عام

عن الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين: حلول نهائية بلا نهاية

  • بوفنتورا دا سانتوس
  • ترجمة: يارا عمار
  • تحرير: وفاء الصاعدي

وقفٌ آخر لإطلاق النار – كالعديد قبله- من الاحتلال الاستعماري الإسرائيلي لفلسطين، عدد آخر من الموتى أصبحوا في طيّ النسيان، مناسبةٌ أخرى لإراحة ضمير المجتمع الدولي لا سيما في أمريكا الشمالية وأوروبا، فترةٌ أخرى من الاستهانة بشأن الذل الذي يتعرض له أولئك المجبورون على عبور الحواجز الإسرائيلية للذهاب للعمل يوميًا، حملةٌ أخرى لتصعيد الاستفزازات لحين استئناف القصف مرة أخرى، موجة أخرى للتّطهير العرقي تقوم بها قوة استعمارية عنيفة.

إنها قصةٌ مألوفةٌ للغاية؛ كان من رد فعل الغرب تجاه الفظائع التي ارتكبها النظام النازي الألماني ضد اليهود؛ أن شعر أنّ من واجبه الأخلاقي أن يستجيب لطلب الصهاينة بإقامة دولة يهودية. وكان ذلك في سياق تقديم لجنة الأمم المتحدة المعنية بفلسطين – بقيادة الولايات المتحدة ثم اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية- اقتراحًا لتقسيم الأرض. وكانت هذه الخطة – التي تهدف إلى تقسيم فلسطين إلى دولتين، إحداهما يهودية (55%) والأخرى فلسطينية (45%)- قائمة على أساس المشروع الاستعماري الحديث، كما كانت شبيهة بالعديد من مشاريع التقسيم التي تهدف إلى إنهاء الصراعات التي لا حل لها حتى الآن (كما حدث في كوريا الشمالية والجنوبية أو الهند وباكستان).

أُقرّت الخطة، في وقت كانت مشاركة دول الجنوب في الأمم المتحدة لا تزال قليلة، حتى مع عدم اعتراف الدول العربية بدولة إسرائيل الجديدة. وانتصرت إسرائيل في الحروب التي خاضتها عقب إقرار هذه الخطة ضد الدول العربية والقوات الفلسطينية (1948-1949)، واحتلت عدة مناطق أخرى، فضمت إلى أراضيها حوالي 20000 كيلومتر مربع (75% من مساحة فلسطين)، واحتلت الأردن الضفة الغربية، واحتلت مصر وقطاع غزة. كانت هذه الأحداث بداية مرحلة جديدة لتعرض الفلسطينيين للعنف الإسرائيلي، وتشريد ما يقرب من مليون فلسطيني أجبروا على مغادرة المناطق التي احتلتها إسرائيل.(1) وهذا الجمع الغفير من اللاجئين – الذين انتشروا في مخيمات بالشرق الأدنى وبقية الدول- هو أصل ما يعرف ب “القضية/المسألة الفلسطينية”. وقد أشار طارق علي إلى أن الثقافة المشتركة بين مسلمي العرب والنصارى واليهود تعرضت لكسر عميق، وهو ما يسميه الفلسطينيون بالنكبة.(2)

إن أي نص كُتب دفاعًا عن الفلسطينيين لن يخفف من المحن التي يمرون بها منذ إنشاء دولة إسرائيل؛ فهم يتعرضون لظلم بالغ؛ لأنهم يكفرون عن الجرائم التي ارتكبها الأوروبيون. كما لن تجدي كتابتي هذه في إعانة هؤلاء اليهود العاجزين عن فصل أنفسهم عن المشروع الصهيوني؛ بسبب الدعاية السامة التي يتعرضون لها. عندما نتحدث عن فلسطين، تكون الكتابة شكل من أشكال إدارة الغضب، صرخة مكتوبة تعبر عن اليأس والعجز. وهنا -للمفارقة- يكمن المعنى الحقيقي للمأساة الحالية: بوضوح شديد، يظهر أولًا البطلان التاريخي والفلسفي والنفسي لـ “الحقائق” الداعمة بقوة للسياسات السائدة اليوم. وعندما تصبح الأكاذيب وسوء المقاصد من سياسات الدول، فينبغي أن يقف في مواجهتها ذووا المقاصد الحسنة والصادقون العزّل، الحجارة في مواجهة القنابل. نحن بصدد تدمير شامل للمعنى، “كل فكرة باطلة تنتهي بإراقة الدماء، لكنها دائمًا دماء شخص آخر [لا ذنب له]” كما قال ألبير كامو.(3) فلسطين هي التفسير الأكبر للأباطيل الكاذبة الكامنة وراء الآليات المهيمنة المستخدمة لضمان استمرارية “القيم الغربية” التي تنتهك نفسها بنفسها. والآن يتم “تطويع” هذه الآليات لاستخدامها في الكارثة القادمة: الحرب مع الصين.

التزوير التاريخي الديني

القدس ليست عاصمة إسرائيل، ولا يمكن أن تصبح عاصمتها. فقد كانت مدينة مقدسة لقرون عدة؛ وبالتالي فإنها تخص كل من يعتنق الديانات التي كانت القدس مأوى لها. الدول فقط هي التي لديها عواصم , أما الشعوب فلا. تدّعي إسرائيل أنها دولة يهودية. لكنها ليس لها أدنى حق في القدس، إلا إن اعتبرنا القانون الدولي محض هراء. إن اتخاذ شعب عاصمة له لهو استهزاء بالدين. كما ذكر الحاخام يعقوب شابيرو أن الشعوب لا عاصمة لها، والشعب اليهودي كذلك.

التزوير السياسي (1)

يدعي الغرب أن موقفه لا شائبة فيه من الناحية الأخلاقية؛ لأنه يدافع عن الديمقراطية. صرّح الرئيس باراك أوباما عندما وقّع اتفاقية تقديم المعونة لإسرائيل [من عام 2016] وحتى عام 2028، بأن الولايات المتحدة وإسرائيل “ديمقراطيتان حيويتان” لهما نفس القيم، وينبغي أن تتم حمايتهما على قدم المساواة من أعدائهما. وهذا الادعاء باطل من جهتين: إسرائيل ليست ديمقراطية أكثر من جنوب أفريقيا العنصرية. فالفلسطينيون الذين يعيشون بدولة إسرائيل (24% من السكان تقريبًا) هم من نسل حوالي 150000 فلسطيني أقاموا بالدولة التي أصبحت إسرائيل الآن. هم أقلية صغيرة مقارنة بمن طُردوا من أراضيهم ويعيشون حاليًا بالأراضي المحتلة. وهم مواطنون من الدرجة الثانية يعيشون في ظل قيود سياسية وقانونية مشددة، خاصةً عقب تولي بنيامين نتنياهو السلطة عام 2009 وتطبيق سياسته التي أخضعت ديمقراطية إسرائيل لطابعها اليهودي. يُكافح بعض الفلسطينيين من أجل تحقيق المساواة في الحقوق، في ظل الانتقاص المستمر لحقوقهم، بينما يطرح آخرون السياسة جانبًا.(4) إنهم منقسمون بسبب معضلة “دولتي في حرب مع شعبي”. والادعاء الباطل الثاني يتعلق بحكم الأراضي المحتلة. الديمقراطية في فلسطين – مثل أي مكان آخر- لا يُعترف بها إلا إن كانت تخدم المصالح الغربية. ونظرًا لأن المصالح الغربية هي نفس مصالح إسرائيل؛ فلم يُعترف بفوز حماس الحر والنزيه في الانتخابات البرلمانية عام 2006 (74 مقعدًا من 132، وحصلت فتح على 45 مقعدًا). لا يمكن فهم هذه الأحداث التي مرت على مدى ستةَ عشرَ عامًا بدون اعتبار هذا القرار التعسفي الذي اتخذته الدول الغربية تحت ضغط إسرائيل وحليفتها الولايات المتحدة.

التزوير السياسي (2)

حاججتُ سابقًا أن الاستعمار لم ينته باستقلال المستعمرات الأوروبية سياسيًا، إلا شكل واحد من أشكاله وهو الاحتلال الأجنبي، ولم ينته تمامًا بعد. لا يتبادر إلى الذهن عند ذكر كلمة استعمار إلا القبضة الاستعمارية على الشعوب، لكن للاستعمار أشكال متعددة في عصرنا هذا، أبرزها: العنصرية الهيكلية ونظام الفصل العنصري اللذين فرضتهما إسرائيل في الأراضي المحتلة. إن إقرارنا بوجود فصل عنصري هو إقرارٌ بوجود الاستعمار. في أبريل 2021، نشرت منظمة رصد حقوق الإنسان -أشد المنظمات الحقوقية موالاة لأمريكا- تقريرًا يصف إسرائيل بأنها دولة فصل عنصري. وتجدر الإشارة إلى أنه في عام 1973 اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة الاتفاقية الدولية التي تنص على وجوب منع جريمة الفصل العنصري وفرض العقوبات عليها (القرار 3068)، والتي دخلت حيز التنفيذ عام 1976. في الأراضي المحتلة (القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة) يخضع الحكم الذاتي الفلسطيني للقوة المحتلة بالكامل. القهر الممنهج والتمييز المؤسسي هما القاعدة؛ مصادرة الأراضي، التغيير القسري للمسكن، مراقبة التحركات، إدارة المياة والكهرباء، الحرمان من الخدمات الأساسية (كما حدث مؤخرًا مع لقاحات كوفيد). حوّل الاحتلال العنيف قطاع غزة إلى أكبر سجن مفتوح في العالم. إذا اعترفت الأمم المتحدة بأن الفصل العنصري جريمة ضد الإنسانية، فلم إذًا لم تحاكَم إسرائيل؟ لأن القيم الغربية لا تطبَّق إلا عندما تناسب أولئك الذين لديهم القدرة على الاستفادة منها.

لكن الاستعمار الذي يعاني منه الشعب الفلسطيني له عدة جوانب أخرى تدخله بوضوح في فئة الاستعمار التاريخي. أحدها إلغاء الهوية الفلسطينية ومحو ذكرى النكبة (استيلاء إسرائيل على 78% من الأراضي الفلسطينية عام 1948). تهدف وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى إلى رعاية اللاجئين الذين طُردوا بعنف من ديارهم عامي 1948 و1967، وأحفادهم الذين خرجوا؛ بسبب الانتقادات اللاذعة الصادرة من المنظمات الصهيونية المحافظة. تشكوا تلك المنظمات من أنه لولا وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل الفلسطينيين؛ لفقد الفلسطينيون هويتهم واندمجوا في المجتمع المحيط. هل يوجد أي فارق بين هذه السياسات والأخرى التي اتبعها المستعمرون في الأمريكيتين وأفريقيا لمحو هوية وذاكرة الشعوب الأصلية؟.(5)

أُكذوبة المساواة

على عكس ما تدعيه إسرائيل، هذه ليست حالة مواجهة للعنف بالعنف. لننظر إلى التفاوت بين هجمات حماس ورد فعل إسرائيل مروّع للغاية، وهو مبرر غير مقبول لقتل آلاف الأبرياء عشوائيًا. الجيش الإسرائيلي هو رابع أقوى جيوش العالم. وإذا ألقينا نظرة على الهجمات العنيفة المتكررة، سنتذكر أنه في عام 2014 استمرت القذائف الإسرائيلية 51 يومًا، وقتلت أكثر من 2200 فلسطيني منهم 551 طفلًا. وهذه المرة بعد 11 يومًا من الهجمات العنيفة (أُعلن وقف إطلاق النار 20 مايو) سقط 232 قتيلًا من الفلسطينيين منهم 65 طفلًا، بينما سقط 12 قتيلًا من الإسرائيليين (منهم طفلان). بالإضافة إلى التدمير الهمجي للبنية التحتية والمدارس في قطاع غزة. نحن نتحدث عن إرهاب دولة تستخدم أسلحة مطورة للغاية تزوّدها بها الولايات المتحدة ؛لإبقاء شعب كامل تحت الإرهاب الدائم منذ عام 1948.

التزوير الإعلامي

سيشعر الإعلام العالمي يومًا ما بالخزي بسبب تناوله المتحيز للأحداث في فلسطين. إليك مثالين: لقد ترسخ اعتقاد لدى الرأي العام حول العالم؛ بأن الضربة الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة كانت  بسبب الصواريخ التي أطلقتها حماس. وبالنسبة إليهم هذا كل ما حدث، فقبل ذلك لم يحدث اقتحام للمسجد الأقصى، ولم يُطلق الرصاص على المصلين في منتصف شهر رمضان المبارك، ولم تكن هناك اعتداءات استمرت لأشهر من الميليشيات الإسرائيلية على المباني السكنية والتجارية في القدس الشرقية. وبالتالي وقع اللوم بالكامل على عاتق حماس، وبدت إسرائيل كأنها تدافع عن نفسها فقط. المثال الآخر: يرى الرأي العام حول العالم أنه أثناء الضربات الإسرائيلية كان الفلسطينيون “يموتون” ببساطة، لكن الإسرائيليين “تقتلهم حماس” أو “يقتلون؛ بسبب الهجمات الصاروخية”.

تماثلٌ مرعب

كان إيلان بابيه المؤرخ اليهودي الكبير أول شخص تقريبًا يتساءل بأسى بالغ: كيف لشخص أن يتخيل أن يعامل الإسرائيليون – بعد سبعين عامًا في الهولوكوست- الفلسطينيين بنفس أساليب الذل والمهانة التي استخدمها النازية ضد اليهود؟ عندما زار خوسيه ساراماغو فلسطين عام 2002 – وهو كاتب برتغالي حاز على جائزة نوبل في الأدب- عقد مقارنة بين معاناة الفلسطينيين تحت وطأة إسرائيل ومعاناة اليهود تحت وطأة النازية. وأوضح وجهة نظره في لقاء مع BBC قائلًا: “كانت المقارنة حرجة، ولا بد أن تكون كذلك. لو ذكرت حجتي بعبارات أعم، لما أثارت رد الفعل ذاته غالبًا. لا توجد غرف غاز لإبادة الفلسطينيين، لكن الشعب الفلسطيني وجد نفسه في حالة تمركز.. هذا ليس صراعًا. يمكننا أن نسميه صراعًا عندما نتحدث عن بلدين لهما حدود أو دولتين لكل منها جيش خاص. لكننا الآن نتحدث عن شيء مختلف تمامًا: إنه “الفصل العنصري.”

في عام 1933، لم تكن أغلبية اليهود الألمان صهاينة، أي: لم ينادوا بعد بإقامة دولة للشعب اليهودي. كانت أكبر منظمة يهودية هي “الرابطة اليهودية المركزية في ألمانيا”. وكان هتلر مهووسًا بفكرة إخراج اليهود من ألمانيا (ثم من أوروبا) قبل أن يأمر بالهولوكوست بوقت طويل. لذلك تفاوض على اتفاق (أثار جدلًا شديدًا بين اليهود) مع المنظمة الصهيونية (الاتحاد الصهيوني الألماني) ينص على نقل اليهود إلى فلسطين (التي كانت تحت الحكم البريطاني)؛ مما سيوفر لهم ظروفًا “أفضل” (أي أقل خزيًا) من الهجرة إلى أي دولة أخرى. طبقًا لاتفاقية هعفراه عام 1933، كان على الدولة أن تصادر كل ثروات اليهود، لكنها ستنقل 42.8% من القيمة الإجمالية للوكالة اليهودية في فلسطين، وستحول النسبة المتبقية إلى منتجات صناعية في ألمانيا؛ لا شك أنه من الإذلال المجحف جعل المهاجرين قسرًا يستهلكون المنتجات التي صنعتها الدولة نفسها التي طردتهم. يقدّر عدد الألمان الذين هاجروا إلى فلسطين 40000 وعدد البولنديين 80000، بين عامي 1933 و1938. قد كان محتملًا أن يكون الرقم أقل من ذلك إن قبلت الدول الأوروبية الأخرى هجرة اليهود، حتى بعدما اتضح أن الهدف النهائي هو “أوروبا بلا يهود”.(6)

تأسست دولة إسرائيل على عملية تطهير عرقي واسعة: طرد 750000 فلسطيني من ديارهم وأراضيهم، أضف إليهم أكثر من 300000 بعد حرب 1967. والآن هناك انتشار لجماعات اليمين المتطرفة التي تطالب بتهجير كل الفلسطينيين من الأراضي المحتلة إلى الدول العربية المجاورة. حتى “عرب إسرائيل” ممنوعون قانونيًا من سُكنى مدن معينة. وفي عام 2011 أصدر الكنيست الإسرائيلي قانونًا يسمح لمدن النقب والجليل التي تضم 400 أسرة بإبقاء لجان القبول التي يمكنها رفض طلبات الإقامة هناك بحجة أن المتقدمين “غير مناسبين للحياة الاجتماعية للمجتمع” أو لعدم توافقهم مع “النسيج الاجتماعي الثقافي”.(7) دُمِّرت مدن بالكامل على مدى عقود، وتُرك الفلسطينيون الجرحى حتى ماتوا؛ لأن الجيش الإسرائيلي حظَّر سيارات الإسعاف. وإذا اشتُبه في فلسطيني واحد بارتكاب فعل مقاومة فردي، تقبض السلطات المحتلة على والديه وأسرته وجيرانه، وتقطع عنهم المياه والكهرباء. لا جديد في كل هذا، بل إنه يجلب إلى الذهن ذكريات مروعة. نشرت صحيفة المعاريف الإسرائيلية اليومية نقلًا عن الصحفي الشهير روبرت فيسك أن أحد كبار الضباط الإسرائيليين كان يأمر قواته باتباع تعليمات المعارك الماضية، في حالة دخول المخيمات المكتظة باللاجئين، وهي تتضمن أساليب اعتمدها الجيش الألماني في حي وارسو اليهودي.(8)

إن ما حدث في الشيخ جراح نموذج مصغر مكرر للتاريخ. طردت 28 عائلة فلسطينية من أراضيهم عام 1948، فاستقروا في هذا الحي آملين ألا يهَجّروا ثانية. عندما كان حي الشيخ جراح والضفة الغربية بالكامل تحت إدارة الأردن (1967-1951) تفاوضت الأردن والأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان التي مقرها القدس بشأن استقرار هذه العائلات. والآن أمرت محكمة إسرائيل العليا بإقصائهم من ديارهم، بعد أعوام من معاناتهم من الميليشيات الإسرائيلية الإرهابية التي تقذف منازلهم بالحجارة، وقد يقتحم بعضهم الجزء الرئيسي للمنزل ويجبرون ساكنيه على التجمع في الخلف. يجوب المتطرفون الإسرائيليون شوارع الحي ليلًا بالتواطؤ مع الشرطة، ويهتفون “الموت للعرب”، وتميَّز منازل المتواطئين حتى لا تتعرض للهجوم بالخطأ. ألا يعيد كل هذا الذكريات الماضية؟.

آخر بصيص من الأمل

من الصعب أن نتحدث عن الأمل بطريقة لا تسوء الشعب الفلسطيني. ليس الأمل في اتفاقيات وقف إطلاق النار؛ لأن هدفهم الوحيد هو ضمان استقرار تحالفاتهم مع القوى المتواطئة المسؤولة عن استمرار معاناة الشعب الفلسطيني، وللتجهز لوقف إطلاق النار الذي سيتبع اندلاع أعمال العنف القادم. لا أمل في هذه المرحلة إلا في المجتمع الدولي. إننا نشهد انتشارًا واسعًا لثلاثة أنواع من المبادرات، رغم اختلافها الشديد فإنها تشترك في إمكانية دفع إسرائيل إلى عزلة متزايدة قد تؤدي -إن لم يفت الأوان- إلى امتثال قرارات الأمم المتحدة.

تتشكل المبادرة الأولى من: المواقف العامة القوية المتزايدة التي يتخذها مثقفون وصحفيون وفنانون من اليهود ضد السياسات الإسرائيلية، والمصادر المذكورة- في هذا المقال- دليل على ذلك. والمبادرة الثانية تشمل: التظاهرات العامة في شتى أنحاء العالم الداعمة لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. والثالثة: استقت فكرتها من الكفاح الدولي ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. كان عدم تكافؤ القوى العنيفة في جنوب أفريقيا – وكان عدد السود كبيرا في مواجهة الأقلية البيض- أقل منه بين القوات الإسرائيلية والمقاومة الفلسطينية. وبالرغم من ذلك كانت المبادرات المشاركة في الحركة الدولية لعزل جنوب أفريقيا من العوامل الحاسمة للقضاء على الفصل العنصري: مقاطعة شركات جنوب أفريقيا وعدد من الشركات العالمية المشاركة في الفصل العنصري بنسبة كبيرة، والمقاطعة الأكاديمية والسياحية والرياضية التي تستهدف مواطني جنوب أفريقيا.

لقد ألهمت الحملة المناهضة للفصل العنصري إنشاء حركة BDS الدولية عام 2005، التي تروج لمقاطعة الاحتلال وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على إسرائيل، وقد انتشرت في السنوات الأخيرة. ولكونها مبادرة تتبنى مبدأ اللاعنف فهي لا تخلو من مشكلات؛ لأنها قد تأتي على حساب سبل عيش الأبرياء المشروعة. ومما يثير الاهتمام مع ذلك أن الحركة قد تكسب رغم الذين يعيشون في هذه الدول لكننهم يعارضون سياسات الفصل لديهم. أذكر انني عندما انضممت لحركة المقاطعة الأكاديمية لجنوب أفريقيا أثناء الفصل العنصري، لم يقابل زملاؤنا البيض من جنوب أفريقيا أفعالنا بالتعاطف فقط، لكنهم دعمونا فعليًا ؛لأنهم عززوا نضالهم على المستوى المحلي. لكن السياق العالمي مختلف الآن. إلى متى ستستمر في ادعاء أن القضية الفلسطينية ليست قضيتنا، والفلسطينيون يستشهدون ظلمًا ويعاقبون على جريمة ارتكبها الأوروبيون، والمجتمع الدولي مستمر في عدم اكتراثه؟ لقد حاربت معاداة السامية طيلة حياتي، وإنني أدين في هذا الموقف التطهير العرقي للفلسطينيين الذي ترتكبه إسرائيل.

اقرأ ايضًا: معاندة إسرائيل للتاريخ والأخلاق والقانون


الهوامش

1- بدأ التطهير العرقي في فلسطين أوائل ديسمبر عام 1947، من خلال سلسلة اعتداءات وهجمات من الميليشيات الصهيونية على القرى والأحياء الفلسطينية؛ أدت إلى تشريد حوالي 3000000 فلسطيني، وذلك قبل أن يطأ جندي عربي أرض فلسطين. ومن الأمثلة على ذلك قرية دير ياسين بغرب القدس. وقّعت القرية اتفاقية عدم اعتداء مع الهاجاناة، لكن بالرغم من ذلك هاجمت القوات الصهيونية القرية ليلة التاسع من أبريل عام 1948؛ وقتلت 100 مدني برئ (منهم 30 رضيعًا). ثم فجّرت ميليشيات الهاجاناة دور القرى الأربعة المجاورة لقرية دير ياسين (قالونيا، ساريس، بيت سوريك، بدو). حيث فجرت ميليشيا الهاغاناه المنازل وطردت الناس (في التطهير العرقي لفلسطين بقلم إيلان بابيه، أكسفورد، ون وورلد، 2006. ص 90-91). في بداية كتابه، يستخدم بابيه توصية دافيد بن غوريون الفاحشة (في الواقع، ليس وحده) للمدير التنفيذي للوكالة اليهودية في يونيو 1938. كتب بن غوريون، الذي أصبح بعد عشر سنوات أول رئيس وزراء للحزب. دولة إسرائيل التي تم إنشاؤها حديثًا: “أنا مع الترحيل الإجباري ؛ لا أرى أي شيء غير أخلاقي فيه “.


2- The Clash of Fundamentalisms, London: Verso, 2002.

3- In John Foley, Albert Camus: from the Absurd to Revolt. London: Routledge, 2008, p.49.

4- As’ad Ghanem, “Israel’s Second-Class Citizens: Arabs in Israel and the Struggle for Equal Rights”, Foreign Affairs, July/August 2016, pp. 37-42. A list of discriminatory laws in Israel can be consulted in https://www.adalah .org/en/law/index.

5- Peter Beinart, “Teshuvah: A Jewish Case for Palestinian Refugee Return”, Jewish Currents, 11 May, 2021.

6- Samuel Miner, “Planning the Holocaust in the Middle East: Nazi Designs to Bomb Jewish Cities in Palestine”, Jewish Political Studies Review, Fall 2016, pp. 7-33.

7- Human Rights Watch, 2021, p.59.

8- W. Cook (ed) The Plight of the Palestinians. Palgrave Macmillan, New York, 2010, p.164.

المصدر
criticallegalthinking

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى