عام

أمريكا تعلن إفلاسها الروحي، وعلينا المقاومة

  • كورنيل ويست
  • ترجمة: رغدا الشميري
  • مراجعة: مصطفى هندي
  • تحرير: محمد عبيدة

إننا نعيش في إحدى أحلك فترات التاريخ الأمريكي- زمن ملئ بالإفلاس الروحي والانهيار الإمبريالي،- منذ 25 عامًا بالضبط ، حاولت في كتابي (المسألة العرقية Race Matters )، عرض الحقائق والتحديات التي تواجه الديمقراطية الأمريكية في ضوء معاناة السود. في ذلك الوقت، توصلت إلى نتائج مفجعة، لكنها تفتح باب الأمل، أما الآن فالجرح عميق والأمل يكاد يندثر.

تحولت العدمية في تاريخ الأمريكيين الأفارقة (السود) إلى إفلاس أخلاقي وروحاني استشرى في أمريكا. لقد أدى الانهيار المفجع للنزاهة والأمانة والمروءة في حياتنا العامة والخاصة إلى المزيد من الكراهية العنصرية واحتقار الآخر.

لقد سممت ثقافة رأس المال الممتلئة بالطمع والخداع قلوبنا وعقولنا وأرواحنا بدرجة أدت إلى هيمنة وتفشي روح الليبرالية الجديدة وسيطرة أناس يملؤهم التكبر ويتسلحون بالأموال والأسلحة ولا ينافسهم أحد.

إن تصاعد السباق العسكري في الخارج، وفساد النخب السياسية والاقتصادية في الداخل، وثقافة الانحرافات الجماهيرية التي يدفعها السوق على شبكة الإنترنت والتلفاز والإذاعة =كل ذلك يسوقنا نحو انهيار امبراطوري لا مناص منه، حتى نرى فيه القومية الشوفينية، والسياسات البلوتقراطية، ومروجي الكلبية[1] يندفعون مسعورين.

أملنا الوحيد هو المقاومة التبشيرية، أعني صحوة أخلاقية وروحية، تُعوِّل على الصدق والقوة في الحق، والأعمال المثالية التي يقوم بها الفرد والمجتمع.

إن إفلاسنا الأخلاقي له ثلاث سمات:

أولاً– نحن نُطَبِّع الكذب ونجعل الجريمة أمراً طبيعيًا، ونجعل كذبنا يبدو كما لو كان أمرًا عاديًا، ونجعل جرائمنا تبدو كشرب الماء، وكثيرًا ما نقول إن “وول ستريت” خادم جيد –بدلا من سيد استغلالي– للصالح العام. وبذلك، نتعامى عن التصرفات الإجرامية للبنوك الكبيرة، لأنه لا غنى عنها لدرجة أننا لا نستطيع مقاضاتها.

إننا نصم آذننا عن أزيز الغارات التي تقتل الأبرياء في الخارج، ثم نتغافل عن قوائم القتل على Terror Tuesday في البيت الأبيض وذلك عندما يقرر الرئيس وحاشيته قتل الأشخاص-بما فيهم الأمريكيين- دون إجراءات قانونية.

ثانيًا– إننا نشجع القسوة ونكافئ اللامبالاة، و نعامل الوحشية كما لو أنها رجولة ونضج، وأيضًا نتعامل مع قسوة القلب على أنها انتصار. في عالمنا، حيث البقاء للأذكى والأقدر على النفاق والتلون، نمهد الطريق أمام الجشع والأنا، ونجعل الجبن وحب اكتناز المال هو “الموضة” بينما الشفقة والتعاطف هما سمت الفاشلين. إننا نفضل الاقتصاد المدعوم بالمشاهير المتعطشين لنظرات المعجبين والعلامات التجارية المغرية، على النماذج الأخلاقية المكافحة بقناعاتهم الراسخة ودوافعهم القوية.

ثالثا– إننا نتفاخر بالأبعاد الأخلاقية والروحية في حياتنا والعالم بالإشادة بمكاسبنا قصيرة المدى، ونجاحاتنا السطحية. هذه القواعد غير الأخلاقية، والوحشية، تعزز – كنتيجة – التسليع الشامل الذي تقوم به الرأسمالية المفترسة، فلا نستطيع التحكم في أنفسنا ومجتمعاتنا.

إن العنف المنتشر في حياتنا المحلية، والسياسات العسكرية الخارجية، لا ينفكان عن الاقتصاد الذي يسوقه الربح في حضارتنا الرأسمالية المفلسة أخلاقيًا.

إن الانهيار الامبراطوري هو قلب عصرنا الكارثي. إن كوارثنا البيئية حقيقية، والحقبة الأنثروبوسينية تحوطنا.[2] إن  الممارسات البشرية – خصوصًا الأعمال التجارية والعمليات العسكرية الضخمة-تؤثر بشكل كبير على الغلاف الجوي للأرض، كما تجعل الانقراضات وشيكة.

إن احتمال حدوث كارثة نووية يلوح في الأفق بسبب التوتر المتصاعد بين روسيا والولايات المتحدة، وقوى نووية أخرى، مثل كوريا الشمالية والصين وباكستان والهند وإسرائيل التي تستمر بالتوسع دون هوادة.

كوارثنا الاقتصادية تتزايد تزامنًا مع التوزيع الغير عادل والبشع للثروة، وكوارثنا السياسية تتعمق تزامنًا مع انتصارات حكم الأقلية (الأوليغارشية) بسبب الاختلال الوظيفي الذي تعاني منه الحكومة، وكوارثنا المدنية في ازدياد لأن تطلعات الشعب والمنفعة العامة، أو حتى سلطة القانون= كل ذلك يُشترى بالمال.

وكثيرا ما تكون كوارثنا الثقافية غير مرئية، فلدينا واقع مؤلم من الفواجع والإرهاب الذي يتعرض له المدنيون الضعفاء والفقراء والمثليين والمتحولين جنسيًا،[3] والاضطهاد الذي يتعرض له من لا ينتمون إلى البيض من النساء والأطفال.

الانتصار السياسي لدونالد ترامب يعتبر رمزاً وأمارة – وليس سببا أو مصدرا- على الانهيار الامبراطوري؛ فترامب ليس مخلوقا فضائيا أو غريبا عن التاريخ والحضارة الامريكية. في الحقيقة، هو أمريكي حتى النخاع. وهو علامة على إفلاسنا الأخلاقي والروحي: حيث السلطة للمظاهر دون الجوهر؛ والنرجسية دون التعاطف؛ والجشع والطمع دون الحكمة أوالرشاد. تعتمد انتصاراته على انهيار منشأة الحزب الجمهوري، وصولاً للرؤوس الأموال الضخمة، بالإضافة إلى الجيوش العسكرية الكبيرة، واستخدام “كبش فداء” من الضعفاء وغير البيض، والمثليين، واللاجئين والمسلمين والنساء.  و أيضا منشأة الحزب الديموقراطي، والأموال الضخمة، والجيوش العسكرية، والاستغلال الذكي للناس من الأعراق المختلفة والمثليين والمهاجرين، والمسلمين والنساء،[4] لإخفاء الأكاذيب وجرائم السياسات النيبولبرالية محليًا وخارجيًا؛ وأيضًا المؤسسات الإعلامية التي دعمت ترامب للحصول على المكاسب والأرباح.

والحقيقة المرة هي أنه ليس هناك دونالد ترامب من دون باراك أوباما، لا توجد حركات فاشية جديدة من غير سياسات نيولبرالية، وكل ذلك في نطاق الإمبريالية. أوباما كان الوجه الأسود (من أعراق أفريقيا) الضاحك والذكي لإمبراطورية أمريكا. أما ترامب، فهو الوجه الأبيض القاسي من الإمبراطورية الأمريكية.

أوباما لم ينتج ترامب، لكن سياسات “وول ستريت” الناعمة التي تبناها ساعدت على انتصار ترامب الشعبي الزائف. إن عدم رغبة أوباما في مواجهة مشكلة الأعراق بطريقة جدية وموضوعية، لم تسبب ردة الفعل العنيفة للبيض، لكن تردد أوباما وتلكؤه في معالجة المشكلة لم يساعد أيضا في الحد الممارسات المؤمنة بسيادة البيض.

وبشكل أكثر وضوحًا، دعم كل من أوباما وترامب – وهما وجهان مختلفان للانهيار الامبراطوري – الحشد العسكري، والحرب ضد معظم الدول الإسلامية، وتمويل الغارات، ودعم إسرائيل للاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، والسجن غير القانوني للأبرياء، والهجوم الليلي على أسر مسلمة فقيرة، ومخيمات الاعتقالات غير الآدمية. إن سياسات وجرائم الحرب هذه قد عادت لتلتهم كل ما تبقى من روح أمريكا الديمقراطية.

إذن،كيف نتصرف في هذه الأوقات العصيبة؟ إن أعظم صور المواجهة التبشيرية في إمبراطورية أمريكا هي معركة تحرير السود. وأعظم صور الشجاعة الأخلاقية والروحية في الإمبراطورية الأمريكية كان وضع موسيقى خاصة بالسود. إن التفوق الفني في أفضل مقطوعات موسيقى السود – بما في ذلك جاذبية الصوت وجلالته – يضع معايير الكفاح من أجل حرية السود، تتكون هذه المعايير من الحرية الفطرية في التعبير عن الحب والحب الفطري للحرية، أي حرية حب الحديث عن النفس والعالم، وحب حقيقة أن المرء يتحدث ويعيش بحرية.

إن حركة (من أجل السود Movement for Black Lives) هي علامة أمل كبيرة، إنها جهد جماعي مثالي لإعادة الكفاح التبشيري في عصرنا المظلم من الانهيار الإمبراطوري والإفلاس الروحي. تبدأ الرؤية التبشيرية والتحليلات الاجتماعية للحركة بالأكثر ضعفا، مثل المثليين والمتحولين جنسيًا الذين يتعرضون للذعر والإرهاب.[5]

وبهذه الطريقة، لا يمكن فصل الإرهاب والأذى الذي عانى منه سكان غزة والعراق وباكستان واليمن والهند (خاصة مع شعوب الداليت) عن الإرهاب في بالتيمور وفيرجسون وأوكلاند وشيكاغو.

علامة أخرى للأمل هو الموقر ويليام جي باربر الثاني. أكثر الشخصيات شبها بمارتن لوثر كينج في عصرنا. تُعد مبادراته Moral Monday وحملة (من أجل الفقراء)-بمساعدة أشخاص كالأب مايكل بفليجر ووزارته العظيمة في كنسية سابينا في شيكاغو، وكاتي إم لاد في كنيسة الملكة آن الكاثوليكية في سياتل ومايكل ماك بيرد في مركز Way Christian في بيركلي، كاليفورنيا- هي الأمل الأخير للمسيحية التبشيرية في أمريكا.

ومثل (حركة من أجل السود)، كانت حركة Women’s Mobilization في 8 مارس 2017 بارقة أمل كبيرة، فقد حطمت مسيرة النساء في  21 يناير 2017 السيطرة النيوليبرالية على شعار النسوية. وخلافا للمجموعة النمطية من النسوية، والنسويات المسيطرة من المنشآت الإعلامية، فإن نساء ال 8 من مارس يضعون مشاكل الطبقات الاجتماعية، والمسائل الجنسية ومشاكل المثليين والمتحولين جنسيًا في أولوية المشاكل العرقية والاهتمامات الإمبراطورية.
كانت اللحظة التاريخية لـ Standing Rock ، التي اجتمعت فيها الشعوب الأصلية معًا في صراع من أجل الأراضي المقدسة، وتوكيد الحقوق والسيطرة على الموارد، علامة كبيرة أخرى على الأمل.

تُعد المسائل العرقية في القرن ال 21 جزءًا من الحرب الأخلاقية والروحية على الثروات والقوة والأرواح والحواس.

لا يمكن أن تكون هناك أي تحليلات للمشاكل الناتجة عن الاختلافات العرقية دون التعرض لمسألة حق الأرض، وموضوعات المشاكل الطبقية، ومشاكل التفرقة الجنسية، والميول الجنسية -وخصوصا المسائل المتعلقة بالإمبراطورية- لذا، فمن الواجب أن نتضامن معهم.

بينما نقاوم، لنتذكر الرؤية العظيمة والنماذج والحركات الماضية، هذه الذكريات العزيزة تركز انتباهنا على الأشياء المهمة حقا، وهي النزاهة والصدق والكرامة والمروءة، وليست المظاهر والصور والمال والمكانة­.

هذا التركيز يضعنا على الطريق الطويل لرسل وجنود الحب – ليس فقط المهنيين والمشاهير ذوي الصيت – بل حتى المتمسكين بقول الحق، المحبين للتنقيب عن العدالة والحرية والجمال.

هذه مقتطفات مختصرة للذكرى ال 25 لكتاب Race Matters لكورنيل ويست.

اقرأ ايضاً: الحاشية التي غيرت حقوق السود في أمريكا


[1]الشوفينية: الإعتقاد المغالي والتعصب لشيء والتعصب في التعامل مع خلافه، وتعبر عن غياب رزانة العقل والإستحكام في التحزب لمجموعة ينتمي إليها الشخص والتفاني في التحيز لها؛ وخاصّة عندما يقترن الإعتقاد أو التحزب بالحط من شأن جماعات نظيرة والتحامل عليها، وتفيد معنى التعصب الأعمى، وأصل الكلمة يعنى الوطنية المفرطة، الغيورة والعدائية، والإعجاب الحصري لدى الشخص بوطنه والحمية العمياء للمجد العسكري، والإعتقاد المتحمس بأن وطنه أفضل الأوطان وأمته فوق كل الأمم، وينسب اللفظ إلى جندي فرنسي اسطوري إسمه نيكولا شوفان، شديد الغيرة على فرنسا ومتفاني في القتال في جيش الجمهورية (جيش نابليون) في حروبه دونما التفات أو شك بحصافته، أو مساءلة لجدارة قضيته، فقُصد بها الإشارة إلى التفاني الأعمى للجندي المتحمس والمتزمت بعنجهية برأيه.

البلوتقراطية أو حكم الأثرياء: هي أحد أشكال الحكم تكون فيها الطبقة الحاكمة مميزة بالثراء. في البلوتوقراطية، درجة التفاوت الاقتصادي تكون عالية بينما مستوى الحراك الاجتماعي يكون منخفضا، والاستخدام ذو الدلالة السياسية المعاصرة فهو استخدام يحمل معنى ازدرائيا وانتقاصيا، ويُطلق على المجتمعات المعاصرة التي تكون فيها العملية السياسية خاضعة لتأثير المال بشكل كبير وغير متكافئ.

الكلبية: مفهوم الكلبية يعني سلبية شديدة، وارتياب عام في نزاهة دوافع الآخرين، خصوصا في القيام بالأعمال الأخلاقية. يمكن أن تتجلى الكلبية في الإحباط، وخيبة الأمل وغياب الثقة تجاه المنظمات، السلطات، ونواحي أخرى من المجتمع. [المراجع]

[2] -حقبة جيولوجية تتجلى فيها تأثيرات النشاط الإنساني السلبية على مناخ وبيئة الأرض، مثل ظواهر الاحتباس الحراري وذوبان جليد القطبين وتلوث الهواء وتآكل الغلاف الجوي.

[3] – الرفض المجتمعي العام للمثليين والمتحولين جنسيًا لا يمثل اضطهادًا إلا من وجهة نظر مريدي تطبيع صور الشذوذ؛ مع ملاحظة أن هذا الرفض كان سمة سائدة ومقبولة قبل عقود قليلة مضت.

[4] – من الملاحظ أن الكاتب يقحم المثليين وسط المجموعات التي تتعرض للاضطهاد الاجتماعي مع أن العكس هو السائد، راجع مقالة: https://atharah.net/a-letter-on-justice-and-open-debate/

[5] – السائد في الغرب الآن هو أن رافضي المثلية وصور الشذوذ هم من يتعرضون للإرهاب! (راجع التعليق رقم 4).

المصدر
theguardian

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى