الفلسفة

إحياء الرواقية في العالم الحديث

  • شايلا لوف
  • ترجمة: أحمد بن حسن العدوي
  • تحرير: محمود سيّد

الجميع -بدءًا من مليارديرات وادي السيليكون وصولًا إلى المهتمين بتطوير الذات يُعيدون توظيف “الرُّوَاقية” في عصرنا الحديث، مع نتائج منها الجيدة والسيئة، ومنها الحيادية للغاية.

في سبتمبر الماضي، فُصِلَ عامل اتصالات في سلسلة البقالة الأوروبية “ليدل Lidl” لوصفه الشعبَ الآسيويَّ بأنه “زَفِر”. ورفع العامل: “صمويل جاكسون” دعوى قضائيةًّ ضد ليدل ردًّا على طرده، مدّعيًا أنه كان ضحيةً للتمييز الديني. وقال جاكسون في جلسة استماع افتراضية في المملكة المتحدة إنه لا يهتمّ بالعواقب الخارجية لكلماته أو أفعاله كجزء من تمسكّه بالفلسفة القديمة: “الرُّوَاقية”.

وأشار القاضي إلى أنه “بالنظر إلى أنّ وظيفته في مجال الاتصالات، يمكن للمرء أن يتعرّض لاحتمال نُشُوب نزاع، ولكن هذه مسألة منفصلة”، قبل أن يجد في نهاية المطاف أنّ “الرواقية” هي اعتقاد محميّ بموجب قانون المساواة، والسماح للقضية بالمُضيّ قدمًا إلى المرحلة التالية.

على مدى السنوات العشر الماضية، تحولت الرواقية من موضوع يقتصر على المحاضرات الفلسفية، إلى موضوع تستهلكه الجماهير. يُشار إليه أحيانًا باسم “الرواقية الحديثة”، فتوجد الأفكار والنصوص الرواقية الآن في مدوّناتٍ صوتيةٍ، ونشراتٍ إخباريةٍ، وحسابات “إنستاغرام”، وكتب المساعدة الذاتية، والتدريب الشخصي، والأحداث الشخصية، كالمؤتمر السنوي “ستويكون STOICON”.

خلال فترة الجائحة فقط، نَمَتْ شعبية الرواقية. فقد ارتفعت مبيعات “التأملات” لماركوس أوريليوس[1] بنسبة 28٪ في النصف الأول من عام 2020 مقارنة بعام 2019، وزادت مبيعات كتاب “سينيكا”[2]: (رسائل من رواقيّ) بنسبة 42 ٪، وارتفعت مبيعات الكتاب الإلكترونية “رسائل من رُواقيّ” بنسبة 356 ٪. وصرحت دار “Penguin Random House” لصحيفة الجارديان أنه في حين تمّ بيع 16,000 نسخة من “التأملات” في عام 2012، تمّ بيع أكثر من 100,000 نسخة في عام 2019. وقال ممثل بنجوين: “لقد لاحظنا زيادةً طبيعيةً (غامضةً بعض الشيء) على مدار العام في مبيعاتنا للفلاسفة الرواقيين”.

ووفقًا للتوجّهات، يبدو أنّ الفلسفة التي تنصح بتهدئة العاطفة والعقل والفضيلة ستكون المستفيد في نهاية ذلك المسلسل.

ولكن قضية جاكسون ليست سوى مثالٍ واحدٍ على ما يمكن أن يحدث، تتحوّل فلسفةٌ قديمةٌ إلى شعبيةٍ ومعتمدةٍ على نطاقٍ واسعٍ، وفي بعض الأحيان مشوهة.

وإلى جانب الاهتمام العام الواسع، تتمتّع الرواقية بجاذبيةٍ كبيرةٍ في مجالات ثقافيةٍ محدّدةٍ. جاك دورسي -الرئيس التنفيذي لشركة سكوير وتويتر- الملقب بـ”رواقيّ وادي السيليكون”[3] لاستيقاظه في الخامسة صباحًا للاغتسال بالماء المثلج.

إليزابيث هولمز، مؤسسة “ثيرانوس”[4]، وصفت “التأملات” بأنه: كتابها المفضل. وهناك مليارديرات مثل: وارن بافيت، جيف بيزوس، ومارك كوبان وُصِفوا بأنهم “رواقيون”، وهناك ضغط مؤسّسي لتسليط الضوء على ريادة الأعمال، فمعهد “شيشرون” قد سُمّي على اسم الفيلسوف الروماني الرواقيّ. وقد أشارت الكلاسيكية “دونا زوكربيرج” –شقيقة مارك[5] – إلى صعود مجموعةٍ صغيرةٍ، ولكنها مُثيرة للقلق، من الرجال اليمينيّين المُتطرفين الذين ينجذبون نحو الرواقية لإضفاء شرعيةٍ على معتقداتهم الكارهة للنساء والعنصرية. إنّ السؤال المحير الذي يُلاحق الرواقية الحديثة هو: هل المليارديرات والعازفون عن النساء ضلّوا السبيل؟ أم أنّ هناك عناصر من الرواقية تبرِّر -بطبيعتها- سلوكهم ومعتقداتهم؟

والجواب أنّ الرواقيين -على عكس مُعاصريهم “الأبيقوريّين”[6] و”الكلبيّين”[7] – ربما لم يكن لهم موقف ضد الثروات الطائلة أو الأوضاع المرموقة، ما لم يكونوا قد سَعَوا لتحقيقها، ولكن إذا حدث وأصبحتَ ثريًّا أو قويًّا، فليكن ذلك.

سيكون من الخطأ القول بأنّ الرواقية تشجّع القمع العاطفي، بل إنها تركز على ضبط العاطفة، وهي مهارةٌ جذابةٌ لأولئك الذين ينظرون إلى العواطف على أنها غير عقلانيةٍ أو ضعيفةٌ أو غير رجوليةٍ. أما “الرواقية الحديثة” فتُشدِّد على التركيز فقط على ما يُمكنك التحكّم فيه، ففي بعض تطوّراتها الجوهرية، يمكن أن تدعم تعبيرات المذهب الرأسمالي التي تنظر إلى حالة الثروة أو التفاوتات الاجتماعية على أنها مكتسباتٌ، وتعطي الأولوية لتعزيز المصالح الشخصية أو الثراء؛ وقد يكون هذا -على الأرجح- فيما تردِّده “الرواقية الحديثة” التي لا تهتمّ بارتباطها مع الجانب الميتافيزيقي للرواقية.

والرواقية الحديثة لها أوجه تشابهٍ مثيرةٌ للاهتمام مع الكيفية التي اندمجتْ بها “البوذية” وطقوس “اليقظة الذهنية”[8] على المستوى الشخصي والصحي والمجتمعي على حد سواء.

اليقظة الذهنية، مثل الرواقية، يمكن أن يحقق كل منهما الرفاهية العقلية للفرد والجماعة، وتكون في الوقت نفسه عائقًا أمام المزيد من التدابير أو الأنشطة الهادفة؛ كما هو الحال عندما تقدِّم الشركات جلسات “يقظة الذهن” أو “التأمل” بدلًا من زيادة الأجور المعيشية أو التأمين الصحي الأفضل. وباعتبارها الشكل القديم “القادم” من أشكال الحكمة التي ستسُود؛ فسوف تخضع “الرواقية” لتطبيقاتٍ منافسةٍ مماثلةٍ.

ما الذي ستقوم به الرواقية الحديثة؟ السلام الداخلي والصفاء العقلي؟ أم الإنتاجية وإنشاء الـــ 500 شركة الأكثر إيرادًا؟ أم مُكافحة تغير المناخ والعدالة الاجتماعية؟

إنها حاليًّا كل ما سبق؛ فبالنظر إلى مَن تسأله؛ إنّ المذكرات الصوتية والنصائح العملية للرواقية تجعلها تبدو مفيدةً بشكل لا يُصدَّق، كاستراتيجيةٍ مرنةٍ، وقابلةٍ للرواج بشكل كبير، وقابلةٍ لتفسيراتٍ مختلفةٍ. ويُمكن أن تكون بمثابة مدخلٍ سهل المنال للفلسفة، وتوفِّر آليات مساعِدةً حقيقيةً للتكيّف، وطريقةً للتعامل مع الظروف الصعبة، أو أنه من الممكن تكييفها لتبرير الكثير من أمور الحياة الموجودة من قبل، والتخلّي عن التغيير الاجتماعي الأكبر، وضبط المشاعر الفوضوية، حتى في اللحظات التي قد يكون فيها الضعف أو التعلّق أكثر فائدةً. سيكون الأمر متروكًا للرواقيين الحديثين لتحديد حدود وتطبيقات الفلسفة بحيثُ تتماشى مع “الحياة الفاضلة” -ولْنستعِرْ تلك العبارة الرواقية.

ظهرت الرواقية لأول مرة حوالي 300 قبل الميلاد في اليونان، عندما فَقَدَ تاجرٌ يدعى زينو جميع ممتلكاته في سفينة غرقتْ، وبدأ في ممارسة الفلسفة في ستوا بويكيل، أحد أروقة أغورا الأثينية، الذي تستمدّ منه الرواقية اسمها. ولكن أشهر وأكمل نصوص الرواقيين التي وصلتنا -عندما كانت الرواقية رائجةً في روما- هي: “تأملات” للإمبراطور الروماني ماركوس أوريليوس، و “رسائل من رواقيللفيلسوف “سينيكا” مستشار الإمبراطور “نيرون والمختصر” لفيلسوف العبيد المحررين “إبيكتيتوس[9].

هذه النصوص تبدو “حديثةً” بشكلٍ استثنائيٍّ في وصفها للإحباطات التي نُواجهها بشكلٍ يوميٍّ. خذ مثلًا افتتاحية “التأملات”:

“عندما تستيقظ في الصباح، قُلْ لنفسك: الناس الذين أتعامل معهم اليوم سيكونون مُتطفّلين، جاحدين، مُتغطرسين، خونة، حاسدين، شرسين”.

حتى إمبراطور روما كان عليه التعامل مع أشخاصٍ مزعجين، من السهل تخيّل تلاوة هذه النصيحة قبل فتح تويتر أو أيّ منصةٍ اجتماعيةٍ!

على الرغم من أنها فلسفةٌ غنيةٌ لا يمكن شرحها بشكلٍ كاملٍ باختصارٍ، إلا أنّ هناك ملاحظاتٍ أساسيةً قويةً وبدهيةً تكمُن في قلب الرواقية. أنْ تحيَا حياةً جيدةً -بالنسبة للرواقيين- يعني أن تكون فاضلًا قدر استطاعتك، من خلال قدرتك على أن تسمح لعقلك بقيادتك. كان الرواقيون الرومانيون يُعلُون قدر التفكير العقلاني، ويعتقدون أنّ الشخص لا يُسيطر على الأحداث الخارجية، بل على استجاباته لتلك الأحداث؛ فأيّ شيءٍ يحدث، سواءٌ كان وباءً، أو حربًا، أو حالتك الصحية، أو أحوال الطقس، أو أفعال الآخرين= إذا لم يكن لديك سيطرةٌ عليه، فليس من المعقول أن تُنفق طاقةً عاطفيةً سلبيةً عليه. أيّ محنةٍ تأتي من مثل هذه الأحداث تأتي من ردود أفعالك عليها، والتي يُمكنك تعديلها للأفضل.

قال إبيكتيتوس:

“إننا مسؤولون عن بعض الأشياء، بينما هناك أشياء أخرى لا يمكن أن نتحمّل المسؤولية عنها. الأول يشمل: حكمنا، واندفاعنا، ورغبتنا، ونفورنا، وملكاتنا العقلية بشكل عامّ. وتشمل هذه الأخيرة الجسم، والممتلكات المادية، وسُمعتنا، والمكانة”.

وقد كان ذلك مفيدًا لأنّ السنوات التي تمّ خلالها تطوير الرواقية كانت مليئةً بالاضطرابات السياسية. لقد انقلبَ العالم اليوناني من قبل الإسكندر الأكبر وجيوشه المقدونية، وكان هناك مكافحة وباءٍ أيضًا. قالت آنجي هوبز، أستاذة الفهم العام للفلسفة في جامعة شيفيلد: “كان الناس يتعاملون مع الفوضى السياسية، والشعور بالعجز، والأوبئة، وإخفاقات الحصاد”. فليس من المستغرب أنّ شيئًا من قبيل ما كتبه إبيكتيتوس: “ليست الأحداث التي تُزعج الناس، بل هي أحكامهم المتعلقة بها” يمكن أن تكون مهدِّئًا في هذه الأوقات العصيبة.

وبعد آلاف السنين، أصبحت هذه الفكرة ملهمةً لــ جول إيفانز، الفيلسوف وزميل الأبحاث في مركز تاريخ العواطف في كوين ماري، جامعة لندن، فمن سن 18 إلى 23 عامًا، عانى من قلقٍ اجتماعيٍّ شديدٍ، وكذلك اضطراب ما بعد الصدمة على إثر رحلة تعاطي مخدّرٍ سيئةٍ. ذكّره الذهاب إلى مجموعة العلاج السلوكي المعرفي (CBT) للقلق الاجتماعي ببعض النصوص الرواقية التي قرأها عندما كان مُراهقًا؛ فعلم أنّ المبدعين من هؤلاء المعالجين قد استلهموا مُباشرةً من الرواقية، فقرّر الغوص في الرواقية بلا تردُّد.

توقيت إيفانز كان مُناسبًا؛ وذلك في بداية حركة الرواقية الحديثة، وكان هناك موقع على شبكة الإنترنت الوليدة يُسمى “سجلّ الرواقية” حيث يمكن للناس أن يُعلنوا “أنا رُواقيّ”، “كانوا حوالي 100 عضو” كما صرّح إيفانز الذي بدأ كتابة رسالتها الإخبارية، وساعد في تنظيم أول تجمّع لها في عام 2010 في سان دييغو الذي شهده 12 شخصًا.

قال إيفانز: “اعتقدَ أصدقائي أنني غريب الأطوار بشكل لا يُصدَّق، لذهابي إلى كاليفورنيا للتسكّع مع بعض الرواقيين في عيد ميلاد ماركوس أوريليوس”.

وقال إيفانز أنه ذهب إلى ندوةٍ في جامعة إكستر حول “الرواقية الحديثة” نظمها أستاذ الفلسفة كريستوفر جيل. بعد ذلك نظموا دورةً على الإنترنت في عام 2012 تسمى “لتحيا حياة الرواقيّ”، كانت شعبيةً جدًّا، وأدّت إلى مؤتمر يسمى: “رُواقيون”، الذي لا يزال يُقام إلى اليوم. ومن جانبٍ واحدٍ، فإنّ المجتمع الرواقي على الإنترنت قد تجاوز 100،000 مُشاركٍ نشطٍ.

يمكن أن تكون فكرة خلق مسافةٍ بين الأحداث الخارجية وبين ردود فعلك عليها فكرةً عميقةً، حيث توفِّر لك المساحة التي تجعلك تشعر أنّ مُلابَسات الحياة القاسية والمُلِحّة أصبحت أكثر قابليةً للسيطرة.

كثيرًا مّا يُناقش الناس تحت وسم Stoicism “الرواقية” على موقع “reddit” كيف كانت المبادئ الرواقية هي نور الهداية لهم في التعامل مع ضغوط العمل والعلاقات، وإدارة الغضب، والقلق، وتقليل الاهتمام بما يفكّر فيه الآخرون ويفعلونه.

وفي المقطع الذي حصل على أكثر من ثلاثة ملايين مشاهدة على قناة TED على اليوتيوب، قال المدوِّن والمؤلف “تيم فيريس”[10] متحدّثًا عن الرواقية: إنّ الرواقية لا تُجبِر الشخص على أن يكون “بقرةً تقف تحت المطر راضيةً بأيّ ظروفٍ مأساويةٍ أو رهيبةٍ تحلّ بها”، بل توفِّر وسيلةً لتزدهر في بيئاتٍ عالية التوتر. وقال فيريس في مقطع فيديو على موقع يوتيوب: “إنها نظام لاتخاذ قرارات أفضل وتدريب نفسك على أن تكون أقلّ انفعالًا”.

الرواقية تقدِّم نصيحةً عمليةً أخرى، مثل التطبيق المسمى: premeditatio malorum [الترصد المسبق للشر]، أن تدرِّب عقلك على كل الأشياء السيئة التي قد تحدُث خلال اليوم، وكيف يمكن أن تتفاعل معها. (محبة المصير، أو حب القدر) ينطوي على تعلّم قبول كل ما يحدث لك، وقضاء بعض الوقت في التفكير في وفياتك الخاصة وموت أحبائك. يقول إيبكتيتوس:

 “عند إعطاء زوجتك أو طفلك قُبلةً، ردِّدْ لنفسك: “أنا أُقَبل هالكًا”. ثم لن تكون مذهولًا جدًا حين يؤخذون منك”.

بَيْدَ أنّ الارتفاع الحاد في الرواقية الحديثة مَهَّدَ الطريق في نهاية المطاف لظهور نكهة وادي السليكون للرواقية، أو ما يسمّيه غريغ سادلر -رئيس تحرير الرواقية اليوم-:Broicism”[11].” إنها مجرد اكتسابٍ للمهارات اللازمة لبناء الشركات الناشئة، أو تحقيق المثابرة بأخذ حمّامات الجليد والنوم على الأرض. هناك أيضا $toicism، حيث يتم استبدال الحرف S بعلامة الدولار $، قال سادلر: “هُناك أشخاصٌ يُتاجرون في التدريب (الكوتشنج)، ولا يمتّون للرواقية الكلاسيكية بصِلَة”.

في منطقةٍ وسطى يأتي ريان هوليداي، وهو استراتيجي العلاقات العامة السابق للملابس الأمريكية، حيث ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أنه “جَنَّبَ الشركةَ الأضرارَ خلال إقالة مؤسِّسها المُثير للجدل، دوف تشارني،”. وقد كتب هوليداي أيضًا كتابًا بعنوان “ثق بي، أنا أكذب: اعترافات متلاعبٍ بوسائل الإعلام”، حول تقنيات التسويق التي تولِّد اهتمام وسائل الإعلام.

العقبة هي الطريق” كتاب هوليداي اعتمد فيه على ” التأملات”، وقد تُرجم إلى 19 لغة، كما كتب عددًا مُذهلًا من مجلدات الرواقية منذ ذلك الحين، هذا بجانب قيادته ورش العمل الرائدة، ومساعدته في تشغيل موقع “الرواقي اليومية” daily stoic، والنشرة الإخبارية، وصفحة انستاغرام، التي لديها مليون متابع. وقال هوليداي لصحيفة التايمز في عام 2016: “الرواقية هي فلسفةٌ مصمَّمةٌ للجماهير، وإذا كان لا بُدّ من تبسيطها قليلًا للوصول إلى الجماهير، فليكن ذلك”.

في شهر مايو ، كتبتْ نانسي شيرمان، أستاذة الفلسفة في جامعة جورج تاون، وبطرحٍ أقلّ وديةً، كتبتْ في صحيفة التايمز أنّ الرواقية الحديثة أصبحت الآن “صناعةً عملاقةً”.

واليوم كتبتْ: “الرواقية ليست فلسفةً بقدر ما هي مجموعةٌ من الحِيَل الحياتية للتغلّب على القلق، والتأملات للحَدّ من الغضب، وتمارين للعثور على السكون والهدوء؛ ليس من خلال أنظمة الإدارة ‘oms’ ولا الخلوات الصامتة، ولكن من خلال الخطاب الذي يُهذِّب العقل”.

اشتركتُ في برنامج هوليداي الأخير “الرواقية 101″، الذي تضمَّنَ رسالة بريد إلكتروني يوميةً والعديد من ساعات العمل عبر منصة “زووم”، حيث طرح الناسُ أسئلةً حول تطبيق الرواقية على حياتهم الحديثة.

بشكل عام، كانت الدورة قيّمةً على ما أعتقد؛ إنها لم تعرض الحيل الحياتية فحسبُ، ولكن دروسًا في التاريخ واقتباساتٍ من النصوص الأصلية. أعَدَّ هوليداي قوائم القراءة وشجّعَنا على القيام بمزيدٍ من الدراسة بمُفردنا. وشدَّد البرنامج على فعل الخير للآخرين وعلى أهمّية المجتمع، وفي ساعات العمل، سأل الناسُ بجديةٍ عن التعامل مع ضغوط الحياة اليومية بمزيدٍ من الفضيلة والحكمة الشبيهة بالرواقية.

بعض النصائح كانت عامةً جدًّا، على الرغم من أنني أتردّد أن ألقِّبها بالرواقية، حتى لو كنتُ أستطيع العثور على أجزاء من النصوص الرواقية التي تشير إليها. أشياء مثل “استيقظ في وقت مبكر”، “اخرج للتمشّي”، “اكتب يومياتك”، “كُل جيدًا”، “اقرأ”، و “كن نشيطًا” هي قطوفٌ من النصائح، ولكن من المؤكد أنها ليست خاصةً بالسلوكيات الرواقية على وجه التحديد.

الكثير من التركيز على هذه النصائح الاختزالية يمكن أن يُولِّد نُسَخًا معينةً من الرواقية الحديثة التي تشعر بفظاعة صعوبات الحياة وتُعاني منها، أو تركِّز في المقام الأول على أشياء مثل الإنتاجية. (انظر كتابات صحفية مثل: “10 أسباب لماذا الرواقية هي إسهامٌ كبيرٌ في ثقافة الشركات”) من السهل العثور على إشاراتٍ إلى الرواقية باعتبارها “أيديولوجية المساعدة الذاتية المطلقة”، أو كوسيلةٍ “للقضاء على المشاعر السلبية”.

إذا كانت أنظمة “حمية/ريجيم” المساعدة الذاتية المَشُوْبة بالرواقية مفيدةً للناس، فلماذا يجب أن تكون مهمةً؟ إنّ الآثار المترتبة على النصيحة في حدّ ذاتها هي التي تُثير القلق. فكرة أنّ خواطرنا ومعتقداتنا بديلٌ للأحداث الخارجية، وما تُنبئ به عواطفنا هو عنصرٌ رئيسيٌّ للعلاج المعرفي السلوكي CBT، كما اكتشف إيفانز.

وعلى الرغم من ذلك، فإنّ الرواقية ليست العلاج، واستخداماتها المستهدفة وآثارها ليست موضوع مجموعةٍ واسعةٍ من البحوث والخبرة العملية. وقال إيفانز: “إنها تُعيد صياغة العلاج كفلسفةٍ، وفلسفةٍ رجوليةٍ تمامًا في ذلك الوقت”. “الرواقية لديها الكثير من “المُصارعة المجازية، والمُناضل المجازي، والجُندي المجازي”. وهي تأتي من تقاليد اليونان القديمة وروما، اللتَيْن كانتا ثقافتَيْن ذكوريّتَيْن تمامًا”.

إنها تذكِّرنا بـ “المرء سوف … قبل الذهاب إلى العلاج”، مع ملء هذا الفراغ من شعار “أصبِح رواقيًّا”[12]. من خلال وصف التأقلم مع الأزمة العاطفية بـ “الرواقية”، فيتمكن الناس من تجاوز عار التعامل مع الصحة النفسية، فيقولون إنهم ينخرطون فكريًّا في مُمارسةٍ صارمةٍ للفلسفة بدلًا من ذلك.

وكما قالت أوليفيا غولدهيل في كوارتز، “هناك شيءٌ يمكن التنبُّؤ به بشكلٍ محيِّرٍ قليلًا حول نُخَب وادي السيليكون التي تتمسّك بفلسفة تُعلِّمهم كيفية قبول الأشياء التي لا يمكنهم تغييرها”. مهما كان مقصود الرواقيين القدامى، فإنّ الرواقية مفتوحةٌ للتفسير اليوم؛ لدرجة أنّ أولئك المُتكاسلين يمكنهم استخدامها كذريعةٍ لتخاذلهم، سواءٌ بوعيٍ أم بغير وعيٍ، قد ينظر المرء إلى تقسيم إبيكتيتوس للسيطرة والفكر: “إذا كان تغير المُناخ أو وحشية الشرطة خارجةً عن سيطرتي، فليس لي أن أقلق بشأنها”.

تقول آدا بالمر، المؤرخة في جامعة شيكاغو، إنّ الرواقية تحظى بشعبيةٍ في أماكن مثل وادي السيليكون خاصةً؛ لأنها لا تتطلّب من الشخص ألّا يكون الرئيس التنفيذي لشركةٍ ناجحةٍ ليكون رواقيًّا. قالت بالمر: “أحَبَّ الرومانُ الرواقيةَ لأنها فلسفة متوافقة مع الحياة السياسية”.

قد لا يكون من المُستغرب بعد ذلك أن يحبّ أصحاب المليارات فلسفةً لا تتطلّب منهم التخلّي عن ثرواتهم، ولكن قبول دورهم في العالم، وتقديم المشورة للأقل حظًّا؛ لعدم القلق كثيرًا بشأن ظروفهم، وتقبّل نصيبهم- كما فعل زينو عندما فَقَدَ كل ممتلكاته.

وقال إيفانز: “هناك خطرٌ من أن يسعى كبار الأثرياء إلى فلسفاتٍ تعطي شرعيةً لهم ولأنماط حياتهم، بدلًا من تبصيرهم بنقاط غفلتهم، والتزاماتهم تجاه إخوانهم”.

يحتوي الجانب الميتافيزيقي من الرواقية القديمة على تفسير: لماذا لا ينبغي لنا أن نقلق بشأن الأحداث الخارجية؟ ولكن ببساطةٍ ردود أفعالنا تجاهها، لكنه يُثير المزيد من المشاكل المحتملة.

كان الرواقيون أُحاديّين، واعتقدوا بوحدة الوجود المصنوع من مادةٍ عقلانيةٍ إلهيةٍ تسمى “الشعارات Logos“. كان الكون -كما يعتقدون- عقلانيًّا لأنه تمّ تنظيمه بواسطة شعارات: كل ما يحدث هو من المقدَّر أن يحدث، حتى الأشياء التي تبدو سيئةً لك قد رسمتْها شرارةُ المنطق الإلهي، وبالتالي ما هو سيءٌ في الواقع هو (استجابتك)، والتي يمكنك تغييرها والسيطرة عليها.

كتب غريغوري هايز، الأستاذ المشارك للكلاسيكيات في جامعة فرجينيا، في مقدمة ترجمته للتأملات: “وهكذا فإنّ الرواقية منذ البداية نظامٌ جبريٌّ؛ يبدو أنه لا يترك مجالًا لإرادة الإنسان الحرة ولا المزيد من المسؤولية… في الواقع كان الرواقيون يُحجِمون عن قبول مثل هذا الترتيب، وحاولوا تجاوز هذه العقبة من خلال تعريف الإرادة الحرة أنها: تكيُّفٌ طَوْعيٌّ مع ما لا مَفرَّ منه”. وصفها هايز على هذا النحو: “تخيَّلْ أننا مثل كلبٍ مربوطٍ بعربةٍ متحركةٍ، إذا رفض الكلبُ الركضَ مع العربة فسوف تجرُّه، ومع ذلك يبقى الخيار له: إما الركض أو الانجرار”.

تعتقد بالمر أنّ هناك اضطرابًا بين التحسين الاجتماعي ومثل هذا التفكير، الذي يؤكِّد أنّ هناك عدلًا كامنًا في حياة البشر، “يُشبه إلى حدٍّ كبيرٍ سكين المطبخ؛ يمكن أن تكون أداةً رائعةً، ولكن يمكن استخدامها أيضًا لإحداث الضرر، وبالمثل فالرواقية يمكن أن تكون أداةً رائعةً، ولكن يمكن أيضًا أن تضرّ عندما يتمّ استخدامها لتبرير عقلانية العناية الإلهية”، وقالت: “مما يسهِّل طَمْأنة نفوس الفقراء والعاطلين عن العمل والمشردين والمرضى والمُعوَّقين؛ بأنهم يستحقّون ذلك بطريقةٍ أو بأخرى، أنّ العدالة موجودةٌ في العالم بالفعل… ومن ثَمّ فليس على الأثرياء التزامٌ بمحاولة العمل من أجل جعل عالَمٍ أكثر عدلًا”.

وقالت بالمر إنّ الالتزام بالتغيير والتقدم الاجتماعيين والإيمان بالعناية الإلهية يمكنهما أن يكونا متوافقَيْن، ومع ذلك فإنه يتطلّب الالتزام بفكرة أنّ عقلنا -سواءٌ أكان إلهيًّا أم لا- من المفترض أن يُستخدم، وفكرة أنّ كل شيءٍ لا يكون حسنًا من تلقاء نفسه، بل كل شيء يمكن أن يكون حسنًا حين نتعامل مع العالم بالقدرات التي نمتلكها، ووفقًا لفضائلنا، هذه -بالطبع- فكرةٌ أكثر تعقيدًا لا تجعلها دائمًا من عناصر الثقافة الرواقية.

وقالت بالمر: “لم يكن هناك شعورٌ كبيرٌ بحجم ما يمكن أن يفعله البشر في العصور القديمة. وقالت: “إن قوتنا لم يُدْرَك مدى عظمتها كما هو الحال؛ إذا تحدّثتَ إلى شخصٍ مّا في العصور القديمة عن صُنع اللقاحات فجأةً، فإنّ الجواب هو: ما هو اللقاح؟ لم يكن لديهم أدواتٌ لمجرد القضاء على المرض. وهو أفضل بكثيرٍ من تعزية أنفسنا فقط بسبب المرض”.

في كثيرٍ من الأحيان في العصر الحديث، نملك التحكّم في الأشياء، ولكن ربما ليس بشكلٍ فرديٍّ، وإنما فقط إذا عملنا بشكلٍ جماعيٍّ. وقال هوبز: “إنّ خوفي من الرواقية القديمة والحديثة على حدٍّ سواء، هو أنها يمكن أن تجعل الناس يتخلَّون عن الكفاح من أجل العدالة الاجتماعية بسرعةٍ كبيرةٍ، ويعتقدون أنه لا يمكن تغيير الأمور في العالم الأكبر، الذي ربما يمكن أنّ يتم تقطيعها وتغييرها قليلًا”.

قال ماسيمو بيليوتشي، أستاذ الفلسفة في كلية سيتي نيويورك: “عندما أسمع أشياء مثل: “إنّ جيف بيزوس[13] رواقيّ- أو إنه ليس كذلك!” إنه بالتأكيد ليس كذلك، بسبب نقطةٍ رئيسيةٍ في حياته، إنه الانخراط في ريادة الأعمال وجَنْي المال، وقد فعل ذلك من خلال استغلال أشخاصٍ آخرين والتصرّف بطريقةٍ احتكاريةٍ، هذان غير أخلاقيَّيْن والصفة الرائدة للرواقي هي: أن يكون أخلاقيًّا”.

جاء بيليوتشي إلى الرواقية خلال واحدةٍ من تلك الفترات من الحياة التي تبدو مصمّمةً على القهر: توفي والده، وطلّق زوجته، وغيّر وظائفه، وتنقّل بين المدن. قرأ عن أسبوع الرواقية على تويتر، وأصبح مفتونًا بعدُ بالقراءة لإبيكتيتوس.

وقال بيليوتشي إنه كعالِم لا يستطيع قبول فكرة أنّ الكون كائنٌ حيٌّ، لذا فهو يترك ذلك الجزء من الرواقية في الماضي، وعندما ترفض جزءًا من فلسفةٍ أو ميتافيزيقا الأديان فهناك عواقب لذلك، أما بالنسبة لــ (بيليوتشي)، فهذا يعني أنه لم يَعُدْ يؤمن بالمفهوم الرواقي القديم للعناية الإلهية.

وقال بيليوتشي “إذا توفيتْ ابنتي، فلن أكون سعيدًا بذلك؛ لأنني لا أعتقد أنه من أجل خير الكون”. وقال “في الوقت نفسه، سأضطرّ لقبوله لأنه في طبيعة الأشياء، وما زال لدي واجباتٌ تجاه أشخاصٍ آخرين، أو أطفالٍ آخرين، أو تجاه زوجتي، أو تجاه أصدقائي”.

إنه لا يزال يعتبر نفسه مُنتسبًا للرواقية الحديثة على الرغم من ذلك، ويعتقد بيليوتشي أنّ بإمكانك أن تنظر إلى وحدة الوجود المنطقية للكون عند الرواقيين من خلال عدسةٍ حديثةٍ. كتاب الفيلسوف لورانس بيكر ” الرواقية الجديدة” يُجادل بنفس الطريقة: لو لم تَمُت الرواقية في نهاية العصور القديمة، لكان قد تمّ تحديثها أو تعديلها بشكلٍ طبيعيٍّ مع المدنية العالمية، ربما بتخلّيها عن وحدة الوجود.

وقال جون سيلارس، وهو قارئٌ للفلسفة في رويال هولواي، جامعة لندن، “إنها ليست الانتقائية بقدر ما هي نوعٌ من التحديث في ضوء الأدلة الحديثة، وفي الواقع، هذا ما فعله الرواقيون الرومان أيضًا، فقد كانوا يركِّزون على أخلاقيات الرواقية أكثر من الميتافيزيقيا.

يعتقد بيليوتشي أن العالَم ليس شيئًا مُشبعًا بمادة تسمى “اللوجوس Logos“، ولكنه شبكةٌ من السبب والنتيجة، حيث لا تحدث الأشياء دون أسباب؛ وهذا يُساعد على مواجهة أيّ احتمالٍ للسلبية.

في العديد من الأعمال القديمة، لا يوجد تركيزٌ على النتائج الشخصية أو الفوائد، بل على “الغايات الاجتماعية”، أو النتائج الجماعية، يعتقد الرواقية أنّ جميع الكائنات العاقلة كانت جزءًا من الكون نفسه، أو المجتمع. وقال بيليوتشي إنّ هذا النوع من إعادة الصياغة يمكن أن يُساعد في مواجهة الانتقادات السلبية داخل الرواقية.

في كتابٍ جديدٍ أن نكون أفضل: الرواقية لعالَمٍ يستحقّ العيش فيه” تأليف/ كاي وايتينغ وليونيداس كونستانتاكوس، يدفع المؤلفان نحو فكرة أنّ الرواقية يمكن أن تكون أداةً للتغيير الاجتماعي والبيئي قبل كل شيء، وليس المساعدة الذاتية. وقال وايتينغ، الباحث والمحاضر في مجال الاستدامة والرواقية ومقره في جامعة كاليفورنيا في لوفين في بلجيكا: “لن أقول إنه ينبغي النظر إلى الرواقية على أنها أداةٌ أو حيلةٌ للحياة، ولهذا السبب فإنّ قلقي الطفيف من الرواقية الحديثة هو أنها يمكن -ويا للأسف- أن تقود الناس وبدون قصدٍ في هذا الاتجاه.”

وقال سيلارس: “إنّ الرواقيين القدماء كانوا سلبيّين. في روما القديمة كانت هناك حركةٌ تسمى المعارضة الرواقية، تتألّف من أعضاء من طبقة السيناتور الأرستقراطية يقفون في وجه الإمبراطور أو تركيز السلطة”.

وقال سيلارس: “إنّ الرواقيين لا يُحاولون تشجيعنا على أن نصبح غير مبالين تمامًا بالعالم الخارجي… كل ما يريدون منا القيام به هو تجنّب الاضطرابات العاطفية المُفرِطة الناتجة عن أشياء خارجة عن إرادتنا”.

وافقه ويل جونكوك، مؤلف كتاب الفلسفة الرواقية والنظرية الاجتماعية، وقال إنّ ضبط النفس الفردي، الذي يعتقد الناس أنهم سيحقّقونه من الرواقية ليس أهمَّ جزء في الفلسفة. “إذا كنت تريد مناقشة الرواقية في مصطلحات التعريف تلك -وهي ذاتيةٌ للغاية- فسوف يكون تشويهًا للفلسفة، وستذهب بالشخص إلى مسلكٍ يمكن القول إنه أكثر انعزالًا وانشغالًا ذهنيًّا، وأكثر نفورًا مما كان يجد من قبلُ”.

وأشار لي إلى فقرة إبيكتيتوس: “لا يتصرّف الشخص أبدًا لمصلحته الخاصة أو يفكِّر في نفسه بمفرده، ولكن، مثل اليد أو القدم التي لديها إحساسٌ وأدركتْ مكانتها في النظام الطبيعي، فإنّ جميع أفعالها ورغباتها لا تهدف إلى أيّ شيءٍ سوى المساهمة في الصالح العام”. من جانبه، وافق ماركوس أوريليوس على ذلك، وكتب: “لقد ثبتَ منذ فترةٍ طويلةٍ أننا وُلدنا من أجل المجتمع … كل مخلوقٍ وُجِدَ لمصلحة مخلوقٍ آخر”.

يعتقد وايتينغ أنه كلما زادت شعبية الرواقية الحديثة كان عليها أن تتحمّل المسؤولية عن التفسيرات التي تشجّع على الفردانية، والممارسات الأكثر قبحًا. وقال وايتينغ: “إنّ الرواقية، عندما تُستخدم كأداةٍ وليس كفلسفةٍ بوجهٍ عامٍّ، لها علاقةٌ غير مريحةٍ مع الجناح اليميني في الحزب الجمهوري، وعلينا أن نعالج ذلك”.

في عام 2018، نشرْت دونا زوكربيرج “ليس كل الموتى رجالًا بِيضًا: الكلاسيكيات وكراهية النساء في العصر الرقمي”، حول كيفية انجذاب جماعة “الحبوب الحمراء Red Pills” إلى الفلسفة الكلاسيكية، واستخدامها لتعزيز أفكارهم. جاءت فكرة “الحبة الحمراء” من فيلم the matrix، حيث في اللحظة التي يبتلع فيها نيو Neo[14] الحبة الحمراء يرى حقيقة العالم من حوله. وكتبت زوكربيرج أنّ جماعة الحبة الحمراء “ريد بيلرز” يدَّعون أنهم وحدهم يرون من خلال “الرواية المؤسِّسة” أن الرجال البِيض يُضطهدون من الجنس الآخر”.

وقال إيفانز إنه دُعِيَ ذات مرةٍ للتحدّث على بودكاست عن الرواقية، وتبيّن له أنّ منظمّيها من دعاة الفصل العنصري اليمينيين الذين ساعدوا في تنظيم مسيرة “اتحدوا من أجل الحق” في شارلوتسفيل.

في مقابلة نُشرتْ في مايو مع الفيلسوفة ماري بيرد، يبدو أنها وقعتْ في حيرةٍ عندما سُئلتْ عن الرواقية، وقالت:

 “كلّ شيءٍ على ما يُرام، عندما يهتمّ الناس بالعالم القديم، ولكن هذا هو أكثر أجزاء الاهتمام غموضًا: المساعدة الذاتية المُبتذلة من فلسفةٍ إذا نظرت إليها بتمعُّنٍ، وجدتها سيئةً، قَدَريّةً، تقترب من الفاشية”.

وقال سيلارس إنه يعتقد أنّ نوع الظواهر التي كتبتْ عنها زوكربيرج هي “زوبعةٌ في فنجان”. قال سيلارس: “أعتقد أنها تمكنتْ من البحث عن شيءٍ هامشيٍّ بشكلٍ لا يُصدَّق وحاولت تقديمه على أنه مشكلةٌ كبيرةٌ… في كل خبرتي من خلال الانخراط مع الجمهور في هذا الشأن، لم يسبق لي أن واجهتُ أيّ شخصٍ يُناسب هذا الوصف لليمين المتشدّد، والناس مُبغضي النساء الذين يرغبون في تبنّي الرواقية. أعتقد أنها هامشيةٌ بشكل لا يُصدَّق وليست بالأمر الجلل”. وقال سيلارس أيضًا إنه على الرغم من التصوّر بأن الرواقية هي للرجال؛ فإن الأسابيع الرواقية الرسمية حقّقتْ توازنًا جيدًا بين الجنسَيْن: ففي عام 2020، كان 57% من الذكور، في عام 2019، كان 60٪ من الذكور.

وافقتْ زوكربيرج على أنه في المجتمع الذي يأخذ الرواقية على محمل الجد، فإنّ الأشخاص الذين تعنيهم هم عددٌ قليلٌ، ولكن على صعيد الاجتماعات عبر الإنترنت فالحالات التي بحثتْها في كتابها، قالت عنها: “إنّ استخدامهم الرواقية أكثر سطحيةً، ولكنه أيضًا أكثر إرباكًا”. وتؤكِّد أن “المسؤولية المشؤومة للأشخاص الذين يأخذون الرواقية على محمل الجد هي: الإصرار على أنّ الاقتباسات خارج السياق من ماركوس أوريليوس ليست الصورة الكاملة عندما يتعلّق الأمر بالرواقية، والواقع أنها أكثر دقةً وأقل صلةً بالثقافة الفردية”.

شعرَ وايتينغ أن تحذيرات زوكربيرج في كتابها ذهبتْ أدراج الرياح، وأن الناس نبذوها. قال وايتينغ: “اعتقدتُ أننا كمجتمعٍ رواقيٍّ لم نرُدَّ بلطف على دونا. لا أعتقد أننا فعلنا ما يكفي لشكرها على الموقف الذي اتخذتْه، والجُهد الذي بذلته. يقول الناس: أوه، هل تعلمون؟ إنها جعلتْنا نبدو سيئين… جعلتْنا ننظر في المرآة”.

وقال إيفانز إنّ الناس داخل المجتمع الرواقي الحديث يجب أن يكونوا قادرين على انتقاده، بدلًا من افتراض أنّ الفلسفة غير قابلةٍ للتفسير الخطير. “أنا تعدُّديّ، لذا فإنّ موقفي الأساسي هو أنّ كل فلسفةٍ بها عيوبٌ. لا توجد فلسفةٌ مثاليةٌ. وأعتقد أنه في بعض الأحيان يمكن للناس أن يتمسّكوا بالرواقية كإجابةٍ”.

وفي حين كان هناك نشطاء استلهموا من الرواقية، مثل نيلسون مانديلا، قال إيفانز إنه لم يَرَ بعدُ أنّ المساعي الخيرية تنبثق من الحركة الرواقية الحديثة؛ لذلك لا ينبغي لنا أن نفترض أنها من تلقاء نفسها هي موقفٌ خيريٌّ تمامًا. وبرغم كل ذلك، هل يمكن أن نقول إنّ ماركوس أوريليوس كان رواقيًّا إذا لم يكن متاحًا لنا كتاب التأملات، والذي لم يكن موجَّهًا لطبقةٍ واسعة النطاق من جمهور القراء؟

في حلقة أخيرة من بودكاست “الفلسفة في عصرنا” تساءلَ المُضيف ميلفين براغ عما إذا لم يكن هناك القليل من الحنين الرومانسي عندما يتعلق الأمر بشخصياتٍ مثل ماركوس الذي تُحجَب أفعاله. وقال براغ: “أعني أنه كان قائدًا عسكريًّا”. “لقد دخل في حروبٍ. والنصب التذكاري الكبير له محاطٌ بعدد من البرابرة الذين ذبحهم، وكان يُنظر إلى المسيحيين على أنهم قريبون من فلسفته بطريقةٍ مّا، لكنهم كانوا لا يزالون مجرمين عندما تولّى السلطة، ولم يُصدِرْ قانونًا يمنعهم من أن يكونوا مجرمين”.

وتساءلَ كبير المحاضرين في الفلسفة القديمة في جامعة إكستر، غابرييل غالوزو: “هل ينبغي أن تكون الرواقية الحديثة حريصةً أيضًا على عزو الكثير من النشاط الحديث إليها؟” النقطة ليست أن النشاط هو شيءٌ سيءٌ، ولكن تبرير ذلك من خلال الرواقية قد لا يكون مناسبًا. إنّ العمل كناشطٍ من أجل العدالة الاجتماعية أو المناخية أمرٌ جيدٌ بالطبع، ولكن هل يحتاج أيّ شخصٍ إلى الرواقية كمسوِّغٍ للقيام بعمل الجيد؟ أو حتى للحديث عن ذلك؟ كما كتبَ ماركوس أوريليوس في التأملات، “توقَّفْ عن الحديث عن ماهيّة الرجل الصالح، وكُن صالحًا فحسبُ”.

هذا هو أحد المظاهر التي يُحتمل أن تكون مزعجةً، والتي يمكن استخلاصها من زوايا معينةٍ من الحركة الرواقية الحديثة: فكرة أنّ المرء ينبغي أن يكون رواقيًّا فقط، وأنّ كل نشاطٍ يفعله ينبغي القيام به على الطريقة الرواقية، قدر استطاعته.

وقال سادلر إنّ معظم أعضاء فريق الرواقية اليوم ليسوا مُلتزمين تمامًا بالرواقية؛ أولئك الذين يميِّزون بأنهم رواقيون، مُهتمّون ومُنفتحون على فلسفاتٍ أخرى، حتى سينيكا غالبًا ما يقتبس من أبيقور -المُنافس المزعوم للرواقيين- في “رسائل من رواقيّ”.

قال سادلر: “أعتقد أنّ هناك نزوعًا بين الذين يدخلون الرواقية لأول مرةٍ للاعتقاد بأنها مثل برنامجٍ تدريبيٍّ، حيث تبدأ في الجلوس والقيام بضغطٍ على الساق وستصل إلى رقمٍ معيّنٍ وأنت الآن انتهيت، الأمر ليس كذلك على الإطلاق. هناك أناسٌ مهووسون بأيّ الرواقيين أفضل من الآخر! وهذا شيءٌ منافٍ لما ينبغي أن يفعله الرواقي”.

وقالت بالمر إنه كان هناك اعترافٌ في العالم القديم أنّ قلةً قليلةً من الناس كانوا ناجحين تمامًا في الرواقية. وقالوا إن أولئك الذين فعلوا ذلك نادرون، وأنه قد لا يكون هناك سوى واحدٍ في الجيل الواحد حقَّق مثل هذه المستويات من ضبط النفس والهدوء العاطفي.

وقالت بالمر: “إن الجميع تقريبًا سيظلّون ينهارون، ويفشلون… وهذا لا بأس به، لأنه إذا كانت تُساعدك أربعة أيامٍ في الأسبوع، وكان لديك انهيار يومٍ واحدٍ في الأسبوع وكنتَ محتاجًا إلى استخدام أدواتٍ أخرى، مثل البكاء على كتف صديقٍ، فهذا هو الإنسان العادي”.

وأحالَتْني بالمر إلى مُصادمة بيترارك مع رسائل شيشرون الشخصية؛ كان بيترارك عالِمًا إيطاليًّا من القرن الرابع عشر عاصَرَ الطاعونَ وحاولَ التنقيبَ في رسائل الرواقيّ شيشرون طلبًا للراحة، مات العديد من أصدقاء بيترارك في الطاعون، وفي مرحلةٍ مّا لم يَعُدْ بإمكانه قبول وجود حكمةٍ في العالم أو أنّ الله صنع مثل هذه الخطة. وقالت بالمر: “إنه صريحٌ جدًّا حول أنه لا يستطيع قبول ذلك”. ويسأل: “ماذا فعل جيلنا وكان أكثر فظاعةً من جميع الأجيال الأخرى، حتى نزل بهم هذا؟”.

في وقتٍ لاحقٍ، عندما كتب بيترارك كتاب “علاجات للقَدَر، خيره وشره”، والذي وصفتْه بالمر بأنه أقرب إلى “كتاب مساعدةٍ ذاتيةٍ رواقيٍّ”، وقالت إنه لا يزال يعتقد أنّ وجود مشاعر “غير معقولةٍ” حول البلاء هو الرد المناسب. “وكان ذلك شيئًا غير رواقيٍّ أصلاً ليقوله”، وقالت بالمر. “قال -بشكلٍ أساسيٍّ- إنه في بعض الأحيان عليك فقط أن تبكي”.

الرواقية هي فلسفة رائعة، ولكن هناك بعض العناصر المفقودة إذا أُخِذَتْ بشكلٍ أُحادي الجانب، وقد وجد إيفانز أنّ التركيز على العقلانية يمكن أن يُغفِل أساليب العلاج والدلالات الوجدانية وغير العقلانية. وبالمناسبة، يمكن أن يكون هذا هو الحال مع (العلاج السلوكي) CBT كذلك، وهو لا يصلح لكل أحدٍ، ولا لكل مشكلةٍ. وقال إيفانز: “يرى بعض الناس أن فكرة محاولة عقلنة مُعتقداتك السلبية غير مجديةٍ، وهذا هو السبب في أنّ بعضهم يفضِّلون العلاج بالقبول والتعهد”[15] … “لديّ صديقٌ يُعاني الوسواس القهري، ولا يمكنه مُناقشة مُعتقداته الفضولية بالطريقة السقراطية، وهذا يجعل الأمر أسوأ”.

“الرواقية تستوعب المشاعر بشكلٍ كبيرٍ، لكن بعض صور الرواقية التي تنصّ على أنه يجب أن تكون مَرِنًا لعواطفك، وأنه يجب عليك مُحاربة الظروف التي تولِّد المشاعر السلبية التي تشعر بها؛ قال جونكوك: “أعتقد أنّ هذا في الواقع أسوأ بالنسبة لشخصٍ في حالةٍ عقليةٍ سيئةٍ”.

حتى فيريس قال إنه لا يرى نفسه مُبشّرًا للرواقية، لأنه ينطلق من فلسفات أخرى أيضًا، مثل البوذية والأبيقورية. قال فيريس في مقطع فيديو على YouTube: “أجد أنّ ذلك يمثِّل توازنًا مفيدًا للغاية”، أن تكون رواقيًّا كاملًا كل الوقت، فسوف تصبح “جافًّا وكئيبًا بعض الشيء”.

وقال إيفانز إنّ الرغبة في إفراد الرواقية -أو أيّ فلسفةٍ أخرى أو حيلةٍ للحياة أو نظامٍ غذائيٍّ، في هذا الشأن- باعتبارها حلًّا لكل محنةٍ يُواجهها الشخص قد تنشأ عن أزمةٍ أوسع في الدلالة. وقال: “الناس لا يفهمون عقولهم، ويشعرون بأنهم تحت رحمة أفكارهم وعواطفهم”. “يشعرون بأنّ حياتهم تفتقر إلى المعنى أو الكيان، أو أنهم لا يملكون أيّ بوصلةٍ أخلاقيةٍ؛ لذا فهم ينظرون إلى أشياء مثل طريق المخدرات أو الرواقية أو البوذية، لكنهم بالطبع ينظرون إليهم في الثقافة الغربية الحديثة، حيث يكون لديك مهابة روّاد الأعمال أمام مشاكل النفوذ هناك، ومَن كان أكثر مكرًا يحصل على أغلب الأصوات.

إيفانز لا يزال يعتقد أنّ شعبية الرواقية -بشكلٍ عامٍّ- شيءٌ جيدٌ. وقال: “إنها مجرد أفكارٍ مُفيدةٍ وممارساتٍ مفيدةٍ”. وقارَنَها بما وصلتْ إليه البوذية الحديثة، وقال: “إنّ بعض الناس سيتعمّقون للغاية في البوذية ويكرِّسون حياتهم لها”. “وبعض الناس قد يستمعون إلى هيد سبيس Headspace[16] لمدة 10 دقائق في اليوم، ولكن -في الواقع- هذا لا بأس به، أيٌّ من هذَيْن الخيارَيْن”.

قال الإغريق القدماء إنّ الحجج الفلسفية مثل الأدوية: بعضها سيكون مُناسبًا لبعض الناس في أوقاتٍ معينةٍ، والبعض الآخر لأوقاتٍ أخرى. الرواقية دواءٌ مفيدٌ، وقد تكون هناك أوقاتٌ في حياتنا عندما يكون تناولها أفضل من غيره.

وقال إيفانز: “بعد الخروج من الصدمة، كانت الرواقية مفيدةً بالنسبة لي لأنني كنت أشعر بقلقٍ اجتماعيٍّ سيءٍ؛ لذلك ساعدني ذلك على تعلّم الاعتماد على الذات، كانت مرحلةً مفيدةً، ولكن بعد فترةٍ من الوقت، شعر إيفانز أنه غير قادرٍ على التكيّف مع المجتمع “كرجلٍ ناضجٍ يُحاول تطوير عواطفه، كنتُ بحاجةٍ -في الواقع- لتعلّم كيفية الاعتماد على الآخرين، في الواقع ليس كلّ الوهن سيئًا”، وكان هذا هو السبب الرئيسي الذي جعله يتخطّى الرواقية ولا يعتبر نفسه رواقيًّا الآن (على الرغم من أنه لا يستطيع التخلّص من “وشم” الرواقية).

قال إيفانز: “اعتقدتُ أنني وحيدٌ… أردتُ أن أتعلّم الحب، بل إنني أُفضِّل أن يكون لديّ ارتباطاتٌ، وأُعاني من الخسارة والحزن، وخطر الرفض، أو أن تخذلني أشياءٌ من هذا القبيل، وهذا -بالنسبة لي- كان القيد الكبير من الرواقية”.

اقرأ ايضًا: الحكمة من وجود الشر عند ابن القيم


الهوامش:

[1] الإمبراطور الروماني السادس عشر، حَكَمَ الرومان في الفترة (161- 180م)، وهو أحد أهم الفلاسفة الرواقيين.

[2] لوكيوس أنّايوس سينيك: فيلسوف رواقي وكاتب مسرحي وخطيب روماني.

[3] المنطقة الجنوبية من منطقة خليج سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا في الولايات المتحدة، اشتُهِرت بهذا الاسم لوجود عدد من رجال الأعمال والمختصين في إنتاج شرائح السيليكون، والذين يتميزون بالثراء الفاحش.

[4] مؤسسة لتقديم الخدمات الصحية والتحاليل في كاليفورنيا، دارَ حول مصداقيتها جدل واسع، وقضايا احتيال واتهامات أخرى.

[5] مارك زوكربيرج: رجل أعمال أمريكي، ومبرمج، وهو مؤسس فيسبوك.

[6] أتباع فلسفة أبيقور، وفلسفته تغلّب جانب اللذة، وتعتبرها هي الخير، وتعتبر الألم هو الشر المحض.

[7] فلسفة يونانية تشاؤمية تحتقر الرغبات وتغلّب جانب الفضيلة، يُعزَى تأسيسها إلى أنتيستنيس تلميذ سقراط.

[8] تدريبات وطقوس تأملية تشبه اليوجا.

[9] فيلسوف رواقي عاش في النصف الثاني من القرن الأول والثلث الأول من القرن الثاني الميلادي.

[10] تيموثي فيريس: هو رجل أعمال أمريكي، ومستثمر، ومؤلف، وأحد خبراء أنماط الحياة.

[11] مذهب حديث منبثق من الرواقية الحديثة، ينتقي منها بعض المبادئ، ولعل أقرب ترجمة لتسمية سادلر: إخوان الثلجية/الثلجانية.

[12] أي: الرجال سوف يصبحون رواقيين، قبل أن يذهبوا إلى العلاج. “المترجم”

[13] رجل أعمال أمريكي، مؤسس ورئيس مجلس إدارة شركة أمازون.

[14] شخصية في الفيلم.

[15] من أنواع العلاج النفسي.

[16] مقاطع صوتية لجلسات التأمل الموجّه، مدة الواحد منها عشر دقائق، يزعمون أنها تساعد على تقليل التوتر، ويُروَّج لها ولشراء تطبيقاتها الهاتفية الآن حتى في الشرق الأوسط. “المترجم”

المصدر
vice

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى