أمل عربي
تجنح النفس أيام الضيق إلى ما يسليها ويجلو عنها سحائب الهمِّ والشَّك، وكلما انقطعت الأسباب كان العبد إلى ما يسليه أحوج، وقد سَطَّر لنا القرآنُ من أخبار الأنبياء وأقوامهم ما لو تبحَّرتها لأقسمت -من شدة مصابك – أن ما حلَّ بهم كنت شريكًا لهم فيه، أو لكأن الخبر أُنزِل تسليةً لك وحدك!
ولكن المصائب تزلزلنا كلنا، ويحل بنا ما يمنعنا القرار وتخور معه قوى اصطبارنا، وتكاد تنقطع مع الهمِّ أسباب الفرج كلها.
وها نحن في كل عامٍ: يطلُّ علينا يوم «عاشوراء» مذكِّرا بحدث جسيم وخطب جليل، يومٌ: وقف فيه الحق أمام الباطل، والصدق أمام الكذب، واليقين أمام الشك، والكفر أمام الإيمان، وكلُّهم شفع عدَتَه بالإنجاز، وإن لم يفنِ الحقُّ الباطلَ فغاية أهل الضلال فناء أمة الإيمان رأسا! لكن هيهات! فما رام هذا المرام أحدٌ إلا وقصمه الجبار!
تأمل معي قول المولى سبحانه: {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ(61)} [سورة الشعراء:61]. والترائي من التفاعل وفيه إفادة المشاركة بحيث يرى كلُّ فريق منهم صاحبه، فيخبرك سبحانه بأجْلَى بيانٍ: أن الترائي لم يكن مناما، ولا في مساحة يمكن تقديرها بأميال بعيدة، إنما كانت العين تناظر العين، والعدوّ محيطٌ من كلِّ جانب، ولا يمكن دفعه بعدة ولا مدَّة، فما كان منهم إلا أن قالوا: {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} وهذا قول من استثبت في اللقاء، وجزعت نفسُه عن الصَّبر على البلاء، وليس ثَمَّ شكٌّ يُفرِخ عنهم الروع، أو يحلُّ عن قلوبهم عقدةَ الخوف؛ فالعدو خلفنا، والبحر أمامنا! فأيُّ نجاة ترتجى والهلاك يحدق بنا؟! حتما إنا لمدركون!
وهكذا ضاقت الدنيا على نبيٍّ مرسل من ربِّه، وصَفِرت يداه من كل الأسباب وخفيت عنه أعلامُ النَّجاة، ورأى قومَه في غمَّةٍ مدلهمة، ولكن نسخ اليقينُ في صدره آيةَ الشك بقوله: {قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62)} [سورة الشعراء:62]. وهذا قول من أناط أملَه بربه، واستجلى الفرج من وراء الحُجُب، وتولى عن التفكُّر في أسباب الهلاك باستذكار معيَّة الرب وضمانة عونه، وقد كان دعاؤه خاصًّا به ولم يشمل قومه عندما قال: {سَيَهْدِينِ} لأنه أيقن أن نصر الله لا بد لاحِقه، ولأنهم كما قال الطاهر ابن عاشور في التحرير والتنوير (19/135): “لم يكونوا عالمين بما ضمن الله له من معية العناية، فإذا علموا ذلك علموا أن هدايته تنفعهم لأنه قائدهم والمرسل لفائدتهم… ولأن طريق نجاتهم بعد أن أدركهم فرعون وجنده لا يحصل إلا بفعل يقطع دابر العدو= وهذا الفعل خارق للعادة فلا يقع إلا على يد الرسول”.
فتأملَّ -رعاك الله- في رزيتهم، وما امتحن الله به إيمانهم، ثم تأمل فيما ابتلاك الله به -وكلنا مبتلى- وانظر لربك بعين الإكبار، فإن من أنجى موسى من أمر استحكم عليه الضيق فيه، قادر على أن ينجيك من بلائك وإن طال ليلُه عليك! وأحسِن بالصبر أن يكون لك زادا. وكما يقول عليٌّ بن الجهم:
ما أَحسَنَ الصَبرَ – وَلا سِيَّما –
بِالحُرِّ إِن ضـــاقَت بِهِ الحالُ
ثم ليتأمل امرؤٌ في تذكُّر موسى لربه في لحظةٍ تطيش فيها العقول، وتتعلَّق فيها القلوب بالأسباب وتغفل عن أن المسبِّب سبحانه أمره بالفرج ماضٍ ولو قطع الهم نياط القلوب، ثم هو في تلك اللحظة يوقِّع بالتفويض الكامل له ويفتح بينه وبين ربه بابا يفِد منه إليه ويرجو هدايته؛ وعندها فقط تحققت له تمام الإعانة وقت حاجته إليها.
وأي حاجة أشد وأقسى من عدو خلفك وبحر موجه متزاحم أمامك؟! لا شيء بعد كل هذا خلا الهلاك!
فبقيت كلمة موسى: {كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} سلوى لكل من أحاطت به المخاوف، وتناوشته سهام الشك والقلق، وجافته الطمأنينة وانسلت من صدره السكينة. اتلُها مستشعرًا حاجتك لمعية ربك سبحانه، راجيًا منه فكَّ عقال همومك، طالبًا منه الهداية في سبيلك: فالخير المطلق، والعز المتين، والجاه العريض منوطٌ كله بهداية الله لك، وأي هداية أجل من توفيق إلهي وبصيرة ربانيَّة! ليس ثمَّ شيءٌ!
تمهَّل! لم يطو الخبر بعدُ! فلم يقع الفرج بصاعقة من السماء تكرُّ على فرعون وملإه بالإهلاك، ولم يرسل عليهم طيرًا تتخطَّفهم وينجو موسى ومن معه في سلام، ولكن ما الذي كان؟! كان تقدير الرب أجل من أن يلحقه ترصُّد العبد.
وهنا: ولو افترضنا أن خبرَ النجاة لم يذكر في كتاب الله، فيا تُرى ما الذي يبتدعه عقلك ليكون سببا؟!
أعدك أنك لو أفرَعت الأرضَ وطوَّفت فيها طالبا السبب فلن تقف عليه، لأن أسباب الهلاك راجحة عندي وعندك وعند كل من يُتلى عليه الخبر ولم يستجلِ بعد سبب الفرج!
بل ولم يكن يدرِ موسى وقومه أن مفاتحَ الفرج مُودَعةٌ في جوف الخَطَر!
وهذا لتعلم أن ما أحاط بك من ضُرٍّ يدبر الله لك منه مخرجًا، وكثيرا ما يقع أن يكون الفرج من الباب الذي يريعك ذكرُه، واستشعر معي ما الذي حلَّ بموسى وقومه حينما أشرفوا على الهلاك وهم في طريقهم إلى البحر يحاذرون خوضه، والخطر يداهمهم عن أيمانهم وشمائلهم؟! وما حال قلوبهم واضطراب حواسِّهم من هول ما رأوه؟! وأخبرني كيف استطار فؤادك من الفَرَق والذعر! ولستَ بملوم فلا فُرجَة أمامهم إلا السماء من فوقهم وما هم ببالغيها!
والآن وبعد أن تمثَّلت حال الضيِّق التي لازمتهم، تجافَ عن الخوف من سوء العاقبة بمقالة التدبير المحكم: {فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ ۖ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63)} [سورة الشعراء:63].
يا الله! جاء الفرج! وبأي شيءٍ كان؟! بضربة عصا! فلقتِ البحر وفرقته كأنه ليس بشيء أمام هيبتها! وهنا انحسر لِثام الخوف والشك، ولم يكن لعبارات المستحيل معنى، فلقد أقامتِ العصا الحجَّةَ على كل من وقف على عتبات سوء الظنِّ… فكلما يئست تذكر العصا، فلم يبق إلاها تحرك نخواتِ الأفاضل!
أعلمُ أن العجب قد استولى على صفحة قلبك، فتأمل بالله هذه معي!
أنجى الله نبيه من أعتى طاغية تحققت له أسباب الأبهة كلها بـ’ضربة عصا‘، ولئن كان انفلاق البحر طُرُقًا آية كبرى ومعجزة باهرة فأمره سبحانه لموسى بأن يضربه بالعصا = آية أكبر وأعظم، لأن السبب كان أهون مما خاضوه من غمرات الخوف والرهب، فقل لهمومك: لستِ أعظم من بحر موسى، والانفراجة يدبر الله أسبابها كما دبَّر له الفرج بضربة عصا!
والله سبحانه أقدر على أن يودع فيهم من أسرار القوَّة بما يعينهم على الفرار، أو إلحاق الضرر بعدوِّهم، ولكنه أودع السرَّ كله في المسلك الخفي، والسبب المتروك، والباب المغلق، وتلك السبيل التي تطوف الأرض ولن تسلكها لأنك تزعم أن الفرجَ لن يكون يوما في مطاويها!
فيا أخي -والله- ما أقرب الفرج، وما أثلج اليقين وأعذبه إذ بلغ به موسى النجاة لا بغيره! فكما ترى: ليس للعصا قوةً زائدة، إنما على قدر ظنِّه بربه؛ بَهرَه المولى سبحانه بقوة أسبابه -وإنْ كانت بمقدار أهل زمانه ليست بشيء-، وهذا درس أفادكه موسى أنِ: اسلك سبيل ربك واطوِ الكشح عن الأسباب دقيقها وجليلها، واطلب من مسببها الهداية والسَّداد، وهما خير ما تستمنح بهما الغايات والحاجات.
وبقي أن أحدثك عمَّنِ انتصر عليه موسى ’، وأي قوة جبارة كان! وأي عزٍّ حازه -لعنه الله-، وأي عتيٍّ طغى به على المستضعفين، ولكني لن أفعل! فما جئت إلا لأخبرك أن ربَّك الذي نصر موسى ’ بضربة عصا قادرٌ على نصرك بما هو أدق منها وأخفى، وبالأسباب وبدونها فتدبيره في الكون جارِ؛ فاصبر حتى يهبَّ على كربك ريحُ الصِّبا، ويكون الفرج ثمَّ! عندما تُسلِّم ولا تحتال لتطلب المخارج!
فرَّج الله تعالى كروبنا، وغفر ذنوبنا، وجبر بمعرفته قلوبنا.
أم الدنيا أبقاها الله عامرة،
ليلة التاسع من شهر الله المحرم لعام ثمان وأربعين وأربعمائة وألف للهجرة المباركة.



