كريستوفر بولارد
ترجمة/ د. عبدالله الشهري
كان أنطونيو غرامشي (1891-1937)، الماركسي والصحفي والقيادي السياسي والمنظّر الاجتماعي، رجلًا ضئيل البنية، ذا إعاقة، يعاني مرضًا مزمنًا، وينحدر من بيئة سردينية أنهكها الفقر. وكان كذلك الرجل الذي قالت عنه الدولة الفاشية الإيطالية، في عبارة شهيرة: “يجب أن نمنع هذا الدماغ من العمل عشرين عامًا”.
اعتُقل غرامشي وأُودع السجن عام 1926، وهو في الخامسة والثلاثين من عمره، قبل عشر سنوات من إعلان بينيتو موسوليني إمبراطوريته في أفريقيا. وفي فترات من العمل المكثف، سُمح له خلالها بإدخال القلم والورق إلى زنزانته، دوّن ملاحظات غزيرة في 33 كراسة مدرسية. وسجّل غرامشي أفكاره في النظرية والاستراتيجية، متنقلًا بين التاريخ والسياسة والفلسفة والثقافة. وقد أصبحت هذه الكتابات فيما بعد عمله الأكبر، ’دفاتر السجن‘. وبعبارة المنظّر السياسي جون شفارتسمانتل، يدرس هذا “النص السياسي في جوهره… القوى الفاعلة في الإبقاء على نظام سياسي واجتماعي معيّن وآلية تغييرها”.
كان غرامشي يكتب في ظل انهيار الآمال الثورية في عشرينيات القرن العشرين وأوائل ثلاثينياته. لكنه رفض الفكر الماركسي السائد في عصره؛ إذ رأى أن الماركسية الكلاسيكية مفرطة في ماديتها وجبريتها، وأنها تنظر إلى التاريخ بوصفه مدفوعًا إلى الأمام من خلال البنى المتغيرة للإنتاج الاقتصادي. واقترح غرامشي صيغة أكثر إنسانية من الماركسية. كذلك شدّد على أن الناس يمكن أن يكونوا فاعلين واعين في سيرورات التاريخ، وأكد الدور التاريخي المهم لمعركة الأفكار. وكان يرى أن هذه المعارك قد تفضي إلى تحولات ثقافية، وهي تحولات لا بد منها قبل أن يمكن وقوع تحول ثوري ناجح.
وفي الفلسفة السياسية والعلاقات الدولية وعلم الاجتماع والدراسات الثقافية وغيرها، كُيِّفَت أدواتُه المفهومية وأعيد توظيفها لإلقاء الضوء على موضوعات تمتد من الاقتصاد السياسي الدولي إلى علاقات السُلطة بين الجنسين. وكما يلاحظ شفارتسمانتل، ألهَمَ غرامشي التفكُّر في المجتمع المدني بوصفه “حيز التنوع والاختلاف المميز للمجتمع الديمقراطي الليبرالي”، و”ساحة النضال ضد حكم الحزب الواحد في الأنظمة الشيوعية”. ولعل من المستغرب، بالنظر إلى توجهه اليساري الراسخ، أن غرامشي أصبح أيضًا مصدرًا للأفكار والاستراتيجيات لدى يمين راديكالي آخذ في النهوض من جديد.
العامان الأحمران
انضم غرامشي الشاب، متأثرًا بحركة الطبقة العاملة في تورينو، إلى الحزب الاشتراكي الإيطالي عام 1913. وبعد الحرب العالمية الأولى، شارك في تأسيس صحيفة ’لوردينه نوفو‘ المؤثرة (النظام الجديد) وتولى تحريرها، ونشر فيها مقالات سجالية تحث العمال على تثقيف أنفسهم وتنظيم صفوفهم والتحالف مع الفلاحين. قُتل أكثر من نصف مليون إيطالي في المعارك الوحشية للحرب العظمى. وقد اجتمع السخط العميق على هذه الخسائر مع الإلهام الذي بعثته الثورة الروسية في أكتوبر 1917، ليعززا الاعتقاد بأن ’نظامًا جديدًا‘ يوشك أن يظهر.
أدى غرامشي دورًا قياديًا في موجة الإضرابات واحتلالات مصانع فيات للسيارات في تورينو، التي وقعت خلال ’العامين الأحمرين‘ في 1919-1920. وفي عام 1921، تأسس حزب شيوعي جديد هو ’الحزب الشيوعي الإيطالي‘ (Partito Comunista Italiano)، وأصبح غرامشي عضوًا في لجنته المركزية. وأعقب الاضطراب السياسي العاصف رد فعل فاشي؛ فاستولى موسوليني على السلطة عام 1922. وكما لاحظ المؤرخ جون ماكاي كاميت: “كان الصناعيون قد فقدوا ثقتهم بالدولة الليبرالية، وأصبحوا مستعدين لتقبّل تدابير سياسية من نوع مختلف تمامًا”. ثم أضاف: “كانت ساعة الفاشية قد أزفت”.
وفي العام نفسه، ذهب غرامشي إلى موسكو ليعمل ممثلًا لإيطاليا في اللجنة التنفيذية للأممية الشيوعية. ولما عاد إلى إيطاليا عام 1924، انتُخب عضوًا في البرلمان، وأصبح الأمين العام للحزب الشيوعي الإيطالي؛ أي لحزب ثوري يعمل في دولة فاشية.
كان غرامشي يعتقد أن عضويته المنتخبة في البرلمان تمنحه الحصانة. لكنه اعتُقل وحكمت عليه ’المحكمة الخاصة للدفاع عن الدولة‘. وقد لحق به الوهن أصلًا بسبب إعاقة جسدية نجمت عن سقوطه في صغره، وبسبب اعتلال مزمن في صحته. وأفضت ظروف السجن القاسية في النهاية إلى توقف جسد غرامشي عن العمل؛ فقد تدهورت صحته باطراد طوال الأعوام الأحد عشر التي قضاها في السجن، وتوفي في السادسة والأربعين من عمره. غير أن ’هذا الدماغ‘، طوال سنوات سجنه، ظل يعمل بمستوى رفيع.
الهيمنة
أخفقت النظرية الماركسية الكلاسيكية في التنبؤ بالثورة في الاقتصاد الروسي، الذي كان زراعيًا فلاحيًا في معظمه. كما أخفق المنظّرون الماركسيون في استشراف تطور جديد آخر، هو الفاشية.
يحاول غرامشي في ’دفاتر السجن‘ أن يفهم لماذا لم تنتشر الثورة خارج روسيا، وما الذي يفسر صعود موسوليني والفاشية. فلماذا يفضّل أناس بلغ منهم الفقر والاستغلال مبلغًا شديدًا، كأولئك الذين نشأ بينهم في سردينيا، الفاشيةَ على توسيع نطاق الديمقراطية من المجال السياسي إلى المجال الاقتصادي، وهو ما كان يرى أن نموذج ’الدولة البروليتارية‘ الجديدة أتاحه؟
بلور غرامشي أفكاره الأساسية من خلال تحليل دقيق للأحداث التاريخية. ونظر، على وجه الخصوص، في العملية المعقدة التي أفضت إلى توحيد إيطاليا عام 1861. وكان يكتب واضعًا نصب عينيه تطوير استراتيجيات مناهضة يمكن للأحزاب الثورية العاملة في الدول الغربية الديمقراطية الليبرالية أن تتبناها. ومن أبرز ابتكاراته نظرية ’الهيمنة‘، التي وصفها الباحث في فكر ماركس ديفيد ماكليلان بأنها ’واحد من أهم المفاهيم في النظرية الاجتماعية المعاصرة، وإن كان من أعصاها على التحديد‘.
تُشتق كلمة ’الهيمنة‘ من فعل يوناني يعني ’يقود‘. وقد استخدمها غرامشي للدلالة على الكيفية التي تحافظ بها طبقة مهيمنة سياسيًا على موقعها الحاكم، لا بالقوة أو التهديد بها فحسب، وإنما بالرضا أيضًا. وقد لاحظ أن الطبقة التي تستخدم الإكراه العلني أو المستتر عبر سلطة الدولة لفرض إرادتها لا يمكن أن توصف إلا بأنها ’مسيطرة‘ على الجماعات الاجتماعية الأخرى؛ أما حين تضُم إلى ذلك ’قيادة فكرية وأخلاقية‘ للجماعات المتحالفة معها في المجتمع المدني، فإنها تصبح عندئذ ’مهيمنة‘.
جادل غرامشي بأن نظام التعليم، ووسائل الإعلام الإخبارية والشعبية، والأدب والفنون، والنقابات العمالية، والكنائس، والمثقفين، جميعها تؤدي أدوارًا حيوية في تشكيل تصورات الناس وفهمهم. ولما كانت معركة السلطة تدور جزئيًا خارج النظام السياسي، فقد كان على الأحزاب الطامحة إلى الثورة أن تتغلب على مصادر قوة الهيمنة داخل المجتمع المدني.
كان تحول البلدان الرأسمالية يقتضي تحولًا في العمليات الثقافية التي تؤمِّن من خلالها الجماعات المهيمنة سلطتها. على سبيل المثال، رأى غرامشي أن التعليم يمكن أن يصبح، بعبارة شفارتسمانتل، “قوة ديمقراطية […] ووسيلة لتفكيك الانقسامات الطبقية بدلًا من تعزيزها”.
وشدّد أيضًا على دور المثقفين، الذين لم يعتبرهم أكاديميين في أبراج عاجية فحسب، وإنما اعتبرهم أيضًا عُمّالًا معرفيين. فالمثقفون، وفقًا لغرامشي، يؤدون نوعًا خاصًا من العمل: يسهمون في تشكيل مناخ الرأي، ومن ثم في صيانة النظام القائم وإضفاء الشرعية عليه. ويرتبط بعضهم بالدولة ارتباطًا مباشرًا، لكن كثيرين غيرهم يدعمون الهيمنة على صعيد المجتمع المدني.
ومع أن آراء المثقفين تؤيد في العموم المنظورات السائدة، فإنهم قد يسهمون أيضًا في تحويل الاشتراكية إلى تصور من تصورات ’الحس المشترك‘ المقبول. ولكن هذا ’الحس المشترك‘ لم يكن عند غرامشي سوى قبول واسع بالظلم الاجتماعي، ومن أمثلته قبول التفاوت الكبير في الثروة وتقلّص نطاق الديمقراطية. ويستبطن الناس هذه العلاقات الاجتماعية والاقتصادية البرجوازية استبطانًا يُطبّعها من خلال عملية التنشئة الاجتماعية. ويفضي ذلك إلى أن يقبل المحكومون اضطهادهم قبولًا فاعلًا، وأن يصبح من مصلحتهم بقاؤه واستمراره. ويؤدي هذا ’الحس المشترك‘ إلى تقليل حاجة الدول الرأسمالية إلى استخدام القوة الغاشمة، وإن كانت ستلجأ إليها في أوقات الأزمات. فهو (أي هذا الحس المشترك) يحرس السيطرة الطبقية ويحجبها خلف تصورات ’النظام الطبيعي‘ و’الانسجام الاجتماعي‘.
غرامشي في خدمة اليمين الراديكالي الجديد؟
قضَّت تجربة غرامشي في الاتحاد السوفيتي مضجعه، وجعلته يقلق من أن الدولة الاشتراكية لا تزرع الرضا في وجدان طائفة واسعة من السكان، وأنها تمضي قدمًا في اتجاه سلطوي. وهو يحاول في ’دفاتر السجن‘ أن يعالج ما يسميه المنظّر الاجتماعي ستيفن لوكس “مشكلة الرضا الديمقراطي وسبُل كسبه للاشتراكية”. كان غرامشي يرى أن ذلك يتطلب تنظيمًا سياسيًا وتعبئة سياسية، إلى جانب تطوير ثقافة مضادة للهيمنة. وقد تعارض هذا مع عدة آراء ماركسية سائدة في القرن العشرين كانت تميل، بحسب تعبير لوكس، إلى “اعتبار تعليق الحريات الديمقراطية البرجوازية في المجتمعات الاشتراكية متوافقًا مع المشروع الاشتراكي”.
في العقود الأخيرة، أحرز اليمين الراديكالي تقدمًا في أنحاء العالم بمعارضته لما سمّاه ’العولمة الليبرالية‘. وتذهب دراسة حديثة إلى أن هذا اليمين الجديد متمسك بالديمقراطية على وجه التقريب، لكنه “معادٍ لليبرالية أو غير ليبرالي في رؤيته للعالم وفي طموحاته التحويلية”.
يمكن رؤية تأثير غرامشي في أوروبا؛ ففي إيطاليا، مثلًا، تعاقب على حكومة جورجيا ميلوني وزراء للثقافة تعهدوا بقلب ’الهيمنة الثقافية اليسارية‘. وفي المجر، ندَّدت حكومة فيكتور أوربان غير الليبرالية، التي أُطيح بها مؤخرًا، بآثار ما سمّته ’الماركسية الثقافية‘. بل إن أوربان كتب رسالة ماجستير استخدم فيها أفكار غرامشي لتحليل حركة ’تضامن‘ البولندية في ثمانينيات القرن العشرين. ويظهر تأثير غرامشي أيضًا في الولايات المتحدة، في الطريقة التي سعت بها حركة ترامب و’اليمين البديل‘ والجماعات المتحالفة معها إلى إعادة تشكيل المناخ الفكري والثقافي للبلاد. وعلى غرار الحركات الأوروبية القريبة منها، خاضت هذه الجماعات ’حروبًا ثقافية‘ لا تنقطع، وحشدت الناس، وأنشأت مراكز أبحاث ومؤسسات تعليمية ودور نشر.
ولعل مفهوم غرامشي للهيمنة واستراتيجياته قد أثّرا في مساعي اليمين لإعادة تشكيل المناخ الفكري والثقافي. غير أن هذا اليمين يتبنى مفهومًا ساذجًا لـ’الهيمنة الثقافية‘، ويتصرف كما لو أن ’معارك الأفكار‘ أو ’الحروب الثقافية‘ هي كل ما ينطوي عليه الأمر. ويشير هذا إما إلى ضعف في فهم المفهوم الأبرز الذي تقدم به غرامشي، وإما إلى عدم الاكتراث بفهمه؛ وهو المفهوم الذي رآه أمرًا ’يتكشف في آن واحد عبر المجالات الاقتصادية والسياسية والأيديولوجية‘. بعبارة أخرى، علينا دائمًا أن نفهم القوة الثقافية باعتبارها متصلة بالقوة الاقتصادية.
درس المؤرخ كوين سلوبوديان، في كتابه الحديث ’أنجال هايك غير الشرعيين‘، الصلة بين النيوليبرالية واليمين الشعبوي. ورغم كل الضجيج والغضب السياسيين، هو يرى أنه يصعب على المرء التمييز بين اليمين الجديد ونخبة الشركات، مهما دق وخفي الحد المميِّز بينهما، سواء في قضايا مثل التفاوت في الثروة، أو فرض الضرائب على الشركات، أو القوة الاحتكارية، أو أمْوَلَة الاقتصاد.
باستناده إلى غرامشي، أخفق هذا اليمين الجديد في التعامل بجدية مع الدوافع التي حملت غرامشي على ربط الثقافة بالاقتصاد السياسي. فحتى في الديمقراطيات الراسخة، لا تفضي مشكلتا التفاوت الفادح والتراكم المذهل لرأس المال إلا إلى تركيز القوة على نحو يجرِّد المواطنين من حقوقهم السياسية ويُقوض المؤسسات الثقافية والسياسية، بما فيها المؤسسات التي يزعم اليمين الراديكالي أنه حريص عليها.
المصدر: https://theconversation.com/antonio-gramsci-his-philosophy-explained-286341



