شاري ثورر*
ترجمة: د. عبدالله الشهري
أظهرت دراسة أخرى أن عمل الأم خارج المنزل غير مضر بالأطفال. لكن معالِجةً نفسيةً ترى أننا في غنى عن علوم اجتماعية مشكوك في نتائجها لكي نعرف ذلك.
على الأمهات العاملات الاسترخاء قليلًا، شريطة ألا يسترخين أكثر مما ينبغي.
في أحدث جولة من جولات الحرب الثقافية المستمرة التي تضع الأمهات المتفرغات للبقاء في المنزل في مواجهة الأمهات العاملات خارجه، كانت الغلبة هذه المرة للأمهات العاملات. فقد برّأت دراسة جديدة، نُشرت في عدد شهر مارس من مجلة علم النفس النمائي (Developmental Psychology)، الأمهات من الاتهامات التي تزعم أن عملهن خارج المنزل مضر بأطفالهن. وتشير النتائج، التي عرضتها إليزابيث هارفي، عالمة النفس في جامعة ماساتشوستس، إلى أنه حتى الأطفال الرضّع لم يتضرروا من غياب أمهاتهم حين عُدن إلى العمل. وقد قيّمت هارفي نموَّ وصحةَ أكثر من ستة آلاف طفل، مستندةً إلى بيانات المسح الوطني الطولي للشباب (National Longitudinal Survey of Youth).
غير أن الأمهات العاملات خارج المنزل – يشكلن ثلثي جميع الأمهات الأمريكيات – إذا ما أردن إزاحة إحساسهن بالذنب الذي لا يفتأ يلاحقهن، فعليهن أن يفعلن ذلك سريعًا. فالأمر على الأرجح ليس إلا مسألة وقت قبل أن تظهر دراسة أو كتاب جديد يصيب وعينا الجمعي بعدواه، ويدفعنا مرة أخرى إلى الهوس بالتساؤل عما إن كنا نلحق الضرر بأطفالنا. ففي العملية المحيّرة المسعورة التي تتشكل من خلالها شخصيات الصغار، يبدو أن قلق الوالدين ثابتٌ لا يفارقهم، بينما تتقلب النظريات والمعتقدات المتعلقة بتربية الأطفال تقلبًا عنيفًا، فتغذي ذلك القلق حتى يبلغ ذروته. وكأننا نفترض دائمًا أن هناك طريقةً واحدة صحيحة للأمومة، وأن العلم سيخبرنا ما هي.
لا تسيئوا فهمي؛ فأنا لا أنتقد هذا البحث الجديد في حد ذاته. بل إنه، بوصفه دراسةً في العلوم الاجتماعية، يتميز بقدر غير مألوف من الصرامة المنهجية. فبفضل اشتماله على عينة من الأطفال أكبر حجمًا وأكثر تمثيلًا من معظم الدراسات السابقة، فإنه يقطع شوطًا بعيدًا في تصحيح البيانات المعيبة التي كثيرًا ما استُخدمت لتدعيم الخرافة الراسخة القائلة إن الأمومة المتفرغة للصغار تفرغًا حصريًا كاملاً هي النموذج الأمثل.
غير أن لعبة التفوق البحثي التي لا تنتهي، والتي يتبارى فيها علماء النفس النمائي وخبراء تربية الأطفال، تحجب حقيقةً مهمة، وهي أنه يكاد يستحيل إثبات أن سلوكًا أبويًا بعينه، يمكن ملاحظته وقياسه، سيترك أثرًا متوقعًا وثابتًا في رفاه الأطفال. حتى الآن، أدواتنا العلمية في البحث والتحري ليست على مستوى التعقيد الذي تتطلبه هذه المهمة.
حتى دراسة هارفي نفسها تعاني قدرًا لا يمكن تجنبه من الضبابية المنهجية؛ فهي، على سبيل المثال، لا تضبط متغير جودة رعاية الطفل. وهذا لا يدحض نتائجها بالضرورة، لكنه يترك الباب مفتوحًا على مصراعيه أمام محاولات مستقبلية للتشويش والتمويه – وهي محاولات ستحدث بلا شك، بالنظر إلى رغبة الكثيرين القوية في إثبات خطأ هارفي. مع ذلك، فإن الحقيقة البسيطة الضائعة وسط هذا السيل من الدراسات والدراسات المضادة هي أن عمل الأم خارج المنزل (أو بقاؤها فيه) لم يزد عن كونه مؤشرًا ضعيفًا للغاية على أي أمر يتعلق بحياة طفلها.
والحقيقة أن حتى أكثر معتقَداتنا رسوخًا بشأن تربية الأطفال لا تقوم على برهان علمي، بل على اعتبارات الموضة والسياسة. ففي ميدان الأمومة، تظل المشاعر هي صاحبة الكلمة العليا. في العام الماضي فقط، أبلغتنا الجدة جوديث هاريس، في كتابها الذي حظي بتغطية إعلامية واسعة “فرضية التنشئة” (The Nurture Assumption)، أن أقران الطفل، لا والداه، هم من يمارس التأثير الأقوى في نموه. وقبل ذلك أعاد المؤرخ في معهد ماساتشوستس للتقنية فرانك سولواي إحياء الفكرة القديمة عن أهمية ترتيب الميلاد في نمو الطفل.
قبل عشرين عامًا، حين كنت غارقة في دوامة تربية أطفالي، كان يُفترض أن الارتباط العاطفي بين الأم ورضيعها (maternal bonding) هو العامل الحاسم الأول في تحديد الصحة النفسية في المراحل اللاحقة من الحياة. ولذلك كنت، امتثالًا للتوجيهات، أحمل معي أينما ذهبت ’رداء الأمان‘ الخاصة بابنتي، وهو عبارة عن أرنب محشو قديم، يُفترض أنه يرمزُ إليّ مخافة أن تُصاب ابنتي بصدمة نفسية متى غاب عنها – أي إن غبتُ أنا عنها. أما أمي، فكانت ستلقي ذلك الشيء في سلة المهملات دون تردد، لأنه بلا شك كان طافحًا بالجراثيم. ووفقًا لنصائح الخبراء في زمنها، لم تكن تحرص على تجنب الجراثيم فحسب، وإنما أيضًا على عدم ’خنق‘ أطفالها بالعاطفة أو ’تعقيمهن‘ نفسيًا. (أتذكرون مصير السيدة بورتنوي؟). أما جدتي لأمي، فكان همها الأكبر انتظام حركة الأمعاء اليومية والمحافظة على القوام الجيّد. كل هذه التصورات عن السلوك الأمومي الصحيح قيل إنها مدعومة ببيانات علمية راسخة، لكن المثير للريبة أن ما يسمى بالعلم الموضوعي ظل، على نحو مريب، يؤكد دائمًا المزاج العام السائد أيًّا كان الاتجاه الذي يميل إليه.
وإني شخصيًا أتفق مع النتيجة التي توصلت إليها هارفي، وهي أن أبناء الأمهات العاملات لا يعانون ضررًا دائمًا، لكن ليس بسبب دراستها، وإنما لأنني، خلال خمسة وعشرين عامًا من ممارستي للعلاج النفسي المتعمق، لم أصادف مريضًا واحدًا تضرر تحديدًا بسبب عمل أمه خارج المنزل. لقد التقيت بكثير من المرضى الذين آذاهم سلوك أمهاتهم المشوَّه: غيابهن العاطفي الشديد، أو تفضيلهن المفرط لأحد الإخوة، أو إساءتهن الصريحة أو الإهمال. لكنها سمات قد توجد في الأم سواء أكانت تعمل أم لا. فالمسألة ليست العمل في حد ذاته، وإنما جودة التربية على مر السنوات – وأقصد هنا، على خلاف معظم الدراسات، دور الآباء أيضًا.
وفوق ذلك، الأمهات العاملات اليوم لا يفعلن شيئًا أكثر مما كان يفعله الأمهات دائمًا. ولو كان هذا النمط من الحياة مؤذيًا بالفعل بالقدر الذي يدّعيه بعضهم، لكان ضرره قد تجلّى على نحو لا يقبل الجدل منذ زمن بعيد. فعبر معظم التاريخ البشري، كرّس الأمهات وقتًا أكبر لواجبات أخرى غير رعاية الأطفال، كما أوكلن جوانب من تنشئتهم إلى آخرين، عدا فترة الرفاه الوجيزة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية. ورغم قِصر تلك المرحلة، إلا أنها تحجَّرت في الذاكرة الجمعية بفضل عدد من المسلسلات الكوميدية التلفزيونية (التي ازدهرت في خمسينيات القرن العشرين)، مثل “مغامرات أوزي وهارييت” (The Adventures of Ozzie & Harriet) و”دع الأمر لبيفر” (Leave It to Beaver)، حتى أصبحنا نتصور أن نموذج الأسرة التي يكسب فيها الأب الرزق بينما تظل الأم ربةً للمنزل هو النموذج الطبيعي، والخيّر، والصحيح، حتى لكأن الأمور كانت على هذا النحو منذ فجر التاريخ.
بلغ تمجيد خمسينيات القرن الماضي ذروته، على وجه الخصوص، لدى المحافظين سياسيًا، الذين لم يستسيغوا قط فكرة أن تكون للأم انشغالات أخرى، لا سيما إذا لم تكن مضطرة اقتصاديًا إلى العمل. والمفارقة أن كثيرًا من هؤلاء أنفسهم يرون أن الأمهات اللاتي يعشن على إعانات الرعاية الاجتماعية ينبغي أن يعملن. ومتى غادرت أم من الطبقة الوسطى موقد المنزل، فإنها تُوصم بالأنانية، وقسوة القلب، والجشع؛ وهي أوصاف تكاد تكون مطابقة، على نحو يستدعي السخرية، للأوصاف الملصقة بالأمهات المستفيدات من الرعاية الاجتماعية إن لم يخرجن للعمل، إذ يعتبرن عندئذ كسولات وأنانيات. غير أن خمسينيات القرن العشرين، بما حملته من أيديولوجيا مكثفة حول «الأمومة الصالحة»، إنما كانت الاستثناء لا القاعدة. فقبل تلك الحقبة، لم يسبق للأمهات أن انشغلن بأطفالهن على هذا النحو الحصري، وكذلك لم يحدث ذلك منذئذٍ أيضًا. وفي ستينيات القرن الماضي، عاد بعض الأمهات إلى العمل لأن «تحرير المرأة» منحهن إذنًا معنويًا بذلك، لكن عددًا أكبر بكثير منهن خرجن إلى العمل بدافع الضرورة الاقتصادية.
إن إلقاء نظرة خاطفة على التاريخ يكفي لتبديد الوهم القائل إن هناك طريقة واحدة صحيحة للأمومة. فقد تكون جدتك قد أرضعت أباك بالزجاجة وفق جدول زمني صارم، وبدأت تدريبه على استخدام المرحاض وهو لم يتجاوز شهره الثالث، وهي ممارسات قد يراها بعض الناس اليوم سخيفة، إن لم تكن ضربًا من الإساءة. ومع ذلك، فقد كبر وأصبح راشدًا. الواقع أن الأطفال يتوخون السلامة من المحاولات المرتبكة التي يبذلها آباؤهم لتربيتهم على الوجه الصحيح، سواء تمثلت تلك المحاولات في الاسترضاع (الاعتماد على المرضعات)، أو التقيد بعلم السلوك الواتسوني[1]، أو التساهل الذي دعا إليه سبوك[2]، أو التربية في الكيبوتسات الإسرائيلية، أو التعاطف الدائم على مدار الساعة، أو التحفيز المعرفي المكثف، أو أي أسلوب آخر من أساليب التربية. كل هذه المناهج المتغيرة – التي قد يبدو عمل الأم خارج المنزل، إذا قيس بها، أمرًا يسيرًا – كانت تُعد في زمانها ممارسات طبيعية ومألوفة. ولا توجد أي بيانات تدل على أن معدلات الإصابة بالاضطرابات النفسية كانت أعلى أو أدنى في ظل أي منها. بل إن أكثر ما يبدو جلاءً هو أن هناك طرقًا كثيرة صالحة لتربية الأطفال.
ولعل قلقنا الدائم بشأن مدى «صلاحنا» كآباء وأمهات – وهو قلق تغذيه معايير مستحيلة تكرسها وسائل الإعلام، وسيلٌ جارف من نرجسية زائفة تتظاهر بالعلم إزاء نمط الحياة الذي اخترناه – هو ما يعمي بصائرنا عن فضائل الأساليب الأخرى في التربية. غير أن الوقت قد حان لكي نكف عن التركيز على ذلك الفارق الضئيل ضآلة واضحة بين رفاه الأطفال الذين تعمل أمهاتهم خارج المنزل وأولئك الذين بخلاف ذلك، لا لشيء سوى خدمة رغبتنا في تأييد تفضيلنا الشخصي لنمط معين من أنماط التربية.
إن هذا التدقيق المفرط في فروق بالغة الصغر يصرف انتباهنا عن المشكلات الحقيقية التي يعاني منها أطفال أمريكا: المدارس المتداعية، وسوء الرعاية الصحية، وإدمان المخدرات. إن واحدًا من كل ثمانية أطفال يقاسي الجوع بالفعل. وثمة مفارقة مؤلمة في أن يولي الآباء والأمهات المتعلمون هذا القدر من الاهتمام بأطفالهم هم، بينما يغضون الطرف عن أطفال الآخرين. وإذا كان لا بد أن نشعر بالذنب تجاه أدائنا بوصفنا آباءً وأمهات، فلنجعل مصدر هذا الذنب مناسبًا حقًا: الطريقة التي نعامل بها أطفال الأمة الفقراء. فلو وزعنا وقتنا ومواردنا واهتمامنا على مجموع الأطفال والشباب في المجتمع توزيعًا أعدل مما هو عليه، لكان ذلك، على الأرجح، أنفع للجميع.
* عالمة نفس أمريكية ومعالجة نفسية تحليلية
[1] نسبة إلى مدرسة سلوكية في علم النفس أسسها العالم الأمريكي جون واتسون.
[2] بنيامين سبوك، عالم نفس دعا إلى الاستجابة لاحتياجات الطفل، والتراخي والحنان في التعامل معه، وتجنب التربية الصارمة.



