العلم

داروينية هيجلية: الداروينية كـ “ديالكتيك هيجلي” مطبق على البيولوجيا

  • مايكل إجنور*
  • ترجمة: الجراح القويز
  • تحرير: غادة الزويد

الكثير منا يؤيدون حركة التصميم الذكي، يشعرون كأنهم ينظرون إلى لحظة مألوفة قدر رأوها من قبل déjà vu” [1]” حين يشاهدون الأخبار المسائية. لقد أصبحت الساحة العامة تحت الرقابة وعدم التسامح مع التنوع الفكري. يعرف مناصرو التصميم الذكي جيدًا ما معنى أن تتلقى تهمًا بمعاداة الفكر والتعرض المستمر للرقابة؛ فقد تعرضنا للرقابة وسُحبت درجاتنا المهنية لعقود فقط لأنا طرحنا أسئلة حول الداروينية، أو قدمنا علمًا لا يتناسب مع مرويتها.

لدي صديق عالم أحياء، بروتستانتي ومعروف على الصعيد الدولي، أخبرني أنه يدعم فكرة التصميم الذكي بشدة، لكنه لا يجرؤ على قول كلمة في العلن؛ لأن ذلك سينهي مسيرته المهنية. في الوقت الحاضر انتقلت ثقافة الاستبعاد من المختبرات والفصول الدراسية إلى الساحة العامة. إن تجربة القمع الدارويني للتصميم الذكي وأنصاره تبدو جولة تجريبية لثقافة الاستبعاد الأمريكية المنتشرة. فملف المطرودون Expelled” [2]” قد جربه عامة الأمريكيين.

 ما الرابط بين كل هذه الاشياء؟

أن الداروينية وراء الكثير من هذه التغييرات في بلدنا… دعوني أشرح لكم.

إن داروينية القرن التاسع عشر أكثر من مجرد نظرية علمية ثورية، وبالكاد كانت نظرية علمية معتبرة الدلالة. وكما أشار الفيلسوف الملحد جيري فودر، لا يعتبر الانتخاب الطبيعي تفسيراً علمياً مجدياً[3]، وليس إلا حشواً، وأنه نظرية “فارغة”. أما عبارة “البقاء للأصلح” فلا تحمل قدرة تفسيرية حقيقية. وكما أشار مناصر التصميم الذكي فيليب جونسون، الداروينية لم تكن سوى نظرية فلسفية جديدة، رأت أنه لا غائية ولا هدف في الطبيعة، وأن الغائية البيولوجية – كما أصر داروين – ليست إلا وهمًا، كما أن البقاء على حساب الغير هو التفسير الأوحد لـ “غاية” الطبيعة؛ حيث اقترح داروين أن ذلك “التعقيد المتخصص الوظيفي” في الكائنات الحية إنما هو نتاج بقاء تفاضلي غير موجّه.

إذن الداروينية إنكارٌ للغاية في الطبيعة، أو كما يرى داروين: ليست هذه الغائية إلا وهمًا؛ لكن يبدو أن للبيولوجيا غاية ما؛ فالقلب يضخ الدم والكلى تخرج البول…إلخ، لكن ليست هذه الغاية إلا نتاج الانتخاب الطبيعي وقانون البقاء للأصلح. باختصار: تقدم الداروينية نفسها على أنه تشرح كيف أن القصة قد تُكتَب دون غاية بل في الواقع دون كاتب!

رؤية ميتافيزيقية أكثر من كونها بيولوجية

إن الانتخاب الطبيعي الدارويني ميتافيزيقي أكثر من كونه بيولوجيًا، وقد استعار داروين بعض الميتافيزيقا من أرسطو، دون عزو لها، وغالباً دون فهم. بالنسبة لأرسطو، سمة الطبيعة هي التغير، والتغير يعني التحول من القوة إلى الفعل، أي أن الطبيعة هي الخروج المستمر من القوة إلى الفعل؛ فالأشجار يمكنها النمو بالقوة ثم هي تنمو بالفعل، والأكسجين يمكنه تحفيز التنفس بالقوة ثم هو بالفعل كذلك؛ والثدييات يمكنها أن تتناسل بالقوة وهي تقوم بذلك بالفعل؛ والقلوب يمكنها ضخ الدم بالقوة وتقوم بذلك بالفعل. إذن الانتخاب الطبيعي ليس أكثر من امتداد لهذا المبدأ الميتافيزيقي حول التغير – الخروج من القوة إلى الفعل – إلى تطور الأنواع. فمجموعة من الجراء هي كلابٌ بالقوة. ومن هنا فالانتخاب الطبيعي يُخرج ما هو كامن بالقوة عن طريق الطفرات الجينية، وقانون البقاء للأصلح هو القانون الأرسطي حول ما هو بالقوة وما هو بالفعل، لكنه مطبق على التطور.

لكن أرسطو يختلف عن داروين من ناحية جوهرية: فالطبيعة عند أرسطو لها غاية، وتتجه نحو هذه الغاية بسبب العلة الغائية المتأصلة فيها. بالنسبة لأرسطو، التحول من القوة إلى الفعل (العلة المادية والصورية) لا معنى له دون الغائية المتأصلة في الطبيعة. ولفهم شيء ما، عليك أن تعرف كل من علله الأربع: (المادية، الصورية، الفاعلية، الغائية).

في الواقع، بالنسبة لأرسطو، العلة الغائية هي العلة الأكثر أهمية، وأطلق عليها “علة العلل”. فالقلوب تضخ الدم ولا تفرز الصفراء، والعيون تساعد على الرؤية لا السمع، والركن الأساسي في المعرفة البيولوجية هو معرفة “الغرض/الوظيفة” الذي تخدمه العملية البيولوجية. إذن، من المنظور الأرسطي: التطور دون غاية = أعمى، لأن الطبيعة بالنسبة لأرسطو قائمة على الغاية، والتغير في الطبيعة موجّه لغايات.

الصدفة والضرورة

بالنسبة إلى داروين، التغير في الطبيعة غير موجّه؛ وبالتالي فإن “الصدفة والضرورة” يفسران الحياة؛ فالانتخاب الطبيعي هو إخراج لما هو كامن بالقوة (البقاء) إلى الفعل (عن طريق الطفرات الجينية) ومن ثم فهذه الطفرات بجانب الانتخاب هما العلة التامة للتكيف البيولوجي؛ لذلك الطبيعة عند داروين تفعل ما تفعله دون حاجة لعقل يمنحها هدفًا وغاية.

استلهم داروين فكرة القوة والفعل الأرسطية، لكن دون قلبها النابض: الغاية؛ وإذا كانت الطبيعة عن أرسطو هي فرقة موسيقية لها قائد، فالطبيعة عند داروين عبارة عن ملهى.

الانتقاء الطبيعي للطفرات الجينية العشوائية هو الركن الأساسي في نظرية داروين، ولم يذكر داروين في استعارته من أرسطو – على الأقل ضميناً – أنه بنى نظريته في الانتخاب الطبيعي على القوة والفعل عند أرسطو. وقد استعار داروين نهجاً بالغ الأهمية من هيجل. فقد اقترح هيجل أن تطور التاريخ -التطور بمعناه الروحي- مدفوع بصراع مستمر بين الأفكار ونقائضها، أي بين “الأطروحة ونقيضها”[4]، وحل هذا الصراع الأساسي هو “التوليف” وإذا صح التعبير فإن التكيف مكتسبٌ بواسطة الصراع بين النقائض؛ وهذه العملية الجدلية هي محرك التغيير في العالم عند هيجل.

الداروينية هي جدل هيجلي مطبق على البيولوجيا، وقد يقال أيضًا أن الجدل الهيجلي هو داروينية مطبقة على التاريخ. فهيجل وداروين يشرحان التاريخ والبيولوجيا على أنهما جدليان، بمعنى أنهما عملية صراع وبقاء. إن الانتقاء الطبيعي هو هيجلية مادية، وكلٌ منهما اقترح أن موضوعه -التاريخ والتطور البيولوجي- منافسة جدلية وصراع بين الأطروحة ونقيضها مما ينتج توليفاً (التكيف) وهكذا إلا ما لا نهاية.

ومع ذلك فقد كان داروين ماديا ملحدًا؛ أما هيجل فقد كان مثالياً مسيحيًا! فكيف اتفقا؟

 توافق ماركسي

انبنى هذا التوافق على قاعدة ماركسية، فماركس وأنجلز اعترفا بصراحة بإنهما يدينان لداروين – الأساس الدارويني للماركسية لا يمكن إنكاره – حيث فهما الاقتصاد وصراع الطبقات باعتبارها نظائر للانتقاء الطبيعي الدارويني؛ كذلك حصر ماركس نظرته إلى التاريخ في النظرة اقتصادية، لكن الأصل في النظرية الماركسية أنها مادية إلحادية.

احتاج ماركس الملحد المادي الشرس (استمد معظم فكره من فيورباخ) إلى جدلية هيجل ليفسر التاريخ، لكنه أيضًا احتاج المادية الميتافيزيقية والتوكيد العلمي لقابلية الصراع الجدلية في الطبيعة. حصل ماركس من داروين على التوكيد العلمي للجدلية المادية. لقد فهم ماركس وإنجلز بشكل صحيح أن ما فعله داروين بالبيولوجيا التطورية هو ما فعلاه بالتاريخ الاقتصادي، حيث شرحا التقدم بصفته صراعًا غير موجّه. يمكن أن تشرح الرؤية الماركسية والداروينية التطور والاقتصاد بصفتهما دروات متعاقبة من الصراع أطروحة ونقيضها، تنحل بالتوليف (البقاء)، دون احتياج لغاية – ولا إله.

بالنسبة لداروين – كما هو بالنسبة إلى هيجل – العنف هو قوام التقدم؛ لا بد من صراع بين الأطروحة ونقيضها، والتطور والتاريخ سلسلة صراع لا يرحم، والتكيف والتقدم – التوليف- هما الثمرة المحتومة لهذا الصراع العنيف.

بنى ماركس نظامه على داروين وفيورباخ وهيجل، لكن التاريخ الحقيقي لم يتناسب مع النظرية الماركسية “العلمية” فقد كانت أول دولة شيوعية هي روسيا التي قفزت -خلافا للنظرية الماركسية- من النظام الإقطاعي إلى الشيوعية دون مرور بمفازة الرأسمالية. لقد فهم لينين هذا واقترح أن الديناميكية الماركسية قد تستمر بقيادة طليعة من المثقفين. ومما يستحق الذكر هذا التشابه القائم بين رؤية تحسين النسل وبين استمرار التطور الدارويني بواسطة الانتقاء الاصطناعي (التكاثر البشري).


  • مايكل إجنور جراح أعصاب الأطفال وأستاذ جراحة الأعصاب في جامعة ستوني بروك في نيويورك.

[1] وهم سبق الرؤية، هي ظاهرة تحصل للشخص بإحساسه أنه رأى هذا الشيء من قبل مع أنه أول مرة يشاهده، ويوجد نظريات كثيرة حول السبب الحقيقي لها. (المترجم)

[2] https://www.discovery.org/v/expelled-the-complexity-of-the-cell/

[3] https://evolutionnews.org/2013/08/natural_selecti_2/

[4] الجدل عند هيجل مؤلف من ثلاث مراحل: الأطروحة thesis  وتمثل موقفًا فكريًا معينًا، ثم نقيض الأطروحة anti-thesis  وهو موقف معارض للموقف الفكري الأول، والتوليف synthesis: وهو موقف التوفيق بين الموقفين الفكريين بالأرضيات المشتركة بينهما لتكون أطروحة جديدة. (المترجم)

المصدر
evolutionnews

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى