د. جمعان بن محمد الشهري
توطئة:
الحديث عن الأصل اللغوي والأصل المنطقي= هو حديث عن الظاهر اللغوي والظاهر العقلي المكّون الأساس للمنهج الظاهري لدى ابن حزم في المعرفة، والعلاقة وثيقة بين هذين الأصلين، فالظاهر اللغوي أساس للظاهر العقلي؛ ذلك أن اللغة لدى ابن حزم وسيلةٌ لفهم النصوص الشرعية حيث تعتمد على المعاني الظاهرة والدلالات المباشرة، والعقل يقوم بتوضيح ما يظهر من النصوص اللغوية دون أن يتجاوزها أو يتأولها، فلا يُسمح له بمفارقة حدود البيان اللغوي لأنه يخضع له.
ويرى أبو محمد أنَّ التوافقَ قائمٌ بين البيان اللغوي والبيان العقلي فلا تعارض بين الوارد في النصوص الشرعية وما يفهمه العقل السليم، هذه درجة، ودرجة أخرى يأتي فيها دور المنطق الصناعي ليؤكد هذه العلاقة بين الظاهرين (اللغوي والعقلي)، بحيث يكون المنطق الصناعي أداة لتعضيد العلاقة بين اللغة والعقل مما يعزز البيان الظاهري في مسلكٍ لا يخرج عن معاني النصوص إلى تأويلات باطنية ظنية؛ لأنَّ المنهج الصوري يقوم على قاعدة اليقين ونفي الظنِّ، فإذا كانت القضية المنطقية لا تعطي أكثر مما تنطوي عليه حدودها= فهذا يعني أنَّ النصوص الشرعيّة تُفسر بناءً على ظاهرها فحسب.
هذا التفاعل بين اللغة والعقل يجلي لك المنهج الظاهري الذي يجمع بين البيان اللغوي والمنطق العقلي= لتحقيق اليقين المعرفي في صورة متوازنة من وجهة نظر حزميّة. حيث تتمثل هذه الموازنة بين الالتزام بالظاهر اللغوي للنصوص (الصورية) وبين الاعتراف بالمعطيات التداولية عند الحاجة إلى العقل لفهم تلك النصوص.
فالأساس اللغوي يعتمد على البنية اللغوية للنصوص، حيث يرى أن دلالة الألفاظ يجب أن تُفهم وفق معانيها الظاهرة دون تأويل أو إحالة إلى معانٍ أخرى غير مباشرة. وهذا يعكس التزامه بالمعنى المباشر للألفاظ كما وردت في النصوص الشرعية.
أما الأساس المنطقي في صوريته فيوظف ابن حزم المنطق الأرسطي كأداة لتحليل النصوص واستنباط الأحكام وفهمها، حيث اعتبر أن التركيب اللغوي يحتوي على قضايا منطقية يمكن استنتاجها من خلال التحليل العقلي. هذا الجانب الصوري يظهر في اعتماده على قواعد المنطق الصناعي لضبط فهم النصوص الشرعية وتجنب التناقضات فيها وتطابقها مع البرهان العقلي.
وعلى الرغم من تحفظاته الظاهرية، فإنَّه لم يغفل تمامًا عن الأبعاد التداولية. فقد اعترف بأهمية السياق والمقام والقرائن الخارجية لفهم النصوص، خاصة عندما تكون دلالات النصوص الظاهرة غير كافية أو متناقضة.
فمنهجه الظاهري لم يستبعد التفكير المنطقي، بل دمجه مع التحليل اللغوي للوصول إلى مقاصد النصوص الشرعية بشكل دقيق.
هذا الدمج بين البنية اللغوية والمعطيات التداولية يظهر في ممارساته النصية التي تعتمد على استقراء المعاني من السياقات المختلفة وتحليلها وفق نظرية أفعال الكلام والحجاج.
والحاصل، أنّ منهج ابن حزم يجمع بين الصرامة الصورية (المنطق واليقين) التي تعتمد على الأسس اللغوية والمنطقية، وبين المرونة التداولية (السياق والمقام) التي تأخذ بعين الاعتبار السياقات والقرائن الخارجية عند الحاجة.
فالصورية هي الأساس المنهجي لفهم النصوص وفق القواعد المنطقية، بينما التداولية تضيف بُعدًا عمليًا يفسر النصوص ضمن سياقاتها الواقعية.
هذا النهج يعكس توازناً، إلى حدٍّ، بين الالتزام بالنصوص الشرعية كما هي وبين السعي لفهم مقاصدها عبر أدوات تحليلية متنوعة.
تحليل خطاب ابن حزم بين المنظور العام والمنظور المقرّب للمنطق:
لكي نصل إلى مقاربة صحيحة لموقف ابن حزم من الصورية والتداولية الثاوية في منهجه = ينبغي أن ننظر إلى ذلك الأمر وفق منظورين يحققان الوضوح اللغوي من جهة، والاعتبارات السياقية من جهة أخرى.
الأول: المنظور العام لمنهج ابن حزم وتحليل خطابه في هذا المنحى.
والثاني: المنظور الذي عُني بتقريب أبي محمد للمنطق، ومدى حصول الغاية الحزميّة من هذا التقريب، وتحليل أنظار أبرز الدارسين لهذا التقريب.
وبعدُ، وحتى لا نستغرق في الدرس التداولي والمنطق الصوري، يكفينا ونحن على أعتاب النظر إلى ابن حزمٍ وخطابه= التفريق بين الصورية والتداولية. فالصورية: تهتم بدراسة اللغة كبنية مستقلة، بمعزل عن السياق الاجتماعي أو الاستخدام الفعلي. وتركز على القواعد الشكلية، والتراكيب، والمعاني الثابتة المرتبطة بالكلمات والعبارات. والهدف هو الوصول إلى وصف معياري ومنطقي للغة دون النظر إلى الظروف التي تُستخدم فيها، بينما التداولية؛ تركز على دراسة اللغة في سياقها الفعلي، مع الأخذ بعين الاعتبار نوايا المتكلمين، والظروف الاجتماعية، والسياق الزمني والمكاني، وتهتم بكيفية استخدام اللغة لتحقيق أهداف تواصلية معينة، مما يجعلها أكثر ارتباطًا بالبعد العملي والوظيفي للغة.
والحاصل، أن الصورية تُعنى بالبنية الداخلية للغة، بينما التداولية تهتم باستخدام اللغة في الواقع.
والمتتبع لنصوص ابن حزم في أسفاره القيّمة يجدُ الظاهرَ اللُّغوي عنده لا يكتفي بوضع المفردة المعجمي وبنيتها في الخطاب، لا، لا يقول هذا إلا بَادِئَ الرَّأْيِ، ذلك أنّ لابن حزمٍ استراتيجية خاصة في تكوين الخطاب وإنتاجه، والذي يحق لخطابه هذا أن يكون خطابًا تداوليًا له حظٌ وافرٌ من الاستعمال اللُّغوي، حيثُ تظهر المفارقة للبنية اللُّغوية في الخطاب الحزمي وفق شروط معتبره لديه، يشهد لذلك جملةٌ من نصوصه التطبيقية، بلْه التنظيرية، فهو وإن كان يحث على التموضع حول البنية اللُّغوية والانطلاق منها والاحتكام إلي قواعدها، إلّا إنّهُ يتحول عنها لمقتضىً برهاني، ومنحىً تداولي يشيء بمعنى آخر غير الذي يظهر من المواضعة اللُّغوية بناءً على عوامل خارجية تتمثل في المقام والسياق ونحوٍ من التوظيف التداولي.
فما الذي يمكننا رؤيته عند ابن حزم في ضوء الدرس التداولي الذي يُعنى بالسياق والحجاج والأفعال الكلامية (الخبر والإنشاء)؟
وكيف يمكن للباحث أن يفترض هذا البعد التداولي في حين التمسك الحزمي بزمام الظاهر من جهة، وطغيان الصورية على بعض نصوصه من جهة أخرى؟ بمعنى: هل نجد تناقضا في منهج ابن حزمٍ المعرفي عندما ننظر إلى تطبيقاته الحجاجية، أم أنَّه جمعَ بين الصورية والتداولية في آنٍ واحدٍ دون تناقض؟
وهل الهاجس الحزمي يفطنُ إلى قصور الدلالة وتناهيها عندما تنكفئ على بنية النص فلا تخرج عنه إلى أُفقٍ أرحب يراعي أبعادًا تداولية تضمن لنا ديمومة النص وصلاحيته الزمكانية؟
ما مدى خروج ابن حزم عن بنية اللغة ومركزيّة المفردة إلى مجال استعمالي تداولي يعتني بما تقدم ذكره من السياق واستكناه المعنى، ولك أن تقول: متى يتجاوز ابن حزم ظاهر النص إلى دلالة أوسع تراعي تحليل الخطاب وتفعيل التخاطب، أو قل – وفق الدرس التداولي الحديث -: متى يخرج ابن حزم من طوق الجملة إلى نطاق الخطاب؟
هل لنا أن نقف عند معالجته لما ورد في قوله تعالى: {… فَلَا تَقُل لَّهُمَاۤ أُفࣲّ …}، [سُورَةُ الإِسۡرَاءِ: ٢٣]. حيث لا يرى أبو محمد أنَّ [أفّ] تكفي في تحريم الضرب، لاعتبار الظن من جهةٍ، والسياق من جهةٍ أخرى، فدلالة [أفّ] على التحريم ظنيّة، ولا تعطيك، بحسب تنظير ابن حزمٍ، إلا نفسها، وأما جهة السياق، فإنّه نظر إلى الآية نظرة شمولية ظهر له من مجموعها الأمر بالإحسان، والقول الكريم، والذي يقضي حتما بتحريم الضرب بمسلكٍ يقيني.. أقولُ: هل لنا أن نقف عند هذا المثال لنثرّبَ على أبي محمد اختياره، أم ينبغي لنا أن نمحص بعضًا من تناولاته لنصوص أخرى بناها على أُسسٍ منهجية، وقراءة أصولية على وجه محققٍ خرج عن أصله فيها وعدل بها عنه؛ لقرينةٍ صارفة تُقدر المفهوم والمنطوق حق قدره؟
ينبغي، حينئذٍ، أن نستقري نصوصَ ابن حزمٍ في مظانها، ونسبر مدى هيمنة الصورية عليها، ومتى آن له أن يعتقها من ربقة الصورية إلى رحاب التداولية، ذلك الطور الذي نختبرُ به طريقة ابن حزم في استثمار النصوص والوصول إلى المعنى.
ولعلنا نشير، في تلك الأثناء، إلى أهميّة مراد المتكلم، الذي يُعدُ حجرَ الزاوية في مراوحة أبي محمد بين الصورية والتداولية.
ومعلومٌ أنّه ما من خطابٍ إلا ويحمل قصدًا، يتوارى أو ينجلي بحسب المؤثرات الداخلية أو الخارجية المستثمره من المعنيين بذلك القصد وطريقة استخراجهم له. ولابن حزمٍ قولٌ يبين فيه عن تشَكُل المعنى وقصديّة الخطاب من دلالة الألفاظ ف (الصوت الذي يدل بالقصد فهو الكلام الذي يتخاطب الناس به فيما بينهم ويتراسلون بالخطوط المعبرة عنه في كتبهم لإيصال ما استقر في نفوسهم من عند بعضهم إلى بعض) ([1]).
والذي قال به أبو محمد هو الذي تعتني به الدراسات اللسانية وتنظر له، فالقصدية عندهم لها دور بارز في التمييز بين المعاني، من كونه معنىً طبيعي من عدمه، فلا يحصل التفاهم، حينئذٍ، إلا عندما يدرك المخاطب مراد المتكلم؛ إذْ قصد المتكلم من أنجع القرائن في تمييز الخطاب وفهمه ([2]).
وما من شكٍ في أن أبا محمد يسعى من خلال منهجه المعرفي إلى الوصول إلى مراد المتكلم لا سيّما في النصوص الشرعية. فهو مقاصدي في هذا الباب لا سيّما أنّه لم يشترط التنصيص في الأغراض اشتراطه في الأسباب، فالشريعة جاءت لأغراض ومصالح، وفي هذا المعنى يقول: (… وأما الغرض فهو الأمر الذي يجري إليه الفاعل ويقصده ويفعله وهو بعد الفعل ضرورة) ([3]). وقال: (والغرض نتيجة يقصدها الفاعل بفعله؛ كالشبع الذي هو غرض الآكل في أكله، وقد يكون الغرض اختيارًا كمراد الله تعالى بشرع الشرائع) ([4]). وقال في السبب: (أما السبب فهو فعل المختار فعلا لأجله، ولو شاء لم يفعله) ([5])، وقال في الشريعة (وأما ما لا نصّ فيه فلا يجوز أن يقال فيه إنَّ هذا لسبب كذا) ([6]). فأطلق في الغرض وقيّد في السبب، والحاصل عنده أن الشرائع لها غاياتها التي جاءت لمصالح العباد، فطريقته ليست متباعدةً من اعتبار الحِكمَ التي جاءت بها الشريعة، وفي هذا المعنى يقول: (وما جعل الله عز وجل فيه [الزنا] أربعة شهود وفي كل حكم شاهدين إلا حياطة منه ألّا تشيع الفاحشة في عباده، لعظمها وشنعتها وقبحها) ([7]).
فابن حزم في باب الظفر بمراد المتكلم يقع بين فريقين، فريقٌ يظنُه على الظاهر اللُّغوي أبدا، وفريقٌ ما بين ذلك، فهل ابن حزمٍ في منزلةٍ بين البنية اللُّغوية والخروج عنها عندما يبحث عن المعنى، أم أنّه جمع بين المنزلتين وفق تدرجٍ من المواضعة إلى تراكيب الجملة وسياقها الداخلي، واعتبار المقام الخارجي، أو ما يُعبر عنه بالسياق الخارجي على تنوعه؟ أين يقع ابن حزمٍ من هذا؟ وما مدى معيارية معهود العرب في الخطاب لدى أبي محمد في تفسيره للنص الشرعي؟
والذي يبدو للباحث أنّ أبا محمد على طريقةٍ تداوليةٍ تخصّه وضوابط منهجية تقيّده مأخوذة من طرائق العرب في الاتصال، فليس، أولاً، بدعًا في الأخذ بالظاهر حينما يمارس الاستدلال في خطابه الحجاجي مع المخالفين، إذْ الأخذ بالظاهر في التراث الإسلامي دأبُ العلماء، فالظاهر رؤية معرفية لدى الأصوليين وغير الأصوليين، ذلك أنَّ اللّبنة الأولى في الكشف عن الدلالة= هي الأخذ بظاهر النصّ إلّا لقرينة صارفة. فالأصل، عند أبي محمد، أنّ المعنى يؤخذ من النص الشرعي وفق الوضع اللُّغوي مع اعتبار المقام الخارجي اليقيني لا الظني، وهذا عند عدم وفاء المفردة المجردة بمراد المتكلم حيث يأتي: المنطق والعوامل الخارجية والخصائص البيانية؛ كي تسهم في الوصول إلى مراد المتكلم.
ويُقصد بالوضع في اصطلاح العلماء كما يقول القرّافي (… يقال بالاشتراك على ثلاثة معان:
أحدها: جعل اللفظ دليلا على المعنى كتسميه الولد زيدا، ومنه وضع اللغات.
وثانيها: غلبة استعمال اللفظ في المعنى حتى يصير أشهر فيه من غيره، وهذا هو وضع الحقائق الشرعية، والعرفية…
وثالثها: أصل الاستعمال، ولو مرّة واحدة، وهو المراد بقول العلماء: من شرط المجاز الوضع أو ليس من شرطه ذلك…) ([8]).
وفي الدرس الحديث لعلم الدلالة ([9])، وجهُ شبهٍ بطريقة علماء الإسلام المتقدمين كابن حزمٍ وغيره، فالمفردة المجردة لها دورها في المعنى، والمفردة، هاته، وعلاقتها بالمفردات الأخرى لها حظٌ في جلاء المعنى وفق تلك العلاقة، ثم يأتي من بعد ذلك المعنى الذي يكون في الجملة المركبة من تلك المفردات وما تحويه من قواعد وعلاقات وأساليب، ونحو ذلك، مما يُبرز المعنى إلى مستوىً أوضح، وهكذا. فإذا تجاوز النصُّ البنيةَ اللُّغوية عند ابن حزم =استعمل له الأصول التخاطبيّة، وفي هذا المعنى يقول: (لا يمكن وقوع نازلة لا يكون حكمها منصوص في القرآن وبيان النبي صلى الله عليه وسلم إمّا باسمها الأعم، أو باسمها الأخص) ([10])، فالعموم، لديه، مظهر دلالي ما لم يخصص، والمشترك اللفظي من العموم ما لم يقع الانفراد، والأمر على الوجوب ما لم يدنِ، والحقيقة حقيقة قبل أن تكون مجازًا يقتضي الوجوب.
كلّ هذا الأنظمة الدلالية لدى ابن حزم مُحكمة في أصول الأحكام، ومن العموم، على سبيل المثال، ما يراه في اللفظ المشترك، حيث يقول: (ومن العموم أن يكون لفظه مشتركًا يقع على معان شتى وقوعًا مستويًا في اللغة، ومعنى قولنا: مستو أنّه وقوع حقيقي، وتسمية صحيحة لا مجازية فإذا كان ذلك فحملها واجب على كل معنى وقعت عليه ولا يجوز أن يخص بها بعض ما يقع تحتها دون بعض بالبراهين التي أثبتنا آنفا في إيجاب القول بالعموم) ([11]).
وإلى ما تقدم ذكره في اتساع الدلالة، لدى أبي محمد، تأتي العناية بالألفاظ ومدى صلتها بالحقائق الخارجية الوجودية ودلالتها عليها، فليس الواقع الخارجي الذي يحتوي ماصادقات الأشياء في منأى عن اللفظ، وإلّا تمثلتْ لنا الصوريّة كما هي، وانتفتْ الحقيقة المقصودة، ووقعتْ المغالطة، وفي معنى الارتباط بين الدال والمدلول ومنح الأشياء حقيقتها بالرمز إليها دون غيرها يقول ابن حزم: (لا سبيل إلى معرفة حقائق الأشياء إلا بتوسط اللفظ) ([12])، فليست الدلالة عند ابن حزم مستقلة عن الحقائق الخارجية، بل ارتباطها وثيق، ومرادها واضح، حيثُ يتوسط اللفظ بين الصورة الذهنية للواقع الخارجي وما هو عليه في نفس الأمر= فتستبين النفس لذلك الواقع بهاته الواسطة.
والمرادُ مرادٌ؛ لأنّ له دورٌ بارزٌ في استكناه المعنى ومعرفته، وهو محورٌ رئيس في الدرس التداولي المهتم بالسياق، والقرائن الخارجية التي تحيط بالمثلّث التخاطبي (المخاطِب، الخطاب، المخاطَب)، والذي يُعد خروجا عن البنية اللّغوية في أصلها إلى ساحة الواقع وما يحتاجه من استراتيجيات تخاطبيّة ([13]).
فإنْ أتينا على ابن حزم في منحى مراد المتكلم، فسنجد عنايته به، وقصده إليه، عنايةَ من يخطو نحو المراد من المفردة اللّغويّة، كخطوة أوليّة، ثم لا يمنع، إن احتاج إلى الذهاب لخطوة أخرى تدرس هذه المفردة دراسة استقرائية في سياقاتها المختلفة في النصوص المرجعية لديه، كالكتاب والسنة، مثلا، حتى يقف على المعنى المراد، فإن حصل التعارض بين النصوص حال الاستقراء، أو تعذر ظهورُ المعنى لبديهةِ الحسِّ والعقل العائقة لذلك الظهور= لجأ، عند تلك الممانعة، إلى التأويل بشروطه.
وفي المثال التالي ما يوضح طرفًا من إيرادنا طريقة ابن حزم في الوصول إلى المعنى المراد عندما تكون البدهيات حاجزًا أمام مراد المتكلم.
ففي الحديث: (…بينَ بيتي ومنبري رَوضةٌ من رياضِ الجنَّةِ…) ([14]). يقول أبو محمد: (… لَيْسَ عَلَى مَا يَظُنُّهُ أَهْلُ الْجَهْلِ مِنْ أَنَّ تِلْكَ الرَّوْضَةَ قِطْعَةٌ مُنْقَطِعَةٌ مِنْ الْجَنَّةِ…) ثم قال: (… فَصَحَّ أَنَّ كَوْنَ تِلْكَ الرَّوْضَةِ مِنْ الْجَنَّةِ إنَّمَا هُوَ لَفْظُهَا، وَأَنَّ الصَّلَاةَ فِيهَا تُؤَدِّي إلَى الْجَنَّةِ) ([15]).
وقبل أن نقول أنّ التداولية ثاوية في الخطاب الحزمي، نقول: إنّ ابن حزمٍ كذاتٍ بشريةٍ= هو شخصية تتميز بصفاتٍ تجعلُ منه ناقدًا تداوليًا من طرازٍ فريد.
ويكفيك من هذا الطراز أمران= الأول:
لحظة بزوغ ابن حزم المجتمعية وما حدث فيها من انفلات النصِّ من زمامه الشرعي، حيث كان هذا الحدث مؤثرًا في صناعته للقواعد المحكمة لحجزه من الانفلات من جهة، وضبطه من جهة أخرى وفق الظاهر التداولي الخاص بمنهجه في فهم النص وتقريبه، وهذه لحظةُ بعثٍ لصياغةٍ جديدةٍ كانت مؤثراته مجتمعيّة تداوليّة.
والثاني: الأطوار التي مرّ بها ابن حزمٍ فهي شاهدُ صدقٍ على أعماله العلميّة التي تنطوي على ممارسة تداوليّة من نوعٍ آخر، مكانتُها الحجاجية أرفعُ من أن تكون خاضعةً للتداوليّة في نسختها الحديثة، إذْ النسخة هاته لا ترقى أن تكون حاكمًا على البعد التداولي في خطاب ابن حزم الحجاجي، والذي تراه ثاويًا في مدوناته الكبرى التي انبنى بعضها على انفعالٍ لاتجاهاتٍ مخالفة أسدتْ لنا تلك الثمرات العلميّة، والملكات النقدية، وَفْقَ مرجعياتٍ قرآنيةٍ ولغويةٍ ومنطقيةٍ بَنتْ معمارَ منهجهِ المعرفي.
وبعيدًا عن شتى الحقول التي طرقتها التداولية، فإننا سنأتي لابن حزم من جهة التداولية اللُّغوية وننقب عن سبقه لركائز التداولية الحديثة في هذا المجال، سالكين بر التأمل العميق للنصوص الحزمية الشاهدة على تفرده بمباحث لا زالت ثوية في نصوصه لم يُنقب عنها بعدُ، فضلا عن تحليلها ودرسها والتنظير لها.
وليست التداولية، في مقالنا هذا، إلا وسيلة نتذرع بها إلى الوصول إلى حقيقة الظاهر البنيوي لدى أبي محمد، والكشف عن أسراره وتأويلاته. فإنْ غاب المصطلح الخاص بالتداولية في تراثنا= فلا يغيب عن الممارسة العملية للفعل التداولي لدى أبي محمد وغيره من علماء المسلمين.
وليست الإشارة إلى الأبعاد التداولية لدى ابن حزم إشارةً مترفةً معرفيًا، فنحن لا نسقط الدرس اللساني التداولي على الظاهر الحزمي إسقاطًا هكذا، وإنّما القصد إبراز الاستعمال اللساني السارب في تناول النصوص الشرعية بصيغة تداولية تفقد المصطلح التداولي رسما – فلا تجده مكتوبًا في تراثه – وتجريه عملا، أي أنّها مجرد طريقة إجرائية تقلل من حدّة النظرة الاختزالية لابن حزم في الظاهر والظاهر فقط، بل تؤكد هذه الإجرائية أنّ ابن حزمٍ يتحوّل من هذه الظاهرية المتمسكة بألفاظ النصوص إلى ظاهرية متمسكة بسياقاتها، فالمنصف لا يبتسر أبا محمد قبل تمام معرفته بالتأويل الحزمي القائم على شروط معرفية يقينية. كيف يكون ذلك، وهو الذي يرى المعاني لا تنفد من النصوص الشرعية التي تستوعب كل نازلة يحتاجها المرء، وفي هذا الباب يقول: (فصار من المحال الممتنع وجود نازلة لا حكم لها في النصوص) ([16]).
فإن قيل: وما معنى قول أبي محمد: (قد علمنا أنّ الألفاظ إنّما وضعت ليعبر بها عمّا تقتضيه في اللغة، ويبعد بكل لفظه عن المعنى الذي عُلّقت به … فمن أحالها فقد قصد إبطال الحقائق جملة) ([17])، وقال: (الخطاب لا يفهم منه إلا ما قضى لفظه، وأن لكل قضية حكم اسمها) ([18]). فنحن نقول: نعم هذا قوله، وفيه أنَّ النصوص تدل على أنّ المعنى يكون من دلالة اللفظ وَفْقَ مبدأ المواضعة، فهي المبدأ في البيان، ولكنّها ليست المنتهى فيه، حيث يدرك أبو محمد أن النصوص الشرعية لا تتكامل إلا بطرائق أسلوبيّة وبيانيّة ينبغي اعتبارها، فاللغة التي نزل به الوحي فيها العموم والخصوص والإطلاق والتقييد والاستثناء ونحو ذلك مما له أثرٌ في تفسير النصوص التي يجب على الفقيه النظر فيها والجمع بينها عند التعارض.
فإذا كان لابن حزم نصوص حول الألفاظ وما وضعت له؛ فإنّ له نصوص أخرى تنبه إلى تكامل تلك النصوص مع غيرها للظفر بالمعنى؛ فهو الذي قعّد لنقل الألفاظ إلى غير ما وضعت له ما دام الدليل يسند هذا الانتقال ويحميه من الانزياح الدلالي المفضي إلى التحريف، فالنقل مقبول كله ما دام الناقل هو الله أو رسوله صلى الله عليه وسلم، فالله (هو الذي علَّم آدم الأسماء كلها، وله تعالى أن يسمّي ما شاء بما شاء) ([19])، وهذا أصلٌ تخاطبي يلغي المواضعة، ويقر الاستعمال، وفي هذا المعنى يقول: (فكلُّ خطابٍ خاطبنا الله تعالى به أو رسوله فهو على موضوعه في اللغة ومعهوده فيها، إلا بنصٍ أو إجماعٍ أو ضرورة حسّ، تشهد بأن الاسم قد نقله الله تعالى، أو رسوله عن موضوعه إلى معنى آخر، فإن وجد ذلك أخذناه على ما نُقل إليه) ([20]).
من أجل ذلك؛ قَبِلَ أبو محمد وقوع الإرادة من الجماد، لأنَّ الله تعالى (أوقع هذه الصفة على الجدار) ([21])، وقد استدل ابن حزم على نقل اسم الإرادة عن موضوعها في اللغة إلى غيره بما أنشده أبو بكر محمد بن يحي الصولي حيث أنشد قول الراعي: قلقُ الفؤوس إذا أردن نضولا([22]). وقال أبو محمد وهو متحرجًا من هذه النُقلة: (ولولا الضرورة التي ذكرنا ما استجزنا أن نحكم على اسمٍ بأنّه منقولٌ عن مسمّاه أصلاً) ([23]).
وفي معنى هذه النُقلة يقول ابن حزمٍ: (لا قول إلا وقد يوجد موضوعًا في غير بنيته في اللغة، إما على المجاز، أو الاتفاق من المتخاطبين) ([24]).
فإذا استجاز أبو محمدٍ هذه النُقلة السابق ذكرها، فهو الذي اعتنى بالجمع بين النصوص، ودعى لكدّ الذهن واستفراغ الوسع للوصول إلى بيان المراد منها، وفي ذلك يقول: (إذا تعارض الحديثان أو الآيتان أو الآية والحديث فيما يظن من لا يعلم= ففرض على كل مسلم استعمال كل ذلك؛ لأنه ليس بعض ذلك أولى بالاستعمال من بعض، ولا حديث بأوجب من حديث آخر مثله، ولا آية أولى بالطاعة لها من آية أخرى مثلها، وكلٌّ من عند الله عز وجل، وكلٌّ سواء في باب وجوب الطاعة والاستعمال…) ([25]).
فالسياق، والجمع بين النصوص، والاستعمال والغاية من النص، ومراد المتكلم، والتخاطب ونحو ذلك كلها ممارسات تداولية تؤكد على تفعيل جميع النصوص وعدم إهمالها، لأن الوحي في حقيقته كلفظة واحدة لا يمكن أن يحصل فيه التعارض، وفي هذا المعنى يقول: أبو محمد: (إنّه كلّه متفق … هو القائم في بديهة العقل الذي يقود إلى مفهوم اللغة التي خوطبنا بها في القرآن والحديث… كلُّ ذلك كلفظة واحدة، وخبر واحد موصول بعضه ببعض، ومضاف بعضه إلى بعض، ومبني بعضه على بعض، إمّا بعطفٍ، وإمّا باستثناء…) ([26]).
وما كان من ابن حزم في بعض نصوصه المؤكدة على أهمية المفردة والأصل في وضعها، ما كان منه ذلك الأمر إلّا من باب الاحترازات المحافظة على المعنى من الانفلات إذا لم يكن له معيار منهجي يضبطه، وفي معنى المعيار الاحترازي المانع من الانفلات الدلالي يقول أبو محمد فيما سمّاه استصحاب الحال وكيف يدع هذا الاستصحاب وينتقل إلى غيره وفق الشروط التالي ذكرها في هذا النص، يقول:
(فكلُّ أمرٍ ثبتَ إمّا بنصٍّ، أو إجماعٍ فيه تحريم أو تحليل أو إيجاب، ثم جاء نصٌّ مجملٌ ينقله عن حاله= فإنّما ننتقلُ منه إلى ما نقلنا النصُّ) ([27]). حيث يقيم أبو محمد، من خلال تنظيره هذا، سياجًا معرفيًا يحمي به قداسة النص الشرعي من القراءة التأويلية الشاذة.
وفي نفس الغاية السابقة=انظر إلى موقفه من الحديث الصحيح، التالي ذكره، كيف أنّه فسره على مقتضى المنهج الصحيح الذي يعتني بالواقع الوجودي حينما يحلُّ المانع البدهي لظاهر النص فيترجح، عند ذلك، الانتقال إلى المعنى المقتضى لهذه الحوائل وورود المعاني المختلفة، والحديث فيه: (سَيْحانُ وجَيْحانُ، والْفُراتُ والنِّيلُ كُلٌّ مِن أنْهارِ الجَنَّةِ….) ([28]). قال: (هذان الحديثان ليس على ما يظنه أهل الجهل) ([29]). وقال: (قد صح البرهان من القرآن ومن ضرورة الحسّ على إنّها ليست على ظاهرها) ([30]). فإذا كانت على غير ظاهرها= فإنَّ لها تأويلٌ خرج عن المواضعة إلى الاستعمال، وفي معنى الاستعمال اللساني العربي لهذا المعيار المنهجي الذي تُحمل عليه النصوص على غير ظواهرها= يقول أبو محمد: (كَمَا تَقُولُ فِي الْيَوْمِ الطَّيِّبِ: هَذَا مِنْ أَيَّامِ الْجَنَّةِ) ([31]). وهذا من التداولية، حيث انتقل أبو محمد إلى معهود العرب الذي يتسع لخصائص البيان وأوجه الاستعمال.
وإذا رأيت ابن حزمٍ، ثمَّ رأيته مُنشغلا بعلامة الإعراب والبناء الزماني الذي نُظمت فيه الجملة= فهذه ظواهر سياقية على السليقة العربية يحضر عندها البعد التداولي، ونعلم، حينئذٍ، الفرق بين أصل المفردة الوضعي، وتداولها الاستعمالي، ومن ثمَّ يظهر المعنى من غيبته.
وفي هذا المعنى، وعند حثّه لطلّاب العلم، والعناية بصغار الولدان، والتدرج في تناول العلوم، وأوجه التوصل إليها يقول أبو محمد: (ومعنى النحو: هو معرفة تنقل هجاء اللفظ، وتنقل حركاته الذي يدل كل ذلك على اختلاف المعاني… فإن جهل هذا العلم عسر عليه علم ما يقرأ من العلم … فيقتضي من علم النحو كل ما يتصرف في مخاطبات الناس وكتبهم المؤلفة) ([32]).
وما الحجاج في لغة ابن حزم التخاطبيّة إلا بُعدًا تداوليًا، وقد قيل في هذا المعنى: (منهج الفلسفة التداولية ليس إلا المناظرة) ([33])، حيث تجد في مناظرات أبي محمد ظواهر إسلوبية: الاستفهام، النفي، الشرط، الجملة الاسمية والجملة الفعلية ونحو ذلك من طرائق الحجاج.
وقد ذكر ابن حزم الجدل والجدال في معرض تنظيره لأدبيات التخاطب وتقعيد التناظر، فمناظراته لا تخلو من منطق تداولي، بمعنى اشتمالها على تينك الصبغتين، وفي ذلك يقول: (الجدل والجدال إخبار كل واحد من المختلفين بحجته، أو بما يقدر أنّه حجته، وقد يكون كلاهما مبطلاً، وقد يكون أحدهما محقًّا والآخر مبطلاً، إمّا في لفظه، وإمّا في مراده، أو في كليهما، ولا سبيل أن يكونا معاً محقين في ألفاظهما ومعانيهما ….) ([34]).
ويكفيك من تمثّلات التداولية فيما دار بين ابن حزم من مناظرات مع آخرين من الملل الأخرى(ابن النغريلة أنموذجًا) وأصحاب الآراء (الباجي أنموذجا)، أقول: يكفيك ظهور الحجج المنطقية، والتقنيات التداولية في تلك المناظرات، حيثُ قامت على إثرها دراساتٌ([35]) تُعنى بآليات التناظر لدى هذا الإمام، والكشف عن خطابه الحجاجي/ الجدلي التداولي، والثاوي في لغته، والمضمر في ظاهريته، والذي لا يقف عند المعنى الوضعى دومًا، بل يتجاوزه إلى معنىً هيرمينوطيقيٍّ منضبطٍ، ومنحدٍّ بالتأويل اللساني الحزمي الذي لا يتكلّفه إبتداءً، وهو المقبول عنده، وفيه يقول: (…إما تأويل يشهد بصحة القرآن، أو سنة صحيحة، أو إجماع= فَبِهِ نقول إذا وجدناه) ([36]). وقال في المعنى نفسه:(والتأويل هو نقل الكلام عمّا اقتضاه ظاهره، وعمّا وضع له في اللغة إلى معنى آخر، فإنْ كان نقله قد صح ببرهان، وكان ناقله واجب الطاعة = فهو حق، وإن كان نقله بخلاف ذلك =اطرح ولم يلتفت إليه وحكم لذلك النقل بأنه باطل) ([37]).
وإذا كان الحقل التداولي يُعنى بالأفعال الكلامية المؤثرة في تغيّر المعنى اعتبارًا للسياق= فإنّ أبا محمد له في خطابه نصيبٌ من تلك الأفعال التي تخرج عن بنيتها اللُّغوية إلى باحة الفعل والإنجاز… وفي هذا يقول: (الذي يُفهم من الأمر، أنَّ الآمر أراد أن يكون ما أمر، وألزم المأمور ذلك الأمر) ([38]). ففي النص فعلٌ تأثيري يحث على الإنجاز، بحسب المصطلح التداولي، إذْ فيه قصدٌ من المتكلم، وإرادةُ تأثيرٍ في المخاطَب، وحثٌّ له على إنجاز المأمور، والتحريض عليه.
نعم هنالك نسق صوري ومرجعية لغوية سابقة لأي مرجعية أخرى لدى المدرسة الحزميّة عند مقارنتها بالمدارس الأصولية الأخرى؛ لاعتقاد صاحبها، من وجهٍ منطقي: أنَّ القضية (تعطيك ما فيها، ولا تعطيك حكمًا في غيرها) ([39]). فالقضية ثاوية في الجملة المركبة، ويمكن الاكتفاء بدلالتها إلّا فيما يُشكل، وعندها يبدأ النظر إلى قرائن أخرى، كالذي تقدم ذكره من قبل من حيث الإجراءات المتعدية للبنية اللغوية إلى معانٍ يقتضيها المقام.
والفارق بين المدرستين يعودُ إلى مصادر الاستمداد ومدى التوسع في الأخذ بالظنيّة عند الجمهور، والاكتفاء بالمصادر اليقينية والتمحور حولها عند أبي محمد.
ومع ذلك فإنَّ ابن حزمٍ لا يخلو من مفارقة الظاهر والالتفات إلى مضامين أخرى تسندها أصول يقينية يتأتى فهم هذه المضامين وفق ما تسمح به تلك المصادر من مجالٍ تداولي.
هذا في المنظور العام لمنهج ابن حزم وتحليل خطابه في هذا المنحى.
أما المنظور الذي عُني بتقريب أبي محمد للمنطق، ومدى حصول الغاية الحزمية من هذا التقريب، وتحليل أنظار أبرز الدارسين لهذا التقريب:
فالقراءة المتأنية، لدى الناظرين لمنهج ابن حزم تكشف مدى القرب والبعد من التداولية السابق ذكرها في المنظور العام، أما في المنظور الثاني؛ فكانت البيئة التداولية تقتضي استعمال منطق تداولي حجاجي مستمد من المنهجية الأصولية التي يعتبر مفهوم الظن من أهم مفاتيحها المنهجية، لكن ابن حزم -بسبب مركزية مفهوم اليقين القطعي في منهجه المعرفي- اكتفى من تبيئة المنطق بتقريب المصطلح والأمثلة مع الإبقاء على المنهجية الصورية. فكان هذا وجهًا مهمًّا من وجوه المعضلة الابستيمية الحزمية. وجاء على أثر هذه المعضلة تعذر تطبيق التداولية على المنطق الأرسطي كما ينبغي، لا سيما وابن حزم يقول بمنطق ثنائي القيم، فليس لديه في المعرفة إلا حق أو باطل، يقين صحيح صحة مطلقة، أو ظن كاذب مردود.
ومما يجعل وصف منطق ابن حزم المقرّب في منأىً – إلى حدٍّ – عن التداولية؛ تبنيه شجرة فورفوريس -أحد شراح منطق أرسطو- في ترتيب الأجناس والأنواع ونحو ذلك، ومن كان هذا شأنه في رد اليقين في القضايا إلى طبائع الأشياء لا إلى السياق التداولي الذي تستعمل فيه؛ فإنّه إلى الصورية أقرب منه إلى التداولية. فإذا أضفنا إلى ذلك كثرة نصوصه التي تجنح إلى الواقعية الأرسطية أكثر من الاسمية في الموقف من الكلي ازداد الأمر قربا من الصورية، ويجلي هذه القضية رفضه للأقيسة ذات الطابع التداولي؛ وفي مقدمتها القياس التمثيلي.
صحيح أن ابن حزم أراد أن يكون تداوليًا على مستوى فعل التقريب اللغوي للمنطق؛ فاختار الأسماء والمصطلحات والأمثلة، وربطها بالقرآن والبيان العربي، وهو يهدف من هذه التداولية إلى التخفيف من صرامة اللغة الفلسفية وتجريدات اللغة اليونانية. ولعل هذا هو الذي ركز عليه طه عبد الرحمن في قراءته لابن حزم. ولكن بناء النص المنطقي الحزمي بقي قائما على الأسس الصورية التي تناقض الأسس الحجاجية التداولية الأصولية.
فإذا ما نظرنا إلى ابن تيمية من الزاوية التي نظرنا فيها لابن حزم؛ وجدنا موقف ابن تيمية كان فعلا تداوليا؛ لأنه ضرب هذه الأسس الصورية الأرسطية قبل أن يضرب ما بني عليها من أشكال القياس وشروطه في المادة والصورة؛ فاستحق أن يكون المؤسس الأول للمنطق التداولي لا ابن حزم.
ولعلك تلحظ أنّ صناعة البرهان عند أبي محمد كانت تواقة لمنهجية تداولية؛ فقد حاول الخروج عن صورية أرسطو وراعى البعد التداولي في تحليل الخطاب وفهم المسائل، وأصبح المنطق المقرّب عنده آلة يريد لها أن تتوافق والظاهرية البيانية التي تعتمد التأليف بين اللغة والفكر، فالمنطق عند أبي محمد خاضع لحاجتين؛ حاجة الشريعة وحاجة اللغة، ومن قال: إنَّ ابن حزم لم يفهم مراد أرسطو؛ فقد جانب الصواب؛ ذلك أن ابن حزم أعاد كتابة المنطق الأرسطي وهو يحمل هاجس الانتقال به من الصورية الأرسطية إلى العملية الظاهرية التداولية.
فهل نجح أبو محمد في تحقيق هاجسه؛ بحيث إنه جرد الصورية الأرسطية تمامًا من مشروعه الأصولي، أم أن هاجسه تحقق في الجانب اللغوي فقط؟
على أية حال؛ نحن لا نسلب تقريب أبي محمد للمنطق وتيسير أمثلته الشرعية على طالب المنطق وتخلِّيه عن مكامن التعقيد في المنطق الإغريقي التي لا حاجة لتقريبها؛ وكل هذا يسير في اتجاه التداولية الحزمية.
ليس هذا فحسب، بل تظهر تداولية ابن حزم في جانب القضايا التي ذكرها في جزء البرهان فيما يتعلق بالمصطلحات؛ فتجد مصطلحات الأوائل قائمة ومفسرة لدى ابن حزم على وجه يسهل فهمها وتداولها؛ كالقرينة، والنتيجة، والجامعة، ونحو من تلك العبارات.
فالقرينة مسمى يطلق على اجتماع قضيتين توفرت فيهما الصحة وسلامة التركيب، وفي هذا يقول ابن حزم: (واعلم أن القضيتين المذكورتين إذا اجتمعتا سمتهما الأوائل: القرينة) ([40]). كما أنه يشترط وجود لفظة مشتركة تقع في المقدمتين (=القضيتين)، وفي هذا يقول ابن حزم: (وأن القرينة تكون من مقدمتين في كل واحدة منهما لفظة تشترك فيها المقدمتان معًا) ([41]). إلا أنَّ القرينة عند المناطقة الأوائل لا علاقة لها بالقرينة عند الفهم الأصولي التداولي. فهي مجرد حد مشترك يجمع بين حدين على ما اقتضاه البناء الصوري للقياس. وعليه فإن التخلص من الصورية الأرسطية لا يبدو سهل المنال في طريقة ابن حزم التقريبية.
وأما النتيجة؛ فهي الحاصل الضروري من اجتماع القضيتين أو القضايا، وفي ذلك يقول ابن حزم:(واعلم أنَّ باجتماعهما كما ذكرنا تحدث أبدًا عنهما قضية ثالثة صادقة أبدًا لازمة ضرورة لا محيد عنها، وتسمى هذه القضية الحادثة عن اجتماع القضيتين الأولى والثانية: نتيجة؛ لأنها أنتجت عن تينك القضيتين) ([42]).
فابن حزم استبدل المسمّيات الإغريقية بمسمّيات عربية سهلة الفهم، ومن ذلك (السلجسموس)؛ وهي لفظة يونانية تطلق على القضيتين والنتيجة معًا ويطلق عليها في العربية: الجامعة ([43])؛ وهو في كل ما خالف لغتنا يقول: (وإنما حكى القوم عن لغتهم) ([44])، فهذه إشارة إلى بعض مما ينيب عن صنع ابن حزم في هذا الباب الذي شكّل قضية التعريب والتسمية لتلك الألفاظ المبهمة على البيئة العربية.
وجانب التسمية جانب خطير عند أبي محمد وخطورته تظهر لك من نص ابن حزم التالي والذي يوضح فيه مدى الخلاف الواقع بين أهل النظر في الألفاظ التي يدرسونها؛ ولهذا فإنَّ ابن حزم يحرص في هذه المسألة على إيقاع الأسماء على مسمياتها، وفي هذا المقام يقول: (هذا باب خلط فيه كثير ممن تكلم في معانيه وشبك بين المعاني وأوقع الأسماء على غير مسمياتها ومزج بين الحق والباطل فكثر لذلك الشغب والالتباس وعظمت المضرة وخفيت الحقائق ونحن إن شاء الله تعالى بحوله وقوته مميزون معنى كل لفظة على حقيقتها) ([45]).
ولكي يرفع ابن حزم الخلط الحاصل بين المعاني والتشبيك القائم بينها من قبل كثيرين؛ مثل لذلك بلفظة الحد والرسم، وبيّن أنَّ بين اللفظين فرقًا لا يسمح لأحد أن يعبر عن أيهما بعبارة الآخر؛ فالحد يخبر عن طبيعة الشيء، والرسم لا يخبر عن تلك الطبيعة؛ فالطبيعة حقيقة الشيء يبطل الشيء ببطلانها (كقولك الجسم هو كل طويل عريض عميق؛ فإنَّ الطول والعرض والعمق هي طبائع الجسم لو ارتفعت عنه؛ ارتفعت عنه الجسميّة ضرورة ولم يكن جسمًا) ([46])، بينما الرسم غير ذلك (كقولك الإنسان هو الضحاك، فإنّك ميّزت الإنسان بهذا اللفظ تمييزًا صحيحًا مما سواه إلا أنّك لم تخبر بطبيعته) ([47]).
فالتعبير عن الحد والرسم بعبارة واحدة؛ يوقع الإشكال ولا يرفعه من حيث ما يصدق عليه هذا اللفظ في الواقع؛ فالأسماء، عنده، لا تقع (على غير مسمياتها) ([48]). وهو في كل هذا لا يتجاوز كونه عرّب الأسماء والمصطلحات، وقد سبقه إلى ذلك المترجمون والفلاسفة وعرّبوا بحسب ما فهموا، وما خرجوا بذلك عن الصورية؛ ففي حقيقة أمرهم – بما فيهم ابن حزم – أنهم عرَّبوا الصورية ولم يلغوها.
وفي مشروعه دواعٍ للتداولية؛ فهل تكفينا تلك الدواعي؟ لأنَّ المقام مقام سبر المناهج، فالدافع، في أنظار الدارسين، لا يكفي. وما قاله أبو عبد الرحمن ابن عقيل في هذا الصدد يبقى محفزًا لابن حزم على هذا المطلب، وفي ذلك يقول: (ولم يكتب ابن حزم هذا الكتاب إلّا بعد أن حفّزه كثيرٌ من الدواعي في الحياة اليومية، وإلّا بعد أن وجد الحاجة ماسّة إلى المنطق في النواحي العمليّة من علاقات النّاس وتفكيرهم، فهو قد لقي من يعنّته بالسؤال عن الفرق بين المحمول والمتمكن …) ([49]). وما ذكره ابن عقيل ذكره سالم يفوت، حيث يقول في دوافع التقريب للمنطق الأرسطي عند ابن حزم، وكانت في: (فهم بناء كلام الله ورسوله …، الرد على المشغبة …، التمييز بين الحق والباطل) ([50]).
ومع اختلاف ابن عقيل مع سالم يفوت في قدر الدور التقريبي الذي قام به ابن حزم، حيث يرى ابن عقيل أنَّ سالمًا قزّم دور ابن حزم في تقريبه للمنطق عندما قصره على مجرد رفع القلق والالتباس في النص الأرسطي؛ بل الأمر، عند ابن عقيل، أرحب مما هو عند يفوت، فابن حزم أراد من تقريبه هذا أن يؤسس لنظرية المعرفة ([51])؛ إلا أنَّهما تقاطعا في الدوافع التي حملت ابن حزم على هذه الصنعة، ولم يأتيا بدليل يُجلي مقدار تحقق التداولية في صلب منهج ابن حزم في نفس الأمر، كالذي سبق ذكره في المنظور الأول.
ولا شك أن الداعي لدى أبي محمد إلى التأليف كان تداوليًا، وهو الداعي إلى كل تأليف لدى أي عالم، ولكن الداعي هذا، من جهة أخرى، لم يمكّن ابن حزم من التخلص الكامل من الصورية الأرسطية، فلا يزال في منهجه شيءٌ من الصورية بعد كل هذه الدوافع التقريبية.
فإذا فرغنا من ابن عقيل وسالم يفوت، واتجهنا لطه عبد الرحمن الذي رأى النموذجية التقريبية في صنيع ابن حزم على وجه مثالي، فهل نتراجع عن القول بهيمنة الصورية على منهج ابن حزم وبقاء الشكل التداولي فقط، ونحكم بأن منهجه حقق التداولية بامتياز؟ سنرى من خلال العرض التالي.
لا ريب أن ابن حزم كان شغوفا بصناعة البرهان، الذي ينتج له نتائج يقينيّة في المعرفة، وتلك اليقينيّة تمثل جذرًا رئيسًا في منهاج ابن حزم المعرفي من جهة، وتشير، من جهة أخرى إلى شواهد التطلع إلى التداولية الممثلة في بواعث التأليف في مصنفاته الكبرى على وجه العموم، وبعض من التقريب، على وجه مخصوص، كالذي سبق ذكره.
ولكنَّ اليقينيّة التي سعى لتحقيقها في أصوله المعرفية تمثل أحد وجوه صوريته الصارخة؛ حيث لم يربط اليقين بالتداول، مما جعله يستبعد الدليل الظني عن منهاجه في المعرفة.
فإذا جاء طه عبد الرحمن وذكر لنا بعضًا من وضوح التداولية لدى أبي محمد في تقريبه للمنطق، حيث إنَّ ابن حزم اشتغل (بالتقريب اللُّغوي للمنقول المنطقي) ([52])، عندما تناول القلق المعرفي لعبارات المنطق في لفظها وتراكيبها اليونانية (وَفْقَ مقتضى الأصل اللُّغوي العربي) ([53])؛ وأحدث تحويلًا مضمونيًّا لتلك المادة اليونانية وأنشأ من خلال ذلك التحويل (لغة فكرية على مقتضى التبليغ العربي) ([54])، وهذا التصحيح البارز راعى فيه صاحبه (القواعد الثلاث المحددة للأصل اللُّغوي) ([55])؛ وهي: (مجال التداول الإسلامي العربي، … اتباع عادات العرب في التعبير والتبليغ، … استثمار المعارف المشتركة) ([56])، وكانت القواعد الثلاث بحاجة إلى آليات تفعّلها واقعًا مشاهدًا وهي: (آلية تبيين المنطق، … وآلية تمكين الأسماء، … وآلية ترسيخ الأمثلة) ([57]).
فأما تبيين المنطق فإن ابن حزم أراد أن يجعل المنطق بيانيًا كالبيان العربي المختص بالإعجاز الخطابي، وليس لابن حزم إلا طريقة الوصل بين المنطق والبيان؛ كي يكونا مشتركين في هذا الإعجاز الخطابي. فأقدم على آي القرآن، لا سيما آية الرحمن والتي ورد فيها ذكر البيان؛ ليستخرج للمنطق تعريفًا غير الذي عهدناه من نصوص اليونان. ليس هذا فقط، بل بالغ في ذكر الاشتقاقات على مختلف صيغها من مادة (ب، ي، ن). ثم عرّف البيان بالتمييز بين الأشياء وملاحظة وجوه التباين والفروقات بين الأشياء. ثم عرض مراتب البيان وأنها أربع مراتب: بيان الوجود، والعقل، والصوت، والإشارة. وعليه؛ فإن علم البيان عند ابن حزم هو: (العلم الذي ينظر في المعقولات المميز فيما بينها والمعبر عنها نطقًا أو إشارة) ([58]). وهذا التعريف الحزمي (يمتاز بكونه يجعل المعقولات المنظور فيها لا تنفك عن وسائط تتوسل بها، لغة، أو كتابة، أو غيرها) ([59]).
ولما تحصّل لطه عبد الرحمن أن لفظ البيان، لدى ابن حزم، مرادف للفظ المنطق؛ قال: (ومتى صار مدلول المنطق مطابقًا لمدلول البيان؛ فلا فرق بين أن يقال: ظهر الإعجاز القرآني في البيان العربي، وبين أن يقال: ظهر هذا الإعجاز في المنطق العربي). ([60])
وأما تمكين الأسماء فكان لرفع الاضطراب الحاصل بين (الصورة اللفظيّة والمضمون الاصطلاحي) ([61])، وتم لابن حزم هذا الإنجاز (بعمليات أربع هي: وصل الصيغة الصرفية بالمدلول الاصطلاحي، ووصل المدلول اللغوي بالمدلول الاصطلاحي، وإبدال مصطلحات متمكنة محل المصطلحات القلقة، وأخيرًا؛ إنشاء مصطلحات منطقية غير مسبوقة) ([62]). والحاصل أن ابن حزم -في الرؤية الطاهية- حرص على انطباق المباني على المعاني.
وأما ترسيخ الأمثلة، فقد تجاوز ابن حزم أمثلة المناطقة وسلك في ذلك مسالك ثلاثة: وهي (تغيير الترتيب، وتغيير العناصر، واستخدام الأمثلة المتداولة) ([63]). والمقصود بتغيير الترتيب هو مراعاة قانون اللغة العربية في تقديم الفعل على الاسم ونحو ذلك، وأما تغيير العناصر فقد أسقط ابن حزم الرابطة بين الجمل المستعملة عند المناطقة وعبر عن تلك الجمل بتعبير مغاير لطريقة القوم.
وأما استخدام الأمثلة، فابن حزم يورد أمثلة بحسب المجال التداولي سواء كان عقديًا أو فقهيًا. وفي معنى الأمثلة الجديدة التي ضربها ابن حزم مثلًا يقول طه عبد الرحمن: (فإن تجديد الأمثلة الذي قام به ابن حزم، جعله يبعث فيها الروح العملية الحية الذي يختص بها مجال التداول الأصلي، ويصرف عن المسائل المنطقية التي ضربت هذه الأمثلة لها أوصاف التجريد الذي كانت فيه) ([64]).
وغاية ما توصل إليه طه عبد الرحمن عند تناوله لتقريب ابن حزم أنَّه وضح دور ابن حزم التقريبي اللُّغوي من جهة تفعيل آليات التقريب الثلاث (آلية تبيين المنطق، وآلية تمكين الأسماء، وآلية ترسيخ الأمثلة) حتى يكون المنطق مُعرّبًا على عادة العرب في التعبير. لكنَّ هذا التعريب لم يزح الصورية عن جوهر المنطق، وعليه؛ فإنَّ تداولية ابن حزم المعرّبة للمنطق لم تخل من الصورية الأرسطية؛ فالصورية ثاوية في تقريب ابن حزم بلا شك مع كل الذي ذكره طه عبد الرحمن. فطه عبد الرحمن لم يكن محقًا في قوله عن اختصار ابن حزم أنّه نجح في نزع التجريد عن المنطق، بل التجريد (الصورية) متمكنٌ من المنطق الأرسطى بعد تقريبه على يد ابن حزم. ولم يقع هذا التجريد إلا فيما يُسمى بالتقريب اللُّغوي الذي ظل مبنيًا على الأسس المنطقية الصورية.
والمقصود، أنّ ابن حزم لم يتجرد بالكامل من الصورية الأرسطية، بل أعاد توظيفها ضمن إطار منهجه الظاهري، حيث اعتبر المنطق الأرسطي أداة منهجية ضرورية لضبط التفكير واستنباط الأحكام الشرعية على أساس القطع والبرهان.
ورغم استيعابه لآليات القياس البرهاني، إلا أنّه رفض التأويلات التي تتجاوز ظاهر النصوص؛ لكي يوازن بين الالتزام بالنصوص الشرعية واستخدام الأدوات المنطقية =لضمان الاتساق المعرفي. بذلك، جمع ابن حزم بين صرامة المنهج الظاهري ودقة المنطق الأرسطي دون أن ينخرط في ميتافيزيقا أرسطو أو مفاهيمه الجوهرية.
هذه المزاوجة بين التداولية والصورية= أنتجت منهجاً معرفياً فريداً يجمع بين النظرة الظاهرية للنصوص والتحليل المنطقي للمضامين، مما يجعله يتجاوز الإشكالية القائمة بين الصورية المحضة والتداولية الصرفة.
الهوامش
([1]) رسائل ابن حزم (التقريب لحد المنطق) ٤/ ١٠٥.
([2]) التداولية عند العلماء العرب، مسعود صحراوي، دار الطليعة، 2005، ص ٧٨، ص ٢٠٠، علم التخاطب الإسلامي: دراسة لسانية لمناهج علماء الأصول، محمد محمد يونس، دار المدار، ط الأولى، 2006م، ص ٩٢.
([9]) انظر: علم الدلالة أصوله ومباحثه في التراث العربي، لمنظور عبد الجليل، ص١٢ وما بعدها.
([12]) رسائل ابن حزم (التقريب)، ٤ – ٢٨٤.
([13]) قواعد التخاطب في اللسانيات الحديثة، مقال لبن زاحف يوسف، الخطاب الحجاجي عند ابن تيمية مقاربة تداولية، الشهري، دار الانتشار العربي، ط الأولى، 2013م، ص ٢٥٥.
([32]) رسائل ابن حزم (التقريب)، 4 – 66.
([33]) أصول الحوار، طه عبد الرحمن، ٦٧.
([35]) منها: لغة التخاطب الحجاجي دراسة في آليات التناظر عند ابن حزم، د. مصطفى العطار، كنوز المعرفة، ط الأولى، ٢٠١٧ م.
([41]) التقريب لحد المنطق، ص 113.
([42]) التقريب لحد المنطق، ص 106.
([49]) انظر: مقدمة ابن عقيل لكتاب التقريب، تحقيق التركماني، ص 218.
([50]) انظر: المصدر السابق، ص 102.
([51]) انظر: المصدر السابق، ص 101-102.
([52]) تجديد المنهج في تقويم التراث، ص329.



