فكر وثقافة

أسطورة النسبية الأخلاقية

  • جوناثان دولنتي
  • ترجمة: أمين قاسم
  • تحرير: عبد الله الهندي

الغرضُ من هذا المقال المختصر هو: إظهار أن النسبيةَ الأخلاقيةَ مجردُ أسطورة فلسفية، لا يقبلها أي شخص فحص مبادئها ناقدًا، وأن أولئك الذين يدعون أنهم نسبيون في الأخلاق ليسوا كذلك في الحقيقة.

نتعامل هنا مع جانبين لحالة معينة:

  • أولاً: “الاعتقاد” الذي ينص على عدم وجود قيم ثابتة/مطلقة، أو: أنه ليس هناك سوى الأحكام القيمية المتغيرة، أو: أن الحقائق الأخلاقية نسبية، أي: أن صواب الفعل يعتمد على الموقف الذي يتخذه بعض الأفراد أو المجموعات تجاهه؛ وعليه فقد تختلف من فرد إلى آخر أو من مجموعة إلى أخرى.
  • ثانيًا: “الأفعال” الصادرة عن هذا الاعتقاد، والتي تُظهر جليًّا أن الفاعل يتصرف -بشكل أو بآخر- وفقًا لاعتقادٍ: أن النسبيةَ الأخلاقيةَ -في الواقع-هي الموقفُ الفلسفيُّ الحقيقيُّ الوحيدُ.

كما هو الحال عادةً في هذا النوع من المواقف، يأتي الاعتقاد أولاً ويتبعه الفعل. لكنّ الفعلَ المُتَّخَذ يخبرنا شيئًا عن الالتزام بالاعتقاد الذي صدر عنه الفعل المُتَّخَذ.

من السهلِ في مجتمعنا المعاصر العثورُ على بيانات تُظهر التزامًا -على ما يبدو- بالنسبية الأخلاقية.

ضع في اعتبارك مجرد عينة:

  • ما هو صحيح بالنسبة لك قد يكون غير صحيح بالنسبة لي.
  • لا يوجد شيء صحيح أو خاطئ بذاته، لكننا من يجعله كذلك.
  • الأحكامُ الأخلاقيةُ مجردُ مسألة رأي شخصيّ.
  • كل شيء مباح.
  • ما هو دواء لرجل، قد يكون داءً لآخر.
  • يجب ألا نحكم على أخلاق الآخرين الشخصية.
  • لا يوجد مجتمع أفضل من آخر أو أسوأ منه (في ما يتعلق بالأخلاق الاجتماعية).

تُتَداولُ العبارات المذكورة أعلاه ونحوُها في محادثة عادية كما لو كانت حقائق لا ينبغي لأحد أن يختلف بشأنها. علاوة على ذلك، فإن أولئك الذين يزعمون أنهم نسبيون أخلاقيون ولديهم الجرأة الكافية لإعلان ذلك= سيقولون بسهولة: “كل الأخلاق نسبية وهذه نهاية الأمر”.

أظهرت استطلاعات الرأي التي أجريت مؤخرًا في أمريكا مدى انتشار الموقف الذي تروج له النسبية الأخلاقية. على سبيل المثال: في أحد الاستطلاعات التي سُئل فيها البالغون عما إذا كانوا يوافقون على عبارة: “لا توجد معايير مطلقة للأخلاق والفضائل”، قال 71%: إنهم يوافقون عليها.

 أظهرت استطلاعات أخرى أعدادًا أكبر ممن يعتقدون: أن الأخلاق هي مسألة رأي شخصي، وأنه لا توجد معايير عالمية يمكن -من خلالها- تحديدُ صوابِ فعل بشري أو خطئه.

الآن، لا أسأل أبدًا عما يخبرني به أي أحد عن معتقداته الشخصية، إلا إذا كان لدي سبب وجيه للتفكير بخلاف ذلك. إذا أخبرني أحدهم: أن الحقيقة مسألة نسبية؛ فأنا أقبل أن هذا ما يؤمن به، ثم أفكر في تصرفاته لمعرفة مدى موافقتها لمعتقداته. وهذا هو المكان الذي “تُبتلى فيه الادعاءات”. أجد أن أولئك الذين يزعمون: أن “كل الحقيقة نسبية” قد يتفوهون بهذا، لكنهم لا يتصرفون أبدًا كما لو كان صحيحًا. وبالمثل، أجد أن أولئك الذين يقولون: إنهم يؤمنون بالنسبية الأخلاقية= لا يتصرفون أبدًا وفقاً لاعتقادهم أن الأخلاق نسبية. في الواقع، أجدهم مؤمنين بوجود أخلاق مطلقة، وليسوا نسبيين. الاعتقاد شيء، والأفعال شيء آخر. وفي عالم الأفعال، تتسبب النسبية الأخلاقية في “ضربة” قاتلة.

للقول المأثور القديم: “الأفعال أصدق من الكلمات” أهمية خاصة هنا. إذا كان هناك من يلتزم حقاً بالنسبية الأخلاقية؛ فيجب أن تكون “أفعاله” متسقة مع تلك الكلمات أو المعتقدات. وهنا بالتحديد، تصبح النسبية الأخلاقية “أسطورة”. بينما قد يدعي الكثيرون أنهم نسبيون أخلاقيون، فإن أفعالهم تظهر أنهم ليسوا كذلك. في الواقع، يُظهر سلوكهم أنهم مطلقيّون أخلاقيون من نوع ما، على عكس ما يدعونه تمامًا. وهذه هي النقطة التي أريد أن أتطرق إليها في بقية المقال.

إن مَن يُعرِّف نفسه على أنه نسبوي أخلاقي لا يحافظ على التزامه بـ”فلسفة” النسبية الأخلاقية. في الواقع، يُظهر السجل جليًّا أن هؤلاء “النسبيين الأخلاقيين” ليسوا نسبيين على الإطلاق، لكنهم مطلقيون أخلاقيون. يستند هذا على سلوكهم، وليس على دعمهم المزعوم لموقف فلسفي.

علي سبيل المثال:

  • الجماعات السياسية “الليبرالية” الحديثة التي تروج لـ”الصوابية السياسية”.

 تريد هذه المجموعات قمع ما تعتبره لغة وآراء مسيئة. يدعي معظم هؤلاء الأشخاص أنهم نسبيون أخلاقيون، ومع ذلك فهم يروجون لعقيدة تتضمن برنامجًا “مطلقًا”، أي: “يجب إزالة التصريحات غير الصحيحة سياسياً أو حتى جعلها غير قانونية”. لا نسبية هنا.

  • المجموعات التي تروّج لـ “التعددية الثقافية”.

يجب اعتبار جميع معتقدات وممارسات الثقافات غير الغربية على أنها “جيدة” بغض النظر عن المعتقد والممارسة، لكن الحضارة الغربية و “الأوروبيون البيض” أشرار بالذات، ويجب القضاء عليهم في أسرع وقت ممكن. لا نسبية هنا[1].

  • المجموعات المؤيدة للإجهاض.

بدعوى أن الأخلاق هي مسألة رأي شخصي، تحاول هذه المجموعات الآن القضاء بشكل قانوني على أي معارضة لموقفها. يريدون “حماية خاصة” ولا يريدون مواجهة أي معارضة فلسفية. لا نسبية هنا.

ما ورد أعلاه مجرد أمثلة على السلوك “المطلقي” الذي يُعرض باعتباره نسبيةً أخلاقيةً.

وهناك المزيد: واحدة من أكثر الجماعات صراحةً ونشاطًا للترويج للنسبية الأخلاقية في أمريكا: ما يسمى بـ”الحركة النسوية”. ومع ذلك، لا نجد -حتى هنا- النسبيةَ الأخلاقيةَ كما يُزعم، ولكنِ المطلقَ الأخلاقيَ.

علي سبيل المثال:

  • تقول “الحركة النسوية“: إن حكومة طالبان في أفغانستان كانت “مخطئة” في معاملتها للنساء. ولكن -كي تتسق مع مفهوم النسبية الأخلاقية- يجب أن تقول النسويات: إنه بعد كل شيء، هذا مجرد شيء “ثقافي” وليس لدينا الحق في الحكم على صواب ثقافة طالبان أو خطئها.
  • تصنف “الحركة النسوية” النشاط الجنسي بين الأطفال والبالغين على أنه “خاطئ”، ولكن -كي تتسق مع مفهوم النسبية الأخلاقية- يجب أن تقول النسويات: أن هذا مجرد رأي “شخصي”. ولا ينبغي معاقبة أي شخص ينخرط في مثل هذا السلوك.
  • يجب على “الحركة النسوية” أن تقول -كي تكون متسقة مع مفهوم النسبية الأخلاقية-: إن ما هو اغتصاب بالنسبة لشخص، هو ممارسة الحب بالنسبة لآخر. إنها مسألة وجهة نظر المرء.

الآن ، لن تتخذ “الحركة النسوية” الموقف الأخلاقي النسبي. سوف تتخذ الموقف الأخلاقي المطلقيّ، وهو نفس الموقف الذي تدينه هذه الحركات في أولئك الذين لا يتفقون مع آرائهم الخاصة.

سيقولون:

  • معاملة طالبان للنساء خاطئة ويجب تغييرها.
  • النشاط الجنسي بين الأطفال والبالغين خاطئ ويجب معاقبة الجاني.
  • الاغتصاب خطأ بغض النظر عن رأي الجاني ويجب معاقبته.

لا يمكن الحكم على أي من الأحكام المذكورة أعلاه -في ما يتعلق بفعل بشري على أنه صواب أو خطأ- دون اللجوء إلى بعض المعايير المستخدمة كمعيار للحكم على السلوك. هذا المعيار، بطبيعته: “مطلق”. لا يمكن للنسبية الأخلاقية أن تلجأ إلى معيار، لأن “النسبية” نفسها -بسهولة- تعني: عدم وجود معايير.

يمكنني أن أستمر بالعديد من الأمثلة الأخرى عن “المطلقية الأخلاقية” التي تتنكر في صورة “النسبية الأخلاقية”. وإلى جانب ذلك، أود أن أوضح نقطة مهمة أخرى: إن النسبي الأخلاقي الزائف (لأن هذا ما هو عليه بالفعل!) لا يريد حقًا إقناعك بأن موقفه الفلسفي صحيح من خلال الانخراط في خطاب فكري. بدلاً من ذلك، يريد النسبيون الأخلاقيون الزائفون -في المجتمع الأمريكي- مناشدة الهيئات التشريعية (الكونغرس، وآخرين) أو الهيئات القضائية (المحكمة العليا … إلخ) لتضمين “معتقداتهم” في القانون. هذا يعني: أن ما هو “قانوني”= هو نفس ما هو “أخلاقي”، ولا شيء غير ذلك. وهذا هو المسمار الأخير في نعش النسبية الأخلاقية.

نحن لا نتحدث عن الأخلاق إطلاقا! نحن نتحدث عن القانون الوضعي. الأخلاق أو الفضائل لا علاقة لها بالموقف. القانون الوضعي هو كل ما يهم الآن. يجب التمييز بين: ١- جعل بعض “الأفعال الإنسانية” قانونيةً، ٢- و”أخلاقية” أيِّ فعل بشري. كل ما نحتاج فعله -وفقًا لهذا الموقف الفلسفي- هو: إعلان أن شيئًا ما “قانوني”، وهو -بحكم الواقع- “أخلاقي”. بالمناسبة، هذا -في رأيي- الوضعُ الحاليُّ في المجتمع الأمريكي اليوم.

حسنًا، دعنا نقبل ذلك من أجل الحجة الحالية: ما هو “قانوني” يعادل ما هو “أخلاقي”، كمثال محدد للنسبية الأخلاقية؛ ومن ثم،  فإن ما يسمى بالنسبية الأخلاقية قد ذهب؛ لأنه إذا كانت “الشرعية القانونية” تحدد “الأخلاق”؛ فإن أيَّ غضب ضد ظواهر مثل: “الهولوكوست” النازية، أو هجوم الإرهابيين على أمريكا في 11 سبتمبر ،2001 أو “ختان” الفتيات الصغيرات في العديد من البلدان الأفريقية السوداء، أو “الإساءة” للنساء في طالبان أفغانستان، أو ممارسة امتلاك العبيد السود في أمريكا في القرن التاسع عشر= فإنه[2] في غير محله وغير عادل؛ لأن هذه الممارسات كانت “قانونية”. لذلك -وفقًا لمنطق هذا النوع من النسبية الأخلاقية-؛ فإن كل هذه الممارسات كانت “أخلاقية”.

لن يقبل أي نسبي أخلاقي أعرفه جيدًا ما ورد أعلاه. سوف يصرون على أن هذه أعمال “شريرة”. ولكن بأي معايير؟ أو على أي أساس؟ إذا كان الحكم على الأفعال البشرية أمرًا نسبيًا ولا توجد معايير مطلقة يمكن استخدامها لإصدار حكم؟! إما أن تكون جميع المبادئ الأخلاقية نسبية أو أن هناك -على الأقل- مبدأ أخلاقيًا واحدًا مطلقًا، أو فإن الأخلاق -في حالة الوضعيين المنطقيين وبعض الآخرين- هي مجرد لعبة دلالية ليس لها محتوى حقيقي. على أية حال، لا أحد حقًا يعتقد  هذا، بما في ذلك الوضعيون المنطقيون الذين روجوا لها..

الآن، لنكن واقعيين. إذا كان النسبيون الأخلاقيون مخلصين حقًا في معتقداتهم، فلن يتمكنوا من إدانة الممارسات التالية، وعليهم أن يقولوا:

  • أكل لحوم البشر: مسموح به، إذا كنت تعتقد أنه صحيح من الناحية الأخلاقية.
  • اغتصاب الأطفال في سن الثانية: أمر مقبول، إذا كان ذلك جزءًا من تقاليدك الثقافية.
  • معاملة زوجتك بوحشية: أمر مفهوم، إذا كان ذلك جزءًا من نظامك الأخلاقي.
  • إخصاء الأولاد الصغار: مسموح؛ من أجل تراثك الثقافي.
  • التعذيب: جزء مقبول أخلاقيا من نظام العدالة الجنائية الخاص بك.
  • التضحية البشرية: مسموح بها كجزء من نظامك الديني.
  • تدمير مجموعات معينة يعرفها مجتمعك: ممكن؛ على أنها غير مرغوب فيها.
  • لا يوجد شيء اسمه جريمة حرب.
  • لا ينبغي الحكم على أدولف هتلر باللا أخلاقية؛ لأنه كان يتصرف بشكل قانوني.
  • لم يتصرف جوزيف ستالين بطريقة غير أخلاقية عندما قتل الملايين من الأبرياء.
  • لقد كان المفجرون الانتحاريون في 11 سبتمبر 2001 يتصرفون بشكل صحيح بما يخدم مصالحهم الخاصة.
  • كل شيء مباح. كل شيء مباح. كل شيء مباح. لا يمكننا الحكم.

لا توجد طريقة يمكن بها تجاوز هذه القضية في ظل النسبية الأخلاقية. إذا لم يكن هناك -على الأقل- معيار أو مبدأ مطلق أو موضوعي واحد أو اقتراح واحد للفلسفة الأخلاقية يمكن استخدامه لتطوير نظام للفلسفة الأخلاقية القائمة على الموضوعية، فعندها: “كل شيء مباح”.

أخيرًا، أعود إلى الموقف الأول الذي كنت أحاول مناقشته. النسبية الأخلاقية هي: “أسطورة”. أي: لا أحد يؤمن حقًا بالنسبية الأخلاقية، على الرغم مما قد يقوله المرء. كل ما على المرء أن يفعله هو النظر إلى “أفعال” النسبي الأخلاقي بدل التركيز على المعتقدات التي يعتنقها. يبدو أن النسبيين الأخلاقيين مذنبون بالنفاق، يقولون شيئًا واحدًا ويمارسون نقيضه. أخيراً: إن النسبية الأخلاقية مجرد مثال آخر على “الجنون الفكري”، أي: محاولة إعادة صياغة الواقع وإعادة تشكيله إلى ما يريده المرء، بدل قبول الواقع كما هو والتعامل معه بعقلانية.

يجب وجودُ معيارٍ واحدٍ -على الأقل- منطقيٍّ وموضوعيٍّ، يمكن للبشر من خلاله الحكمُ بصواب الأفعال البشرية أو صحتها أو ملاءمتها. قد يوجد المزيد، ولكنه يجب وجود واحد على الأقل. إن اكتشاف هذا المعيار العقلاني الموضوعي هو موضوع ما نسميه: الفلسفة الأخلاقية أو الأخلاق.


[1] التعددية الثقافية تتجه أكثر كرد فعل على ادعاء تفرد ثقافة ما وحضارة ما (الغربية غالبا) بكل سمات المدنية، وإهدار كل ما عند الآخر من تحضر، بهذا المعنى تدعو التعددية الثقافية للاعتراف بما عند الآخرين من حضارة وتمدن، وإن اختلف عن نظيره الغربي. [الإِشراف].

[2] أي: الغضب.

المصدر
radicalacademy

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى