عام

الحرِّية بين لسانين

  • هاني بن إبراهيم الظاهري

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين..وبعد:

يقول المسيري -رحمه الله-: “يجب ألَّا نكتفي بترجمة المصطلح أو نقله؛ إذ ينبغي أن ننظر للظاهرة ذاتها التي يشير إليها المصطلح، وهذا يتطلب دراسة المصطلح الغربي في سياقه الأصلي دراسة جيدة، ونعرف مدلولاته حق المعرفة، ثم نحاول توليد مصطلحات من داخل المعجم العربي، ويجب ألا يكون المصطلح الذي نأتي به ترجمة حرفية أي نقلا دون اجتهاد للكملة الأصلية”[1]، فالمنهج الصواب كما يرى المسيري -رحمه الله- في التعامل مع المصطلحات ذات المدلولات والمفاهيم الدخيلة؛ هو:

  1. فهم المصطلح في سياقه الأجنبي.
  2. توليد مصطلحات من المعجم العربي توافق مفهوم هذا المصطلح، لا مجرد الترجمة الحرفية له بلا أي اجتهاد.

و(الحرية) من المصطلحات الرئيسة في النقاش الفكري المعاصر، وللحديث عن هذه اللفظة، لا بد من التطرق إلى معناها ابتداء في معاجم العرب والعجم، فنحن كعرب ومسلمون حينما نقرأ في تراثنا ونتأمل فيه، ونتعامل مع الكون وقضاياه بناء على سرديتنا العربية المسلمة، يطرأ علينا سؤال مفاده: هل المعنى الحاضر في  أذهاننا للكلمة ذائعة الصيت – الحرية-؛ هو المعنى الموجود المقصود في قراءاتنا وتعاملنا مع كتب السلف وكلام العرب ؟ وهل لفظة (الحرية) كمصطلح ملائمة لمعناها الشائع اليوم من وجهة نظر معجمي عربي، أم أنَّ هناك مصطلحات عربية أَلْيَق وأقرب لهذا المعنى ؟

الحرية في لسان العرب:

عند النظر في المعاجم العربية نجد أنَّ الحرية يكاد ينحصر معناها عند العرب في أمرين اثنين؛ هما:

  • خلاف العبد[2].
  • الشيء الجيد الكريم الحسن؛ فالرجل الكريم يقال له: حر، والمرأة الكريمة: حرة، وأحرار الناس والعرب: خيارهم وأفضلهم.

بل إنَّ لفظ (الحر) اُستعير لكثير من الأماكن والجمادات والحيوانات التي توصف بالإجادة والحسن؛ فحُرُّ الأرض والدار: وسطها وأطيبها، وحر الفاكهة: خيارها، وحرُّ الرمل: الخالص الذي ليس به شائبة، والسحابة الحرة: كثيرة المطر، وحر الوجه: ما أقبل عليك به[3].

ومنه قول الصحابي في الحديث لمن لطم وجه الجارية: “عَجَزَ عليك إلا حُرَّ وجهها”[4]؛ قال النووي -رحمه الله- شارحا للحديث: “معناه: عجزت ولم تجد أن تضرب إلا حُرَّ وجهها؛ وحر الوجه: صفحته، وما رَقَّ من بشرته؛ وحر كل شيء: أفضله وأرفعه”[5].

ومن هذا الباب قول طرفة بن العبد:

لَا يَكُنْ حُبُّكِ دَاءً قاتِلًا
لَيْسَ هَذَا مِنْكِ ماوِيَّ بِحُرّ

أي ليس هذا منك  بفعل ٍحسن ولا جميل[6]، وقَالَ عنترة:

جادَتْ عَلَيْهَا كُلُّ بِكْرٍ حُرَّةٍ
فَتَرَكْنَ كلَّ قَرارَةٍ كالدِّرْهَمِ

والبكر الحرة هنا: السحابة غزيرة المطر، والشواهد في هذا كثيرة[7].

الحرية في لسان العجم:

كلمتي (Freedome) و (Librety) في لسان الإنجليز هي الكلمتان التي تُجعلان دائما مقابلة لكلمة (الحرية)، وعند النظر إلى معنى هاتين الكلمتين في المعاجم الإنجليزية؛ نجد أن معناهما هو:

  • أن تعيش كما تشاء وتذهب إلى حيثما ارتأيت[8].
  • أو ألا تُحكم من طرف خارجي[9].
  • أو أن تفعل ما تريد دون تحكم من الآخرين[10].

وكلها تدور حول معنى الإباحة المطلقة بلا قيد! وهذا المفهوم للفظة (الحرية) بأنها فعل ما تريد وقت ما تريد حيثما تريد بلا أمر أو نهي من أحد؛ ليس مألوفا عند العرب بل هو دخيل عليهم طارئ على كلامهم، لكن لو قيل-بالنظر إلى تعريفها في المعاجم- أن معناها هو: الإباحة أو الحِّلُّ، لكان الأمر واضحا مستقيما، وتكشفت مَخَايِلُ الواقع أمام الناظر، لأن “من لا يسمي الأشياء؛ يفقد السيطرة على الواقع والمقدرة على التعامل معه بكفاءة”[11].

والناظر لأدب العرب وتاريخهم بهذا المنطق الدخيل يقلب الأمور رأسا على عقب، فيصبح ذلك الصعلوك اللص الهارب من قومه، القائل:

وَإِنّي لَأستَحيي مِنَ اللَهِ أَن أُرى
أُجَرِّرُ حَبلاً لَيسَ فيهِ بَعيرُ

وَأَن أَسأَلَ المَرءَ اللَئيمَ بَعيرَهُ
وَبَعرانُ رَبّي في البِلادِ كَثيرُ

هو الحر! المتخلص من القيود الفاعل لما أراد بلا سلطة من أحد !

وأما الكريمان اللذان تحملا الديون العظيمة للصلح بين عبس وذبيان حتى قيل فيهما:

فَأَقْسَمْتُ بِالْبَيْتِ الذِّي طَافَ حَوْلَهُ
رِجَالٌ بَنَوْهُ مِنْ قُرَيْشٍ وَجُرْهُمِ

يَمِينًا لَنِعْمَ السَّيدَانِ وُجِدْتُمَا
عَلَى كُلِّ حَالٍ مِنْ سَحِيلٍ وَمُبْرَمِ

تَدَارَكْتُما عَبْسَاً وَذُبْيَانَ بَعْدَمَا
تَفَانَوْا وَدَقُّوا بَيْنَهُمْ عِطْرَ مَنْشَمِ

يصبحان من المغفلين الذيْن ألزما نفسيها بقيود الغير وتحكمهم !

وهذا المعنى المعجمي النظري هو -دائما- المعنى الحاضر المقصود عند الدعاية والتسويق للحرية وقيمها؛ لكن عند التطبيق تظهر الحدود والقوانين باسم (التحضر) و(التمدن)، بينما لا تكون لهذه الحدود أي أثر أو إشارة في مرحلة الترويج للحرية !

وإن صحَّت العبارة فهذا هو المعنى السُّوقِي البسيط للحرية، الحاضر في ذهن عوام الناس ودهماؤهم، دون تقييدات منظري عصر الأنوار ولا علماء الاجتماع أو رجال الدولة والقانون.

والمتفطن للمقامين؛ مقام: الإعلان والترويج، ومقام: الشرح ومن ثَمَّ التطبيق، يجد البون الشاسع، ذاته الذي يلقاه حينما يطلب (دبل تشكن برجر) الضخم المغري الذي رآه  على لوحة الإعلان؛ ثم يصدم بالأمر الواقع عندما يوضع بين يده ! ولن تغني عنه عبارة (كما في الإعلان) شيئا !!


[1]  العالم من منظور غربي، (ص: 280).

[2]  انظر: جمهرة اللغة (1/ 96)- مجمل اللغة لابن فارس (ص: 211).

[3]  انظر: المحيط في اللغة (2/ 312-313).

[4]  صحيح مسلم، كتاب الأيمان، باب صحبة المماليك ومن لطم عبده، (3/ 1279).

[5]  شرح النووي على مسلم (11/ 129).

[6]  مقاييس اللغة (2/ 7).

[7]  انظر: لسان العرب (4/ 182-183) .

[8]  Cambridge University Press, Cambridge Academic Conten Dictionary, p 376,548.

[9]  Hoad, T. F, The Concise Oxford Dictionary of English Etymology, p 182.

[10]  Longman collocations dictionary and thesaurus, p 913, 1252.

[11]  العالم من منظور غربي، (ص: 168).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى