عام

مواجهة مخاوفنا: تداعيات القلق من الموت في المجتمع الحديث

قسم كبير من التأملات والأفكار الواردة حول موضوع المقال نابعة عن التأثر بجائحة كورونا

  • د. طارق يونس
  • ترجمة: محمد السعيد
  • تحرير: عبد الله الغامدي

ملاحظة: لا تزال أعداد الوفيات في تزايد بسبب الوباء، لذا من الأهمية بمكان التأكيد على أن هذا المقال ليس موجَّه لأولئك الذين أثقل الحزن والأسى قلوبهم. إنما هي بعضة أفكارٍ وتأملات نُشاركها مع أولئك الذين يشعرون بالرهبة خاصة من الموت.

(1)

ممَّا لا شك فيه أن جائحة كورونا كانت سببًا للفوضى والاضطراب في القسم الأعظم من شمال الكرة الأرضية. ومع أن الكثيرين يتوقون للحياة الطبيعية، إلا أنّ هناك كمٌ كبير من المعاني والتصورات التي يجب استخلاصها في خضم هذا الوباء. يبدأ المقال في استعراض الأثر الناتج عن انعكاس“قلق الموت” على المسلمين وما يعنيه ذلك بالنسبة لهم، قبل أن يكمل البحث في علاقة العالم الحديث بالموت على نطاق أوسع. وتشمل الورقة كلًا من التأملات الفردية والاجتماعية، وذلك لأهميتهما وكبر تأثيرهما، فالفوضى الخارجية تُنتج بالضرورة فوضى داخلية.

وبشكل خاص، لا بدَّ من الإشارة إلى أن بعض الأساليب العلاجية التي كثُر استعمالها خلال فترة الوباء، كالاسترخاء والمحافظة على الصحة النفسية والعقلية، قد لا تلعب – في بعض الأحوال والحالات – دورًا فعالًا في تجنب أو تجاهل الخوف من الموت، بل في الواقع تساهم في الحفاظ عليه. وسأستخدم مصطلح القلق من الموت” للإشارة لهذا النوع الخاص من المخاوف التي ترتبط بالموت، ويجب التأكيد على أنه ليست حالةً يمكن تشخصيها أو معاينتها، فضلًا عن أن تُختزل في أطر نفسية أو عقلية.

وما أرمي إليه -كما سيأتي تفصيله لاحقاً- أن القلق من الموت: فزع وخوف جرَّاء التفكير في الموت، أو قلق ورهاب من فكرة الموت ذاتها، وهو سمة من سمات واقعنا الحالي.

هذه المقالة هي بمثابة امتداد للأنفوجرافيك الرائع المنجز بواسطة مركز يقين، وفيه قد حُدِدت العوامل التي تجعل من الموت خوفًا خاصًا في هذا العصر ممّا يفرض علينا استعراضه والنظر فيه. وعلى الرغم من دلالة القرآن الكريم على المغزى الأخلاقي للموت، لا يمكننا ببساطة أن نتجاهل تأثُّر مسلمي هذا العصر بالهياكل والتقنيات الحديثة (بما في ذلك الممارسات العلاجية) التي تمحو أو تجرد أو تَعِدُ بالتَّغلب على الخوف من الموت تماماً.

وقبل البدء في تناول الموضوع، لا بد من الإِشارة إلى أن هذا المقال ليس أكثر من تذكير وتنبيه، على أن من الضروري اليوم أكثر من أي وقت مضى التفكّر والأخذ بعين الاعتبار بأننا في دنيا مآلها ونحن إلى الزوال والفناء، وألَّا نفترض أن كوننا مسلمين يجعلنا محصنين من التأثر بهذه الظاهرة (القلق من الموت). وبالنظر إلى مدى شمولية موضوع كالموت، لا تتوقع أن تجدَ عمقًا كبيرًا هنا، ما ستقرأه عبارة عن رأي لتوصيف ظاهرة مجتمعية، بالإضافة إلى مشاركة بعض الأفكار والتأملات حولها.

(2)

عصرُ القلق من الموت

مع تفشي فيروس كورونا، تحول شبح الموت إلى زائر لا يفارق البيوت والمستشفيات، وبات الجميع معرضين لخطر الإصابة والوفاة، الأمر الذي سيسبب اضطرابًا وقلقًا لكثير من الناس، وصدمةً لمعظمهم، مــمَّـــا دفع علماء النفس للاستعداد لموجة من مشاكل الصحة العقلية[1]، في حين انتقد آخرون هذا الفعل، إذ في اعتقادهم، أن ردة فعل الجماهير تجاه الوباء طبيعية، ولا يجب أن ينظر إليها فقط بمنظار طبي. وكما يشرح الطبيب النفسي إيرفين يالوم IRVIN YALOM، فإن القلق من الموت يمكن التعرف عليه بسهولة، فعند بعض الأشخاص يكون ظاهرًا جليًا، وفي بعض الحالات يكون خفيًا ودقيقًا للغاية، فلا يمكن العثور عليه إلا من خلال سبر أغوار المريض[2].

لقد شغلتنا تقنيات الحياة الحديثة وأدواتها المتطورة عن بعض الحقائق الوجودية، الحقائق الثابتة. وبشكل مُتزايد نُمنح كل يوم أشكالًا جديدة من الترفيه والتسلية ووسائل المتعة التي من شأنها أن تبعدنا عن حقيقة الفناء والرحيل عن الدنيا. ساعي بريد كان قد أطلق على هذا النوع من الانشغال، تسلية النفس حتى الموت، مشبّهاً تأثيرات الترفيه والتسلية بتأثير المسكّنات الطبية[3]. كما يمكننا ملاحظة النفور والكراهية لموضوع كالموت من خلال النظر والتأمل في ثقافتنا الشعبية، الثقافة الدارجة. وعلى سبيل المثال، فإن أفلام الحروب والرعب قد لعبت دورًا في تشويه، وتحريف وإزالة صفة الإنسانية عن الموت، بل وإظهاره بمظهر المتوحش المُرعب، ممّا جعله يفقد كل معنى وتصور (قيمي وأخلاقي). وكحال الجميع، فالمسلمون اليوم هم نتاج ثقافة هذا العصر، لا سيما مسلمو العالم الغربي، فالحداثة قد أعادت تشكيل علاقتهم بالموت، بهيكليةٍ وتصورٍ مادي متوحش، على الرغم من أهميته الروحية الثابتة في القرآن والسنة.

إن موضوعًا كالموت ثابت في القرآن وقد تكرر ذكره في أكثر من موضع، وهو يخدم في الأساس حقيقة وجودنا على الأرض ومن ثم انتقالنا منها إلى عالمٍ آخر، مع الاعتراف بخوف الإنسان منه. قال تعالى: (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [الجمعة:8] وقال أيضاً جل ذكره (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) [الحجر: 99]. من الآيات السابقة، يمكننا أن نؤكد على حقيقتين ثابتتين:

الأولى: وجود نفور من الموت، عند بعض الأشخاص أكثر من غيرهم، وفي بعض الحقب الزمنية أكثر من غيرها -كما سأبين لاحقًا-.

الثانية: اليقين بالموت، وأنّه حقيقة لا مرية فيها. ولفهمٍ أكبر وتصورٍ أشمل لتأثير الموت على الفرد، سننظر إليه في القسم المتبقي من هذه الورقة من خلال ما أشار إليه القران الكريم حول هذا الموضوع، اليقين والنفور.

طبياً، من السهل ملاحظة كيف تحول القلق من الموت إلى مرض فردي. وكان قد وُجِد ارتباط وصلة وثيقة بين القلق من الموت وأمراض أخرى مثل القلق، والاكتئاب، واضطراب الوسواس القهري واضطراب الأكل[4]. من هُنا، استند بعض علماء النفس في قولهم بأن موضوع كالموت يمثل نموذجًا مساعدًا في منهج التشخيص النفسي الإكلينيكي[5]، أي الحاجة إلى نموذج يستبدل نموذج المتلازمات (كالاكتئاب والقلق) بآخر فيه الكثير من الصفات والسمات المشتركة بين تلك المتلازمات، كالخوف من الموت.

وبالنظر إلى أهمية الموت، سأذكر مثالاً لشاب مسلم مستقر نفسيًا، بعيد عن الحزن والكآبة والمشاكل الاجتماعية، ولا يعاني من ضغوط حياتية أو صعوبات مالية. في إحدى الجلسات، كنّا قد تطرقنا بالحديث إلى العديد من المواضيع والقضايا وناقشنا العديد من المسائل، وفي نهاية المطاف اعترف لي بمعاناته من قلقٍ وخوف منذ بداية جائحة كورونا، وبعد نقاش مطوَّل حول الأمر، جئنا على ذكر الموت! ومـمَّـــــا أخبرني به أيضًا، شعوره بأنه كالمحاصر وبإحساسه بالفشل بسبب عدم قدرته على مساعدة من حوله كما اعتاد. في الحقيقة، هو مُحــــبَـــط ومضطرب لدرجة لا تمكّنه من أن يكون مساعدًا لغيره!

 الآن، كيف يمكننا فهم قلق هذا الشاب – وأمثاله – وكيف يمكن أن يرتبط بنشاطهم في المجتمع!؟ فيما يلي بعض التأملات والأفكار التي يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار.

أولاً/ محاولة فهم أسباب القلق ودوافعه، كعدم التسامح والتساهل مع عدم اليقين والشك. بمعنى آخر، عدم القدرة على تحمل الظن والشك حول الأمور والأحداث المستقبلية، مثلاً، هل سأنجح في الامتحان؟ من المؤكد أن محاولة التعرف إلى أسباب القلق واكتشافها هو أمر أساسي في فهم القلق الذي نتحدث عنه، والذي من شأنه – القلق-أن يؤدي لفقدان الشخص سيطرته على نفسه وتسليمها للظنون والشكوك. ونتيجة لذلك، فالأشخاص الذين لا يستطيعون التعامل والتعايش مع عدم اليقين والظن، يلجؤون إلى تعويض ذلك بنقد الذات ووضع معايير عالية جدًا – وقد تكون مثالية -للأداء والكفاح لبلوغ الكمال، أو عن طريق تجنب الموقف أو الحالة تماماً، وبدلاً من ذلك اللجوء للمماطلة والتسويف. حسناً، إذا كان هذا هو الحال، فإنه من المؤكد أن الموت سيكون هو الرمز النهائي لعدم اليقين وفقدان السيطرة، ولا غرابة إذاً في كون هذا الشاب المسلم كاره ومبغض بشكل كبير للعزل أو الحجر الوقائي المفروض عليه كما هو الحال بسبب الوباء.

وبالمناسبة، فقد تعرض الدكتور يالوم YALOM لحالة كالتي ذكرناها آنفًا، يتكلم يالوم عن مريض يسعى للحصول على علاج للقلق، لكنه في الوقت الذي لم يحصل فيه على مبتغاه (العلاج المناسب) كان قلقه يزيد ويرتفع، وسرعان ما تبين مصدر قلقه وكشف عن نفسه، الموت[6]. وفي النهاية لم يكمل علاجه عند الدكتور، وبدلاً من ذلك لجأ إلى استخدام تقنية استرخاء العضلات لتخفيف من حدة الأعراض. ورغم أهمية الأعراض ومكانتها، إلا أن الرمز النهائي لقلقه كان الموت. وقد كان ببساطة أمرًا لا يُحتمل للمريض.

مجال النقاش الخاص بمسألة كالقلق من الموت، يتطلب من المعالج المختص والمريض الانخراطَ بدرجة معينة من العمق، يتم فيها تخطي جميع الحواجز النفسية والاجتماعية وغيرها، وإذا لم تسمح الظروف بذلك (مؤسسيًا أو كرغبة المريض في الاقتصار على تخفيف الأعراض وتجنب الوصول للمصادر الأولية المسبّبة للمرض) فإن النتيجة تكون كالتي عرضناها في المثال السابق.

كنت قد رأيت العديد من المسلمين ينخرطون في برامج المساعدة الذاتية، والتي تعِدُك بالتخلص من شخصيتك القديمة وطباعها السيئة (كالعادات والتصرفات السلبية إضافة إلى القلق والاضطراب) وأن تصبح شخصاً أفضل بكثير ممّا كنت عليه، كل ذلك بفضل وتحت سيطرة تطبيقات وبرامج المساعدة الذاتية! في العلاج النفسي الديناميكي[7]، يلجأ الإخصائيون إلى استخدام آلياتِ دفاعٍ لصرف نظر المريض وتجنيبه الاهتمام بالقلق من الموت.

ودعنا نأخذ على هذا مثالاً مجسَّدًا بشكل كبير بين المسلمين:

 الإيثار – وهو في حالتيه، أداة دفاعية وبرنامج مساعدة ذاتية -ومن المعروف أن الإيثار أو مساعدة الآخرين وخدمتهم هو أداة ووسيلة فعالة جداً (وجديرة بالثناء اجتماعياً) للاهتمام بالآخرين والتخلي عن الأنانية وحب الذات. في بعض الأوقات الحرجة –كما في فترة الوباء الحالية – عندما يتم تقييد الفرد أو منعه من خدمة المجتمع ومساعدة الآخرين، فضلًا عن بقائه الدائم في المنزل، فإن هذا سيؤدي بالنتيجة إلى اكتساب الفرد مشاعر مريرة، كالقلق والإحباط. عندها يصبح تحدي إخصائي العلاج المرحلة أصعب بكثير، قدرته على توفير حيز للفرد(المريض) لإعادة النظر في علاقته بالإيثار، ولكن بشكل أكثر عمقاً، كأن يفكر بها كأداة تخدمه كملاذ للهروب من الموت.

ما سبق من شأنه أن يقودنا إلى طريق تم تمهيده بشكل بارز في القرن الماضي بواسطة طبيب الأعصاب فيكتور فرانكل VICTOR FRANKL، وهو الأخذ بعين الاعتبار ضرورة تخصيص حيز من أفكارنا وتأملاتنا لتكون حول معنى الحياة والموت نفسه[8]. وكما يذكّرنا الدكتور يالوم YALOM: على الرغم من أن موت الجسد يدمرنا، إلا أنّ فكرة الموت بذاتها تنقذنا[9]. وهنا تكمن الحاجة إلى تثبيت الموت كرمز رئيسي في نهجنا المتّبع إزاء المعاناة، خصوصاً في هذه الأوقات. بإمكان المسلمين أن يطوروا علاقة (فكرية) مع الله، ورغم ذلك قد لا يعترفون أو يقبلون حقيقة موتهم، وأن الموت أمر لا مفر منه. وإذا افترضنا أن الوباء هو بمثابة تذكير بالله كما أوضح زميلي في إحدى مقالاته، فهم قد يتذكرون الله ويأبون إليه ومع ذلك لا قد يقبلون حقيقة الموت. وهذه إحدى علامات الحداثة.

التخلص من الموت في العالم الحديث

دعنا نتساءل، هل القلق من الموت ظاهرة إنسانية فريدة من نوعها سجَّلت حضورًا في مختلف الثقافات على مر العصور والأزمان؟! على الأرجح لا، ليس هناك ما يثبت هذا الادعاء ويؤكده، والأقرب للحقيقة، هو العكس منه، فقد أظهرت بعض الأبحاث التي تُعنى بدراسة عبر الثقافات والحضارات المختلفة أن الأجيال السابقة التي كان الموت بالنسبة لها من سمات الحياة الرئيسية، لم يعانوا من قلق الموت بذات الطريقة التي تحدثنا عنها سابقاً والسائدة في عصرنا الحالي[10].

ومع هذا فقد وُجِد في العصور السابقة من تحدَّث حول هذا الموضوع، كالعلامة ابن القيم الجوزية. يذكر – رحمه الله -أن المسلم قد يخاف من الموت، ولخوفه أسباب، كأن يموت على معصية أو كبيرة بدون توبة منهما[11]. ويؤكد على أن هذا الخوف يجب أن يكون محفزًا للندم والرجوع عن الذنوب والأخطاء والتوبة منها – لا أن يكون باعثاً لأفعال وتصرفات سلبية. فالفرق واضح إذن بين قلق الموت الذي استعرضناه سابقاً والذي تحدَّث عنه ابن القيم. قلق الموت في هذا المقال هو بمثابة حقيقة مزعجة بشكل خاص، إنه الخوف من الخوف[12]، والخوف في ذاته مشكلة كبيرة.

يمكن القول إن قلق الموت هو في الأغلب خاص بعصرنا، والاقتصار على فهمه والبحث فيه طبيًا لا أساس له من الصحة دون استعراض شاملٍ – بإيجاز – لمسألة الموت في العالم الحديث.

لنعد قليلاً إلى الوراء، إلى واحد من أهم الأُسُس والمبادئ التي شكّلت العالم الغربي الحديث كما نراه اليوم: القاعدة التاريخية: التقدم والتطور، والتي تنصُّ على أن التاريخ يتحرك باستمرار نحو مزيد من التحسينات الاجتماعية والأخلاقية والتطورات التقنية. ووفقًا للأستاذ وائل حلاق، فإن هذا المبدأ قد غرس في العقل منطقًا يجعـــله يحتفي بالحاضر ويتجاهل الماضي، ويتخلص من آفة التقليد التي سادت في القــــــرون الماضية[13]. لكن المفارقة أن عالم التكنولوجيا اليوم والثورة التقنية لم يقدما أي جديد عن موضوع كالموت على الإطلاق[14]. والأمر بعينه وجدناه عند فرويد FREUD في أفكاره الخاصة حول الموت، والتي وصفها بأنها حالة من “عدم التفكير” مما يعطينا انطباعًا كافيًا على عدم قدرته على إعطاء أي معنى لها[15]. وقد أدى ضعف التقدم العلمي والتطور التكنولوجي عن تقديم شيء حول الموت ببعض الفلاسفة الملحدين البارزين كآلان دي بوتون Alain de Botton إلى التفكير والأخذ بعين الاعتبار الحاجة إلى الحفاظ على الطقوس والشعائر المسيحية الأوربية حول الموت، مع عدم اعترافه بالله وإنكاره لألوهيته![16]. وإضافةً إلى ذلك، فإن الواقع التقني والطبي اليوم يعملان على ترسيخ مفهوم الحياة السهلة، حياة بلا ألم، بلا معاناة ومصاعب. ونظرًا لكون الموت قد ارتبط بالأذهان على أنه معاناة ومشقَّة، فإن هذا يزيد من تجريد الموت من كل معنىً ومغزى.

من ناحيةٍ أخرى، علينا الأخذ بعين الاعتبار الآثارَ الناجمة عن الاحتلال الأوروبي لبلاد المسلمين في علاقتهم مع الموت وتجرد الأخير من أي مغزى ومعنى لدى الكثير من السملين في تلك البلاد. وقد أشارت إلى هذا الملحظ الأستاذة الباحثة ستيفانيا  STEFANIA في دراستها للتأثير الروحي والفكري للاحتلال الفرنسي للمغرب العربي: كانت العواقب مؤلمة، خُنِقت الروح وقُتِلت، الحياة تنكمش وتتقلص، عمَّ الموت وكثُر على نحوٍ يستحيل تصوره وتخيله، ولم يعد للرسالة الإلهية قلبٌ يسمعها أو روحٌ تآلفها[17]. ويفترض زيجمونت بومان ZYGMUNT BAUMAN -عالم اجتماع -أن قوى العولمة والرأسمالية أدت إلى تآكل واختفاء البنى التحتية الاجتماعية للمجتمعات في شمال الكرة الأرضية[18].

لم نعد اليوم مجتمعاً كسابق عهدنا، نحن عبارة عن شبكة من الأفراد، لسنا أكثر من ذلك، لا يوجد أي التزام أخلاقي يلزمنا بتحمّل المسؤولية تجاه بعضنا البعض. ومن المهم جدًا الانتباه إلى هذه الملاحظة، إن هذا التحول والتبدُّل في العلاقات والترابطات الاجتماعية يحمل الكثير من الدلالات والمؤشرات الخطيرة. ثمّ ألم نلمس جزءًا منها خلال فترة الوباء!؟ فنحن لا نملك أي رابطة أخلاقية أو قيمية تجمع بيننا سوى العمل الخيري (والذي في الغالب يكون ردة فعل تجاه حدث أو شيء ما) أما في الغالب، فإننا نعتمد بكليتنا على الحكومة لتتخذ القرار الصحيح والأفضل نيابة ًعنّا، ولنا جميعاً.

المضي قدمًا: تأمل الموت والمجتمع.

لقد حثَّ الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم على زيارة القبور لكونها تذكر بالآخرة والرحيل عن الدنيا، وذلك كما جاء في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “زوروا القبور فإنها تذكركم بالآخرة”[19]. ورغم أهمية زيارة القبور للمعنى الذي عبَّر عنه الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، من المهم بمكان أن نفرّق ونميّز بين الاعتراف والقبول بفكرة الموت، ومواجهة حقيقة الفناء والرحيل عن هذه الأرض. في حين أن الأول – الاعتراف والقبول – فكري بكل دقة، فإن الثاني مادي، مرتبط بإمكاناتنا المحققة والإنجازات وما نملكه والتي ستذهب لغيرنا. وأود أن أختم الحديث بملاحظة استشرافية: مهما كان الأمر صعباً، إلا أنه لم يفت الأوان للتفكير وإعادة النظر في موتنا ومناقشته مع الأشخاص الذين نحبهم ونثق بهم. وإذا كان مجرد التفكير في الموت، أو الفكرة في حد ذاتها تخيفك أو تسبب لك القلق، فاطمئن لست وحدك.

الآن، أزعم بأن هذا القلق يخدم غرضاً وجودياً (ذو معنى وغاية). عندما تواجه الموت بكل أبعاده، الرحيل عن الأرض، وعدم اليقين حول أمر مجهول لا ندري ساعة حدوثه فضلاً عن الكيفية التي سيحلّ بها، فإن المشاعر المريرة المتولدة عن المواجهة والتفكير في أمرٍ كهذا هي بالأحرى إشارات وعلامات للعودة إلى الله. بعبارة أخرى، فقط من خلال مواجهة عدم يقينية الموت، يمكن للمرء أن يدرك عن حق أن الله هو الباطن، المطَّلع على السرائر، عالم الغيب والشهادة، اليقين الذي لا شك فيه. وهكذا يمكن أن يتحول القلق إلى بوصلة روحانية توجّهنا إلى الله، لكن فقط إن واجهنا الموت واعترفنا – وتعرّفنا بالضرورة – إلى معناه ومغزاه.

إذا كانت فكرة الموت أو التفكير فيه لا يزال صعباً، فإني أُشجع بشدة على إيجاد الشخص والتحدث معه عن الموضوع، لا عليك إن بثثته جميع مخاوفك ومشاعرك القلقة، أقول هذا وأعلم جيداً كم هو محرج وصعب على الشخص أن يعترف بخوفه من الموت في مجتمع المسلمين. قد يعتقد البعض أن خوفٍ كهذا نابع عن نقص في الإيمان أو خلل في العقيدة، فيسارعون بتقديم النصيحة المألوفة، عليك بقراءة القرآن والإكثار من ذلك. ورغم أهمية ومكانة وضرورة قراءة القرآن الكريم إلا أنّه لا بدَّ من التنبيه على نقطة في غاية الأهمية والخطورة: نصيحة كهذه تُقدم لشخص مُصاب بهذا القلق قد تكون نتائجها عكسية غير متوقعة، إذ في حال لم يتخلص من قلقه ومخاوفه، قد تتغير نظرته للقرآن وتغدو علاقته به سيئة. وعوضًا عن ذلك، علينا أن نتعرف على ما يُقلق المرء –في مقالنا هذا “قلق الموت” -ومن ثم نعمل على التخلص من القلق وإزالته عبر اللجوء إلى الله والتعرّف عليه بواسطة القرآن. بعد ذلك، في معظم الحالات، يفيد اللجوء إلى طلب الدعم والمساعدة للتأمل الذاتي للتخلص من الشعور بالقلق، رغم المفارقة المتمثلة في وصمة العار المرتبطة باعتراف الشخص للآخرين بخوفه من الموت.

وكما قد أوضحت آنفًا، فإن قلق الموت هو إحدى سمات عصرنا الحالي، لذلك لا غرابة إن كان سبباً لليأس والإحباط.

آمل أن نتعلم أكثر ونجتهد في التفكير والنظر في موتنا وفناءنا -ليس الموت فقط كفكرة مجردة عن الواقع الفيزيائي-إن فعلنا ذلك نكون قد طورنا أعظم الرؤى في طبيعة هذا العالم. وذلك طبقًا لما رُوي عن النبي الكريم محمد عليه الصلاة والسلام أنّه قال: “أكثروا من ذكر هادم اللذات”[20]. أي: الموت.

ختاماً

علينا أن نفيد أيضًا ممّا عرضناه سابقًا في تغيير بعض القناعات والتصورات، كالوضع المتخيل للمسلمين المقيمين في الدول الغربية المتقدمة، على أنهم ينتمون للطبقة المتوسطة في المجتمع وأصحاب دخل ثابت وعائلات أسرية كبيرة تعيش في رغد وهناء. والحقيقية هي بخلاف هذا. إن نسبة كبيرة منهم مهاجرين ولاجئين، لا تتمتع أسرهم وموارد رزقهم بذات المزايا والمحاسن التي يتمتع بها سكان البلد الأصليين. وبالنسبة لهم – المسلمين في الدول الغربية – تثير مسألة الموت الكثير من الخوف والقلق، ودائماً ما يفكرون في افتراضات تبعث على الرهبة، مثلًا، ما الذي سيحدث لأطفالهم في حال وفاتهم! في بريطانيا على سبيل المثال، هناك نقص في دور الرعاية الإسلامية التي تكفل يتامى المسلمين وتقدّم لهم الرعاية اللازمة، وكثير من أطفال المسلمين هناك يخضعون لنظام الكفالة السائد، ألّا يشكل مثل هذا المثال الواقعي خوفًا وقلقًا؟! عندئذ ربما علينا أن نوسّع دائرة تصورنا حول القلق من الموت، وألا نقتصر في فهمه على أنها قضية أو محنة شخصية، بل أيضًا باعتباره انعكاسًا لمجتمع قد ضَعُف نسيجه الاجتماعي وتآكل. وعليه، نحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى تنشيط الشعور بالتواصل والتعاطف حول مسألة الموت. لا ينبغي قط أن يخشى أحدنا الموت أو يسبب له قلقًا ورهابًا بسبب مخاوفه المشروعة والحقيقية بحق أبنائه. الموت مسؤولية المجتمع بأكمله، قضية جماعية، ليست فردية، الفرد فقط يسلط الضوء عليها ويكشف خطرها.


الهوامش والمصادر

[1] Denis Campell, “UK Lockdown Causing ‘Serious Mental Illness in First-Time Patients,” Guardian, May 15, 2020,  https://www.theguardian.com/society/2020/may/16/uk-lockdown-causing-serious-mental-illness-in-first-time-patients; Miranda Levy, “We Are a Sedated Society: The Rise in Antidepressants During Lockdown,” Telegraph, May 17, 2020, https://www.telegraph.co.uk/health-fitness/mind/sedated-society-rise-antidepressants-lockdown/.

[2] Irvin D. Yalom, Staring at the Sun: Overcoming the Dread of Death (London: Piatkus, 2012).

[3] Neil Postman, Amusing Ourselves to Death: Public Discourse in the Age of Show Business (London: Penguin, 2006).

[4] Lisa Iverach, Ross G. Menzies, and Rachel E. Menzies, “Death Anxiety and Its Role in Psychopathology: Reviewing the Status of a Transdiagnostic Construct,” Clinical Psychology Review 34, no. 7 (2014): 580–93, https://doi.org/10.1016/j.cpr.2014.09.002.

[5] التشخيص النفسي الإكلينيكي: هو الاستقصاء المؤسس علميًا للظواهر النفسية ذات الاهتمام الإكلينيكي بمساعدة طرق صادقة وثابتة، تستخدم مستويات ومظاهر مختلفة لما ينبغي تشخيصه (منظومات، مواقف، اعترافات، سلوك، مؤشرات بيونفسية) ومصادر بيانات وتواريخ. كتاب التشخيص النفسي الإكلينيكي، الجزء الأول. ترجمة سامر رضوان. (المترجم)

[6] Irvin D. Yalom, Existential Psychotherapy (New York: Basic Books, 1980).

[7] العلاج النفسي الديناميكي: يعتمد على أساس أن السلوك والصحة العقلية مرتبطان بتجارب الطفولة وخبراتها والأفكار أو المشاعر اللاواعية لدى الفرد، ويهدف إلى تحسين الوعي الذاتي وتغيير الأنماط القديمة، موقع الباحثون السوريون. (المترجم)

[8] Viktor E. Frankl, Man’s Search for Meaning: The Classic Tribute to Hope from the Holocaust (London: Rider, 2008).

[9] Yalom, Staring at the Sun, 30.

[10] Pittu Laungani and William Young, eds., Death and Bereavement Across Cultures (London: Routledge, 1997).

[11] Ibn Qayyim al-Jawzīyah, Ranks of the Divine Seekers, trans. Ovamir Anjum (Leiden: Brill, 2020), https://doi.org/10.1163/9789004413412.

[12] Frank Furedi, Culture of Fear Revisited: Risk-Taking and the Morality of Low Expectation (London: Continuum International Publishing, 2007).

[13] Wael Hallaq, The Impossible State: Islam, Politics, and Modernity’s Moral Predicament (New York: Columbia University Press, 2014).

[14] Laungani and Young, Death and Bereavement.

[15] Raymond L. M. Lee, “Eternity Calling: Modernity and the Revival of Death and the Afterlife,” in Death Across Cultures: Death and Dying in Non-Western Cultures, ed. Helaine Selin and Robert M. Rakoff (Cham: Springer International Publishing, 2019), 369–84, https://doi.org/10.1007/978-3-030-18826-9_22.

[16] Alain de Botton, Religion for Atheists: A Non-Believer’s Guide to the Uses of Religion (London: Penguin, 2013

[17] Stefania Pandolfo, Knot of the Soul: Madness, Psychoanalysis, Islam (Chicago: University of Chicago Press, 2018), 8.

[18] Zygmunt Bauman, Liquid Times: Living in an Age of Uncertainty  (Cambridge: Polity, 2013).

[19] ذكر كاتب المقال أن الحديث موجود في صحيح مسلم، وهذا خطأ. وهو موجود عند ابن ماجه في سننه، حديث رقم 1569، وصححه الألباني (المترجم)

[20] رواه الترمذي (2307) وابن ماجه (4258)، وصححه الألباني. (المترجم)

المصدر
yaqeeninstitute

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى