عام

سياسة الصحة النفسية

  • بيسيل فان دير كولك
  • ترجمة: هند عادل
  • تحرير: آسية بنت رياض الشمري

جميع المساعي البشرية سياسية في جوهرها، بما في ذلك نظام الصحة النفسية لدينا: كيفية تشخيص الاضطرابات العقلية، ونوع الأبحاث التي تستحق التمويل المالي، والطرق العلاجية “المثبتة علميًا”، فضلًا عن أنواع التدخلات التي تغطيها شركات التأمين.

القصة التي تقبع خلف”اضطراب ما بعد الصدمة”خيرُ مثال! فبالعودة إلى أواخر حُقبة السبعينات وفي غضون الحرب الفيتنامية كان من الصعب تجاهل الوضع النفسي للجنود، إذ عانى مئات الآلاف منهم من اضطرابات شديدة بعد قدومهم من الحرب، فأصبحوا كالفتيل الذي يمكن أن ينفجر غضبًا في أي وقت، حيث أنهم فقدوا النوم والهدوء النفسي حين فقدوا أرواحهم الآمنة في الحرب ولم يستلذوا بطعم الحياة منذئذٍ!

وبالنظر إلى العواقب السياسية والاقتصادية التي يمكن أن تنجم عن الاعتراف بحقيقة معاناة الجنود مع ماضيهم الأليم، قامت إدارة شؤون الجنود القدامى بتصنيف المشكلة كمرض شخصي، وألقت اللوم على جينات الجنود الوراثية ونشأتهم السابقة لِما عاشوا من اضطرابات في الوقت الحالي.

 بفضل المنظمات التابعة للجنود ومساعدة أخصائيي الصحة النفسية أيضًا، ظهر تشخيص”مرض اضطراب ما بعد الصدمة النفسية”بشكل رسمي عام 1980 بعد معركة سياسية. والجزء الذي كان علينا إتمامه لإثبات وجود هذا المرض هو من خلال الربط بين ما يعانيه الجنود حاليًا و ماضيهم في ساحة المعركة، وذلك عن طريق تركيزنا على الكوابيس بالإضافة إلى ماينتابهم من ومضات مستمرة لذكريات مؤلمة مرّوا بها في الحرب. وبعد التقليل من حدة مشكلاتهم عبر مشاركة عواطفهم والسماح بتنظيم مشاعرهم استنتجنا أن ما يمرون به الآن هو نتيجة صدمة نفسية غيرت العمليات الأساسية  للدماغ لتجعل منهم أشخاصًا يقتاتون ذكريات الماضي المؤلمة.

مرض اضطراب ما بعد الصدمة هو ما يُشخص به الجنود على وجهٍ خاص، ولكن اتضح أن أعداد من يعانون من الصدمة النفسية لا تحصى، فمقابل كل جندي واحد عاد من الحرب مضطربًا نفسيًا، هناك مالا يقل عن 30طفلًا يتعرض للتعنيف أو التخلي أو التحرش أو الإهمال بالمنزل، ورغم اختلاف حال الأطفال عن جنود الحرب من أصعدةٍ عدة إلَّا إنهم يتشاركون الأعراض المرضية نفسها.

استجابةً لضغوطنا، مولت الجمعية الأمريكية للطب النفسي تجربة ميدانية لتشخيصٍ جديد أُطلق عليه :الاضطراب المعقد لما بعد الصدمة النفسية، أو اضطرابات الإجهاد الشديدة غير المحددة ، وبعد انتهاء الدراسة صوتت لجنة اضطراب ما بعد الصدمة النفسية بعدد 19 إلى 2 لتُدرج تسميته في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية. في النهاية، تم استبعاد هذا التشخيص من الدليل في نسخته الرابعة على الرغم من الأدلة البحثية الدامغة على استجابة تنموية أكثر تعقيدًا للصدمة.

يقدم الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية مسميات عديدة منها: اضطرابات ما بعد الصدمة النفسية، واضطراب الانزعاج المزاجي غير المنتظم، واضطراب التعلق التفاعلي، واضطراب الهوية الانشقاقية، وإيذاء النفس، واضطراب انفجاري متقطع، واضطراب الانخراط الاجتماعي المفرط، واضطراب السلوك، واضطراب الشخصية الحدية. تحديد كل ذلك يعتمد على نزوة الطبيب وما سيتم تعويضه على النحو الأمثل من قبل شركات التأمين. مع ذلك، جميع المسميات التشخيصية تجاهلت الصدمة النفسية المبكرة والزعزعة التي تؤثر على السلامة النفسية مع العلم أنها المسبب الأساسي والمشترك بين تلك الاضطرابات.

لو توفرت لدينا خلفية من المعلومات عن الوقائع الاجتماعية المسببة لهذه الحالات سوف نوقف البحث عن العوامل الغامضة كالكيمياء الحيوية أو الجينات التي بدورها تستهلك عددًا لا يحصى من المختبرات البحثية دون جدوى، ونبذل مواردنا وجهودنا لنصنع نظامًا صحيًا عامًا يركز على الوقاية والعلاج عبر توفير بيئة سليمة للأطفال والبالغين.

يحمل تشخيص اضطراب ما بعد الصدمة النفسية وجهًا آخر لقصته، فبمجرد الاعتراف رسميًا به توفر تمويل بمبلغ مالي ضخم خاص بالبحوث العلمية لتطوير الممارسات الصحية المثبتة علميًا، ولطالما كنت من أشد المؤيدين لاختبار فعالية علاجات الصحة النفسية، وقياس حجم تأثيرها، ولِمن تُصرف، وما حدودها، فقد نشرتُ-بالتعاون مع زميلي- أوراقًا علمية تتعلق بفاعلية العلاج النفسي ابتداءً من عقار البروزاك إلى علاج الاستثارة الثنائية لحركة العين، ومن تمارين اليوغا إلى علاج الارتجاع العصبي. لكن الاندفاع نحو إيجاد علاجات مثبتة علميًا كان له تأثير سلبي على مجالنا، حيث اختار الباحثون منهجهم كعلاج معتمد لعدم توفر خيارات أخرى فقط، بدا ذلك مقبولًا إلى أن تولت السياسة زمام الأمور.

 توقف علم تطوير العلاج في الوقت الحالي لأن تمويل الأبحاث العلمية يُصبّ على الآليات الأساسية، والارتباطات، ودراسات التصوير العصبية، والعلوم الوراثية بينما لا يوجد أي تمويل بحثي فيدرالي متاح للتحقيق في العلاجات المبتكرة، واقتُصر على الأنظمة العلاجية السهلة كالعلاج السلوكي المعرفي، وعلاج التعرض المطول للصدمة، والأدوية، وعلاج الاستثارة الثنائية لحركة العين. الأدوية فقط هي التي توضع في عين الاعتبار، وهي علاج هامشي مساعد للذين يعانون من اضطرابات ما بعد الصدمة النفسية، إلا أن بلايين الدولارات تُصرف عليها كل سنة. في المقابل، لم تختبر كفاءة العلاجات الجسدية مثل العلاج النفسي الحسي، والتجارب الجسدية، بالإضافة إلى التنويم المغناطيسي الذي كان منذ قرنٍ يعتبر كعلاج اختياري لمن يواجه اضطراب ما بعد الصدمة النفسية، كذلك علاج أنظمة الأسر الداخلية، وعلاج الارتجاع العصبي لا يمتلك الدليل القاطع لجدارته، مع العلم  أن كثيرًا من الأطباء قد رشحه كعلاج إيجابي لمن يعاني صدمة نفسية.

سياسة التشخيص ونوع العلاج المثبت علميًا يعتمد تمامًا على ما يسدده التأمين، أي أن الطبيب مكلف باستعمال علاج ولو شكّ في كفاءته، ويظهر في عدة دراسات أن مع اتباعهم هذا الأسلوب تنخفض الأعراض بنسبة 40 بالمائة فقط، يعتبر ذلك بالنسبة لهم خيارًا جيدًا مقارنةً بالمهدئات، لذلك لن يبالوا بعدد الوفيات أو بعدد الموارد التي ضاعت دون جدوى، طالما يأتون بنتيجة خروج ربع المرضى ومعدل نمو مرتفع. أما بالنظر إلى إدارة شؤون الجنود القدامى، فإنهم يعتمدون على مناهج مثبتة علمياً وذلك يعمل على تثبيط الاستكشاف الموسع للحصول على علاج ذي فاعلية أقوى، أصرح مرة أخرى بأننا نتصادم مع واقع سياسي بحت لا يعطيك العلاج اللازم لأنك في حاجة إليه بل على مقدرتك على دفع مبالغ طائلة من أجله.

تجاهل حجم انتشار الصدمات النفسية وأثرها في مجتمعنا مستمر إلى الآن، مع العلم بحقيقة تَصدُر الولايات المتحدة بمعدل طفل من أصل ثمانية قد تعرض لسوء معاملة، ولا يتوقف الأمر عند ذلك فحسب! فإن نصف الأطفال حول العالم معرضون للعنف، وبالفعل صَنفت الدراسات حول تعرض الأطفال لتجارب مؤذية كأضخم وأكبر مشكلة تواجه الصحة العامة في أمريكا. نحن كمجتمع نقف ونتحد ضد التهديدات الإرهابية من نظام داعش وغيرها، لكن معظم الأطفال الأمريكيين ليسوا ضحايا للإرهابيين الأجانب بل ضحايا الظروف الاجتماعية التي يعيشون وينضجون فيها.

والسؤال هنا، لماذا نستمر-كمجتمع- بتجاهل الأثر المدمر الناجم عن  التعنيف أو الإهمال في سن مبكر؟ عند النظر إلى غالبية مناطق أوروبا، سنغافورا، اليابان، وكوريا، فقد أدرجت حكوماتها العنف المنزلي وآثاره المأساوية، والحرمان الاجتماعي، والفقر في السياسة العامة، واستفادت من أموال الضرائب و جعلتها في مصلحة الطفل. أما في الولايات المتحدة فالسياسة تلعب دورها! إلى الآن لم نتخذ الإجراءات اللازمة، وذلك قد يُفسر معدل السجن في أميركا لكونه يتخطى 860 من أصل 100,000 بينما تصل في هولندا 68 من أصل 100,000. كما أننا الدولة الوحيدة في العالم الغربي التي لم توفر أحقية الإجازة الأبوية المبكرة عاكسين واقعنا كدولة لا تبالي إلا برمز المواطن البريدي ضاربةً الظروف الإنسانية عرض الحائط. استيعاب واقعية الحرمان مبكرًا، والتعنيف، والإهمال، هو مطلب نرتقي به إلى نظام اجتماعي عادل للجميع!

حين رضينا بالتعايش مع نظام تشخيص لا يمت للصحة العلمية بأي صلة  أصبحنا نتحمل جزءًا كبيرًا من المشكلة. ففي كثيرٍ من الأحيان نشخص حالة المرضى بناءً على ما ستسدده لنا شركات التأمين لا على ما يعانيه المريض فعليًا، وهناك عدد كبير من الأطباء لا يتكبدون عناء إجراء التشخيص! من أين لك الجرأة أن تطالب بحقٍ مالي مقابل ما قدمته من خدمات وأنت في الحقيقة لا تملك أدنى فكرة عن حالة المريض ولا عمّا يجب عليك فعله للبدء بالعلاج؟ لنفترض أنك مريض قلب، ما شعورك إذا ذهبت إلى طبيب القلب الذي يقدم لك العلاج الذي ستدفعه شركة التأمين، لا يناسب حالتك بل يتماشى مع رغبات الطبيب المادية؟ كيف ستحظى باحترام  نفسك أو احترام زملائك الأطباء بالاعتماد على طريقة تفتقد إلى منهجٍ علميٍ ثابت ورعاية صحية حقيقية!.

إذا كان الناس لا يثقون بأخصائيي الصحة النفسية، فلديهم سبب وجيه لذلك. لقد أصبحنا عبيدًا لشركات التأمين، ولن نتحرر من هذه القيود إلا بمواجهة سياسة الصحة النفسية. نعم أنني أشعر بالارتياح الشديد لقدومي من أجل ندوة صفوة العمال حيث تتجلى كثير من أعمال زملائي المثمرة، ولكن أقول كلامي هذا لأن عالمنا الحقيقي لا يتمركز هنا داخل جدران المبنى بل يقبع في الخارج حيث يجب على أصواتنا أن تسمع و على السياسة القائمة أن تُصقل من جديد.

المصدر
psychotherapynetworker

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى