ترجمة: عبدالله الشهري
إن الفشل جزء لا يتجزأ من البحث العلمي، لكن غالبًا ما تُعدّ مناقشته من المحرّمات في الأوساط العلمية، ولا ينبغي أن يكون الأمر كذلك.
استضافت كلية إمبريال في لندن، بالتعاون مع مجلة نيتشر Nature، مؤتمرًا في 16 أبريل حول موضوع قلّما نوقش في العلم: الفشل. لم يمرّ نجاح مؤتمر عن الفشل دون ملاحظة؛ فإلى جانب الطابع الساخر الذي ظهر به، كان هناك أيضًا متسع لنقاشات جادة ومثمرة.
يقوم العلم على الفشل من عدة أوجه. فالأفكار والفرضيات العلمية تحتاج إلى اختبار وتنقيح أو رفض من أجل توسيع المعرفة الإنسانية. وهذا يعني أن على الباحثين توقّع احتمال فشل التجربة أو المشروع، ومعرفة كيفية التعامل مع نتائجه. ولئن كان التقدم العلمي يُصوَّر أحيانًا على أنه صعود على أكتاف العمالقة، فينبغي أن نتذكر أنه قد يكون أيضًا تسلقًا على منحدر زلق. لقد تعلم برنامج «أرتيميس 2» للهبوط على القمر، على سبيل المثال، كثيرًا من النجاحات، وأيضًا الكثير من الإخفاقات، التي شهدتها مهمات أبولو في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.
كان المؤتمر مناسبة نادرة مرحبًا بها للحديث عن الفشل بأشكاله المختلفة. وأحد الأسباب الرئيسية لندرة مناقشة الفشل هو طبيعة بنية العلم الأكاديمي. ذلك أن البحث العلمي يُموّل ويُعرض ويُكافأ في الغالب بناءً على نتائجه الناجحة. ولذلك لا يترك هذا النظام مجالًا كافيًا للاعتراف بشيء اسمه «مشروع قيد التقدّم»، ولا مجالاً لتجنّب مجازاة الباحثين حينما لا تسير الأمور على ما يُرام.
يمكن تفهّم هذا التوجه إلى حدّ ما. فصنّاع السياسات يتوقعون دائمًا أن تخصص حصة أكبر من أموال دافعي الضرائب – الموزعة على شكل منح من جهات التمويل الوطنية، على سبيل المثال – لمشاريع يُرجّح أن تحقق عائدًا على الاستثمار؛ أي نتائج ملموسة. غير أن هذا النهج يفشل في الإقرار بأن الأمور قد تسوء، وأن هذا جزء من طبيعة العلم أيضًا. من المهم حين تفشل التجارب أو المشاريع، أن يبحث الباحثون في أسباب الفشل وأن يُدخلوا التعديلات بناءً على ما تعلموه.
مع ذلك، هناك صعوبة متزايدة في تطبيق مثل هذه التغييرات. ففي 16 أبريل، وهو اليوم نفسه الذي عُقد فيه المؤتمر، أعلن المجلس الأوروبي للبحوث أن المتقدمين غير المؤهلين لمنَحِه المرموقة سوف يُستبعدون من التقديم في العام التالي. وقد اعتُمد هذا الإجراء لمساعدة المؤسسة على التعامل مع الزيادة في عدد الطلبات. لكن إحدى عواقبه أن المجلس بعث فعلاً إلى الباحثين برسالة مفادها: لا تتعلموا من الفشل، لأن فرصكم الثانية ستكون محدودة.
في مجلة نيتشر، لطالما اعتبرنا الطعن في قرارات المحررين أمرًا مشروعًا. أما على النطاق الأوسع في مجال النشر، فإن الأمور بدأت تتغير – على سبيل المثال، عبر صيغ نشر مبتكرة مثل «التقارير المسجّلة» (Registered Reports). في هذا النموذج، تُقدَّم مقترحات الدراسات وتُحَكَّمُ ويُقبل نشرها قبل جمع البيانات، الأمر الذي يعزز الصرامة المنهجية بدلًا من التركيز على النتائج. مع ذلك، لا تزال هذه الابتكارات قليلة ومتباعدة؛ فالأوراق البحثية وطلبات المنح والسير الذاتية لا تتضمن عادةً التجارب أو المشاريع غير الناجحة.
إن عجز منظومة البحث عن منح الباحثين الوقت والمجال للإخفاق دون خوف من العواقب قد يؤدي إلى فشل أكبر. على نطاق أوسع، ربما كان هذا أحد أسباب ما تشير إليه بعض الدراسات من أن البحث العلمي أصبح أبعد عن «زلزلة» الأفكار القائمة وأقرب إلى تثبيتها.
هل يمكن للوسط الأكاديمي أن يتعلم من خارج حدوده؟ في وادي السيليكون، على سبيل المثال، الفشل جزء متجذر في الثقافة المهنية. فشعار «افشل بسرعة، وافشل كثيرًا» يشجع على اتباع النهج الاستكشافي: العثور على طريقة أو تقنية ناجحة تقتضي تجربة أشياء كثيرة لا تنجح. يُعتبر الفشل هنا تجربة ضرورية على طريق النجاح.
لكن إلى أي مدى يمكن تطبيق هذا النهج في الأوساط الأكاديمية؟ من الصعب تقبّل احتمال الفشل، أو احتمال أنك لن تنجح، في بيئة تكافئ النجاح وحده. ومع أن البحث بات يجري أكثر فأكثر ضمن فرق، إلا أن المسؤولية العامة عن الحصول على التمويل وإدارته – من خلال المنح مثلًا – تقع غالبًا على عاتق الباحثين الرئيسيين.
لعلنا بحاجة إلى العثور على إلهام يأتينا من خارج نطاق العلم. ففي مقال بمجلة «مِهَن نيتشر» Nature Careers نُشر في 23 أبريل، يقارن خافيير نيون فييرا، وهو طالب دكتوراه في علم المناعة والأحياء الدقيقة بجامعة ولاية لويزيانا في شريفبورت، تجربته في العلم بتجربته في الرياضة (إذ كان حارس مرمى في دوري الشباب دون 19 عامًا في إسبانيا). فالرياضيون يحصلون على تسجيلات للمباريات وجلسات تدريبية لتحليل أدائهم وتحسينه، لكن الآليات المُعِينة على تحليل الفشل في الوسط الأكاديمي قليلة. ولذا يقول: “إن ما يجعل الفشل العلمي مختلفًا هو عدم اليقين. فبلا سبب واضح، يسهل تحميل نفسك المسؤولية: هل المشكلة في جدارتي؟ أم في اختياري للمشروع؟ أم في الفكرة كلها؟”.
هناك دروس مهمة هنا لمن يتولّون مسؤوليات إدارية أو يعملون مع الباحثين؛ إذ يمكن للعلماء الحصول على بعض الدعم من خلال الشبكات والمبادرات الداخلية في جامعاتهم، مثل مشروع «العلم الجيد» في إمبريال الذي شارك في تنظيم المؤتمر. من المرجح أن تتوفر مؤسسات أخرى على مبادرات مماثلة. كما يمكن لمسؤولي برامج التدريب الجامعي، ومكاتب دعم البحث، وغيرها من الجهات، أن تبذل مزيدًا من الجهد لمساعدة الباحثين على تجاوز الفشل.
ويمكن للباحثين الرئيسيين أيضًا أن يساعدوا زملاءهم في المراحل المبكرة على تجاوز فكرة “الوقوف على أكتاف العمالقة” وذلك بالإقرار بأن الشك “مكوّن متأصل في المهنة العلمية”، كما قالت ماري-إميلي تيريه، عالمة الأحياء الخلوية في كوليج دو فرانس في باريس، في حوار مع نيتشر. (نيتشر 651، 543-544؛ 2026).
في عالمٍ يسوده العمل البحثي الجماعي، لا بد من التماس طريقة أفضل للتعلّم من الفشل، بدلًا من اعتباره عبئًا. نحن بحاجة إلى بذل جهد أعظم بكثير لجعل الفشل جزءًا طبيعيًا من العملية العلمية. وهذا يبدأ بالحديث عنه.
الرابط: https://www.nature.com/articles/d41586-026-01254-9



