافة

لماذا تجعلنا الرأسمالية نشعر بالخواء؟ .. تاريخ موجز للسعادة يبيّن لنا الأسباب

الباحث السويدي كارل سيدراستروم متحدثًا عن إعادة تعريف الشركات للسعادة وتحويلها "الهيبيز" إلى مؤيدين ل"ريجان"

  • حوار صحفي أجراه: سين إيلينج.
  • ترجمة: الغازي محمد
  • تحرير: المها العصفور

ما السعادة؟
سؤال قديم موغل في القدم، وبالرغم من العباب الزاخر من النظريات، فلا أحد على الحقيقة يعلم الإجابة!
كان من أول ما قدّم ما يمكن تسميته “فلسفة للسعادة” هو الفيلسوف اليوناني أرسطو، فعنده تكتسب السعادة من كونك شخصًا جيدًا مستقيمًا وغير خاضع لشهواتك الدنيا، بالنسبة له كانت السعادة هدفًا، شيئًا يسعى إليه بنو آدم على الدوام دون وصول إليه، بينما عند فيلسوف يوناني آخر كأبيقور، تنحصر السعادة في المتع المجرّدة.

مع صعود المسيحية انقلب المفهوم اليوناني للسعادة على عقبه، فاللذّية (مذهب أبيقور) والأخلاق القائمة على الفضيلة (مذهب أرسطو)، ولّت وانقضى زمنها وأصبحت مكروهة، وتحوّل معنى الحياة الجيّدة ليصبح تحققها مرهونًا بالتضحية وتأجيل إشباع اللذّات، ومن هنا صارت السعادة شيئًا يتحقق في مرحلة لاحقة، في الدار الآخرة، وليس على هذه الأرض!

وعندما حلّ عصر التنوير وصعدت رأسمالية السوق تحوّلت الثقافة الغربية مرّة أخرى، حينها صارت الفردانية هي الرؤية الأخلاقية المسيطرة والتي تجعل الخير الأسمى منحصرًا في تحقيق الذات والتميّز الشخصي، وكان لهذا أثره على السعادة، فصارت حقًا أساسيًا من حقوق الإنسان، شيئًا يصطبغ به الإنسان بوصفه إنسانًا وفقط!

في الكتاب الموسوم ب:”فانتازيا السعادة” والذي هو من تأليف أستاذ إدارة الأعمال بجامعة ستوكهولم “كارل سيدراستروم” يتتبع المؤلف مفهومنا العصري عن السعادة، وجذوره النفسية، وعلاقته بما يسمى “جيل الإيقاع –  Beat Generation” الذي ظهر في الخمسينيات والستينيات، ويحاجج الكتاب بأن هذه الحركة الثقافية التي رفعت شعارات: الليبرالية، الحرية، والأصالة الفردية، قد حيّدتها – بل واستفادت منها واستخدمتها – الشركات والإعلانات، حيث استخدمتها للترويج لثقافة الاستهلاك والإنتاج، تلك الثقافة الفردانية الغالية نفسها التي كانت سببًا مباشرًا في جعلنا أقل سعادة بكثير عمّا يمكننا أن نكونه!

حاورت سيدراستروم حول هذا الموضوع، وعن كيفية حدوثه، وعن السبب الذي يقف خلف رؤيته للسعادة بوصفها مشروعًا جماعيًا يرسّخ تفاعلًا عميقًا بيننا وبين العالم من حولنا، وفيما يلي نصّ الحوار مع قليل من التعديلات:

 

– إيلينج:
“مفهومنا السائد اليوم عن السعادة المتمثّل في تحقيق الذات، ترجع جذوره إلى حركة “تمكين القدرات البشرية” التي ظهرت في الستينيات، وتتلخص هذه الفكرة في أننا نصبح سعداء عندما نصل إلى إمكانياتنا الكاملة كأفراد، ونعيش حياتنا بأصالتنا الفردية.
لماذا تسمّي هذا “فانتازيا السعادة”؟

– كارل:
ما أقوله هو أنه كان هناك على الدوام وفي كل العصور فانتازيات للسعادة، لكن ما أجادل عنه هنا هو أنه لا يمكنك أن تعرف ما هي “السعادة” على الحقيقة، إنما فقط يمكنك أن تراها كانعكاس لمجموعة من القيم السائدة في عصر من العصور، وهذه القيم تتطور مع الوقت، ولهذا يوجد على الدوام علاقة وطيدة بين المعايير الأخلاقية السائدة، وبين ما يُعتقد أنه هو السعادة!
ما يذهلني، وما هو جديد بالكليّة بالنسبة لنا، هو أنه وقبل عصر التنوير لم يكن لدينا هذه الفكرة التي تقول أن السعادة شيء يمكننا تحقيقه بالكامل في حيواتنا، بل الأغرب أن مثل هذه الرؤية لم تصبح الثقافة السائدة في المجتمعات الغربية قبل منتصف القرن العشرين.

 

– إيلينج:
لماذا حدث هذا؟، وما هي القوى الاجتماعية التي شكلّت معًا هذه الرؤية للسعادة؟

– كارل:
كما هي العادة مع التاريخ، يمكنك دائمًا أن تختار إلى أي مدى يمكنك أن تعود بالزمن! وأنا اخترت أن أعود به إلى بدايات حركات التحليل النفسي في بدايات القرن العشرين، وبالرغم من أن عرّاب التحليل النفسي سيجموند فرويد قال: أنه لا يرى أن البشر كائنات مصممة للسعادة، إلّا أن غيره من رموز هذه المدرسة كانوا على العكس من ذلك! مثل التحليلي النفسي النمساوي ويليام رايخ والذي نشر الفكرة القائلة بأن السعادة مرتبطة بحرية الحب وحرية الجنس! وقد أثّرت أفكاره هذه في نشأة الحركة البوهيمية في الأربعينيات خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، ومن ثمّ في الحركات الثقافية التي ملأت العالم الغربي في الستينيات والسبعينيات.
من هنا صارت الحرية متمثّلة في التحرر الفردي والسعي وراء حياة مميزة! وبالتالي أصبحت السعادة سعيًا فرديًا خالصًا، وصارت تدور حول التحرر الداخلي، وتنمية الذات، ولا زالت هذه المفاهيم إلى اليوم هي ما يشكّل تصوّراتنا الذهنية عن السعادة!

 

– إيلينج:
كيف حدث أن تحوّلت الحركة التي حدثت في الستينيات، والتي  قامت على معاداة الشركات، وعلى التحرر الذاتي، والحرية الجنسية= إلى حركة مستخدمة من قبل الشركات، من خلال نفس المفهوم الذي قامت الحركة على رفضه، الذي هو “ثقافة المستهلك”؟

– كارل:
هذا ما أحاول شرحه في أغلب أجزاء الكتاب، ما حدث في نهاية الستينيات هو حالة من شعور سائد أن المجتمع لا يسمح لنا بأن نكون أنفسنا! وأن الشركات هي العدو، وأن الناس متعطشون للشعور بالانتماء والتضامن، وحينها نُظر إلى حياة الشركة بوصفها حياة ميتّة وسطحية، وبالطبع كل هذه الأشياء أدّت إلى قلب المجتمع رأسًا على عقب.
لكن ما أن انتقلنا إلى السبعينيات والثمانينيات، حتّى انقلب الوضع السياسي، وصارت الشركات تتحدّث عن هذه المخاوف وتتعامل معها، وصرت ترى مقالات في مجلات مرموقة مثل “هارفارد بيزنيس ريفيو” عن كيفية اجتذاب الروح الثورية، وكيف ندمج الشباب في عالم الشركات، وبالطبع هناك الكثير ليُقال عن كيفية حدوث هذا التحوّل، لكن بإيجاز شديد أقول أن ما حدث هو أن الشركات الأمريكية، وصناعة الدعاية والإعلان قد غيرّوا طرائقهم ومعجم ألفاظهم وطريقة كلامهم مع الجمهور، ونجحوا بشكل فعّال في احتواء هذه الموجات الثقافية الثائرة! كان هذا بالتزامن مع صعود نوعية جديدة من القادة السياسيين مثل رونالد ريجان ومارجريت تاتشر الذين كانوا يدافعون عن مجموعة أفكار فردانية متطرفة حول السعادة والاستهلاك، واجتماع هذه العوامل معًا أدّى إلى هذا الأثر الهائل على صعيدي الثقافة والسياسة.

 

– إيلينج:
أشرت في ثنايا كلامك إلى شيء أراه حريًا بالانتباه، وهو – وبالرغم من أني أرى أن كارل ماركس قد أخطأ في كثير من الأشياء- إلّا أنه كان محقًا جدًا في قوله أن الواقع الاجتماعي والقيم الثقافية ما هي إلا إنعكاس للواقع الاقتصادي وليس العكس، وقد أشرت إلى مثل هذا في كتابك حين تحدثت عن أن فكرتنا عن السعادة قد تمّ تحويلها لتجعلنا مستهلكين ومنتجين، ولم يكن ذلك على سبيل المصادفة بالتأكيد! فسؤالي: هل ترى أي طريق يمكن أن يغير -على الحقيقة- هذا المفهوم الجمعي للسعادة دون أي تغيير في البنية الاقتصادية التي قام عليها هذا المفهوم؟

– كارل:
هذا سؤال ممتاز! وإن تحريّت الصدق والأمانة في جوابي فسأقول: لا!
لكن الأمر ليس بهذه البساطة، صحيح أن مما أردت قوله في الكتاب أن رؤيتنا اليوم للسعادة ما كانت لتكون لولا وجود هذا النظام الاقتصادي الذي نعيش فيه، لكن النقطة الأساسية للكتاب هو أن هذه الفكرة التي نملكها عن السعادة اليوم ربما كانت يومًا من الأيام هدفًا نبيلًا، لكن مع مرور الأيام تم استدخال هذه القيم وتهجينها ومن ثمّ استخدامها لتبرير هذا النظام غير العادل وغير المحمود.
كما أنه ما من طريق يمكننا به إتمام مقارنة دقيقة بين السعادة اليوم وبين السعادة منذ خمسين عامًا أو مئة عامٍ مضت.
لكن هذا الهوس القائم بأنه من خلال الشهوات الفردية، وبأنه بشراء المزيد والمزيد وبجمع المزيد والمزيد سنصبح أكثر سعادة، قد أنتج عالمًا مليئًا باللامساواة، وقد خلّف ورائه سخطًا وخوائًا للناس أكثر بكثير مما مضى!

 

– إيلينج:
هل في رأيك أن هذه الثقافة الفردانية المتطرّفة قد جعلتنا في حالة من عدم الرضا؟ بعبارة أخرى: هل يمكن أن نصبح سعداء إذا كان هدفنا الرئيس هو إشباع أهوائنا؟

– كارل:
في رأيي: هذا غير ممكن! أظن أن هذا الأمر سينتهي بنا عند ما نعيشه اليوم! في ظل ثقافة تغالي في الفردنة، وتغالي في التنافسية، وتعاني من الوحدة القاتلة! في ظل مثل هذه الثقافة انتهى بنا المطاف حيث يشعر الناس دائمًا وأبدًا بالقلق، وبالاغتراب، وحيث العلاقات بين الناس مفككة ومنهدمة، وكل إحساس بالانتماء والتضمان يوئد في مهده!
ما أراه وأجادل عنه هو أن السعادة لكي تكون ذات معنى، يجب أن تكون جماعية، رغم أننا ما انفككنا ننظر إلى الأفكار الجماعية حول السعادة بوصفها شمولية أو غريبة أو قبيحة، إلّا أنه يجب علينا أن نتخلص من هذه النظرة! نحتاج اليوم أكثر ما نحتاج إلى مخيال جديد لشكل جديد من السعادة الجماعية وكيف يمكن أن تبدو عليه في 2018.

 

– إيلينج:

سأعود إلى هذا المخيال الجديد لاحقًا، لكن ما أريد أن أشير إليه هو فكرة أراها غير مريحة وتستحق النقد والنقاش، وهي أن الرأسمالية بنيت بالأساس على مجموعة من الافتراضات حول الطبيعة البشرية، من مثل أننا مخلوقات تهتم لمصلحتها، ومهووسون بمكانتنا الاجتماعية ومظهرنا الاجتماعي، وأننا بطبعنا تنافسيون، وسؤالي هو: ألا ترى أنه لو كانت هذه الافتراضات غير صحيحة فما كانت الرأسمالية لتعمل وتنجح كما هي اليوم؟

– كارل:
ما أراه هو أن هناك حاجة أساسية للإنسان في أن يشعر بارتباط بالناس من حوله، وأرى أيضًا أن الرأسمالية نجحت في تقديم حياة الإنسان بوصفها شهوة فردانية، وتلك في رأيي كانت مجرّد كذبة! فحياة الإنسان أعقد كثيرًا من ذلك! وجميعنا مفتقرون إلى أناس آخرين ونعتمد عليهم رغم أننا نادرًا ما نقدّر هؤلاء الذين نفتقر إليهم! لكن ما أنت محقّ فيه، هو أن الرأسمالية -كأي أيدولوجية سياسية أو اقتصادية- تمتلك جزءًا من الحقيقة حول الطبيعة البشرية، وكل تبرير للرأسمالية مرّ عبر طريق المتعة وإرضاء الرغبة، وتلك رسالة قويّة في الحقيقة.
لكن لا يجب على الإنسان أن يكون نرجسيًا وشديد التنافسية إلّا في حالة تم وضعه عمدًا في نظام يعلي من هذه القيم دون غيرها، في هذه الحالة لا شك سيصبح كذلك!

 

– إيلينج:
غالب تركيز كتابك حول العالم الغربي، لكن دعني اسألك حول الشرق حيث العادات والتقاليد الدينية المختلفة، فهل ترى أنهم يمتلكون رؤية أفضل حول السعادة من تلك التي نملكها في الغرب؟

– كارل:
لا شكّ في هذا، ولكن لكي أكون صادقًا معك، لست مطلّعًا بما فيه الكفاية على هذه التقاليد والثقافات، ولكن ما أستطيع قوله هنا هو أن الثقافة الغربية قد تبنّت بعضًا من المفاهيم الشرقية المتعلّقة بالسعادة مثل طقوس التأمل، وتم تهجينها لتناسب حالتنا الراهنة، لكننا أثناء عملية التهجين هذه نسينا المفهوم الأهم في هذه الطقوس، وهو أن تنخلع من ذاتك!

 

– إيلينج:
كلامك يبدو صحيحًا جدًا بالنسبة لي ومثيرًا للاهتمام، أجد اليوم الكثير من الناس يستعيرون طقوسًا كالتأمل أواليوجا، لكن مع عزلها عن أصولها الثقافية والروحية، وبالتالي تتحوّل هذه الطقوس إلى أداة أخرى من أدوات إرضاء الرغبات الذاتية!.
– كارل:
هذا صحيح تمامًا!

 

– إيلينج:
قلت فيما مضى أننا بحاجة إلى مخيال جديدة لفانتازيا جديدة للسعادة تكون أقل ذاتية وأكثر جماعية وأكثر اتصالًا بالعالم من حولنا، ما صورة هذا المفهوم الجديد للسعادة، وكيف يمكننا بناؤه؟

– كارل:
من الأشياء التي لاحظتها في تتبع فانتازيا السعادة عبر الزمن هو أن الرجال هم الذين تولوّا الحديث في هذا الموضوع دائمًا وأبدًا، وهم الذين يتحدثّون عن القيم الهامة لهم في تحقيق الذات وفي المتعة، وأظن أن هذا حريٌّ بالالتفات إليه.

أما بالنسبة لسؤالك، فأظن أن أول ما نحتاجه في الفانتازيا الجديدة هو أن نؤكد أن هذه القيم استخدمت لاستغلال العاملين في أماكن العمل، واستخدمت للتطبيع مع صور من الضبط والقساوة، ولكي نتخيّل صورًا جديدة، نحتاج إلى قيم مختلفة كليًا! وأظن أن منطلقنا يجب أن يكون من “وعي جمعي”، بدلًا من الهوس بالشخص الكامل المحقق لذاته، ربما نحتاج أن نهتم بدرجة أكبر بالمساواة، وبالجماعة، وبحساسية الناس النفسية، وبالتعاطف.
ربما نحتاج أكثر أن نخرج من حبس أذهاننا وأن نكون أكثر حضورًا في هذا العالم! ولعلّنا بهذه الطريقة نبني عالمًا أفضل!

اقرأ ايضاً: الحياة العصرية سبب الصراع السياسي

المصدر: vox

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى