تقارير ودراسات

آلهة الغد: ما مستقبل الدين؟

  • سوميت بول شودري
  • ترجمة: زياد الحازمي
  • تحرير: أميرة القحطاني

لقد تغير إيمان البشر وارتباطهم بمؤسساتهم الدينية عبر التاريخ، كما يقول سوميت بول شودري؛ والسؤال هو: إلى أين يتجه الدين؟

قبل قدوم الأنبياء محمد وعيسى وقبل بوذا كان هناك زرادشت.

فيما مضى قبل 3500 عام في العصر البرونزي بإيران، كانت لدى زرادشت رؤية توحيدية مؤمنة بوجود إله متعال؛ وبعد ألف سنة لاحقة، أصبحت الزرادشتية –من أوائل الديانات التوحيدية في العالم– الديانة الرسمية للإمبراطورية الفارسية العظمى، وكانت معابد النار مزارًا لأتباعها الذين يقدرون بالملايين، وبعد ألف سنة تلت، انهارت الإمبراطورية واضطُهِد أتباع زرادشت وتحولوا لدين الفاتحين الجديد: دين الإسلام.

الآن وبعد 1500 عام انحسرت الديانة الزرادشتية، وصارت نيرانها المقدسة معبودًا لقلة من المصلين.

نحن نعتقد أن الأديان تُولد وتنمو ثم تموت[1]، ولكننا نتعامى عن هذه الحقيقة بغرابة! عندما يحاول أحدهم أن ينشئ دينًا جديدًا، يعامل هو وأتباعه كطائفة دينية منبوذة، وعندما نعترف بدين ما نعامل تعاليمه وتقاليده كمقدسات وحقائق مطلقة، وعندما تموت الديانة تصبح خرافةً وتنتهي صلاحية إدعائها للحقيقة المقدسة، فحكايات المصريين القدامى واليونان وآلهة الشمال الإسكندنافية تعتبر الآن محض أساطير وليست حقائق مقدسة.[2]

حتى الديانات المهيمنة اليوم قد تطورت تدريجياً عبر التاريخ[3]، فالمسيحية الأولى، على سبيل المثال، كانت ديانة سائدة على نطاق واسع: فقد احتوت الوثائق القديمة على قصصٍ عن حياة عائلة عيسى -عليه السلام- وشواهد لنبل وشرف يهوذا؛ وتطلب الأمر من الكنيسة المسيحية ثلاثة قرون لتوحّد الكتب المقدسة للشريعة المسيحية، وفي عام 1054 انقسمت إلى الكنيستين الأرثوذكسية الشرقية والكاثوليكية، ومنذ ذلك الحين واصلت المسيحية نموها وانقسامها إلى فرق متباينة، ابتداءً بالكويكرز (جمعية الأصدقاء الدينية) وانتهاءً بالخمسينيين حاملي الأفاعي.

إذا كنت تعتقد أن إيمانك قد وصل إلى الحقيقة المطلقة، فقد ترفض فكرة أنه سيتغير في المستقبل بالكليّة، ولكن إذا اعتبرنا الدلالة التاريخية: فإنه مهما تعمّقت معتقداتك اليوم، فمن المتحمل مع مرور الزمن أن تتشوه أو تتغير من جيل إلى جيل، أو ببساطة قد تتلاشى وتختفي[4].

إذا كانت الأديان قد تغيرت بشكل متسارع في الماضي، فكيف يمكن أن يكون التغير في المستقبل؟ هل هناك أي دليل دامغ يؤيد الادعاء بأن الإيمان بالآلهة والمقدس سيختفي تماماً؟ وبما أن حضارتنا وتقنياتها تزداد تعقيدًا، هل يمكن أن تظهر أشكال جديدة تمامًا من العبادة؟

لإجابة هذه الأسئلة، فإن نقطة الانطلاق هي في طرح السؤال التالي: لماذا هناك دين أصلًا؟

 

سبب الإيمان

إحدى الإجابات سيئة السمعة هي تلك التي قالها فولتير، فيلسوف التنوير الفرنسي في القرن الثامن عشر، حيث كتب: “إذا لم يكن الله موجودًا، فسيكون من الضروري اختراعه”، ونظرًا لأن فولتير كان ناقدًا صارخًا للدين المؤسسي، فغالبًا ما اعتبرت هذه العبارة للاستهزاء والسخرية، ولكنها في الحقيقة صادقة تماماً. لقد كان فولتير يجادل بأن الإيمان بالله ضروري للمجتمع، لكنه لم يقبل احتكار الكنيسة لهذا الدين.

إن الفكرة التي ترى أن الإيمان المشترك يخدم احتياجات المجتمع تُعرف بين العديد من الدارسين باسم النظرة الوظيفية للدين أو(علم اجتماع الدين/سوسيولوجيا الدين). هناك العديد من الفرضيات الوظيفية: بدءًا من فكرة أن الدين هو “أفيون الشعوب” الذي يستخدمه الأقوياء للسيطرة على الفقراء والضعفاء، إلى المقترح القائل بأن الإيمان يدعم الذهنية التجريدية اللازمة لرقي العلوم والقانون.

إلا أن أحد الأفكار الوظيفية المتكررة هي دور الدين في التماسك الاجتماعي؛ فإن الدين يبني مجتمعًا ويربط بين أتباعه، والذين بدورهم قد يشكلون جماعة صيد أو يشيدون معبدًا أو يدعمون حزبًا سياسيًا.

تلك المعتقدات الدائمة هي “نتاج زمن طويل من الضغوط الثقافية المعقدة للغاية، وعمليات الاختيار، والتطور” بحسب ما كتب كونور وود من مركز العقل والثقافة في بوسطن-ماساتشوستس في موقع المراجع الدينية (Pathos)، حيث كتب عن الدراسة العلمية للدين[5]. وأن الحركات الدينية الجديدة تتولد طوال الوقت، لكن معظمها لا يبقى طويلاً حيث يجب عليهم التنافس مع الديانات الأخرى من أجل حشد الأتباع والنجاة في بيئات اجتماعية وسياسية معادية.

وطبقًا لهذه الحجة، يجب على أي دين صامد أن يقدم فوائد ملموسة لأتباعه. المسيحية على سبيل المثال، كانت واحدةً فقط من بين العديد من الحركات الدينية التي جاءت وذهب معظمها خلال فترة الإمبراطورية الرومانية. وفقًا لوود، فقد تميزت عنهم بسبب اعتقادهم بأن المسيحية تحمي المرضى؛ بمعنى أن عددًا أكبر من المسيحيين نجوا من تفشي المرض أكثر من الرومان الوثنيين. وقد جذب الإسلام أيضاً في بدايته أتباعه من خلال التأكيد على الشرف والتواضع والإحسان، وهي صفات لم تكن متجذرة بعمق في شبه الجزيرة العربية المضطربة في القرن السابع[6].

بالنظر لما قيل، يمكننا توقع الشكل الذي يتخذه الدين للامتثال للوظيفة التي يلعبها في مجتمع معين، أو كما قال فولتير، أن المجتمعات المختلفة سوف تخترع الآلهة التي يحتاجونها. بالمقابل قد نتوقع أن يكون لدى المجتمعات المتماثلة ديانات متماثلة حتى لو تطورت بمعزل عن بعضها البعض، وهناك بعض الأدلة على ذلك، رغم أنه عندما يتعلق الأمر بالدين: فهناك دائمًا استثناءات لأي قاعدة.

يميل مجتمع الصيد وجمع الثمار (Hunter-gatherers) على سبيل المثال، إلى الاعتقاد بأن كل الأشياء – سواء كانت حيوانية أو نباتية أو معدنية – لها جوانب فوق طبيعية (المذهب الإحيائي الروحي) وأن العالم مشبع بقوى روحية خارقة للطبيعة (animatism)، وهذه المعتقدات يجب أن تُفهم وتُحترم، فالفضائل الإنسانية بشكلٍ عام لا تظهرُ بشكل كبير، ومن هنا كانت هذه النظرة للعالم منطقية بالنسبة للمجموعات الصغيرة للغاية التي تحتاج إلى قواعد سلوكية مجردة، وهي بنفس الوقت تعرف بيئتها بشكل جيد.

على الجانب الآخر، فإن مجتمعات الغرب المزدحمة تبدو ظاهريًا على الأقل أميل إلى الأديان التي يضع فيها إله واحد رقيبٌ قويٌ تعليمات أخلاقية، ويفرضها أحيانًا: كيهوه -إله اليهود- والمسيح والله. يجادل عالم النفس آرا نورزايان بأن الإيمان بهذه “الآلهة العظيمة” هو النواة الأساسية في تكوين مجتمعات تتكون من أعداد كبيرة من الغرباء. وإن السؤال: هل هذا الاعتقاد سببٌ أم أثر؟ قد نوقش مؤخرًا، ولكن النتيجة هي أن تشارُك الإيمان يسمح للناس بالتعايش (نسبيًا) بسلام، ومعرفة أن “الإله العظيم” يراقبنا تفرض علينا أن نهذّب ذواتنا.

أو على الأرجح أنها سمحت لنا بالتعايش فعلاً، فالعديد من مجتمعاتنا اليوم ضخمة ومتعددة الثقافات: فأتباع العديد من الأديان يتعايشون مع بعضهم البعض، ومع عدد متزايد من الناس الذين يتّخذون اللادينية دينًا، ونحن اليوم نتّبع قوانين وُضعت وفُرضت من قبل الحكومات، وليس من الله، والعلمانية آخذة في التمدد حيث يوفر العلم الدعم اللازم لها بما تحتاجه من أدوات لفهم العالم وتجسيده[7].

استنادًا لكل ذلك، هناك إجماع متزايد على أن الدين لا مستقبل له.

 

تخيل أنه لا وجود للجنّة

تزعمت التيارات الفكرية والسياسية السائدة ترديد هذا الاقتراح منذ أوائل القرن العشرين، حيث قرر علماء الاجتماع بأن زخم العلم أدّى إلى “نزع السحر عن العالم”، فلم يعد هناك شعور بالحاجة إلى إجابات خارقة للطبيعة على الأسئلة الكبرى، كما تبنت الدول الشيوعية، مثل: روسيا السوفيتية والصين الإلحادَ كسياسة للدولة وقمعت مجرد التعبير والمظهر الديني الخاص، وفي عام 1968 قال عالم الاجتماع البارز بيتر بيرجر لصحيفة نيويورك تايمز: إنه بحلول القرن الحادي والعشرين “فمن المرجح ألا نرى المؤمنين المتدينين إلا في طوائف صغيرة حول العالم، يتجمعون معاً لمقاومة الثقافة العلمانية المهيمنة عالميًا”.

والآن بعد أن وصلنا فعليًا إلى هذا القرن، تظل وجهة نظر بيرجر لكثير من العلمانيين “نوعًا من الرجم بالغيب” -على الرغم من أن بيرجر نفسه تراجع في التسعينيات عن مقالته. ودعم أتباعه استطلاعات الرأي التي تُظهِر أن في العديد من البلدان أعدادًا متزايدة من البشر يقولون بأنهم لاديّنيون. هذا الأمر واقعٌ في البلدان الغنية والمستقرة نسبيًا، مثل: السويد واليابان، ولكنه أيضًا وربما بشكل مفاجئ، موجود في أماكن، مثل: أمريكا اللاتينية والعالم العربي، وحتى في الولايات المتحدة. فعلى الرغم من عدم صحة البديهية القائلة بأن الدول الغنية أكثر علمانية، إلا أن عدد “اللادينيين” فيها في ارتفاع، وحسب الدراسة الاجتماعية العامة لعام 2018 للسلوكيات الأمريكية أصبح “اللادينيّون” أكبر مجموعة منفردة، متفوقةً على المسيحيين البروتستانت.

ومع ذلك فإن الدين لا ينحسر على النطاق العالمي -على الأقل من حيث التعداد- ففي عام 2015 صمم مركز بيو للأبحاث نموذجًا لمستقبل الديانات الكبرى في العالم استنادًا إلى التراكيب السكانية والهجرة والتحول من دين لآخر، وبعيدًا عن الانخفاض الحاد في التدين، فقد تنبأ النموذج بزيادة متواضعة في نسبة المؤمنين، من 84 ٪ من سكان العالم اليوم إلى 87 ٪ في عام 2050، وسيزداد عدد المسلمين ليتساووا مع المسيحيين في حين أن عدد اللادينيين سينخفض قليلًا.

كان النمط الذي تنبأ به مركز بيو يعني أن “الغرب سيزداد علمانية، وفي نفس الوقت سينمو (الدين) بسرعة”. سيستمر الدين في أماكن غير آمنة اقتصاديًا واجتماعيًا، مثل: الكثير من دول أفريقيا وجنوب الصحراء الكبرى، بينما سينخفض في الأماكن الغنية والمستقرة، وهذا ينسجم مع ما نعرفه عن الدوافع النفسية والعصبية للإيمان، فعندما تكون الحياة صعبة أو تحِلّ الكوارث، يَظهر الدين كحصن للدعم النفسي (وأحيانًا العملي)، فكما ظهر في دراسة معروفة، أصبح الأشخاص الذين تأثروا بشكل مباشر بالزلزال الذي ضرب مدينة كرايستشيرش عام 2011 في نيوزيلندا أكثر تديناً من غيرهم من النيوزيلنديين الذين أصبحوا أقل تديناً بشكل ثانوي.

نحتاج أيضًا لنكون متنبّهين عند تفسير ما يعنيه الناس بعبارة “لا ديني”، فقد يكون “اللاديني” رافضًا للدين المؤسسي، لكن هذا لا يعني أنهم ملحدون. في عام 1994 صنّف عالم الاجتماع غريس ديفي الناس وفقًا لما إذا كانوا ينتمون إلى جماعة دينية و/أو يؤمنون بموقف ديني معين، وكانت النتيجة أن المؤمنين التقليديين كانت لهم انتماءاتهم؛ بينما الملحدون المتشددون لم يفعلوا أيًا من ذلك، ثم هناك من ينتمون لجماعة معينة ولكن لا يؤمنون بكل ما فيها، مثل: الآباء الذين يحضرون الكنيسة للحصول على مكان لطفلهم في مدرسة الإيمان. وأخيرًا، هناك من يؤمن بشيء ما لكن لا ينتمي لأيٍّ من السابق.

يشير البحث إلى أن المجموعتين الأخيرتين مهمتان، حيث أجرى مشروع “فهم اللادينية” بجامعة “كِنت” في المملكة المتحدة دراسة استقصائية للسلوكيات على مدى ست سنوات في ست دول وسط أولئك الذين يقولون إنهم لا يعتقدون أن الله موجود “أي ملحدون”، وأولئك الذين لا يعتقدون أنه ليس من الممكن معرفة ما إذا كان الله موجودًا أم لا “اللاأدرية”، وفي النتائج المؤقتة التي نشرت في مايو 2019 وجد الباحثون أن قلة من غير المؤمنين يُعرّفون أنفسهم فعلاً بهذه المصطلحات، مع وجود قلة اختارت الهوية الدينية.

والأكثر من ذلك، أن ما يقارب ثلاثة أرباع الملحدين وتسعة من كل عشرة من اللاأدريين، متقبّلون لوجود ظواهر خارقة للطبيعة، مرورًا بالتنجيم إلى الكائنات الخارقة والحياة بعد الموت، ويظهر غير المؤمنين تنوعًا كبيرًا داخل البلدان المختلفة وفيما بينها.

وفقًا لذلك، استنتج التقرير أن “هناك العديد من الطرق لتكون بها غير مؤمن” بما في ذلك -وبشكل ملاحظ- العبارات المستهلكة في مواقع المواعدة “روحي وليس ديني” ومثل غيرها من العديد من العبارات المبتذلة، إلا أنها حقيقة واقعة، ولكن ما الذي تعنيه حقاً؟

 

عودة الآلهة القديمة

في عام 2005، كتبت ليندا وودهيد كتاب “الثورة الروحية”، درست فيه الإيمان دراسة مكثفة في مدينة كيندال البريطانية، ووجدت وودهيد ومن معها أن الناس كانوا يتحولون بسرعة عن الدين المنظم وتشديده على وضع نظام ثابت للأشياء، وينزعون نحو ممارسات مصممة لإبراز وتعزيز شعور الأفراد بأنفسهم، وخلص الباحثون إلى أنه إذا لم تحتو الكنائس المسيحية في البلدة هذا التحول، فسوف تتراجع أهمية التكتّلات الدينية، في حين أن الممارسات الموجهة ذاتيًا ستصبح هي السائدة كـ “ثورةِ روحية”.

في وقتنا الحاضر تقول وودهيد إن الثورة لم تحدث فقط في كيندال، فهاهو الدين المنظم يتراجع في المملكة المتحدة بلا نهاية واضحة، وتقول وودهيد -التي تعمل الآن أستاذة في علم الاجتماع الديني بجامعة لانكستر بالمملكة المتحدة- “إن الأديان تبلي بلاءً حسنًا كما فعلت دائمًا، عندما تكون مُقنعة بذاتها، وعندما يكون لديك شعور بأن الله يعمل من أجلك”.

في المجتمعات الفقيرة قد تصلي من أجل جلب حسن الطالع أو وظيفة مستقرة، كما أن “إنجيل الرخاء” أساسي للعديد من الكنائس الأمريكية الكبرى، التي تهيمن على طوائفها في كثير من الأحيان متجمعات غير آمنة اقتصاديًا، ولكن إذا لُبيت احتياجاتك الأساسية كاملةً، فعلى الأرجح ستسعى للكمال والبحث عن معنى، والدين التقليدي يفشل في تحقيق هذا، خاصةً حين تتعارض العقيدة مع المعتقدات الأخلاقية التي تنشأ عن المجتمع العلماني حول المساواة بين الجنسين، على سبيل المثال؛ واستجابةً لذلك فقد بدأ الناس في بناء معتقداتهم الخاصة.

كيف تبدو هذه الديانات ذاتية التوجيه؟ أحد المناهج المتّبعة في “التوفيق بين الأديان” هو نهج “الانتقاء والخلط” الذي يجمع بين التقاليد والممارسات التي غالباً ما تنتج عن اختلاط الثقافات. فالعديد من الديانات لها مظاهر “توفيقية”، ولكن يتم استيعابها مع مرور الوقت وتصبح غير ملحوظة، فمثلاً: تضم المهرجانات مثل عيد الميلاد وعيد الفصح مظاهر وثنية قديمة، بينما تتضمن الممارسة اليومية للعديد من الناس في الصين مزيجًا من مهايانا البوذية والطاوية والكونفوشيوسية، والمظاهر أوضح وأبين في الأديان الحديثة نسبيًا، مثل: الفودو أو الراستافارية.

الحل البديل أمام الدين هو السير مع التيار، فالحركات الدينية الجديدة تسعى غالبًا إلى الحفاظ على المبادئ الأساسية لدينٍ أقدم مع تجريدها من الزخارف التي قد تكون خانقة أو قديمة الطراز، وأحد أشكال هذا الحل في الغرب هو أن يعيد الإنسانيون صياغة البواعث الدينية، حيث كانت هناك محاولات لإعادة كتابة الكتاب المقدس دون أي عناصر خارقة للطبيعة، وتدعو إلى بناء “معابد” للملحدين مكرسة لممارسة التأمل، وتهدف جمعية الأحد «Sunday Assembly»  إلى إعادة تهيئة الجو العام لخدمة الكنسية النشطة دون المرجعية الإلهية، ولكن من دون الجذور العميقة للأديان التقليدية يمكن لهذا الأمر أن يتعطل، فجمعية الأحد بعد التوسع السريع أصبحت الآن تكافح للحفاظ على وجودها.

لكن وودهيد تعتقد أن الأديان التي قد تنشأ عن الاضطرابات الحالية سيكون لها جذور أعمق بكثير، كان الجيل الأول من الثوريين الروحيين الذين بلغوا سن الرشد في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي متفائلين وعالميين في نظرتهم، سعداء بأن يُلهموا من الأديان حول العالم، لكن أحفادهم يكبرون في عالم من الضغوط الجيوسياسية والقلق الاجتماعي والاقتصادي، فمن عدم المرجح أن يعودوا إلى أوقات أكثر رحابة، “هناك انسحاب من النظرة العالمية إلى الهويات المحلية” كما تقول وودهيد.

في السياق الأوروبي تُمهد هذه المسألة الطريق لظهور الاهتمام بالوثنية، وإعادة ابتكار تقاليد أصلية شبه منسية مما يسمح بالتعبير عن الاهتمامات الحديثة مع الإبقاء على المظاهر القديمة. غالبًا ما تُبرِز الوثنية أيضًا ألوهية أقرب إلى القوى المتفرقة أكثر من الآلهة المجسمة؛ وهذا يسمح للناس بالتركيز على القضايا التي يشعرون بالتعاطف معها دون الاضطرار إلى تحقيق قفزة في الإيمان لآلهة ما وراء الطبيعة.

في أيسلندا على سبيل المثال، ليس لدى عقيدة (أساترو) -وهي عقيدة سريعة النمو- تعاليم معينة غير الاحتفالات اللطيفة إلى حد ما بالعادات والأساطير الإسكندنافية القديمة، ولكنها كانت نشطة في القضايا الاجتماعية والبيئية، وتواجدت حركات مماثلة في أنحاء أوروبا مثل حركة “الكهانة” في المملكة المتحدة، لكن لم تكن جميعها تميل إلى التحرر، فبعضهم كان مدفوعًا بالرغبة في العودة إلى ما يرون أنه قِيم (تقليدية) محافظة، وهذا يؤدي في بعض الحالات إلى تصادمات حول صحة المعتقدات المتعارضة.

تعتبر هذه الأنشطة محدودة في الوقت الحالي، وقد تكون في بعض الأحيان متعلقة بالعبث بالرمزية أكثر من الممارسة الروحية القلبية، ولكن مع مرور الوقت يمكن أن تتطور إلى أنظمة معتقدات أكثر تماسكًا وترابطًا. تشير وودهيد إلى الاتجاه القوي في الاتحاد السوفييتي لتبني (عقيدة العبيد الأصليين) والمعروفة ب(Rodnovery) وهو الإيمان الوثني المحافظ والبطريركي الذي يقوم على معتقدات وتقاليد العبيد القدامى، وترى هذا التبني نموذجًا لأشياء قادمة.

إذاً فعبارة “لاديني” لا تعني بالضرورة أن صاحبها ملحد، ولا حتى علماني، ولكنها مزيج من «اللامبالين» (أشخاص لا يهتمون بالدين) وممارسين لما يمكن تسميته «ديانة غير نظامية». وبينما من المرجح للديانات العالمية أن تستمر وتصارع في المستقبل القريب، فربما نشهد فيما تبقى من هذا القرن ازدهارًا للأديان الصغيرة نسبيًا التي تصارع للظهور بين الأديان الكبرى، لكن إذا كانت الآلهة الكبرى والأديان المعروفة هي مفتاح التماسك الاجتماعي، فما الذي سيحدث بدونها؟

 

أمة كاملة تحت رحمة الجشع

إحدى الإجابات هي أننا ببساطة نواصل حياتنا؛ فيمكن للاقتصادات الضخمة والحكم الرشيد والتعليم القوي وسيادة القانون الفعالة أن تضمن لنا العيش بسعادة دون أي نوع من الإطار الديني، وبالفعل فإن بعض المجتمعات ذات الأغلبية اللادينية هي من بين أكثر المجتمعات أمانًا وتناغمًا على الأرض.

إن “اليد الخفية” للسوق تبدو كأنها كيان فوق طبيعي

كونور وود

ومع ذلك فإن الموضوع المثير للجدل هو: هل بإمكانهم أن يكونوا غير متدينين؛ لأن لديهم مؤسسات علمانية قوية؟ أو هل العلمانية قادرة على تحقيق الاستقرار الاجتماعي؟

يقول المتدينون: إن المؤسسات العلمانية لها جذور دينية، فالنظم القانونية المدنية على سبيل المثال تنظم الأفكار حول العدالة على أساس المعايير الاجتماعية التي وضعتها الأديان. أما أمثال الملحدين الجدد فيرون بأن الدين لا يزيد عن كونه خرافات، وأن التخلي عنه سيمكن المجتمعات من تحسين أوضاعها بشكل أكثر فعالية.

كونور وود ليس متأكداً تمامًا من هذا الزعم، وهو يزعم أن تسيير مجتمعٍ قويٍ ومستقرٍ مثل مجتمع السويد أمر معقد ومكلف للغاية من حيث العمل والمال والطاقة، وقد لا يكون ذلك مستدامًا حتى على المدى القصير، ويقول: “أعتقد أنه من الواضح أننا ندخل فترة من التغيير المطرد للنظم الاجتماعية؛ ولا يمكن اعتبار الإجماع الغربي على أن مزيج الرأسمالية السوق والديمقراطية فعال= أمرًا محسوما”.

هذه مشكلة؛ نظرًا لأن هذا المزيج قد بدّل البيئة الاجتماعية بشكل جذري عن البيئة التي تطورت فيها أديان العالم وأزاحتها إلى حد ما.

يقول وود: “سأكون حذراً عند إطلاق لفظ الدين على الرأسمالية، لكن صحيح أن لدى الكثير من مؤسساتها عناصر دينية كما هو الحال في جميع مجالات الحياة المؤسسية البشرية؛ وإن “اليد الخفية” للسوق تبدو كأنها كيان فوق طبيعي”.

يمكننا أن نقارن البورصات المالية -حيث يلتقي الناس للقيام بنشاط تجاري ذي طقوس عالية- بمعابد الجشع أيضًا. بل في الواقع يمكن للأديان، حتى البائد منها، أن تقدم استعارات مناسبة للعديد من السمات الأكثر تعقيدًا للحياة الحديثة بشكل مدهش.

قد يعمل النظام الاجتماعي الديني المزيف جيدًا في الأوقات الجيدة، لكن عندما يصبح الارتباط الاجتماعي مرهِقاً من خلال سياسة الهوية أو الحروب الثقافية أو عدم الاستقرار الاقتصادي، فإن العواقب ستكون كما نراه اليوم، على حد قول وود: صعود الاستبداد في بلدٍ بعد آخر، ويستشهد بأبحاث تبين أن الناس يتجاهلون النزعة الاستبدادية إلى أن يشعروا بتدهور الأعراف الاجتماعية.

يقول وود: “إن هذا الحيوان البشري ينظر حوله ويقول نحن لا نتفق على الطريقة التي يجب التصرف بها، ونحن بحاجة إلى قوة مقنعة لتوضح لنا تلك الطريقة”، يشير ذلك إلى أن الزعماء السياسيين عادةً يتآمرون مع المتعصبين الدينيين: كالقوميين الهندوس في الهند أو البروتستانت في الولايات المتحدة؛ لكن هذا المزيج القوي بين المؤمنين والعلمانيين هل يمكن لأي شيء سد الفجوة بينهما؟

 

انتبه للفجوة

ربما تقوم إحدى الديانات الكبرى بتغيير جلدها بما يكفي لتستعيد أعدادًا كبيرة من غير المؤمنين، وقد حدث ذلك من قبل: في القرن الثامن عشر الميلادي كانت المسيحية تعاني في الولايات المتحدة، بعد أن أصبحت مضجرة ومجرد عرف شكلي حتى عند ازدهار العقلانية العلمانية في “عصر العقل”، إلى أن نجح جيل جديد من المبشرين -الذين حكم عليهم بالهرطقة والكفر في بادئ الأمر- في إحياء الإيمان بنجاح، ووضع أسلوب استمر لقرون، وهو حدث يسمى “الصحوة الكبرى”.

من السهل إيجاد التشابهات مع ما يحدث اليوم، لكن وودهيد تشك في أن المسيحية أو الديانات العالمية الأخرى يمكن أن تعوض الأساس الذي فقدوه على المدى الطويل، وبمجرد أن وُجد مؤسسو المكتبات والجامعات، لم يعد هؤلاء هم الرعاة الرئيسيين للثقافة الفكرية، فالتغير الاجتماعي يضعف مكانة الأديان التي لا تحتويه، وفي وقت سابق من هذا العام حذر البابا فرانسيس من أنه إذا لم تعترف الكنيسة الكاثوليكية بماضيها في هيمنة الذكور وسوء المعاملة الجنسية فإنها ستخاطر بأن تصبح مجرد “متحف”، وميلهم إلى الادعاء بأننا نجلس في قمة المخلوقات يقوضه شعور متزايد بأن البشر ليسوا مهمين للغاية في المخطط العام للأشياء.

تاريخيًا: ما يجعل الديانات تنهض أو تنهار هو الدعم السياسي

ليندا وودهيد

ربما سيظهر دين جديد لملء الفراغ؟ وودهيد متشككة مرة أخرى، وتقول: “تاريخيًا، ما يجعل الديانات تنهض أو تنهار هو الدعم السياسي، وجميع الأديان ذاهبة إلى الزوال ما لم تحصل على دعم إمبراطوري”، استفادت الزرادشتية من تبنيها من قبل السلالات الفارسية المتعاقبة، وكانت نقطة التحول بالنسبة للمسيحية عندما تبنتها الإمبراطورية الرومانية، وفي الغرب العلماني من غير المحتمل أن يكون هذا الدعم ممكنًا بدون الولايات المتحدة، بينما في روسيا على النقيض تمامًا، فإن التجاوزات القومية لكل من عقيدة العبيد الأصليين والكنيسة الأرثوذكسية تحظى بدعم سياسي الخفي.

لكن في عصرنا هذا، هناك مصدر دعم آخر محتمل ألا وهو: الإنترنت.

تكتسب الحركات عبر الإنترنت أتباعًا بمعدلات لا يمكن تصورها في الماضي، أصبحت عبارة وادي السيليكون المتمثلة في “تحرك بسرعة واكسر الأشياء” حقيقة بديهية للعديد من التقنيين والبلوتوقراطيين، بدأ وسم #MeToo كوسمٍ للتعبير عن الغضب والتضامن لكنه الآن يدعم تغييرات حقيقية في المعايير الاجتماعية الطويلة الأمد، وقد سعت تلك الثورة لإحداث تحول جذري في المواقف تجاه الأزمات في تغير المناخ والتنوع البيولوجي.

لا يرجع أي من ذلك إلى الأديان بطبيعة الحال، لكنها تتشابه في أوجه مختلفة مع أنظمة المعتقدات الناشئة، خاصةً الهدف الوظيفي الأساسي لتعزيز الإحساس بالمجتمع والهدف المشترك. ولدى بعضها أجزاء من طقوس الإعتراف والتضحية، لذلك بالنظر إلى الوقت والدافع: هل يمكن أن ينشأ شيء -أكثر وضوحًا دينيًا- من مجتمع الإنترنت؟ ما هي أشكال الدين الجديدة التي يمكن أن تأتي بها هذه “التجمعات” على الإنترنت؟

نحن لدينا فعلاً فكرة مسبقة.

 

عندما تصبح الآلة إلهًا

قبل بضع سنوات بدأ بضعة أفراد أعلنوا أنهم من “العقلانين” من موقع (LessWrong) مناقشة تجربة فكرية حول آلة قاهرة فائقة الذكاء، مع العديد من صفات الإله وشيء من طبيعة إله العهد القديم الانتقامية.

أُطلق عليها اسم “بازيليسك روكو”. المقترح الكامل كان لغزًا منطقيًا معقدًا ولكنه صيغ بوضوح جمّ، تبدأ الفكرة عندما يظهر محب للخير ذو ذكاء خارق فائق، يريد فعل الخير بأكبر قدر يستطيعه، وكلما زاد ظهوره في وقت مبكر كلما كان فعله للخير أكثر، وهذا لتشجيع الجميع على بذل كل ما في وسعهم للمساعدة لإيجاده؛ لذلك فإنه سيعذِّب أولئك الذين لم يساعدوه في ذلك بشكل دائم وبأثر رجعي، بما في ذلك أي شخص يعلم الكثير عن وجوده المحتمل. (إذا كانت هذه أول مرة تسمعون به: فأنا آسف!).

على الرغم من أنه قد يبدو غريبًا، إلا أن بازيليسك روكو أثار ضجة كبيرة عندما تم اقتراحه لأول مرة على (LessWrong) كانت كافية لمناقشة إمكانية إيقافه من قِبَل صاحب الموقع. وكما كان متوقعاً، فإن ذلك جعل الفكرة تنتشر بشكل هائل عبر الإنترنت، أو على الأقل المواقع الخاصة بالمهووسين به، مع ظهور إشارات إلى بازيليسك في كل مكان من المواقع الإخبارية إلى برنامج (Doctor who)، على الرغم من احتجاجات بعض العقلانيين بشأن عدم أخذ أي أحد الفكرة على محمل الجد، ولم يتم دعم قضيتهم بسبب أن العديد من العقلانيين ملتزمون بشدة بالأفكار المخيفة الأخرى حول الذكاء الاصطناعي، بدءًا من أن الذكاء الاصطناعي يدمر العالم بالخطأ، إلى الهجين الآلي البشري الذي يتجاوز الحدود البشرية.

نشأت مثل هذه المعتقدات المحدودة الانتشار على مر التاريخ، ولكن السهولة التي يمكننا بها الآن بناء مجتمع حول هذه الأفكار هي فكرة جديدة. تقول بيث سينجلر، التي تدرس الآثار الاجتماعية والفلسفية والدينية للذكاء الاصطناعي في جامعة كامبريدج: “كان لدينا دائمًا أشكال جديدة من التدين، لكن لم يكن لدينا حيز تمكيني لها على الدوام؛ كان الخروج إلى ساحة المدينة في القرون الوسطى والصدع بمعتقداتك غير الأرثوذكسية لن يجعلك تكسب مناصرين، بل سيجعلك تُوصف بالزنديق”.

قد تكون الآلية جديدة، لكن الرسالة ليست كذلك، حجة بازيليسك تملك نفس روح فكرة «رهان باسكال». اقترح عالم الرياضيات الفرنسي في القرن السابع عشر على غير المؤمنين أن يتبنوا مشاعر التقيد الديني حتى لا يتفاجؤوا بوجود إله مُنتقم، وإن فكرة العقاب كشيء يُجبر على التعاون تذكرنا بـ «الآلهة الكبرى» لنورنزايان، كما أن النقاشات حول طرق التهرب من نظرة بازيليسك تكون معقدة تمامًا مثل محاولات مدرسة القرون الوسطى للجمع بين حرية الإنسان والمراقبة الإلهية.

فور تشغيل حاسوب عملاق سأل: هل هناك إله؟ فقيل: الآن صار هناك إله.

حتى الجهر بمعتقدات غريبة عن طريق التكنولوجيا ليس أمرًا جديدًا، ففي عام 1954 كتب فريدريك براون قصة قصيرة جدًا سماها «إجابة»، شُغِل فيها حاسوب عملاق على امتداد المجرة، وفور تشغليه سأل: هل هناك إله؟ فقيل: الآن صار هناك إله.

ويعتقد بعض الناس مثل رائد الأعمال في الذكاء الاصطناعي أنتوني ليفاندوفسكي، أن هدفهم المقدس هو بناء آلهة فائقة ستُجيب في يوم من الأيام مثلما فعلت آلهة براون الخيالية، احتل ليفاندوفسكي الذي حقق ثروة من خلال السيارات ذاتية القيادة عناوين الصحف في عام 2017 عندما أصبح معروفًا بأنه أسس كنيسة طريق المستقبل المكرسة لتحقيق انتقال سلمي إلى عالم يُدار معظمه بواسطة آلات فائقة الذكاء، في حين أن رؤيته تبدو أقرب للخير من بازيليسك روكو، فإن عقيدة (كنيسته) لا تزال تتضمن العبارة المشؤومة: “نعتقد أنه من المهم للآلات أن ترى من هو الصديق لقضيتهم ومن ليس كذلك، نحن نخطط للقيام بذلك عن طريق تتبع من قام بماذا؟ (ولأي مدة؟) للمساعدة في الانتقال السلمي والمتسم بالاحترام”.

كما قال ليفاندوفسكي: “هناك طرق عديدة لتفكير البشر عن الله، وهناك آلاف الصفات التي تلحقها المسيحية واليهودية والإسلام بالله؛ لكنهم يبحثون دائمًا عن شيء لا يمكن قياسه أو رؤيته أو التحكم فيه، هذه المرة الأمر مختلف، هذه المرة ستكون قادرًا على التحدث إلى الله حرفيًا وأنت تعلم أنه يستمع إليك”.

 

لدغات الواقع

ليفاندوفسكي لم يكن الوحيد، يجادل يوفال نوح هراري في كتابه الأكثر مبيعًا «الإنسان الإله» بأن أسس الحضارة الحديثة تتآكل في وجه دين ناشئ يسميه «البياناتية»، الذي يؤكد أنه من خلال تسليم أنفسنا لتدفق المعلومات يمكننا تجاوز مخاوفنا وقيودنا الأرضية، بعض الحركات الدينية غير الإنسانية تركز على الخلود، وهي نسجٌ جديد لفكرة الوعد بحياة أبدية، ولا يزال بعضهم مرتبطًا بالعقائد القديمة كالمورمونية.

هل هذه الحركات جادّة؟ يقول سينجلر أن بعضهم يؤدي دور الدين أو (يقرصنه) لكسب دعم الأفكار اللاإنسانية، تسعى «اللادينية» إلى الاستغناء عن القيود غير الشعبية المفترضة أو العقائد غير المنطقية التقليدية للدين، وبالتالي قد تروق لغير المتدينين. كنيسة تورينج التي تأسست في عام 2011 تتبنى مجموعة من العقائد الكونية: “سنذهب إلى النجوم ونجد الآلهة، نصنع الآلهة، نصبح آلهة ونبعث الموتى”، لكن لا يوجد تسلسل هرمي أو طقوس وأنشطة محظورة، ما عدا حكمة أخلاقية وحيدة: “حاول أن تتصرف بحب وشفقة تجاه الكائنات الحية الأخرى”.

لكن كما هي الحال مع الديانات التبشيرية، فإن ما يبدأ بمجرد دعابة أو فضول فارغ -ربما بعبارة رنانة أو مناسبة جذابة- يمكن أن ينتهي ببحث صادق عن الحقيقة.

وجد الإحصاء الرسمي للسكان في المملكة المتحدة عام 2001 أن الجيدايئية -وهي الدين الخيالي لأبطال سلسلة أفلام حرب النجوم- كانت رابع أكبر ديانة! لقد ألهم ما يقرب 400 ألف شخص ليتبنوه من خلال حملة هزلية على الإنترنت، انخفضت بعد عشر سنوات إلى المركز السابع مما دفع الكثيرين إلى رفضها باعتبارها خدعة، لكن لا يزال هذا عددًا كبيرًا كما يلاحظ سينجلر، واستمر لفترة أطول من معظم الحملات الواسعة الانتشار.

بعض فروع الجيدايئية بقيت كالأضحوكة، لكن بعض الفروع الأخرى كانت تؤخذ بجدية أكثر: يزعم معبد جيداي أن أعضاءه هم “أناس حقيقيون يعيشون أو عاشوا حياتهم وفقًا لمبادئ الجيدايئية” مستلهمةً من الخيال، ولكن بناءً على فلسفات الحياة الحقيقية.

مع هذه الأرقام الضخمة، فإن الجيدايئية (ينبغي) تعريفها كدين في المملكة المتحدة، لكن المسؤولين الذين اعتبروا أن الإحصائية لم تكن صادقة، لم يسجلوها على هذا النحو، يقول سينجلر: “الكثير من الإجراءات يتم اتخاذها ضد التقاليد الغربية الإنجليزية للدين”، حيث مُنعت السيانتولوجيا من الاعتراف بها كدين لسنوات عديدة في المملكة المتحدة لأن تشريعاتها لم تتضمن كائناً متعاليًا، وهو شيءٌ يمكن قوله أيضًا عن البوذية التي تصنف كدين عالمي.

في الواقع، الاعتراف بدين ما يمثل مشكلة معقدة في جميع أنحاء العالم، خاصة أنه لا يوجد تعريف مقبول بشكل واسع للدين حتى في الأوساط الأكاديمية. فيتنام الشيوعية مثلاً، ملحدة رسميًا وغالبًا ما يُشار إليها كواحدة من أكثر دول العالم اللادينية؛ لكن المشككين يقولون إن هذا يرجع فعليًا إلى أن الدراسات الاستقصائية الرسمية لا تُظهر النسبة الضخمة من السكان الذين يمارسون الدين الشعبي، من ناحية أخرى فإن الاعتراف الرسمي بـ أساترو -الدين الوثني الأيسلندي- يعني أنه كان مخولاً للحصول على حصته من “ضريبة الإيمان”، وكنتيجة لذلك، قام ببناء أول معبد وثني في البلاد منذ ما يقرب من 1000 عام.

إن الشكوك حول دوافع الممارسين تمنع العديد من الحركات الجديدة من الاعتراف بها كديانات حقيقية، سواء بشكل رسمي أو من قبل الجمهور. وفي نهاية المطاف مسألة الصدق مضللة ومشوِّشة، يقول سينجلر: “كلما أخبرك شخص ما عن نظرته للعالم، عليك أن تأخذها بشكل ظاهري فقط”، الاختبار الحقيقي، كما هو الحال بالنسبة للوثنيين الجدد وما وراء الإنسانيين، هو ما إذا كان الناس يقومون بتغييرات كبيرة في حياتهم بما يتفق مع إيمانهم المعلن أم لا.

ومثل هذه التغييرات هي بالضبط ما يريده مؤسسو بعض الحركات الدينية الجديدة، الوضع الرسمي غير مهم إذا تمكنت من الفوز بالآلاف أو حتى ملايين التابعين لقضيتك.

خذ بالاعتبار «أنصار علم المناخ»، وهو (دين) ناشئ اخترع ليكون حاضنًا للالتزام بإجراءات أكثر تجاه التغير المناخي، وبعد عقد من العمل لإيجاد حلول هندسية لتغير المناخ، توصلت مؤسسته أوليًا إلى أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في إيجاد حلول فنية، بل في كسب الدعم الاجتماعي، وقد سألت: “ما البناء الاجتماعي متعدد الأجيال الذي قد يوطن الناس على الأخلاق المشتركة؟ فتبين أن الدين هو المرشح الأقوى لهذه المهمة”.

منذ ثلاث سنوات، بدأت مؤسسة (Olya Irzak) وبعض الأصدقاء في بناء هذا الدين، ولم يروا أي حاجة لإدخال إله (المؤسسة ملحدة) لكنهم بدأوا في تقديم (خدمات) منتظمة، بما في ذلك خطب المديح في جمال الطبيعة والتعليم عن الجوانب البيئية المختلفة، وقاموا بإدخال طقوس بشكل دوري لاسيما في الأعياد التقليدية، وبطريقة عكسية، قام الشهود بزرع شجرة بدلاً عن قطع شجرة، وفي يوم ذكرى الجليد، شاهدوا مكعبات من الجليد تذوب تحت شمس كاليفورنيا.

كما تشير هذه الأمثلة، فإن لدى المؤمنين بالمناخ شعور بالسخرية منه، لكن الحماس يساعد المبتدئين على التغلب على أي حرج مبدئي، لكن نية المؤسسة الخفية جدية جدًا.

حيث تقول: “نأمل أن يحصل الناس على قيمة حقيقية من هذا ويتم تشجيعهم على العمل في مجال التغير المناخي”. بدلاً من اليأس بشأن حالة العالم، ازداد عدد الطائفة بضع مئات، لكن المؤسسة ملتزمة بتجربة طرق لزيادة هذا العدد، فمن بين أشياء أخرى: فهي ترعى مدرسة الأحد لتعليم الأطفال طرقًا للتفكير حول كيفية عمل الأنظمة المعقدة.

في الآونة الأخيرة، كانوا يتطلعون إلى ما هو أبعد من ذلك، حيث أقيم حفل في جميع أنحاء الشرق الأوسط وآسيا الوسطى قبل الاعتدال الربيعي مباشرة، وكان من ضمن طقوسه (التطهير) عن طريق رمي شيء غير مرغوب فيه في النار -كأمنية مكتوبة أو مجسم فعلي ثم القفز فوقها. وبعد إعادة صياغتها كمحاولة لتخليص العالم من العلل البيئية، ثبت أنها إضافة شعبية إلى الطقوس؛ وربما كان هذا متوقعًا لأنها تمارس طقوسًا معروفة منذ آلاف السنين كجزء من النيروز -عيد السنة الجديدة الإيراني- الذي تعود أصوله جزئيًا إلى الزرادشتيين.

إن ما بعد الإنسانية والجيدايئية وأنصار علم المناخ، وعدد لا يحصى من الحركات الدينية الجديدة قد لا تنمو بشكل كبير، ولكن ربما كان يمكن قول نفس الشيء عن المجموعات الصغيرة من المؤمنين الذين تجمعوا حول نار مقدسة في إيران القديمة قبل ثلاثة آلاف سنة، والذين نمت معتقداتهم الناشئة إلى واحدة من أكبر وأقوى الديانات التي شهدها العالم، والذي لا يزال يلهم الناس اليوم.

ربما لا تموت الأديان فعلاً، ربما تكون الديانات التي تنتشر في العالم اليوم أقل ديمومة مما نعتقد، وربما يكون الدين العظيم القادم لايزال يحبو اليوم.

اقرأ ايضًا: ما الذي يخيفُ الملحدين الجدد؟


[1] -هذا مبني على النظرة التطورية للأديان، وهناك وجهات نظر أخرى مختلفة، على كلٍ منها اعتراضات ونقوض. -الإشراف.

[2] – هذا لا ينطبق إلا على الديانات الوضعية، وليست هي كل الديانات الموجودة، بل أتباع اليهودية والمسيحية والإسلام يشكلون 65% من المتدينين في العالم. -الإشراف.

[3] – للحديث عن النظريات التطورية للأديان ومناقشة أهم ادعاءاتها انظر: نشأة الدين، علي سامي النشار. -الإشراف.

[4] – هذا التصور يتماشى بصورة كبيرة مع العقائد المسيحية، ولن يكون هذا دقيقًا إذا طُبق على العقيدة الإسلامية على وجه الخصوص. -الإشراف.

[5] -انظر التعليق 2.

[6] -من المهم التنبيه على أن الإسلام أتى مقررا للعديد من القيم التي كان يعرفها العرب في الجاهلية. -الإشراف.

[7]– القوانين لا تهتم بصلاح أو فساد بواطن الناس، ومن ثم فالقوانين ترعى العديد من الممارسات اللاأخلاقية؛ والمشاهد أن قدرة القانون على ضبط الشعوب لا تقارن بقدرة أقل ديانة وضعية، ناهيك عن الديانات السماوية، وقصة تجريم الخمر في أمريكا نموذج من ضمن نماذج كثيرة. -الإشراف.

المصدر
bbc

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى