عام

خمس أساطير منتشرة عن المختلين عقلياً

  • د. أزاده عالي*
  • ترجمة: الجراح القويز
  • تحرير: أحمد العراك

في قراءتي الصيفية أصبحت أمتلك خبرةً بسيطة بعد قراءتي بعض الكتب المهتمة بعلم النفس للأشخاص غير الطبيعيين. على وعلى وجه الخصوص كتاب (The Psychopath Whisperer) للمؤلف (كنت كيل) الذي يعتبر احد أبرز الباحثين في علم النفس وأيضا كان صاحب سبقٍ في الكثير من الاعمال التي ساعدت العلماء من فهم علم الأعصاب وخصوصاً المرتبطة بهذه الحالة بشكل أفضل.

هناك عدد من الأساطير المنتشرة في الثقافة الشعبية عن المختلين عقلياً وسأتكلم عنها في هذا المقال تباعاً:

 

1- المختل عقلياً يملك بنفس الوقت اضطراب شخصية معاد للمجتمع.

سأسجل اعترافاً بأنني لم أكن أدرك من الناحية الاختصاصية أن الاختبار التشخيصي للاضطرابات النفسية (DSM) لايمكنه التعرف على المرض العقلي كحالة سريرية قابلة للتشخيص حتى قرأت هذا الكتاب. وذلك لأن اختبار (DSM) للشخصية المعادية للمجتمع هو في كثير من الأحيان مساوٍ للاعتلال العقلي، صحيح أنه يوجد جوانب متشابهة بين الشخصيتين، ولكنهما في الواقع حالتين مختلفة. ويتم تقييم الاضطراب العقلي باستخدام معايير مميزة تم اختبارها جيدًا ثم اعتمادها على عكس معايير تحديد الاضطرابات الشخصية في (DSM) التي تعتمد أسئلتها على أساس الموثوقية والصلاحية بين الطبيب المشخص والمريض. ويؤكد ذلك (كانت كيل) بقوله “اذا لم يوجد تدريب مناسب فسيواجه الطبيب صعوبة في تقييم الاضطراب العقلي” (ص 47).

في الحقيقة، ليس عادياً أن يعتقد ممارسي الطب النفسي الشرعي أن معايير (DSM) لهذا الاضطراب في الشخصية تحدد أيضًا الاضطراب العقلي، مع مخالفة هذا للواقع. فالأرقام تشير إلى أن حوالي ثلث المرضى الذين تم تشخيص إصابتهم باضطرابات الشخصية هذه يستوفون أيضًا معايير الاضطراب العقلي، صحيح أن هناك تداخلات حرجة، إلا أنها تظل حالات مختلفة. هذا التمييز يسلط الضوء على القيود المحددة من (DSM)، واحدة منها أن السمات العاطفية للاضطراب العقلي لا يمكن التعرف عليها أو معالجتها بسهولة من خلال تشخيص اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع.

 

2- الاضطراب العقلي هو نفسه الاعتلال اجتماعي.

هذه الأسطورة بشكل او بآخر هي امتداد للأسطورة الأولى لأن الثقافة الشعبية التي وضعت الشخصية المعادية للمجتمع على حد سواء مع الاضطراب العقلي، جعلت مصطلح (الاعتلال الاجتماعي sociopath) كدلالة على الاضطراب العقلي. صحيح انه حالياً لم يعد يستخدم مصطلح “الاعتلال الاجتماعي” في المجتمع الطبي السريري. فالمصطلح هذا نشأ في البداية لمحاولة للتمييز بينه وبين الاضطراب العقلي (الذي كان يُعتقد أنه منشأه بيولوجي) عن طريق استنتاج ان السمات الموجودة في الاضطراب العقلي يمكن أن تستمد من أسباب اجتماعية.

وعلى اي حال لاحظ ذلك (كنت كيل) كما يقول “إن الاعتلال الاجتماعي يشمل فئة واسعة من الأفراد المختلفين ولكن يجمعهم التصرف بشكل غير اجتماعي، و يُعتقد أن هذه التصرفات أسبابها اجتماعية وبيئية بطبيعتها” (ص40-41) وبعد ذلك، نبه إلى أن المصطلح لم يعد يستخدم في الأوساط الأكاديمية اليوم لأنه لا يبدو أن هناك أي معايير تشخيصية محددة مرتبطة به. في الحقيقة يبدو أن المصطلح يظل كمنتج ثانوي لحقبة سابقة في هذا المجال ، وغالبًا ما يتم استخدامه عن طريق الخطأ كبديل للاضطراب العقلي.

 

3- مطلقو النار مختلون عقلياً.

ربما لا توجد أسطورة أخرى أكثر صدى وخطورة من هذه عند النظر إلى السياق الثقافي للعنف الجماعي في الوقت الحاضر. فمن المغري الادعاء بأن الرماة الذين ينخرطون في أعمال العنف الجماعية هم من المختلين عقلياً لكن هذا غير دقيق إلى حد كبير. صحيح أن المختلين عقلياً يشكلون فئة كبيرة في المجتمع الإجرامي لكن غالبية مطلقي النار في حالات العنف الجماعي لم يستمدوا العنف من الاضطراب العقلي ولكن بسبب عناصر أخرى ساعدتهم على ذلك مثل: سهولة الوصول إلى الأسلحة، والاعتقاد بأن المقتولين يستحقون ذلك وربما أيضا بسبب “التطرف الالكتروني”. وعلى الرغم من الخطاب الشائع الذي تتناقله وسائل الإعلام الناقلة لأحداث العنف الجماعي عن طريق التأكيد بأن المشاركين فيه مختلين عقلياً ، فهناك دراسة تشير إلى أن أقل من 4% من الرماة في أعمال العنف الجماعية كانوا مستوفين للمعايير التشخيصية للامراض العقلية.

صحيح أنه حسب ماذكر الكاتب ان السجناء الذين استوفوا معايير الاضطرابات العقلية معدل عودتهم الى الجرائم اكثر بأربع إلى ثماني مرات ممن لم يستوفوها ولكن ومع ذلك فأن غالبية جرائمهم -مع عنفها- لاتصنف من أعمال العنف الجماعي التي نرى فيها غالبا إطلاق النار وكما قال الكاتب”معظم الأفراد الذين يرتكبون جرائم القتل المتعاقبة لا يستوفون معايير الاضطراب العقلي” (ص 201). وذلك يعني أن إطلاق النار والعنف الجماعي ليس دليلًا على الاضطراب العقلي بحد ذاته بل هو أحد أعراض مشكلة ذات سياق مختلف في مجتمعنا.

 

4- المختل عقلياً لا يمكن معالجته بشكل فعال.

في حالات الاضطراب العقلي واضطراب الشخصية المعادية للمجتمع لا يستجيب المرضى في كثير من الأحيان جيدًا للعلاج بل يشير البحث الموجود في الكتاب أنه في حالة الاضطراب العقلي العلاج بالعقوبة أو التهديد بها لا يعتبر فعال لتعديل او ردع سلوك المختل عقليا. وعلاوة على ذلك اشارت بعض الأدلة إلى أن اساليب العلاج الجماعي ضررها اكثر من نفعها فهي قد تزيد من احتمالية الاشكاليات السلوكية للمختلين عقلياً مقابل عدم علاجه إطلاقًا.

لكن كل الدلائل السابقة لاتعني أن هذه الحالة لايمكن معالجتها أبدًا فـ (كنت كيل) كان مساهماً في العمل على معرفة المناطق المصابة في الدماغ لدى المختلين عقلياً وهذا العمل الرائد كان له آثار كبيرة على العلاج ، خاصةً مع وجود أبحاث في حقل علوم الاعصاب وضحت قدرة الدماغ على التكيف.

ويبقى السؤال هنا هل من الممكن أن يتم إصلاح أو تحسين الخلل الموجود في دماغ المختل عقلياّ بالتدخل المبكر؟ في الحقيقة وضح (كنت كيل) تفاصيل النهج العلاجي الذي ابتكره مركز (ميندوتا) لعلاج الأحداث الموجود في ولاية (ويسكونسن) باستخدمه علاج سلوكي معرفي مكثف لحالات فردية من الاحداث الذين تنطبق عليهم صفات الاضطراب العقلي. وقد تبين أن التدخل يقلل بشكل فعال من معدلات جرائم العنف بين المشاركين وأيضًا من خطورة نوع الجرائم المرتكبة ومازال المركز يواصل التعامل بنجاح مع اخطر المجرمين الاحداث الموجودين في أنحاء امريكا . ولكن لسوء الحظ ، لم يتم اعتماد نموذج المركز لعلاج الاحداث المعرضين للخطر على نطاق واسع.

 

5 – تشير المشكلات المبكرة في الطفولة إلى الاضطراب العقلي.

بشكل عام لا يستخدم الأطباء بل يجب عليهم عدم استخدام كلمة مختل عقلياً لوصف مريض شاب، حيث أن المصطلح مشحون جداً، ويمكن للطفل الذي ما زال ينمو ويتطور أن يبدأ بالتوافق مع التسمية (مختل عقلياّ) إذا تمت الإشارة إليه بذلك فيجب الحذر من التسرع في الحكم ولكن هذا لا يعني عدم وجود عوامل خطر يمكن أن تشير إلى اضطراب عقلي لدى اليافعين. لانه كما قال (كنت كيل) “لقد أكتشف العلماء أن السلوك التخريبي والمعادي للمجتمع يبلغ ذروته في فترة المراهقة” (ص 184). ولذلك غالبية الحالات التي تواجه صعوبات خلال هذه المرحلة العمرية لايعقل ان الاضطراب العقلي هو سببها بل وحتى الاضطراب المتسم بالميل إلى التخريب الذي قد يبدو “علامة خطر” على الاضطراب العقلي قد لايكون كذلك.

وعلى سبيل المثال يقول الكاتب بأن “ما يقارب من 80 في المئة من الأطفال الذين تم تشخيصهم بالاضطراب السلوكي يكبرون بدون معاناة من اضطرابات شخصية او عقلية” (ص 141). صحيح أن هذا لا يعني أنه من غير المهم محاولة على تحديد عوامل الخطر المتعلقة بالاضطراب العقلي في مرحلة مبكرة من النمو ولكن يجب الحذر من الاعتماد على القوالب النمطية أو الافتراضات التي تعتبر أي سلوك مُشكل لدى المراهقين (اضطرابًا عقليًا).

ومن المؤسف أن (كنت كيل) ذكر حالة مأساوية جدًا لطفل أخبره طبيب أنه مختل عقلياً ثم اظهر بعد فترة توافقا مع تسميته بذلك بانخراطه في سلوكيات الاضطراب العقلي. وللأسف أنه عندما حاول دراسة هذا الطفل في وقت نموه اكتشف بأنه لم يحرز درجة عالية في تقييم الاضطراب العقلي فقط بل إن الوضع تعدى ذلك إلى سلوكيات تخريبية وهذا اثبات لما يسمى (النبوءة تتحقق بذاتها) فبعد سماعه لشخص صاحب منصب (الطبيب) يصفه بذلك تحول إلى ذلك حقيقةً. ولكن قام (كنت كيل) بتحديد مجموعة مهمة من عوامل الخطر في التطور المبكر والتي تتنبأ بدقة أكبر بالاضطراب العقلي لدى البالغين وهي (التبول في الفراش، وافتعال الحرائق، والمعاملة القاسية للحيوانات).

 

في الختام: اذا كنت مهتمًا بالتعقيد الموجود في حالات الاضطراب العقلي عليك قراءة كتاب (The Psychopath Whisperer) بأكمله. فمن المهم أن نظل يقظين ونفصل الحقيقة عن الخيال عندما يتعلق الأمر بحالة مثل هذه ، خاصة أنه عندما ننظر الى مجتمعنا ونجده يعاني من هذه الحالات . ويجدر التنبيه أيضاً أنه باستطاعة الأفراد -المؤسف انهم يفعلون- الانخراط في سلوكيات غير مسؤولة أو معادية للمجتمع دون أي اضطراب كامن أو مرض حقيقي.

 

اقرأ ايضاً: ميشيل فوكو “عن الحمقى، والمجرمين، والمنحرفين جنسيًّا”

 

  • د. آزاده عالي، أستاذ مساعد في علم النفس في كلية كوينزبورو المجتمعية في نيويورك (CUNY)، وتعمل أيضًا كمساعد لبرنامج الماجستير في علم النفس بجامعة نيويورك. وتشارك في تقديم بودكاست “The Dark Side of Yoga”.

المصدر: Five Myths About Psychopaths

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى