عام

إسرائيل والفصل العنصري

  • جوناثان كوك*
  • ترجمة: وفاء الحربي
  • تحرير: عبد الرحمن روح الأمين

قبل أكثر من عقد من الزمن حذّر رئيس الولايات المتحدة جيمي كارتر بأن إسرائيل تُمارس التمييز العنصري في الأراضي الفلسطينية المحتلّة ولكن بدقةٍ أكثر يمكننا القول إن إسرائيل بذاتها هي دولة فصل عنصري.

تسيبوري بالعبرية (Tzipori) هي مستوطنة ريفيّة تقع شمالًا على بعد ميل بخطٍ مستقيمٍ من مقاطعة الناصرة، وهو المكان الذي اعتدتُ زيارته مع مجموعة من النشطاء الذين يرغبون في معرفة الكثير عن الوضع السياسي للأقليّة الفلسطينية التي تعيش في إسرائيل.

تساعد قرية تسيبوري في تسليط الضوء على الجوهر التاريخي والقانوني والأسس الإدارية التي تقوم عليها الدولة اليهودية، منها ما يظهر صرامةَ تقاليدِ النظام السياسي غيرِ الديمقراطي الذي يمكن وصفه بأنه عنصري بطبيعته.

قبل أكثر من عقد من الزمن، أثار غضبَ الحزب الإسرائيلي في أمريكا ما أشار إليه الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر في كتابه “فلسطين السلام لا التمييز العنصري” الأكثر مبيعاً، أن حكم إسرائيل على الفلسطينيين في الأراضي المحتلّة هو تمييز عنصري، وهذا الكتاب كسر المحظور من نواحٍ عديدة وهو ما زاد الجدال حول إسرائيل. من حينها، حذّر آخرون من بينهم جون كيري الذي كان وقتها وزيراً للخارجية الأمريكية ورئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود أولمرت وإيهود بارك بأن خطر حكم إسرائيل في الأراضي المحتلّة سيحوّلها لمنطقة فصل عنصري رغم من أنه بالنسبة إليهم: لحظة التحوّل لم تأتِ بعد.

كما أشار ديزموند توتو كبير الأساقفة في جنوب أفريقيا إلى أن وضع الفلسطينيين القابعين تحت الاحتلال أسوأ ممّا عاناه السود سابقًا في جنوب أفريقيا حيث يرى أنهم يُعانون من شيء أشدّ ضراوةً من الفصل العنصري وما عبّر عنه ” الفصل العنصري المضاعف”.

هناك فارق ملحوظ بين الحالتين وهو ما أوحى إليه لفظ “مضاعَف”، حيث أدرك البيض في جنوب أفريقيا في ظلّ الفصل العنصري أنهم بحاجةٍ للاعتماد على العمّال السود لأنهم يُشكّلون الغالبيّة السكانية. من الناحية الأخرى، فإن إسرائيل لا تكنّ للشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلّة سوى كل عداء وكراهية، وتراهم عبءً سكانيًا غيرَ مرحبٍ بهم وعَقبةً أمام التحقيق السياسي لإسرائيل العظمى، لذلك تفرض عليهم ضغوطاتٍ اقتصاديةٍ وعسكريةٍ شديدةٍ هدفُها التطهير العرقي وتهجير الفلسطينيين بشكلٍ تدريجي.

وليس غريبًا حرص المؤيّدين لإسرائيل على قصر استخدام مصطلح “الفصل العنصري” على جنوب أفريقيا فقط كما لو أن النظام السياسي الذي يوزع الموارد الأساسية على أسس عنصرية وعرقية لم يحدث إلا في مكان وزمان واحد.

وما يغيب عن الأذهان أن تعريف جريمة الفصل العنصري في القانون الدولي من قبل نظام روما الذي أسسته المحكمة الجنائية الدولية ٢٠٠٢ في مدينة لاهاي، ينص على أن نظام الفصل العنصري هو: نظام مؤسسي قائم على القمع والسيطرة بصورةٍ منهجية من قِبل جماعة عرقيّة واحدة ضد جماعات عرقية أخرى وتُرتكب هذه الجرائم بنية الحفاظ على هذا النظام. بالمختصر الفصل العنصري هو نظام أو هيكل سياسي يمنح الحقوق والامتيازات بناءً على أسسٍ عرقية.

يصف هذا التعريف-الذي سنتطرق لمناقشته في هذا المقال- النظام السياسي ليس فقط في الأراضي المحتلة -حيث الأوضاع أسوأ بكثير- بل في إسرائيلَ نفسها حيث يتمتّع المستوطنون اليهود بامتيازاتٍ قانونية أعلى من تلك التي يتمتّع بها ١.٨ مليون فلسطيني يحملون الجنسية اليهودية الرسمية.[1] هؤلاء الفلسطينيون هم من بقي مما هُجِّروا بعد حرب ١٩٤٨ التي نتج عنها إقامة الدولة اليهودية على أنقاض أرضهم، ويبلغ عددهم نحو خُمس سكان إسرائيل.

بالرغم من الاتفاق بشكل عام على معاناتهم من التمييز لايزال بعض العلماء يرون أن وضعَهم يمكن علاجه ولا يَرقى هذا إلى أن يخدش صورة إسرائيل (الدولة الليبرالية الديمقراطية) التي تُعدّ امتدادًا للمدنيّة الغربية. ولا تختلف معاملة إسرائيل للأقليّة الفلسطينية عما تواجهه الأقليّات في الغرب على سبيل المثال السود واللاتينيين في أمريكا والآسيويين في المملكة المتحدة والأتراك في المانيا والأفارقة في فرنسا.

قد يُساء فهم نوع الدولة الذي تُمثّله إسرائيل وطريقة تعاملها مع جميع الفلسطينيين سواء كانوا تحت الاحتلال أو من يحملون الجنسية الإسرائيلية. فالتمييز الذي يُواجهه الفلسطينيون في إسرائيل لا يُصنّف على أنه غير قانوني، بل هو مؤسّسي ومنهجي ومقنّن على نطاقٍ واسع ويصف بدقّةٍ تعريفَ الفصل العنصري في القانون الدولي ومماثلٍ في سماته الأساسية للفصل العنصري في جنوب أفريقيا.

في عام ٢٠١٧ نشرت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب أسيا (ESCWA) تقريرًا مفاده:

“ترعى إسرائيل نظامَ فصلٍ عنصري يضطهد الشعب الفلسطيني ويُهيمن عليه بجميع أطيافه بمن فيهم الفلسطينيون الذي يحملون الجنسية الإسرائيلية”.

 سُحب التقرير بسرعة بعد ضغوطاتٍ شديدةٍ من قبل إسرائيل والولايات المتحدة لكن هذا لا يُلغي حقيقة الفصل العنصري التي يرعاها القانون وتؤيدها الممارسات الإسرائيلية.

هذه الحجة كانت أكثر إثارةً للجدل بكثيرٍ من تلك التي طرحها الرئيس كارتر؛ حيث يُشير موقفه إلى أن إسرائيل طوّرت نظام فصل عنصري منفصلٍ جاء لاحقًا لحرب عام 1967 – وهو نوع من الفصل العنصري “الطارئ حديثًا” على إسرائيل الديمقراطية بالأساس. من وجهة النظر هذه: لو أنهت إسرائيل الاحتلال، فإن نظام الفصل العنصري الذي تمارسه في مناطق مختلفة يمكن أن يُبتر كما لو كان عضوًا فاسدًا في جسم سليم؛ ولكن المشكلة هي معاملة إسرائيل لمواطنيها الفلسطينيين التي تتطابق مع تعريف الفصل العنصري، وأيضًا الامتياز اليهودي المتأصّل في النظام السياسي لإسرائيل الذي أنشأته الحركة الصهيونية في عام ١٩٤٨ الذي ينص على أن الدولة اليهودية هي دولة قائمة على اعتبارات عنصرية بالأساس، من هذا المنظور فإن القضاء على الاحتلال لن يفعل شيئًا لإنهاء وضع إسرائيل كدولة قائمةٍ بالأساس على الفصل العنصري.

الفصل وانعدام المساواة

أسّس اليهود الرومان والبلغاريون “تسيبوري” كمستوطنة إسرائيلية (موشاف)، وهي تجمّع سكاني يضمّ مجموعة من المزارعين مشابهة للمستوطنات الزراعية (كيبوتس) تختصّ بإنتاج مشتقّات الألبان، أما قديمًا كان يعمل سكّانها بالزراعة وهجروها، وتبلغ عدد سكانها اليوم ١٠٠٠ يعملون في مكاتب بالقرب من مدن حيفا وطبريا وعفولة.

يعود أصل الاسم العبري تسيبوري لمدينة رومانية تُسمّى صفورية والتي أصبحت الآن جزء من الحديقة الوطنية الملاصقة للمستوطنة (موشاف). يفَصل بين المستوطنة وصفورية القديمة غابة صنوبر كبيرة التي تخفي تحتها مزيد من حطام صفورية، حتى أن بعضها بالكاد تمييزه عن الحديقة الوطنية. ولكن هذا الحطام حديثٌ أكثر من المتوقع فهي بقايا الشعب الفلسطيني السكان الأصليين لمدينة صفورية الذين كان يبلغ عددهم ٥٠٠٠ نسمة يُعرفون باسم الصفوريين. أُبيدت القرية أثناء النكبة ١٩٤٨ وهي الكلمة التي يصف بها الفلسطينيون عملية الاحتلال لبلدهم من قبل دولة إسرائيل.

هجَّرت إسرائيلُ الفلسطينيين من صفورية ودمرت منازلهم وهذا التدمير لا يمكن أن يكون حادثة فردية. فقد تعرضت أكثر من ٥٠٠ قرية فلسطينية للتطهير العرقي خلال النكبة وكانوا يُغطون أنقاض البيوت بالأشجار. واليوم يعيش جميع أهالي صفورية مهجّرين، معظمهم خارج إسرائيل لاجئين في المخيّمات اللبنانية، ونسبةٌ منهم يعيشون في مدينة الناصرة المدينة الوحيدة التي نَجت أثناء النكبة. ووفقًا لبعض التقديرات ما يقارب ٤٠٪ من سكان مدينة الناصرة ينحدرون من صفورية ويعيشون في حي يُعرف باسم الصفافرة.

مؤخرًا حينما يتحدّث المراقبون عن الفلسطينيين فإنهم يقصدون أولئك الذين يعيشون في الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام ١٩٦٧ وهي الضفّة الغربية وغزّة والقدس. وأكثر ما يتجاهله المراقبون (مع مختلف عمليات السلام) مجموعتين هامتين: المجموعة الأولى هم اللاجئون الفلسطينيون الذين انتهى بهم المطاف خارج حدود فلسطين المقسّمة، والمجموعة الثانية هم ٢٠٪ من الفلسطينيين الذين تمكّنوا من البقاء في أرضهم. في عام ١٩٤٨ نجا حوالي ١٥٠ ألف فلسطيني من النكبة وهو رقم أعلى بكثيرٍ ممّا كانت تنويه السلطات الإسرائيلية.

يُقدّر سكان مدينة الناصرة بنحو ٣٠ ألف نسمة منهم أهالي المدينة الأصليّين وآخرين هم اللاجئين أمثال أولئك الذين هاجروا من صفورية بحثًا عن الأمان أثناء الحرب. لم يتعرّض أهالي الناصرة للتهجير بسبب خطأ ارتكبه الضابط اليهودي الكندي بن دونكلمان الذي خالف أمر تهجير المدينة من سكانها. ويمكن تخمين السبب وراء فعلته من خلال المكانة البارزة للناصرة فهي مركز للمسيحية، وأيضاً كان يخشى أن ينتهي به المطاف في قفص الاتهام أعقاب محاكمات جرائم الحرب التي ارتكبها النازيون في نورمبرج.

من الاسباب التي لم تكن متوقعة خلف بقاء الفلسطينيين داخل إسرائيل وانضمام بعضهم للدولة الجديدة هو ضغط الفاتيكان الذي سمح للفلسطينيين المسحيين ويُقدر عددهم نحو ١٠٠٠٠ بالعودة لديارهم بعد انتهاء الحرب. نقل أكثر من ٣٥ ألف فلسطيني إداريًا إلى إسرائيل عام ١٩٤٩ بعد انتهاء النكبة، حينها عقدت إسرائيل مع الأردن اتفاق هدنة الذي جاء ليُعيد رسم الخطوط المحدّدة لوقف إطلاق النار على الأراضي الإسرائيلية، وهو الاتفاق الذي جاء في صالح إسرائيل بدلًا من الفلسطينيين. بسبب ضعف التكنولوجيا في ذاك الوقت استطاع عدد من اللاجئين الذين هجروا إسرائيل متسلّلين أملاً في العودة إلى قُراهم على سبيل المثال قرية صفورية، لكنهم وجدوا أن منازلهم قد دُمرت واندمجوا مع المجتمعات الفلسطينية الناجية مثل أهالي الناصرة واختفوا عن أنظار السلطات الإسرائيلية.

لاحقًا بدأت إسرائيل في منح الفلسطينيين الذين بَقوا في إسرائيل الجنسية الإسرائيلية، مع أولوية المسؤولين الإسرائيليين هي منع عودة أي فرد من ٧٥٠ ألف فلسطيني الذين تعرّضوا للتهجير والتطهير العرقي، حيث أن هذه هي الطريقة الوحيدة لتأكد من حماية الأكثرية اليهودية بشكل قطعي ودائم. ولتحقيق هذه الغاية كان لابد من تمييز الفلسطينيين في المجتمعات الناجية مثل مدينة الناصرة التي جعلوا السِّمة البارزة لأهلها تربية المواشي، وبهذه الطريقة يمكنهم التعرف على أي متسلّلين من اللاجئين الذين يُحاولون العودة لديارهم وتطردهم مرةً أخرى. وهذه الممارسة للتمييز بدأت من بعد إصدار تصاريح الإقامة في مجتمعات مثل الناصرة. وافقت إسرائيل مؤخرًا على تحويل هذه الإقامة إلى جنسية من أجل الحصول على الشرعية الدولية.

حوّلت إسرائيل تصاريح الإقامة لجنسية من خلال قانون الجنسية الإسرائيلي الذي أُسّس في عام ١٩٥٢ أي بعد أربع سنين من إقامة دولة إسرائيل، وكان منح الفلسطينيين للجنسية بمثابة تنازل إكراهي من أجل تحقيق أهداف إسرائيل الديموغرافية. وبلا شك هذا ليس دليل كما يفترضه الكثير على أهلية إسرائيل كدولة ديمقراطية. يمكن إدراك قانون الجنسية أنه مناهض للمواطنة وهدفه الاساسي حرمان أي فلسطيني خارج الحدود الجديدة- الذين هم الغالبية العظمى مما تعرضوا للتهجير والتطهير العرقي في عام ١٩٤٨- من حق العودة لديارهم.

قبل سنتين من سَنّ قانون الجنسية، شرعت إسرائيل القانون الأكثر شهرة، القانون الذي فتح الأبواب أمام جميع اليهود من مختلف أنحاء العالم للهجرة إلى إسرائيل والحصول على الجنسية الإسرائيلية تلقائيًا.

أي شخص مطّلع على تاريخ الولايات المتحدة الحديث سيكون على علم بقضية الحقوق المدنية الشهيرة وهي قضية بروان ضد مجلس التعليم التي كانت في عام ١٩٥٤، حيث حَكم القضاة بأن القوانين التي تنصّ على إنشاء مدارس عامة تفصِل بين الطلاب البيض والسود هي مخالفة للدستور استنادًا على “أن الفصل يعني في الأصل عدم المساواة”. وكان هذا مبدأً قانونيًا هامًا من شأنه توجيه ضربةٍ حاسمة ضد قانون جيم كرو وهو المصطلح الذي يطلق على الفصل العنصري الذي كان في الجنوب.

إذا كان الفصل العنصري في أصله يمثل عدمَ المساواة فإن الأُسس التي تُبنى عليها الجنسية الإسرائيلية تُمثل أعمق صور عدم المساواة التي يمكن تصوّرها، ويُشار أحياناً إلى الجنسية أنها الحق الأساسي الذي تُقدّمه الدول حيث أن العديد من الحقوق الأساسية تعتمد عليها مثل حقّ التصويت والإقامة والرعاية الاجتماعية. إذا كانت حقوق المواطنة مبنية على أسس عرقيّة فهذا سيخلق قانون واحد يمنح اليهود حقوق المواطنة كلّها ويحرم غالبية الشعب الفلسطيني منها، وهنا تكون إسرائيل رسّخت الفصل العنصري كقانون أساسي.

(عدالة) هي منظمة حقوقية قانونية للشعب الفلسطيني في إسرائيل، هذه المنظمة كوّنت قاعدة بيانات على الأنترنت مدرج فيها القوانين الإسرائيلية التي تمارس الفصل العنصري على أسسٍ عرقية، ويُعد قانون العودة وقانون المواطنة هما الأبرز والأوضح لكن لازال هناك ما يُقارب ٧٠ قانون وأكثر.

الجنسية والزواج

كان بن غوريون على استعداد لمنح الفلسطينيين الذين بقوا في إسرائيل هذا النموذج المهين من الجنسية لأنه يظن أنهم لن يُشكّلوا خطرًا على الدولة اليهودية، فكان يتوقّع أنه بوصول أفواج المهاجرين اليهود أمثال أولئك الذين استقرّوا في تسيبوري سيندثر المواطنون الفلسطينيون- أو كما تفضّل إسرائيل تسميتهم “عرب إسرائيل”- لكن يبدو أنهم أخطؤوا، فمعدّل المواليد بين الفلسطينيين في ارتفاع، ويعني هذا أنهم لا يزالون يُشكّلون خُمس سكان دولة إسرائيل.

حافظ الفلسطينيون على هذه النسبة العددية بالرغم من جهود إسرائيل الجبّارة لتغيير التركيبة الديموغرافية لدولتها، حيث يُشجّع قانون العودة أي يهوديٍ في العالم للقدوم إلى إسرائيل والحصول على الجنسية مباشرةً إضافةً إلى توفير الرحلات المجّانية والمكافآت المالية وقروض بلا فوائد ومِنح، وقبِل بهذا العرض أكثر من ثلاث ملايين يهودي.

في المقابل بعد عام ١٩٥٢ منع قانون الجنسية الفلسطينيين حقّ الحصول على الجنسية، ومنذ ذلك الحين كانت الطريقة الوحيدة للتجنيس لغير اليهودي هي بالزواج من مواطن/مواطنة إسرائيل سواءً كان يهودي أو فلسطيني، وهذا الاستثناء سمَح فقط لقليل من غير اليهود أن يكونوا مؤهّلين للحصول على الجنسيّة كلّ سنةٍ بشرط ألا يُشكّلوا أيّ تهديدٍ للغالبية اليهودية في إسرائيل.

في الواقع، الفلسطينيون الموجودون خارج إسرائيل كانوا دائمًا مستبعدين من استخدام هذا الاستثناء للتجنيس حتى لو تزوّجوا من مواطن فلسطيني حامل للجنسية الإسرائيلية مثلما انتشر بشكلٍ متزايدٍ بعد احتلال إسرائيل لما تبقّى فلسطين التاريخية ١٩٦٧. خلال سنوات اتفاقية أوسلو عندما قدّم الفلسطينيون طعن قانوني لإجبار إسرائيل دعم تجنيس أزواجهم من الأراضي المحتلّة، استجابت الحكومة بسرعة وسنّت قانون الجنسية والدخول ضمن القانون الإسرائيلي. لكن هذا القانون حرَم الفلسطينيين من حقّ الحصول على الإقامة أو الجنسية الإسرائيلية من خلال الزواج، حيث منع الزواج عبر “الخط الأخضر” وهو رسميًا الحدود التي تَفصل بين الفلسطينيين في إسرائيل من الفلسطينيين في الأراضي المحتلّة. وهذا الإجراء القانوني يُبيّن أن إسرائيل مستعدّة لانتهاك أي حقوقٍ أساسية أخرى للحفاظ على يهوديتها.

تأميم الأرض

يظنّ معظم مواطني الولايات المتحدة أن الجنسية والوطنية هما مقابل “لأمريكي” أو “الولايات المتحدة”، ولكن هذا لا ينطبق على الإسرائيليين، حيث أن إسرائيل تُصنف مواطنيها على حسب جنسياتهم المختلفة ما يتطلب رفض الجنسية الإسرائيلية المشتركة، وأيضًا إسرائيل تمُيز مواطنيها حسب أصولهم العرقية ومرجعهم الديني. اعتمدت إسرائيل أكثر من ١٣٠ جنسية لتتعامل مع الحالات الشاذة، من بينهم أنا بذاتي، فبعدما تزوّجت من زوجتي -وهي من أهالي الناصرة- دخلتُ عمليّة تجنيس طويلة ومعقّدة. أنا الآن مواطن إسرائيلي لكن جنسيتي المعترف بها هي البريطانية! الغالبية العظمى من المواطنين الإسرائيليين يحمل جنسية رسمية واحدة فقط: يهودية أو عربية. طرحت المحكمة الإسرائيلية العليا فكرة الفصل مرتين وهي فصل الجنسية وتقديمها على المواطنة.

هذا النظام المعقد من التمييز بين الجنسيات ليس نظامًا مبهمًا وغريبًا بل هو أساسي في نموذج إسرائيل للفصل العنصري، وهي الوسيلة التي يمكن لإسرائيل من خلالها تكريس التمييز في حقوق المواطنة وإخفائها عن أنظار العالم الخارجي. وهذا يسمح لإسرائيل أن تمنح الحقوق لمختَلف مواطنيها بناءً على كونهم يهود أو فلسطينيين، وهذا يثبت التشابه الواضح مع نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.

إن النظرة السطحية هي ما تظهر إسرائيل كما لو كانت تتبع النظام الليبرالي الديمقراطي الغربي حيث يتمتّع جميع المواطنين أي كانت أصولهم العرقية بحقوق المواطنة والتي تتضمّن الرعاية الصحية والإعانات الاجتماعية وتوفير المياه والتعليم، لكن في حقيقة الأمر نجحت إسرائيل في إخفاء انتهاكها لهذه الحقوق.

لننظر إلى الرعاية الصحية، فعلى الرغم من أن جميع المواطنين يحقّ لهم الحصول على رعايةٍ صحية متساوية إلا أن المستشفيات والخدمات الصحية الأساسية غالبها موجود في المجتمعات اليهودية، ويصعب على المواطنين الفلسطينيين الوصول إليها بسبب نقص وسائل المواصلات بين المجتمعات اليهودية والفلسطينية. المجتمعات المعزولة مثل “النقب” غالبًا ما يُحرمون من الوصول للخدمات الطبية الأساسية، ومؤخرًا تبيّن أن المستشفيات الإسرائيلية تتميّز بسرّية بين النساء الفلسطينيات واليهوديات في عيادات النساء والولادة. وقد وثق الطبيب الفلسطيني الذي يعيش في إسرائيل حاتم كناعنة هذا التمييز وغيره من المشاكل الكثيرة في الرعاية الصحية في كتابه “طبيب من الجليل”.

الأمر الهامّ هو اعتراف إسرائيل بحقوق المواطنة وحصرِها تقريبًا لسكانها اليهود فقط، ومعاملة حقوق المواطنة بشكل أفضل من حقوق الجنسية، لذلك هناك تعارضٌ بين حقوق المواطنة لليهود وحقوق الجنسية الفردية للفلسطينيين ما يُعطي لحقوق المواطنة الأولية من قبل المسؤولين والمحاكم. وبهذا الصدد علقت وزيرة العدل اليمينية الإسرائيلية أيليت شكد “هناك حقوق متساوية لجميع المواطنين لكن لا يعني أن يتساوون في حقوق المواطنة” وأضافت “إسرائيل دولة يهودية ليست دولة لجميع الأمم”.

الصورة الأبسط لكيفية تسلسل الحقوق وعملها يمكن إيجاده في قوانين الجنسية الإسرائيلية. يَضمن قانون العودة حقوق المواطنة لجميع اليهود فور حصولهم على الجنسية إضافة إلى الحقوق الأخرى التي تأتي مع الجنسية. في المقابل قانون الجنسية يضمن حقوق الجنسية الفردية لغير اليهود فقط ولا يضمن أي حق من حقوق المواطنة. يستطيع الفلسطينيون تمرير جنسيتهم لأفراد عائلتهم في الداخل لكن لا يستطيعون تمريره لمن هم في الخارج كما يحق لليهود أن يفعل، ويقصد بالخارج من أفراد العائلة مثل حالة أولئك الفلسطينيين الذين أصبحوا لاجئين منذ ١٩٤٨. فزوجتي مثلاً لديها أقارب ممن هاجروا إلى الأردن بعد النكبة، ومع حق الجنسية الفردي لا تستطيع إرجاعهم أي منهم لبلدهم الآن في إسرائيل.

هذا التمييز مهمّ لفهم كيف أن إسرائيل تعمل على تخصيص مواردها المادية الأساسية مثل الماء والأرض، فإسرائيل لديها تأميم على كل أراضيها ما يقارب بنسبة ٩٣٪. ومن جهة استطاعت المجتمعات الفلسطينية الحفاظ على مالا يقل عن ٣٪ من أراضيهم-وغالباً هذه المناطق عمّروها بمدنهم وقُراهم- بعد موجات استيلاء الدولة على ما في حوزتهم من أراضي.

أن تكون الدولة هي المالك الرئيسي للأرض هذا ليس بأمر غير مسبوق في الديمقراطية الغربية، لكن مجموع ما تملكه إسرائيل هو أوسع بكثير عما هو الحال في الدول الأخرى. ونجحت إسرائيل في إخفاء ما يعنيه حقيقةً “تأميم” الأرض. ونظرًا لعدم الاعتراف بالجنسية الإسرائيلية لا يمكن لإسرائيل أن تملك الأرض نيابةً عن مواطنيها كما هو الحال في أماكن أخرى، ولا حتى تُدير الأرض نيابةً عن مواطنيها اليهود الإسرائيليين. وبدلًا من ذلك تكون الأرض بأمانة الشعب اليهودي في أنحاء العالم سواءً كانوا مواطنين إسرائيليين أم لا، وسواءً رغبوا في أن يكونوا جزءً من إسرائيل أم لا.

يحصل اليهود الذين يشترون بيوتاً في إسرائيل على عقود إيجار طويلة الأجل لعقاراتهم من جهة حكومية تُعرف باسم هيئة الأراضي الإسرائيلية، فالدولة تنظر لهم على أنهم حماةٌ وحراس للأرض نيابةً عن جميع اليهود في أنحاء العالم. لكن ممّن يحمونها؟ من مالكين الأرض الأصلييّن؟! معظم هذه الأراضي مثل تلك في تسيبوري التي أخذتها الدولة من اللاجئين الفلسطينيين وغيرها مما استولت عليها من المواطنين الفلسطينيين.

واجهة ديمقراطية

أستاذ الجغرافيا السياسية آورن يفتاحئيل كان من العلماء الكثيرين الذين رفضوا تصنيف إسرائيل دولة ليبرالية ديمقراطية أو حتى نسبتها إلى أي نوعٍ من أنواع الديمقراطية، فهو يصف إسرائيل كدولة مهجّنة صنعت واجهة ديمقراطية لتغطية حقيقة نظامها غير الديمقراطي الذي أساسه سيطرة جماعة عرقية على الحكم، ومن خلال وصف الديمقراطية العرقية في إسرائيل يقدم سلسلة هرمية معقّدة من المواطنة حيث أن غير اليهودي يكون في قاع التسلسل الهرمي.

تفتقر إسرائيل للدستور، وبدلاً من هذا هناك إحدى عشر قانون أساسي مشابه للدستور، ويلاحظ أن العنصر الليبرالي في هذا التشريع هو ما أُقرّ بتاريخ ١٩٩٢ بعنوان “الحرية وكرامة الإنسان” باسم “وثيقة الحقوق الإسرائيلية”، ومع ذلك فشل فشلاً ذريعًا في تحقيق مبدأ المساواة في القانون، وهذا القانون الذي يُؤكد على أن إسرائيل دولة يهودية ديمقراطية هو مناقض للحقيقة لكن هذا نادرًا ما يلاحظه الإسرائيليون.

مائير شيمغار القاضي السابق بالمحكمة العليا صاحب الادعاء الشهير: أن إسرائيل دولة قومية للشعب اليهودي ولا تقل ديمقراطية عن فرنسا الدولة القومية للشعب الفرنسي، لكن الحقيقة هي أن طريقة الحصول على الجنسية الفرنسية معروفة بينما الوسيلة الوحيدة لتكون يهودي هي تغيير الديانة، لذلك اليهود والفرنسيون ليسوا متماثلين من حيث المواطنة.

حاولت حكومة نتانياهو إضافة القانون الأساسي الثاني عشر والذي يعلن “إسرائيل دولة قومية للشعب اليهودي” أي ليست فقط دولة لمواطنين إسرائيليين أو اليهود الإسرائيليون بل جميع اليهود في أرجاء العالم وأنه يشمل حتى أولئك اليهود الذين ليسوا مواطنين في إسرائيل ولا لديهم رغبة أن يصبحوا مواطنين. ويذكرنا هذه بطبيعة الدولة اليهودية الذي يتقاطع مع مفهوم المواطنة الحديثة الذي تستند عليه الديمقراطية الليبرالية. فكرة إسرائيل عن القومية تعكس الوجه القبيح للعنصرية العرقية في المواطنة التي كانت مهيمنةً على أوروبا قبل قرن وها هي الآن عادت للحياة في أماكن أخرى. هذا كله يُلخّص حقيقة القومية العدواني الذي أفضى الى قيام حربين عالمتين دمرت العالم، وايضاً بررت أيديولوجياً المعاداة الاسمية التي اجتاحت أوروبا وانتهت بالهولوكوست (محرقة اليهود).

جميع اليهود في كل أنحاء العالم يتعامل معهم على أنهم مواطنين في إسرائيل سواء كانوا مواطنون أم لم يكونوا، لكن ما الذي يجعل أكبر أقليةٍ في إسرائيل هم المواطنين الفلسطينيين من بينهم زوجتي وطفلانا؟ وعلى ما يبدو أن إسرائيل تعدهم مثل عمالة وافدة أو مقيمين أجانب وتتقبّل وجودهم طالما أنه لا يُشكل أي تهديد ليهودية الدولة، وهنا اعترفت ضميناً وزيرة العدل الإسرائيلية أيليت شكد بهذه المشكلة في خضمّ النقاش حول القانون الأساسي للدولة القومية المقترح في فبراير، حيث قالت إن إسرائيل لا تحمل احترامًا لحقوق الإنسان العالمية وأضافت “هناك مكان يحمي الغالبية اليهودية حتى لو كان الثمن هذا انتهاك الحقوق”.

لاحظ يفتاحئيل أن التدرج في الجنسية نافع لسبب أن يمنح القدرة على إدراك حقيقة الجنسية الإسرائيلية التي تُمثل العكس تماماً من مستوى تكافؤ الحقوق الذي يوجد في الديمقراطية الليبرالية، وقانون أملاك الغائبين الذي يُمثل جزء أساسي من القانون الإسرائيلي، هذا القانون الذي يتيح لإسرائيل تجريد الفلسطينيين الذين اصبحوا لاجئين بعد حرب ١٩٤٨ من حق ملكيتهم لأراضيهم التي كانوا يملكونها قبل النكبة، وبموجب هذا القانون استولت إسرائيل على كل شيء من بينها أراضي ومحاصيل زراعية وبنيان وسيارات وأدوات زراعية وحسابات بنكية، بل ومرّرت ملكيتها لمؤسسات يهودية ومواطنون يهود، وهذا الفعل يُمثل انتهاك صريح للقانون العالمي.

يُطبق قانون الغائبين بالتساوي على المواطنين الفلسطينيين أمثال أولئك الذي كانوا في صفورية وانتهى بهم المطاف في الناصرة، وايضًا اللاجئين الفلسطينيين خارج حدود إسرائيل المعترف بها. واحد من بين أربعة مواطنين فلسطينيين مشردًا داخليًا بسبب حرب ١٩٤٨. يُصنف اللاجئين طبقًا للمصطلحات الاورويلية لقانون أملاك الغائبين “الحاضر الغائب” ما يعني أنهم موجودون في إسرائيل لكن غائبون عن وطنهم، وبالرغم من أنهم حاصلون على الجنسية إلا أنهم ليس لهم حقوق أكثر من أولئك الذين أصبحوا لاجئون في لبنان وسوريا والأردن مثل حق العودة لبيوتهم واستعادة أملاكهم.

الفصل في المسكن

على أن تسيبوري بُنيت على أرض مسلوبة من الفلسطينيين -بعضاً منهم مواطنون إسرائيليون يعيشون بالقرب من الناصرة- إلا أنه لا يملك مواطنًا فلسطينيًا واحد من منازله الثلاثمائة أو نحوه أو حتى مزرعة من عشرات المزارع، وفي الحقيقة لم يسمح لأي مواطن فلسطيني في إسرائيل للعيش أو الاستئجار في تسيبوري مدة سبعة عقود منذ قيام إسرائيل.

تسيبوري ليست قرية مميزة فهناك ما يقارب ٧٠٠ مجتمع ريفي مشابه لها، تُعرف في إسرائيل باسم مجتمعات تعاونية، ولا يعيش بها سوى اليهود بينما المواطنين الفلسطينيين ممنوعين من العيش بها. تسيطر هذه المجتمعات الريفية على ٩٣٪ من الأراضي التي أمّمت، ممّا يضمن لهم بقاءها محظورة على خمس سكان إسرائيل غير اليهود.

كيف يُطبق نظام الفصل العرقي في السكن؟ تجري معظم هذه المجتمعات التعاونية مثل تسيبوري إجراءات تدقيق من خلال “لجنة القبول” المكونة من مسؤولين من مؤسسات شبه حكومية مثل الوكالة اليهودية والصندوق اليهودي القومي والمنظمة الصهيونية العالمية، وهي تخدم مصالح يهود العام ليسوا فقط المواطنين الإسرائيليين. وهذه المؤسسات هي مجموعات المصالح التي تتمتع بوضع خاص ومحمي كونهم عملاء لإسرائيل- وهي نفسها تمثل انتهاك صريح لمبادئ الديمقراطية الليبرالية. على سبيل المثال، منحت الدولة الصندوق القومي اليهودي الملتزم بميثاق للتمييز لصالح اليهود، ملكية ١٣٪ من الأراضي الإسرائيلية، حتى أن يهودي من بروكلين يحق أن يكون له حق في الأراضي أكثر من المواطن الفلسطيني.

أما عن تاريخ إسرائيل ليس هناك داعٍ لإخفاء ما تفعله لجنة القبول فلا أحد يلاحظ ذلك، حيث لو تقدم فلسطيني من الناصرة بطلب العيش في تسيبوري سوف ترفض اللجنة طلبه ببساطة لسبب أنه عربي. لكن هذه الطريقة الفعّالة في إبعاد الفلسطينيين عن وطنهم وتاريخهم واجهت أزمةً قبل عقد من الزمن عندما بدأت قضية عائلة كعدان في شقّ طريقها نحو نظام المحاكم الإسرائيلية.

عاش عادل كعدان في مجتمع فلسطيني فقير جداً يُعرف باسم باقة الغربية، التي تقع شمال الناصرة وعلى بعد مرمى حجر من الضفة الغربية. يشغل كعدان وظيفة مرموقة فهو رئيس الممرضين في مستشفى الحديرا القريب. حيث يعالج المرضى اليهود باستمرار، وقد أخبرني حينما أجرَيت مقابلة معه في بداية ٢٠٠٠ أنه في بعض الأحيان ساعد في إنقاذ حياة جنود إسرائيليين، هذا الأمر الذي جعله يفترض أنه مخول للسكن في مجتمع يهودي. أدهشني كعدان بعناده وسذاجته هذه التركيبة من سمات الشخصية التي أوصلته لهذا الحد وانتهى به الأمر إلى التسبّب في مشاكل كبيرة في القانون والسمعة لإسرائيل.

كعدان عازمٌ على منح بناته الثلاث الصغيرات أفضل الفرص التي يستطيع تدبيرها، من بينها الفيلا الرائعة التي بناها للعائلة في باقة الغربية. عندما كنت جالساً أشرب القهوة معه كانت إحدى بناته تعزف البيانو ببراعة عالية ما يوحي أنه تعلمت على يد مدرس خاص. لكن كعدان في أعماقه لم يكن راضياً عن نصيبه، لديه بيت جميل وكبير لكن باقة لم تكن كذلك، لأنه حالما تخرج العائلة من المنزل سوف تواجهه واقع الحياة للفلسطينيين في إسرائيل. كعدان هو دليل على أنه يمكن لبعض الفلسطينيين إذا كانوا عازمين ومحظوظين بما يكفي التغلّب على العراقيل العديدة الموضوعة في طريقهم حتى يتمتّعوا بالنجاح الشخصي، لكن مع ذلك كعدان وعائلته لم يتمكنوا من الهرب من الفقر الجماعي في محيطهم.

مثل العديد من الفلسطينيين حُوصر كعدان بسبب تشريع آخر هو: قانون التخطيط والبناء لعام ١٩٦٥. وهذا القانون هو هدف أساسي متقّدم للصهاينة من أجل “تهويد” أكبر مساحة ممكنة من الأرض، ويتحقّق من خلال طريقتين رئيستين، الأولى: الاعتراف بالمجتمعات يكون عن طريق الدولة إذا كانت مدرجةً في قانون التخطيط. على الرغم من أن هناك ٢٠٠ مجتمع فلسطيني ناجي من النكبة لكن الدولة اعترفت بمائة وعشرون فقط.

المجتمعات الأكثر إشكالية من وجهة نظر إسرائيل هي القرى البدوية المنتشرة والواقعة في الهضاب البعيدة في شبه صحراء النقب والتي تقع جنوب إسرائيل.

النقب هي أكبر احتياطي أراضي للدولة فهي تشكل ٦٠٪ من أراضي الدولة، ولأنها ذات مساحات شاسعة أصبحت أفضل موقع للقواعد العسكرية السرية ومشروع إسرائيل النووي. عندما أرادت إسرائيل تهجير البدو من أرضهم التاريخية كانت الطريقة الأمثل هي بإلغاء اعتراف قانون التخطيط بقراهم.

اليوم السكان لعشرات “القرى غير المعترف بها”-يُشكلون تقريباً عشر السكان الفلسطينيين في إسرائيل- هم غير مرئيين للدولة الا عندما يتعلّق الأمر بتطبيق أنظمة قانون التخطيط. يعيش هؤلاء القرويون بدون كهرباء ولا ماء ولا طرق ولا شبكات اتصال موفّرة من قبل الدولة. أيضاً أي بيوت يبنونها يصلهم على الفور أمر الإزالة، ذلك ما أجبر للعيش في خيام أو أكواخ من الصفيح. طبعاً هدف إسرائيل هو إرغام البدو على التخلي عن أسلوب حياتهم الرعوي وتقاليدهم والانتقال إلى القرى المكتظة بالسكان التي بنتها الدولة والتي هي من أفقر المجتمعات في إسرائيل بفارقٍ ما.

الحرمان من الموارد

يتسبّب قانون البناء والتخطيط لعام ١٩٦٥ في إنشاء قرى غير معترف بها وتوفير ظروف شبيه بالغيتو (تعني منطقة يعيش فيها، طوعاً أو كرهاً، مجموعة من السكان يعتبرهم أغلبية الناس خلفية لعرقية معينة أو لثقافة معينة أو لدين.) للمجتمعات الفلسطينية المعترفة بها، وهذا أدى إلى الفصل في المسكن من خلال حصر الغالبية العظمى من المواطنين الفلسطينيين للعيش في ١٢٠ مجتمع فلسطيني في إسرائيل مدرج رسمياً في قانون التخطيط ومن ثم الحد من فرصة النمو والتطوّر لهذه المجتمعات. حتى في حالة المواطنين الفلسطينيين الذين يعيشون في عدد من المدن والتي تُسمى بـ”المدن المختلطة” وهي المدن الفلسطينية التي تهودت بعد النكبة، وهؤلاء الفلسطينيون أُجبروا على العيش في هذه الاحياء المنعزلة على هامش الحياة الحضرية.

وضع قانون التخطيط سلسة من الخطوط الزرقاء حول جميع المجتمعات في إسرائيل لتحديد منطقة التوسع فيها. ومنحت المجتمعات اليهودية أكبر احتياطات من الأراضي، بينما كانت الخطوط الزرقاء حول المجتمعات الفلسطينية توضع دائماً على مقربة من منطقة مبنية منذ نصف قرن. على أن التعداد السكاني للفلسطينيين في إسرائيل تزايد لحد ثمانية أضعاف إلا أن المساحات السكانية بالكاد تغيرت مما أدى إلى اكتظاظ سكاني هائل، وهذه المشكلة تفاقمت بسبب فشل إسرائيل في إنشاء مجتمع فلسطيني واحد منذ ١٩٤٨.

كانت باقة محرومةً من الموارد مثل كل ١٢٠ مجتمع فلسطيني، وهي: الأرض والبنية التحتية والخدمات. لا توجد حدائق ولا مسطحات خضراء حتى يتمكن أبناء كعدان من اللعب فيها، حتى أن خارج فلتهم لا يوجد ممشى، وحينما تهطل الأمطار الغزيرة يرتفع منسوب مياه الصرف الصحي غير المعالجة من البالوعة بسبب عدم ملائمة حجمها ما يجعل أحذيتهم تغرق بالماء. سلبت إسرائيل جميع الأراضي في باقة مما أدى إلى ازدحام المنازل حولهم من جميع الجهات، هذه المنازل بنيت من غير تراخيص التخطيط التي كان يستحيل الحصول عليها على أي حال، أيضاً أدى توصيل الكهرباء غير القانوني إلى حجب المشهد بقدر أكبر. ومع ضعف خدمات جمع النفايات تحرق غالبية العوائل نفاياتها بالقرب من حاويات النفايات.

وضع عادل كعدان نصب عينيه العيش في مكان أفضل ويعني بذلك الانتقال إلى مجتمع يهودي. حينما بدأت إسرائيل عرض أراضي للبيع في كتسير، وهو مجتمع تعاوني يهودي صغير يسكن في الأراضي التي سلبت من باقة. قدم كعدان طلبه وعندما رُفض طلبه بسبب أنه عربي اتجه للمحكمة.

في عام ٢٠٠٠ وصلت قضية كعدان إلى أعلى محكمة في العالم وهي المحكمة العليا. كان أهارون باراك رئيس المحكمة العليا آنذاك وهو من نظر في العريضة، باراك المعروف أنه أكثر القضاة ليبرالية واحتراماً في تاريخ إسرائيل، لكن كانت قضية كعدان من أكثر القضايا التي وضعته في موضع حرج بالنسبة لصهيوني متعصب مثله.

في إسرائيل لا يوجد ممارسةً للفصل العنصري أكثرَ وضوحًا من الإقصاء الحاصل في المسكن على أسس عرقية التي تطبّقها لجان القبول، وهو ببساطة شيء لا يمكن لباراك تحمل تبعات التمسك به، فهو بعد كل هذا كان محاضرًا منتظمًا في كلية القانون في جامعتي ييل وهارفرد، حيث كان يُحتفى به وأيضاً كان بمثابة مؤثر كبير للنشاط القضائي لنظرائه الليبراليين في المحكمة الأمريكية العليا.

لكن باراك لم يستطع الحكم لصالح كتسير وفي نفس الوقت لم يجرؤ على الحكم لصالح كعدان، فقرار كهذا قد يضعف من الأسس المنطقية للدولة الصهيونية اليهودية، التي تتّبع نظام تهويد أكبرَ قدرٍ ممكن من الأراضي. وأيضاً سيكون سابقة قانونية تفتح الأبواب أمام المواطنين الفلسطينيين وتتيح لهم الانتقال إلى مئات من المجتمعات اليهودية.

طفولة منعزلة

أدرك باراك أن هناك كثير من الأمور المتعلقة بمبدأ الفصل في المسكن منها الفصل في التعليم الابتدائي والثانوي، وعامةً يُبرّر هذا بسبب الفصل في المسكن. تبعاً لذلك يدرس أطفال اليهود في مدارس ناطقة بالعبرية في مناطق اليهود، بينما يدرس أطفال الفلسطينيون في مدارس ناطقة بالعربية في المجتمعات الفلسطينية. (وهناك عدد قليل من المدارس الخاصة التي تكون ثنائية اللغة في إسرائيل).

هذا الفصل يضمن أن تكون الأولوية في الموارد التعليمية للمواطنين اليهود. بينما مدارس العرب تُعاني من نقص في التمويل وكذلك مناهجهم تتحكّم بمحتواها السلطات ويتضح ذلك خلال قانون النكبة لعام ٢٠١١، الذي يُهدّد بقطع التمويل العام عن أي مدرسة أو معهد تدرس عن ذكرى النبكة في تاريخ فلسطين الحديث، ايضاً وظائف التعليم في المدارس كانت تخضع عادةً لسيطرة (شين بات) وهي جهاز الاستخبارات الداخلية في إسرائيل. وذلك حتى تصنع جواسيس وجو من الريبة والشك في داخل الفصول الدراسية والصالات العامة.

من الفوائد الجانبية التي حققها الفصل في السكن والتعليم لإسرائيل هو أن المواطنين اليهود والفلسطينيين ليس لهم أي فرصة للالتقاء ببعضهم حتى يبلغوا سن الرشد، أي عندما تتكون شخصياتهم، لأنه من الطبيعي أن تخاف الآخر حينما لا تكون لك تجربة معه. ويمكن قياس النجاح لهذا الفصل من خلال التزاوج بين اليهود والفلسطينيون، ففي عام ٢٠١١ عندما أصدرت السلطات الإسرائيلية اخر إحصاءاتها، تبين أن هناك فقط ١٩ حالة زواج من هذا النوع أي ما يقارب 0.03٪. ويعارض اليهود علناً هذه الزيجات التي يرون أنها “اختلاط للأعراق”.

تُعارض إسرائيل هذا الزواج المختلط وتمنع عقده داخل إسرائيل، فيضطر هؤلاء الأزواج للسفر للخارج والزواج هناك -عادة في قبرص- ومن ثم تقديم طلب للاعتراف بالزواج عند عودتهم. الجدير بالذكر أن اتفاقية الأمم المتحدة في عام ١٩٧٣ ترى أن منع هذا النوع من الزيجات يدخل ضمن جرائم الفصل العنصري.

مما يحققه الفصل في المسكن لإسرائيل ضمان أن تكون المجتمعات اليهودية أكثر ثراء من الفلسطينية، وبالرغم من ذلك إلا أن جميع المواطنين يدفعون ضرائب دخل. أيضاً توجيه برامج البناء المدعومة من القطاع العام لصالح بيوت اليهود في المناطق اليهودية. وعلى مدى سبعة عقود من الزمن بُنيت مئات المناطق اليهودية على يد الدولة، مجهّزة بالطرق وممشى وحدائق عامة، ومنازل موصلة بالكهرباء والماء وشبكات الصرف الصحي. وبنيت جميع هذه المناطق على أرض الدولة أو بالأحرى على أراضي سلبت من اللاجئين والمواطنين الفلسطينيين.

وعلى النقيض من ذلك لم تؤسس الدولة أي مجتمع عربي في ذلك الوقت، وكانت المائة والعشرون مجتمعاً فلسطينياً المعترف به متروكة بدون أي مساعدة. بعد عمليات الاستيطان التي شنّتها الدولة على بقية الأراضي الفلسطينية الخاصة، ساعدت الدولة ملايين المهاجرين اليهود من خلال برامج دعم الإسكان والبناء، بينما المجتمعات الفلسطينية كان لابد لها أن تدفع الكثير من الأموال حتى تحصل على بنية تحتية أساسية تشمل الماء وشبكات الصرف الصحي.

في غضون ذلك تتيح مناطق التقسيم المنفصلة ولجان التخطيط المنفصلة لإسرائيل تطبيق الأنظمة الأكثر صرامة على المجتمعات الفلسطينية من حيث رفض تصاريح البناء وتنفيذ أوامر الهدم. وبحسب ما ورد أكثر من ٣٠ ألف من البيوت بنيت بشكل غير قانوني في الجليل جميعها موجودة في المناطق الفلسطينية.

وعلى نفس المنوال معظم ميزانية الدولة هي للسلطات المحلية، وكذلك الاستثمارات التجارية تكون موجهة نحو المجتمعات اليهودية دون الفلسطينية، ولذلك بنيت فيها المناطق الصناعية والمصانع وذلك لتأمين فرص عمل أكثر للمواطنين اليهود لزيادة دخل صناديق البلدية والفوائد للمجتمعات اليهودية.

وفي نفس الوقت إن “المنحة المتوازنة” للحكومة المركزيةـ التي تهدف إلى مساعدة أفقر السلطات المحلية من خلال إعادة توزيع الدخل لصالحهم- هي في الواقع مشوهة ومحرفة لحد كبير. وعلى الرغم من أن المجتمعات الفلسطينية هي الأفقر في إسرائيل، إلا أنهم يحصلون على درجة ثالثة من المنح المتوازنة التي تحصل عليها المجتمعات اليهودية.

أتاح الفصل في المسكن لإسرائيل إنشاء مئات من المناطق الأولوية الوطنية (NPAs)، التي تحصل على الأفضلية في ميزانيات الحكومة، من ضمنها التمويل الإضافي ما يعطي فرص بأيام دراسية طويلة. ورفض المسؤولون الإسرائيليون الكشف عن المعايير المستخدمة لإنشاء هذه المناطق حتى للمحاكم. لكن من الواضح أنها لا تبنى على معايير اجتماعية واقتصادية، فمن ٥٥٧ منطقة تتلقى تمويلاً إضافياً للمدارس هناك فقط أربعة مناطق فلسطينية صغيرة من بين هذه الأرقام، وهي موجودة فقط لتجنب الاتهامات التي تقول إن (NPAs) مخصص لمساعدة اليهود فحسب.

وعلى غرار ذلك تستخدم إسرائيل الفصل في المسكن لضمان أن تكون الأولوية في تقسيم المناطق السياحية يجلب الفائدة في المقام الأول للمجتمعات اليهودية، وهذا يتطلب تنظيم دقيق بالطبع. كما أن جزء كبير من السياحة إلى إسرائيل هي السياحة الدينية للمسيحيين. ووجهة السياح المسيحيون هي مدينة الناصرة في الشمال لوجود كنيسة البشارة الكاثوليكية فيها والتي تُعرف باسم (بازيليكا البشارة)، وهي التي نزل فيها الملك جبرائيل على مريم العذراء وزفّ إليها البشرى بأنها ستحمل المسيح في رحمها. لكن تحاول إسرائيل منع أن تكون هذه المدينة مركزاً للسياحة خوفاً من أضرار جسيمة قد تؤدي لها، من خلال الدخل الذي يأتي من السياح الدينيين سيجعل الناصرة مستقلّة مادياً وأيضاً إقامة السياح لمدة طويلة في المدينة يشكل خطر على كشف حقيقة القصص الفلسطينية.

أنشأت إسرائيل في الشمال منطقة أولوية للسياحة بالقرب من طبرية على بحيرة طبرية، التي كانت في الماضي مدينة فلسطينية تعرضت لتطهير عرقي أثناء النكبة والآن أصبحت مدينة يهودية. شجّعت إسرائيل المستثمرين لعقود من الزمن لبناء الفنادق والمرافق السياحية في طبرية، حتى يضمنوا أن تكون معظم الحملات السياحية للسياح المسيحيين تمرّ بالناصر مرة واحدة فقط وتتوقف لمدة ساعة لزيارة كنسية البشارة.

على الرغم من تأخر منح الناصر أولوية في السياحة حتى أواخر عام ١٩٩٠- كان ذلك خلال زيارة البابا الألفيةـ كانت التغييرات على المدينة ضئيلة، وذلك لأن المدينة تفتقر لمساحات لبناء الفنادق، فمعظم الفنادق المبنية هي في الحدود الخارجية للمدينة، وهذا جعل من المستبعد التقاء السياح بالمواطنين الفلسطينيين.

تُمنح المجتمعات اليهودية على امتيازات في وسائل النقل العام أكثر من الفلسطينية. شركة المواصلات العامة إيجد -وهي المشغّل الرئيسي لوسائل النقل العام في إسرائيل- أُنشئت شبكة موسّعة من الحافلات التي تربط بين المناطق اليهودية، من أجل اندماج اليهود في الاقتصاد، وبذلك يتمكنون من الوصول بسهولة وبأرخص التكاليف للمدن الرئيسية والمصانع في المناطق الصناعية. باصات إيجد نادراً ما تدخل مناطق المجتمعات الفلسطينية، وكذلك تمنع الفلسطينيين من العمل لديهم. تعاني المرأة الفلسطينية في إسرائيل من البطالة نتيجة لافتقار المجتمعات الفلسطينية لخدمات الرعاية النهارية للأطفال الصغار، وهذا ما جعلها منذ وقت طويل تحتل ّمرتبةً أقل في معدّلات التوظيف في العالم العربي وهو ما يعادل أقل من ٢٠٪.

 تشعر المجتمعات الفلسطينية بالتمييز في توفير الآمن والحماية لهم، واعترفت الحكومة في نوفمبر الماضي على عدم توفير عدد كافي من الملاجئ العامة في المجتمعات الفلسطينية وحتى في المدارس، ضد الهجمات الصاروخية والزلازل.

وكما يبدو رفض المسؤولين التكلفة المرتفعة لتوفير الملاجئ، وكذلك مشكلة توفير أرض في المجتمعات الفلسطينية لإنشاء هذه الملاجئ.  وعلى غرار ذلك لم ترغب إسرائيل في بناء مركز شرطة في المناطق الفلسطينية، مما أدى إلى انتشار الجريمة هناك. ذكر القانوني الفلسطيني يوسف جبارين أنه في ديسمبر حدثت ٣٨١ حالة إطلاق نار في بلدته أم الفحم في عام ٢٠١٧ وحالة فقط هي التي أدينت. ويرى إن أهالي البلدة أصبحوا رهائن في ايدي مجموعة صغيرة من المجرمين.

تحاول إسرائيل بكل الطرق المختلفة ضمان بقاء المجتمعات الفلسطينية أفقر بشكل كبير من المجتمعات اليهودية. في دراسة أجريت في ديسمبر ٢٠١٧ وجدت أن المجتمعات الأغنى في إسرائيل -جميعها يهودية- تتلقى إعانات اجتماعية من الحكومة أكثر بأربع مرات من المجتمعات الأفقرـ والتي جميعها فلسطينية-. قبل شهر أفاد البنك في إسرائيل حصول المواطنون الفلسطينيون على ٢٪ فقط من جميع القروض العقارية، إشارة ًإلى مدى صعوبة تأمينهم للقروض وكذلك إلزامهم على دفع أعلى فوائد على القروض.

من بين ٣٥ من أعضاء منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية “OECD” احتلت إسرائيل أعلى معدل فقر، ويعود سبب هذا الرقم الكبير إلى ارتفاع معدلات الفقر ببين المواطنين الفلسطينيين، والتي زادها هو ما تسبّبه جماعة الأرثوذكس اليهودية لنفسها من فقر، حيث أن معظم رجالها يرفضون العمل ويفضّلون الدراسات الدينية.

وهذا دليل على أن إسرائيل تحور الإعانات الاجتماعية لصالح اليهود الفقراء من الأرثوذكس بدلاً من المواطنين الفلسطينيين. ولذلك يعيش خمس أطفال اليهود تحت خط الفقر مقارنة بثلثين من أطفال الفلسطينيين في إسرائيل.

“غير مقبولين اجتماعيًا”

بالعودة للمحكمة العليا، يواجه أهارون باراك ضغط مضادًّا من الصهاينة وكليات القانون الأمريكية، وهنا أدرك القاضي باراك أنه يحتاج أن يتحايل على الحكم. فهو يجب أن يظهر وكأنه يقف إلى جانب عائلة كعدان بدون أن يحكم لصالحهم، وبالتالي خلق سابقة قانونية تتيح لعائلات فلسطينية أخرى تحذو حذو عائلة كعدان. لذلك طلب من كتسير إعادة النظر في قرارها محذّراً من عدم إمكانية استبعادهم لأسباب دينية وقومية.

غيّر المجتمع اليهودي سياسته لكن بطريقة قد لا تساعد باراك. فاستجابت كتسير لطلب باراك حيث أنهم لن يرفضوا عائلة كعدان كونهم عرب بل كونهم “غير مقبولين اجتماعياً”. لكن يدرك باراك أن هذا الأمر لن ينطلي على ييل وهارفرد فمن الواضح جداً أن السبب الحقيقي يعود لكونهم “عرب”، ولذلك طلب من كتسير مرة أخرى أن تعيد اتخاذ قرارها بما يخص عائلة كعدان.

استمرت هذه القضية ومثيلاتها على مدى سنوات عديدة، ومع امتناع المحكمة عن إصدار حكم قد يشكّل سابقة، بكل بهدوء وبدون علم أحدٍ أخيراً استلم عادل كعدان قطعة أرض من كتسير. لكن هذا أثارَ غضب المجتمعات المتعاونة فمرّرت لائحة قوانين محلية -مصرّة على معيار “لائق اجتماعياً” للمتقدمين- حتى تستبق أي قرار قد تتخذه المحكمة العليا لصالح العوائل الفلسطينية التي تطرق بابها.

بحلول عام ٢٠١١ أصبح وكأن خيارات المحكمة العليا تنفَد وسيتعيّن عليها الفصل في مشروعية لجان القبول. في تلك اللحظة تدخّلت حكومة بنامين نتانياهو لمساعدة المحكمة. لا يوجد أي أسس قانونية للجان القبول فهي مجرد ممارساتٍ إدارية نفّذتها مئات المجتمعات التعاونية اليهودية. بالتالي أجبرت حكومة نتانياهو على إنشاء قانون لجان القبول في تلك السنة، وبذلك أضفت صفة قانونية على لجان القبول، لكن أيضاً جعلتها مرئية بشكل مخجل.

وصفت وسائل الإعلام الغربية دعم البرلمان لهذا القانون بأنه “قانون فصل عنصري”، متجاهلة تماماً أن هذه كانت ممارسة معهودة في إسرائيل لأكثر من ستة عقود.

قدم المركز القانوني عدالة دعوى ضد القانون الجديد الذي توصّلت له المحكمة العليا في عام ٢٠١٤. وخلال هذا الوقت تقاعد باراك، لكن تماشياً مع نفوره من صدور حكم يتعارض مع الأسس العنصرية للدولة اليهودية في إسرائيل، لذلك استمر القضاة بعدم اتخاذ أي حكم، وظلّوا يتجادلون بأن القانون كان مستجداً بالنسبة للمحكمة لتحديد الآثار المترتّبة على ممارسات لجان القبول، أو كما يقال بلغة القضاة رفضوا الامتثال للحكم لأن القانون لم يكن “جاهزاً” بعد للفصل فيه. حجّة الجاهزية كانت صعبة التصديق حيث أن تأثير لجان القبول في تطبيق الفصل في المسكن حتى بعد عدة عقود من الزمن لازال جليًّا وواضحًا للعيان.

ومع هذا فإنّ طعن القانون الذي قدمته عائلة كعدان جعلت كثيرًا من القادة في إسرائيل قلقين. في فبراير ٢٠١٨ بالإشارة للقضية، أكدت وزيرة العدل أيليت شكد قائلة “أريد إنهاء النقاش حول ما إذا كان من حق المجتمع اليهودي أن يكون يهودياً فقط وأريد الإجابة أن تكون: نعم من حقه”.

نموذجان للفصل العنصري

حان الوقت لتصدّي لطبيعة الفصل العنصري الذي أنشأته إسرائيل وكيف أنه يعكس ماهية الفصل العنصري لجنوب افريقيا بدون محاكاة دقيقة له.

منزل حجري مكون من طابقين وعلم إسرائيل يرفرف على سطحه بالقرب من الغابة المزروعة على أنقاض البيوت الفلسطينية في صفورية، إنه المنزل الوحيد الذي لم يدمر في عام ١٩٤٨. فيما بعد سكن اليهود المهاجرين هذا المنزل، أما اليوم أصبح بيت ضيافة صغير معروف باسم “تسيبوري فيلج” وزبائنه المعتادون هم اليهود الإسرائيليين من المناطق الحضرية المكتظة في البلاد الذي يبحثون عن عطلة نهاية أسبوع هادئة في الأرياف.

ميز العلماء بين نموذجين من الفصل العنصري لجنوب أفريقيا، النموذج الأول أطلقوا عليه مصطلح “ضئيل” و”بسيط”، أما الآخر “ظاهر” وهو الذي ينقل بشكل أدقّ نوع الفصل العنصري المعني، النوع الذي يمكن ملاحظته من قبل أي شخص، مثل الفصل في مقاعد الحديقة وكذلك في الباصات والمطاعم ودورات المياه وغيرها. تمكّنت إسرائيل بكل حرص حتى الآن تجنّب هذا النوع من الفصل العنصري الظاهر والواضح، لأنه أكثر نوع يراه الناس يمثل “الفصل العنصري” بوضوح. لكن الحياة في إسرائيل كما رأينا يتخللها كثير من الفصل العنصري بين المواطنين اليهود والفلسطينيين، مثل الفصل في المسكن والتعليم الابتدائي والثانوي وايضاً الكثير في النشاطات الاقتصادية. لكن مجمعات الأسواق والمطاعم ودورات المياه ليست منفصلة بين اليهود والفلسطينيين.

يرى العلماء ذاتهم أن المشروع السياسي للفصل العنصري في جنوب أفريقيا هو المورد الكبير وجزء لا يتجزأ من الفصل العنصري الإسرائيلي. والفصل العنصري الإسرائيلي مرتبط بالموارد المادية الأساسية للدولة مثل الأرض والماء والثروات المعدنية. كانت إسرائيل حريصة جداً على فصل الموارد الاساسية وحكرها للغالبية اليهودية فقط، وفعلت ذلك من خلال إنشاء مئات المجتمعات المكونة من اليهود فقط مثل تسيبوري. وكما ذكرنا آنفاً معظم الأراضي الإسرائيلية أصبحت محتكرة لهذه المجتمعات التعاونية. وتماشياً مع شعارات الصهاينة حول جعل الصحراء مزدهرة، حصرت إسرائيل الاستثمار التجاري للمياه للمجتمعات الزراعية مثل كيبوتس موشاف (مستوطنات زراعية)، كما وفرت دعم المياه للمجتمعات اليهودية فقط -ومنعتها عن المجتمعات الفلسطينية- وذلك من خلال جعل الاستخدام التجاري للمياه حق قومي لليهود فحسب.

لو استخدمنا بيت الضيافة تسيبوري فيلج كنموذج لنوضح كيف تمارس إسرائيل الفصل العنصري بشكل أدق واختلافها البسيط عن التنوّع في الفصل العنصري لجنوب أفريقيا. في جنوب أفريقيا لا يُسمح لمواطن من السود أن يستأجر غرفة مع الإفطار في مجتمع البيض حتى لو كان المالك غير عنصري لأن القانون يمنع ذلك، لكن في إسرائيل أي مواطن سواء كان يهودي أو فلسطيني يمكنه المبيت في تسيبوري فيلج، ولو كان المالك عنصري ويرفض تأجير الفلسطيني لا يوجد في القانون ما يسمح له بذلك.

لكن -وهذا جداً مهم- قد لا تسمح لجان القبول في مدينة تسيبوري لأي فلسطيني بشراء بيت الضيافة أو أي منزل آخر في موشاف ولا حتى استئجار بيت هناك. حق الإقامة لليلة واحدة للمواطنين الفلسطينيين في تسيبوري فيلج بسيط وتافه مقارنة مع الإقصاء الكاسح لكل المواطنين الفلسطينيين من جميع أراضي الدولة. وهذه هي النقطة التي سلط الضوء عليها علماء الفصل العنصري في جنوب أفريقيا للتمييز بين نموذجي الفصل العنصري. وبهذا السياق فإن الفصل العنصري الإسرائيلي قد لا يكون مطابق للجنوب الأفريقي لكن مشابه له إلى حدٍ كبير.

وأيضاً هذا الاختلاف بين نموذجي الفصل العنصري يظهر في معاملة إسرائيل لحق التصويت، في الواقع لجميع المواطنين -اليهود والفلسطينيين- حق التصويت وانتخاب ممثليهم، وهذا هو الدليل الذي يستخدمه المؤديون لإسرائيل لإثبات أن إسرائيل دولة ديمقراطية طبيعية ولهذا لا يمكن أن تكون دولة فصل عنصري، مع ذلك هناك مشاكل واضحة مع هذا الادعاء.

يمكننا جعل الفوارق بين النموذجين منطقية أكثر بإعادة النظر للفصل العنصري في جنوب أفريقيا، السبب خلف أن الفصل العنصري في جنوب أفريقيا اتخذ الشكل الذي كان عليه هو عزم الأقلية البيض المحافظة على امتيازاتها ما يعني أنهم في مواجهة مع أغلبية كبيرة من السود لذلك لا يمكنهم منح حق التصويت لأن أي شكل من أشكال الديمقراطية قد يعيد السلطة لسكّان السود وينهي الفصل العنصري.

في المقابل نجحت إسرائيل في التغيير الجذري لثروتها الديمغرافية من خلال طرد الغالبية من الفلسطينيين في عام ١٩٤٨، وهذا يعادل التلاعب بالدوائر الانتخابية للدولة اليهودية على نطاق قومي واسع. كما أن تهجير معظم الفلسطينيين عن وطنهم بموجب قانون الجنسية وفتحت الباب أمام اليهود للقدوم إلى إسرائيل بما ينص عليه قانون العودة، كان كفيلاً بصنع دولة يهودية عرقية خالدة لإسرائيل.

وصف المحلل السياسي الإسرائيلي الفلسطيني أسعد غانم حق الفلسطينيين في التصويت بأنه “رمزي بحت”، وأي شخص يمكنه إدراك السبب لو نظر إلى السنوات الأولى لإسرائيل عندما كان يعيش المواطنون الفلسطينيون تحت الحكم العسكري، وكانوا يواجهون قيودًا أكبر في تنقّلهم من تلك التي يواجها الفلسطينيون اليوم في الضفة الغربية. وأنه من المستحيل حتى بالنسبة لأشد المؤيدين لإسرائيل وصف إسرائيل بالديمقراطية بسبب ما حدث لمواطنيها الفلسطينيين خلال تلك الفترة حينما كانوا تحت الحكم العسكري. ومع ذلك مُنح الفلسطينيين حق التصويت في إسرائيل لأول انتخابات إسرائيلية عامة في عام ١٩٤٩ وصوّتوا طوال فترة الحكم العسكري، وبعبارة أخرى يمكننا القول حق التصويت قد يكون ضروري للنظام الديمقراطي لكن لا يمكن أن يكون كافياً.

في الحقيقة أن النظام السياسي في إسرائيل عشائري جداً، فاليهود يشجعون للتصويت لصالح الأحزاب الصهيونية اليهودية فقط، لأن ذلك هو الذي سوف يحافظ على نظام الفصل العنصري الذي حلّلناه سابقاً، ما يجعل المواطنين الفلسطينيين ليس أمامهم خيار سوى التصويت للأحزاب الفلسطينية المنافسة. في السنوات الأولى لإسرائيل كان الحزب العربي اليهودي الرئيسي والحزب الشيوعي قوة سياسية مهمة بين اليهود الإسرائيليين، أما اليوم فيشكلون نسبة قليلة من المؤيدين لإسرائيل بعد سيطرة المواطنين الفلسطينيين عليها.

مع نظام سياسي عشائري بحت كان من السهل جداً منع الفلسطينيين من الوصول حتى لأدنى حد للسلطة. لكن النظام الانتخابي النسبي تسبّب في وجود أحزابٍ صغيرة كثيرة في البرلمان الإسرائيلي “الكنيست”. شاركَت جميع هذه الأحزاب اليهودية في أوقات مختلفة في الحكومة ما يُعدّ تحالفاً بين الأحزاب السياسية المختلفة. لكن الأحزاب الفلسطينية لم تُدعى أبداً للانضمام للحكومة الإسرائيلية ولم يكن لديها أي تأثير هام في الإجراءات التشريعية. في النظام السياسي الإسرائيلي يسمح للمواطنين الفلسطينيين بالتصويت فقط لكن ليس لهم أي نفوذ سياسي. لهذا ترى إسرائيل أنها متفضّلة للسماح لهم بالتصويت لأنها تعلم ببساطة أن هذا لن ينغصّ على حكم الأغلبية اليهودي المستبد.

 أعربَ عضو البرلمان الفلسطيني أحمد الطيبي عن هذا قائلاً “إسرائيل دولة ديمقراطية بالنسبة للمواطنين اليهود، بينما هي دولة يهودية للمواطنين العرب”.

هدم دعوات المساواة

ترى الأحزاب الإسرائيلية اليهودية وجود أي فلسطيني في الكنيست هو شيء لا داعي له. حينما بدأ العمل على اتفاقية أوسلو أجمعت القيادات الإسرائيلية والفلسطينية على أنه يجب على إسرائيل إبقاء مواطنيها الفلسطينيين ليكون جزء منها خلال أي تسوية للدولتين مستقبلاً، وكردة فعل لهذا بدأ الفلسطينيون الاهتمام بجنسيتهم الإسرائيلية أكثر. أنشأ أستاذ الفلسفة عزمي بشارة حزبًا جديدًا أسماه البلد، عزمي بشارة الذي قاد حملة تدعو إسرائيل أن تتوقف عن كونها دولة يهودية وتكون دولة لجميع المواطنين، ويعني بذلك دولة ليبرالية ديمقراطية يتمتع مواطنوها بحقوق متكافئة.

لاقت هذه الحملة رواجاً من الأحزاب الفلسطينية السياسية وأسفرت عن مجموعة من الوثائق- بما فيها وأهمها الرؤية المستقبلية للعرب والفلسطينيين في إسرائيل- للمطالبة بإصلاحات كبيرة من شأنها جعل إسرائيل إما “دولة لجميع المواطنين” أو ” دولة ديمقراطية توافقية”.

انزعج القادة الإسرائيليون بسبب هذه الحملة لذلك عقد رئيس الوزراء إيهود أولمرت اجتماع مع شين بيت في عام ٢٠٠٦. وعلى عكس الاجتماعات المعتادة مع جهاز الاستخبارات الداخلية الإسرائيلية انتشرت هذه المناقشة على نطاق واسع، وأفاد الإعلام الإسرائيلي أن شين بيت يرون ما سمي بوثائق الرؤية المستقبلية هي “تخريبية” وحذّروا بأنهم سوف يستخدمون جميع الوسائل بما فيها غير الديمقراطية لإحباط هذه الحملة التي تدعو للمساواة في الحقوق.

بعد سنة أُعلن عن محاكمة لبشارة بتهمة الخيانة-قائد هذه الحملة- فور عودته من جولته الخطابية في خارج البلاد، وكانت التهمة الموجهة له هي أنه ساعد حزب الله أثناء الحرب الإسرائيلية مع لبنان عام ٢٠٠٦، الاتهام الذي نفته صحيفة هآرتس الإسرائيلية لأنه غير معقول، لكن ظلّ بشارة بعيداً بعد هذا. حينها شنّت الحكومة وشنّ بيت حرب على الجهود التي ترمي لجعل إسرائيل دولة ديمقراطية، نتيجة لذلك خفض معظم السياسيين الفلسطينيين حجم مطالبهم بالإصلاحات السياسية.

على كل حال استمرار وجود الفلسطينيين في الكنيست -خصوصاً مع تعاقب الحكومات تحت قيادة نتنياهو التي أصبحت يمنية أكثر من أي وقت مضى- زاد من غضب النواب الإسرائيليون كثيراً، ولسنوات استخدمت الأحزاب الأساسية اليهودية سلطتها في محاولة لمنع السياسيين الفلسطينيين البارزين من الترشح للانتخابات البرلمانية، بالرغم من إلغاء المحكمة العليا ـبشكل محدود جداً- قرارات لجنة الانتخابات المركزية باستمرار.

وزير الدفاع الإسرائيلي -سوفياتي المولد- أفيغادور ليبرمان الذي قاد الهجوم على النواب الفلسطينيين، نجح في تمرير قانون العتبة في عام ٢٠١٤، القانون الذي يرفع العتبة الانتخابية إلى مستوىً يكون من المستحيل لأي من الثلاث الأحزاب الفلسطينية الكبرى تجاوزه. ولكن المفاجأة أن هذه الأحزاب المختلفة -التي تمثل التيارات الشيوعية والإسلامية والديمقراطية القومية- وضعت خلافاتها جانباً من أجل تشكيل القائمة المشتركة. وخير مثال على التبعات غير المقصودة، نتج عن الانتخابات العامة لعام ٢٠١٥ أن تصبح القائمة المشتركة ثالث أكبر حزب في الكنيست.

انتشرت حالة ذعر لفترة وجيزة في إسرائيل بعد توقّع أن تكون القائمة بمثابة المعارضة الرسمية مما قد يتيح للنواب الفلسطينيين الحصول على إحاطات أمنية والحقّ في ترأّس لجان حسّاسة في الكنيست.

استمرّت الضغوطات للتخلص من الأحزاب الفلسطينية مما أدّى ذلك إلى تفاقم. في عام ٢٠١٦ أصدرت الكنيست قانون آخر – في البداية كان اسمه قانون الزعبي ثم لاحقاً سمي بقانون الطرد- الذي يسمح لأغلبية ثلاث أرباع البرلمان بطرد أي نائب ليس أنه ارتكب جرماً أو ذنباً بل لأن النواب الآخرون لا تعجبهم أراءهم السياسية.  كان سبب التسمية الأولى للقانون هي حنين الزعبي الهدف الأساسي لفكرة الطرد والتي أصبحت الآن العضو الأبرز في حزب البلد التابع لبشارة.

وفقاً للمحللين إنه من المستحيل إجماع غالبية ثلاث أرباع البرلمان على الموافقة المطلوبة لمثل هذا الطرد، لكن أثناء الحرب أو إحدى الهجمات الكبرى المتفرقة على غزة، من الممكن حشد هذه الغالبية ضد منتقدي إسرائيل الصريحين ـمؤيدي فكرة دولة لجميع المواطنين- أمثال الزعبي.

لا يتطلب الأمر سوى طرد عضو واحد من القائمة المشتركة وسيكون الأعضاء الآخرين في موقف ضعيف أمام ناخبيهم، سيكونون موجودين في الكنيست فقط لأن النواب اليهود الصهاينة اختاروا عدم طردهم حتى الأن، لهذا السبب أشارت صحيفة هآرتس لقانون الطرد بأنه الخطوة الأولى في ” التطهير العرقي في الكنيست”.

مع تزايد تصميم المسؤولين الإسرائيليين على إبطال حتى آخر عنصر ديمقراطي رسمي في إسرائيل، وجد قادة الدولة الفلسطينيين أنفسهم أمام خيارات محدودة، وأملهم الوحيد هو جذب انتباه أكثر حول العجز الديمقراطي الكبير في النظام الإسرائيلي السياسي.

في فبراير وردًّا على تحرّكات الحكومة لتشريع القانون الأساسي الذي ينص على أن “إسرائيل دولة قومية للشعب اليهودي” قدم عضو الكنيست يوسف جبارين القانون الأساسي البديل الذي كان عنوانه “إسرائيل دولة ديمقراطية وتدعم المساواة ومتعدّدة الثقافات”. في أي دولة غربية قانون كهذا سيكون بديهي وفائض عن الحاجة. في إسرائيل لم يلقَ هذا القانون أي دعم وتأييد من في الكنيست باستثناء النواب من الأحزاب الفلسطينية.

اعترف جبارين في مقابلة أن الوثيقة من غير المرجح أن تلقى أيّ دعمٍ حتى من الأعضاء الخمسة في ميرتس، الحزب اليهودي الأكثر يسارية حتى الأن في البرلمان. لكن بتفاؤل أوضح قائلاً “أتمنى أن يكونوا ميرتس من بين الداعمين، أطلعتُهم على مسودة عن الوثيقة لكن لم أطلب منهم حتى هذه المرحلة الانضمام وذلك من أجل إعطائهم وقت للبحث في الأمر”.

لا يمكن أن يكون هناك اتهام صريح للمجتمع الإسرائيلي أكثر من الفشل شبه المؤكد في سعي أي نائب يهودي في الكنيست لدعم التشريعات التي تدعو للمساواة والتسامح.


[1] وفقًا لبيانات عام 2016 من المكتب المركزي الإسرائيلي للإحصاء (ICBS)، فمن إجمالي عدد السكان الذي يزيد عن 8.5 مليون نسمة، هناك حوالي 1.8 مليون (20.8٪) هم من الفلسطينيين الإسرائيليين (بما في ذلك المسلمون والمسيحيون الفلسطينيون والشركس والدروز)، مقارنة بـ 6.4 مليون يهودي (74.8٪)، مع نسبة صغيرة من “الآخرين” (مسيحيون غير فلسطينيين وأتباع ديانات أخرى). –الإشراف.


  • جوناثان كوك: صحفي بريطاني، حاصل على درجة الماجستير في دراسات الشرق الأوسط بامتياز من جامعة لندن، عمل في الصحف الإقليمية قبل أن يصبح صحفيًا في الجارديان عام 1994، ثم انضم لاحقًا إلى صحيفة الأوبزرفر، وقد انتقل إلى الناصرة ليصبح مراسلًا مستقلاً منذ 2001. ألف ثلاثة كتب عن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني:
  • الدم والدين: كشف قناع الدولة اليهودية (2006).
  • إسرائيل وصدام الحضارات: العراق وإيران وخطة إعادة تشكيل الشرق الأوسط (2008).
  • فلسطين المختفية: تجارب إسرائيل في اليأس البشري (2008)
المصدر
jonathan-cook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى