عام

الاضطراب العقلي والحالة الوجودية والإيمانية

تحاول هذه المقالة أن تُعطي فكرة ولو بسيطة عن أهمية وتأثير الاضطراب أو المرض العقلي في تشكل رؤية الإنسان للوجود والجانب الروحي والديني والإيمان بالله أو الإلحاد به وتبني تصورات صوفية عرفانية أو برهانية عقلانية. وأحب أن أنوه إلى ثلاث نقاط في بداية هذه المقالة، وذلك بأنها أولاً ناتجة عن تجربة الكاتب في نقاشه مع عدة مرضى بأمراض عقلية مختلفة أبرزها ثنائي القطب. وثانياً، هي تستهدف في المقام الأول المتعاملين مع المصابين بالاضطراب العقلي من دعاة دين ومرشدين وموجهين حتى تكون لديهم رؤية أوضح عن كيفية تأثير اضطراب كيمياء الدماغ في تفكير الإنسان وحالته الشعورية الإيمانية، وهي تستهدف أيضاً المصابين بأي اضطراب عقلي حتى يكون لديهم تصورٌ واعٍ عن توجهاتهم وآرائهم التي قد يتبنونها من دون إبصار بتأثير الحالة العقلية لهم من خلفها. وثالثاً، هذه المقالة لا تدّعي أن أي مصاب باضطراب عقلي يندرج ضمن هذا التحليل الشخصي لهذه الفئة الواسعة والمتعددة الأطياف ولكنها تحاول أن تُسلط الضوء وتلفت الانتباه إلى أهمية أخذ هذا الجانب في عين الاعتبار.

لا شك أن مزية الإنسان الأولى هي العقل، وفي الدين الإسلامي هناك قاعدة تقول بأن العقل هو مناط التكليف. وفي الوقت الحاضر هناك ثورة كبرى في الكشف عن الأمراض العقلية وتحليلها ودراسة العقل في المقام الأول ومعرفة أسراره وخباياه. وأن وصمة المريض العقلي في تناقص مستمر لتوفر العلاج والتشخيص له أولاً ثم لانتشار الوعي بأن المريض هو مثله مثل أي مريض آخر إلا أن اصابته في العقل، وبالإمكان التعامل معه كما يتم التعامل مع أي مرض آخر. ولهذا فإني أنبه بأني أريد توضيح أن المرض العقلي ليس وصمة سيئة للشخص المصاب ولكنه بلا شك له تأثير على منتجات هذا العقل من أفكار ومشاعر مادام هناك فرق بينه وبين الشخص المتعافي.

هناك دراسات علمية كثير من علماء مرموقين من جامعات هارفارد وديوك وغيرها تؤكد على أهمية الدين والعبادات خصوصاً للصحة العقلية والتي بدورها، أي الدراسات، تناقض الآراء التي كانت منتشرة قديماً وخصوصاً على يد سيغموند فرويد بأن الدين هو وهم عقلي وسبب للأمراض العقلية[1].

ولكن على العكس من ذلك، هل هناك تأثير للحالة العقلية للإنسان في نظرته الوجودية وإيمانه الديني وممارساته التعبدية وجدل الإيمان والإلحاد؟ سأتحدث عن مرض الاكتئاب (وهنا أقصد الاكتئاب كمرض عقلي وليس كحالة نفسية مؤقتة) ومرض ثنائي القطب والذي ينتقل فيه المريض بين فترة وأخرى بين قطبين أحدهما الهوس والذي يتسم بالإشراق وتوارد الأفكار وازدياد النشاط والمتعة واللذة بعكس القطب الآخر والذي هو الاكتئاب الذي يتسم بالسوداوية وضعف المقدرة على التفكير وانعدام اللذة والشعور بالفراغ والألم وفقدان المقدرة على القيام بالأنشطة الحياتية المختلفة، والعبرة عند التعامل مع مريض ثنائي القطب بالحالة التي يكون فيها خارج هذه النوبتين أي في حالة الاتزان.

بمعرفة الحالة العقلية للمصاب بالاكتئاب والهوس يمكننا أن نستشف تأثيرها على نظرته الوجودية والإيمانية. ففي الاكتئاب يغلب على المريض أن يكون مقصراً في دينه وعباداته، ضعيف الصلة بخالقه يميل أكثر إلى الجانب اللاإيماني، تغلب عليه الأفكار السوداوية التي تُخالف ما يقوله المؤمنون من راحة وشعور بالسعادة والاطمئنان والتي تنظر للوجود من منطلق يميل للإلحادية التي لا تعترف بوجود الخالق، وتسيطر هنا أكثر الحالة العقلانية (والتي قد تكون غير منطقية) وتخبو بشكل كبير المحفزات الصوفية العرفانية المشاعرية، وهذا نظراً لتأثيرات الحالة العقلية المزاجية التي يمر بها المصاب وكيمياء الدماغ والنواقل العصبية. ولا أقول إن المصاب هو شخص غير مؤمن أو ملحد ولكني أقول إن حالته المزاجية تعزز الجانب اللاديني، ولكن قد يجتهد المصاب بالاكتئاب في العبادات الدينية رغبة في حصول مشاعر السعادة المصاحبة للإيمان والإحساس بالقرب من اللهU.

والمكتئب عموماً هو شخص يائس من الحياة قد أظلمت في وجهه السبل، فهو لا يستشعر متعة العبادة والقرب من الله وشعور المحبة والاطمئنان، وهذا بسبب أن افرازات كيمياء قد تضاءلت وضعفت وقد يجتهد المصاب في العبادة لتحفيز هذه الإفرازات أكثر. ولا نقصد هنا أن حالة السعادة في الدين هي مجرد كيمياء دماغ كما يدعي الملحدون، فهذا تصور خاطئ واختزالي جداً لحالة السمو والقرب من المعبود واستشعار مراقبته الدائمة. ولكن ما قصدناه أن المريض تنتابه هذه المشاعر وهذا الخلل في رؤيته الوجودية، ونفس الشيء ينطبق على الهوس كما سيأتي لاحقاً.

أما في حالة الهوس، فإن المصاب يكون أقرب إلى الجانب الإيماني وتزداد عنده الحالة العرفانية الصوفية في النظر للوجود، ويكون هناك إحساس بالراحة والاطمئنان في القرب من الله والتعبد له. وذلك لأن الحالة العقلية تكون مستعدة أكثر لقبول الإيمانيات والتفاعل مع الوجود بنظرة إيمانية متصالحة مع الخالق، وتكون إفرازات كيمياء الدماغ فيها نشاط وحيوية تتفاعل أكثر مع محيطها وتنتابها الحالة الإيمانية السامية.

ولا نقصد من كلا الحالتين أن نقول بأنهما هما معيار الحكم على الناس، فمن كان متديناً فهو أقرب إلى الهوس ومن كان غير ذلك فهو أقرب إلى الاكتئاب. ولكني أقول بأنهما الاستثناء ويعامل المصاب بهذه الاضطرابات بطريقة استثنائية بسبب الدوافع العقلية وراءه. أما بشكل عام فإن الحالة النفسية للإنسان قد تُسبب ردة فعل له تجاه الدين وغيره، ولكن هذه مجرد حالات نفسية وليست اضطرابات عقلية، والعبرة بالحالة السوية خارج حدود هذه الاضطرابات.

وختامًا، أود أن أنبه بأن الحالة العقلية للإنسان تُشكل جزءًا كبيرًا من قراراته الدينية وتشكل رؤيته للوجود والدفاع عن معتقداته وتستحق الدراسة والنظر إليها بصورة أكثر علمية وأخذها دائماً بعين الاعتبار.


المراجع:

[1]مرجع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى