عام

﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾

  • خطاب حمود الجبوري

يقصُّ علينا القرآن من نبأ موسى-عليه السلام- وفرعون، هذا الطاغية الذي مهما شيّدَ من بنيانِ غطرسته، وعلا فهو ﴿فِي الْأَرْض﴾ فرّق شعبه، واستضعف طائفة منهم ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ﴾ كانت سكيّنهُ تُمثّل رُعبًا لأرحام الأمهات إنْ حَملنَ بأيّ ذكر ﴿وليَسَ الذَّكرُ كالأُنثَى﴾، وهكذا “لِلْمَنَايَا تُرَبِّي كُلُّ مُرْضِعَة”

وفي هذا الجو من الظلمِ، والذبحِ، والاستعبادِ، وُلِد موسى، هكذا شاءَ اللهُ، وللهِ فيها ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَة﴾، لتكون بدايةُ هذا الميلاد راسمة بتدابيرِ اللهِ نهايةَ فرعون وجنوده.

وفي خضمِّ خوف أم موسى وهلعها بعد وضعها المولود، أخبَرَ اللهُ ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾

يأتي الإلهام فِطريًا، ويلج قلبها دون استئذان ولا تأشيرة دخول…، إلى ﴿أم موسى﴾ لم يذكر اسمها، بل أضافها إلى موسى تشريفًا وتكريمًا.

“‏وكم أبٍ قد عَلا بابْنٍ ذُرى شرَفٍ
كما علَتْ برســول اللهِ عــدنانُ”

﴿أَنْ أَرْضِعِيه﴾ ليتذوق حليبكِ، ويعرف ثديك…

﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْه﴾ ثم ماذا يارب ؟!

ضمِّيه، خبّئيه، احرسيه، تواري به عن الأنظار؟

لكن تدابير السماء جاءت عكس ظنون الأرض، عكس توقعات البشر…

قال الله ﴿فَأَلْقِيهِ﴾ لم يقل” فضعيه”بل ﴿فَأَلْقِيهِ﴾

وفي آية أخرى ﴿اقْذِفِيهِ﴾، والقذف لغةً الرمي بقوة، تأمّل رهبةَ المشهد، تخيَّل هوْلَ الموقف، تصوَّر ثقلَ التكليف ﴿فألقيه﴾ يا الله!

تُؤمر بإلقاء وليدها، وفلذة كبدها، وكيف يمكن لها أنْ تنقذه من هلاكٍ مظنونٍ وترمي به في هلاكٍ مُتيقّن؟

وقلبها ينبضُ بالخوف، وأنفاسها تتقطعُ ما بين شهقة هلع، وزفرة أنين …

وأين يُقذف؟

﴿في الْيَمِّ﴾ حيث الأمواج المتلاطمة، والحيتان المفترسة…

ولكن اليمَّ لن يغرق موسى، كما لم تحرق النار خليل الله، ولم تذبح السكين إسماعيل، ببساطة؛ اللهُ لم يأذن بذلك.

وكأنَّ الله يقول لها إذا خفتِ عليه من النحر! فألقيه في البحر، إذا خفت عليه من سكين الطاغوت، فٱقذفيه في التابوت …

تستسلمُ هذه المرأة إلى مَنْ ﴿يُدَبِّرُ الأَمرَ مِنَ السَّماءِ﴾، وتفوّضُ أمرها إلى مَن ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾.

طفلٌ وحيد، خرج من رحم أمه، وقُذِفَ في بطن التابوت، ثم قُذِفَ التابوت في اليم. ومن المعلوم أنَّ التابوت هو صندوق لحمل الجنائز، ولكنّه صارَ اليوم طوق نجاة، وصندوق حياة، “فالله يُحيي بأسباب الموت، ويميتُ بأسباب الحياة”.

وهكذا يشق التابوت طريقه وسط تلاطم أمواج اليم، وقلب أمّ موسى يبحر وسط أمواج القلق والهم!

ثمة في العمق حيتانٌ صاخبة، وفي قلب أم موسى ضجيجٌ وصخب، تريد الأحزانُ التقام قلبها.

تريد الأوجاع أن تبتلعها، وتدعها تتيه بين دوامة القلق، والكثبان النفسي …

ترمق الأم بقلبها وليدها، نظرات خوفٍ وحزن، وهواجسُ إحباط ويأس. ويجري التابوت وفق مساره الذي رسمته السماء، بلا مجداف، ولا دفة قيادة، فهو يجري ﴿بأعيُننا﴾

تدسست إلى قلبها الوساوس، والنزغات، وأثقل قلبها بالهموم والأوجاع، كيف فرّطت بوليْدِها؟

داهمتها الخطوب، واشتدت بها الكروب، وضاق بها الصدر الرحيب، وتناوشتها الأوجال من كل جهة، نزل الدواء الإلهي ليمسح عن قلبها الذي صدعته الآلآم، وليطفئ لهيب الضلوع ﴿وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي﴾، وعلى قدر الثقة واليقين تكونُ رعاية رب العالمين.

“دَعْهَا سَمَاوِيةً تَجْري عَلى قَدرٍ
لَا تَعْتَرِضْها بأمرٍ مِنكَ تَنْفَـسِدُ”

ثم تأتي البشارة ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾، وعودُ السماء لا تحتاجُ إلى ضمانات.

يمَّمَ التابوت وجهه شطر قصر الطاغية، ووصل إليهِ دون عناء البحث…﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾.

قذف الله حب موسى في قلب امرأة فرعون، ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾، فَصَاحت ﴿لا تَقْتُلُوهُ﴾

الذي حفظه من الغرق يحفظه الآن من الذبح.

ثم ماذا؟

﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغاً﴾

فارغٌ من كلِّ شيء إلاَّ من موسى!

ملأ موسى عليها قلبها، ومشاعرها، وخواطرها، وأفكارها، فصار فؤادها لا مكان فيه لغير موسى، نسيت كل شيء إلاَّ موسى!

هجمت عليها المخاوف مرة أخرى، وأخذ الخوف بمجامع قلبها يتلتل فؤادها الفارغ، ويصدّع جدرانه، مخلوقة ضعيفة،حالها كحال البشر ﴿إنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾.

يتكئ الحزنُ بثقله على قلبها الهش، ويضغط على شقوقهِ فتنزف…ويحتشدُ سيل الدموع على حافة القلب، يكاد ينهمر!

بلغ بها الخوف كل مبلغ ﴿إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾

وتفصح بأمر ﴿لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا﴾

هكذا يشد الله فؤادها، ويربط على قلبها بأحزمة الأمان، وأربطة اليقين، وحبال الطمأنينة، فتشتّت المخاوف، واضمحلت الأحزان، وتلاشت الهموم، وتشظّت الوساوس.

﴿رَّبَطْنَا﴾ اسكنْ يا قلب، اهدأ يا روع.

ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.

﴿وَأَوْحَيْنَا﴾ ﴿رَادُّوهُ﴾ ﴿وَجَاعِلُوه﴾ كلها بصيغة التعظيم.

لأنَّ المقام مقام حفظٍ، ورعايةٍ، وتمكينٍ، وتأييدٍ، ونصرةٍ، وتدبير.

تتبعُ أخت موسى أثره ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ ۖ ﴾.

تتبعٌ بحذرٍ وحيطة ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.

ويُؤتى بالمراضع فيرفضها موسى كلها، وكلما التقم ثديًا رفضه، لأنّه حديث عهدٍ بلبن أمه﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾.

لتأتي أخته فتدلهم على ﴿أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ﴾.

ثم تحقق وعد ﴿رَادُّوهُ﴾ بـِ ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ﴾.

وهكذا ترتب المشهد، وفق تصاريف القدر.

حَفِظَ الله موسى بأسباب ضعيفة، وحكمٍ لطيفة، من أهوالٍ مخيفة، فالأسبابُ عاجزة، والنتائج باهرة.

قلب والدة ضعيف.

تابوت هش.

امرأة فرعون.

أخت موسى …

ولقد صوّرتُ المشهدَ بأبيات لي:

وَلَدتْكَ أُمّكَ، والمخاوفُ جمّةٌ
ومن الأسىٰ، تغرورقُ الأجفانُ

سكينُ طاغيــةٍ تُهدِّدُ ابـــنها
وَلَكَمْ يُذبِّــح طاعــةً أعـوانُ

جاءَ الأمانُ من السماءِ مُهوّنًا
﴿أن أرضعيه﴾ يحفّكِ ٱطمئنانُ

وإذا دعاكِ الخوفُ من فقدانهِ
وتكدَّسـتْ في قلبكِ الأحـزانُ

ألقي الوليــدَ، فكلّها مأمورةٌ
اليمُّ والتّـابـوتُ والحـيـتانُ

فغدًا يُردُّ إلى حنانكِ راضعًا
وعلى فؤادكِ يربط الرّحمنُ

“وإذا العنايةُ لاحظتك عيونها
نم، فالحوادثُ كلهنَّ أمانُ”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى