عام

مشرف… الدروس الأخيرة

نستيقظ في الصباح ونبدأ في رحلة يوم جديد، وننغمس في شؤون الحياة، ونعيش صخبها، وننهمك في مجرياتها، وتمر بنا أحداث ومواقف وعبر متتالية، لكن يأتي بعضها فيكون جرس إنذار، أو حجر زاوية؛ لتصحيح المسير وإعادة الحسابات.

في الأيام الماضية ضجت وسائل التواصل بخبر وفاة الشيخ مشرف الشهري – رحمه الله وغفر له- وبدأ عدد من طلبة العلم وأصحاب المشاريع التطوعية والأخيار تدور في أذهانهم الكثير من الأفكار والمراجعات، بعد متابعتهم لوفاة الشيخ مشرف رحمه الله وطوفان الحب والثناء الذي غمره بعد رحيله وبعضهم يفكر في إعادة ترتيب أولوياته ومراجعة نفسه وأعماله، وبعضهم قد يفكر بإيقاف ما بيده ويتجه لمشاريع أخرى، وبعضهم يتحدث عن جدوى عمله، ولاشك أن فقد الأحباب من طلاب العلم وأصحاب المشاريع التطوعية، مؤلم وثقيل على النفس، ولكنه يوقظنا من غفلتنا ويذكرنا بحجم أعمالنا وقصر أعمارنا، وهنا نحتاج إلى التذكير ببعض المسائل:

1- الاعتبار بالوقائع وأحداث الزمن وتدبرها من عمل أولي الألباب فهم ينتفعون بما يرون ويسمعون ويصلحون بما يرون من العبر ما يحتاجونه ويقيمون ما اعوج من حياتهم، فيزدادون خيرًا وصلاحًا ونشاطًا وبذلًا، وما رأى الناس من تتابع الثناء والدعاء والمحبة للشيخ مشرف غفر الله له باب من أبواب تزكية النفوس وليس تعويقها وتثبيطها.

٢- كرامات الله تعالى وأفضاله على عباده وأوليائه كثيرة ومتنوعة، ويختص كل واحد منهم بما شاء سبحانه على مقتضى لطفه ورحمته وجوده، وظهور كرامة خاصة للعبد وعدم ظهورها لأخيه لا تدل بالضرورة على نقص في الآخر أو عدم قبول عمله أو تأخره في الفضل وقد ظهر لأفراد الصحابة رضي الله عنهم فضائل لم تكن لجميعهم.

ومنها ما ورد يوم أحد “أنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ لقيَه فقال يا جابرُ ما لي أراكَ منكسِرًا قلتُ يا رسولَ اللَّهِ استُشهِدَ أبي وترَك عليهِ دينًا وعيالًا فقال ألا أبشِّرُك بما لقيَ اللَّهُ بهِ أباكَ إنَّ اللَّهَ لم يُكلِّم أحدًا من خلقِه قطُّ إلَّا من وراءِ حجابٍ وإنَّ اللَّهَ أحيا أباكَ فَكلَّمَه كفاحًا وقالَ يا عبدي تمنَّ عليَّ ما شئتَ أعطيكَ قال تردَّني إلى الدُّنيا فأقتلُ فيكَ فقال تبارَك وتعالى لا إنِّي أقسمتُ بيمينٍ أنَّهم إليها لا يُرجَعونَ يعني الدُّنيا”. وقد استشهد معه سبعون شهيدا منهم سيد الشهداء.

فعدم حصول هذه الكرامة الخاصة لعالم أو طالب علم أو صالح لا تدل على تأخر مشروعه أو عدم جدوى عمله أو أهمية ثغره، بل تدل على أن حكمة الله اقتضت أن لا ينال هذا النوع من الكرامة وفضل الله واسع وأنواع عطائه لا حد لها ولا عد.

والحاصل من هذا أن يلزم كل عامل ما بورك له فيه من علم أو تعليم أو إصلاح أو نفقة أو تربية أو تأليف أو إدارة لمشروعات الخير وأن يصدق مع الله فيه ويجد ويجتهد فيه.

وقد خص النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه بأنواع خاصة من الثناء والبشارات لكنها لم تحمل بقية الصحابة على ترك ما هم عليه من الخير والاقتداء الكلي بمن خصه النبي صلى الله عليه وسلم بالثناء الخاص فبقي كل واحد منهم على ثغره من علم أو تعليم أو إقراء أو إنفاق أو جهاد أو بر أو عبادة.

٣- أن أسباب تحصيل الكرامات غيبية لا يعلمها إلا الله فالناس قد يجعلون سبب الكرامة ما يظهر لهم من العمل الصالح بينما تكون الكرامة لسبب خفي ولولا ما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم من غسيل الملائكة لحنظلة لما علم الناس به ولا بسببه.

فقد يكون ما حصل للشيخ مشرف رحمه الله (ولا نزكيه على الله) بسبب عمل خفي أو بسبب عمل ظاهر أو بمجموعها.

كما وقع للرجل الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم يدخل عليكم رجل من أهل الجنة….والمؤمن يفاضل بين الأعمال بالنصوص الشرعية ويجود عمله بالصفات الشرعية أيضا ويسأل الله القبول ويحسن الظن بربه ويثق أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا.

٤- رؤية الكرامات للصالحين محفز للمؤمن وباعث لنشاطه إذ يرى عظيم كرم الله وسعة عطائه ويقوي رجاءه أن الله سيعطيه كما أعطى أخاه ولو بغير جنس هذه الكرامة، ولو بعمل غير عمله وبذل غير بذله، فالمؤمن يزداد يقينه بواسع الجود من ربه فتسهل عليه أعماله ويخف عنه ثقله ويتسلى ويتصبر بلا عكس.

والشيطان يدخل على العبد فيقول له كل جهدك غير مقبول ولا أثر له وقد اخطأت الطريق ولا تتعب نفسك فلن تحصل هذه الكرامة الذي حصلها الأخيار ويوسوس له في طلبه للعلم أو في دعوته.

تخيّلوا

لو أن الناس تركوا ثغورهم العلمية والدعوية والتربوية ودعوة الجاليات والجمعيات الخيرية وقال كل واحد منهم سأقتدى بالشيخ مشرف رحمه الله حذو القذة بالقذة!

وتخيّل الجواب كاف في غلط هذا التصور.

٥- الكرامات الظاهرة للناس تتشوف لها النفوس وما خفي عن الخلق من جود الله أعظم ولو كشف الغطاء عن كرم الله لأسرعت النفوس وجدت ولكن الإيمان بالغيب صفة المؤمنين.

6- الكرامات مبشرات وليست لازمة لكل عمل صالح ولا لكل صالح، فالله يختص بظهورها في ما يشاء ومن يشاء.

7- بعض الأعمال تقتضي مجاهدة الناس ومعاداة بعضهم وتنغيص شهواتهم كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما يجعل صاحبه في مرمى ألسنتهم وأذيتهم والمؤمن يرضي ربه بالإحسان للخلق كما يرضي ربه بالإنكار على الناس ولا يبالي بلومهم ولا يحمل الباذل ما يرى من قبول الناس لبعض إخوانه في ميادين الخير أن يترك ميدانه لتحصيل هذا القبول فلكل أناس مشربهم وكل ميسر لما خلق له وأبواب الجنة ثمانية وسبل المعروف بلا حصر.

8- العجز عن بلوغ المقامات العالية الرفيعة لا يعني الزهد فيما دونها على طريقة (لنا الصدر دون العالمين أو القبر) فبين الصدر والقبر آلاف المنازل والدرجات، فاعمل بما فتح الله به عليك ولا تيأس ولا تتوانى وأحسن الظن بربك فإنه كريم واسع العطاء.

اقرأ ايضًا: درس هناء الأخير!

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى