عام

بكاء مطلق

  • غيداء العويِّد

نهضت مسرعة من نومها لتلحق بموعدها الهام، لملمت شعرها المتناثر بشريطة مطاطية تعودت دسها تحت وسادتها قبل الخلود إلى النوم، اندفعت نحو المطبخ وتناولت علبة ماء بلاستيكية  فيما هي كذلك لمحت بطرف عينها اليمنى سربة من الهاموش تنقض على سلة الموز ثم رفعت بصرها نحو حوض سمك زجاجي يتوسط رفًّا مُعلقًّا أمامها، تسكنه سمكة زينة برتقالية يتيمة، بدت طافية فوق سطح الماء فدنت منها شيئًا فشيئًا تتأملها فلاحظت وجود خيط دم رفيع جدًا يمتد من بداية جذعها حتى زعنفة الذيل. أعادت علبة الماء حيث كانت.

ثم غادرت المنزل مسرعةً نحو السيارة، ولكنها كادت تتعثر بمقص حديدي عملاق مُلْقى على الأرض، فتوقفت هنيهة لمعاينته حين ذُهلت من حجمه وقالت تحدِّث نفسها: يكاد يكون هذا المقص الفارع بحجم طولي، توقَّعَت أنه يُستخدم لغرض تشذيب الأشجار وفروعها، أشاحت وجهها المنكمش عنه وتشبثت عيناها بالمشموم المزروع إلى جانبه في حوض إسمنتي مربع.

أخذت السيارة تجوب الطرقات حتى مرت بجانب شجرة وحيدة كانت قد اعتادت المرور بجوارها وإلقاء التحية الصباحية عليها كل يوم في طريقها إلى العمل خلال الأشهر الستة الماضية، رمقت قامة الشجرة بنظرة حزينة من وراء الزجاج وهي تجلس في المقعد الخلفي للسائق، وقد كان من عادتها الالتفات يمينًا ورفع رأسها بمجرد الاقتراب من شارع الشجرة -كما أسمته- لتطّلع على الغصن المورق الذي كان ينحني من النصف العلوي من الشجرة باتجاه الأسفل، يكاد يلامس سطح الأرض ولكنه لا يصل.

طيلة تلك الأشهر كانت تفكر بالعلاقة الملتبسة بين الشجرة والأرض ولا تعلم ما السبب الذي جعلها تشعر بأن الغصن الطري ينحني محاولًا الاقتراب وتقبيل أمه الأرض، ولكنها تأبى عليه ذلك؟ ولكم شَعَرَت بالأسى لأجله، وتمنَّت لو استطاعت الذهاب إلى تلك البقعة واستعطافها بشأن انعطافة الغصن المسكين! تجاوزت الشجرة وهي تكلم نفسها: أهذا اختلاق لعلاقات لا وجود لها أم أنه اكتشاف لعلاقات غير واضحة بين الأشياء؟!

ليس غريبًا أن تطلق عليه اسم شارع الشجرة فطالما لفتها منظر ذلك الشارع العاري الباهت، فالعابر عبره لا يرى سوى مساحة رملية واسعة، ودُكنة إسفلت على جانبيها، وتلك الشجرة التي تبدو كعمود إنارة ينير قفر الطريق وشحوبه. فاجأها هذا التشبيه الغامض ولكنها بررته قائلة: أوليس الاخضرار ضوءًا؟! أولم يصطفِ خالقنا اللون الأخضر ليكون رمزًا مرادفًا للحياة؟!

بعدها بعشر دقائق تقريبًا، مرت بعامل كان يرتدي جينزًا وقميصًا رماديان، ويقف بمحاذاة رصيف مصبوغ باللونين الأصفر والأسود تناوبًا، راقبته وهو يمسك بيد فرشاة الصبغ الخشبية ويغمسها داخل علبة معدنية دائرية مترعة بالسواد، وضعها بجانبه ليجدد الصبغة السوداء الباهتة المتقشرة. وهنالك تساءلت باستغراب: ما هي رمزية هذه الألوان؟!

أخيرًا وصلت إلى البناية الحكومية المتهالكة، ارتقت درجاتها الكونكريتية المؤدية إلى الدور الأول، تنفست الصعداء حين أنهت الإجراءات الرسمية بعد انقضاء ساعتين طويلتين مرت عليها وكأنها يومان!

بعد ذلك، هرعت إلى دورة المياه لترشق وجهها بالماء البارد، تمعنت في المرآة المشروخة والإنارة التي كانت ترمش بطريقة مرهقة للعين، همت بالخروج ولكنها توقفت لتعد الشروخ البارزة في المرآة وتمتمت وكأنها تُحادثها: ثلاثة شروخ يا مسكينة!

اقتربت أكثر فأكثر فرأت انعكاس الشروخ الثلاثة المتجاورة على وجهها وحمدت الله أن المرآة تخفي كل ما في دواخلنا وتساءلت: ماذا لو كانت المرآة انعكاسًا حقيقيًا لما في دواخلنا وليست مجرد صورة جامدة معكوسة؟ ابتسمت للفكرة وهي تتخيل اختراع جديد عبارة عن مرآة تفضح الشروخ الباطنية للإنسان بمجرد النظر إليها!

سارت في الممر الضيق ثم توقفت لوهلة تنظر إلى باب يكاد يكون مفتوحًا بأكمله كان ينبعث عبره أزيز مكيف مزعج يحالفه صوت نقرات نقاط الماء المتساقطة في سلة مهملات صغيرة وُضعت تحت مكان التسرُّب مباشرة.

أسرعت من خطوها حتى وصلت إلى البوابة الخارجية، توقفت وانتحت ناحية الجدار واتكأت عليه لتحسم أمرها بشأن عودتها إلى المنزل، فقد كانت تفاضل بين الإياب وبين الاستمتاع بتجربة مطعم يوناني جديد، ولكنها سمعت جلبة قريبة فتسمرت مستغرقة في مشاهدة جماعة من العمالة الآسيوية تتشابك بالأيادي وصراخها يعلو شيئًا فشيئًا ثم انقطع فجاءة وتفرقوا ما إن لمحوا رجلًا يقبل عليهم من بعيد ببدلة خاكية اللون. ركزت بصرها على الدرجة اللونية الدميمة للزي العسكري.

ثم تلفتت حولها ترصد المشاهد المحيطة بها: بائعة خضار تفترش الرصيف مع أولادها الثلاثة تحت مظلة ذات لون أخضر غامق، أب أصلع هائل الجسم ينهال على ابنه الصغير بلكمات متتالية ويدفعه بعنف إلى باطن السيارة، مشهد الطفل بالتي شيرت الفسفوري وضآلته مقارنةً بحجم والده، الأمر الذي جعلها تستعيد شكل كتكوت أختها الصغيرة المصبوغ بنفس الدرجة اللونية الفاقعة حين كانت تقف أمامه تتأمله من علو، وتتقمص عينيه؛ لتخمين شعوره حيالها باسترجاع منظر برج خليفة الشاهق حينما وقفت تحته للمرة الأولى، مِحَفّة مُسبل في جوفها مسن مهدم تبدو عظامه بارزة يحملها رجال الإسعاف ، أصابع مراهق لم يطرّ شاربه، مُلتاثة برماد عقب سيجارة التقطها من تحت قدميه، مسننات حديدية حادة نافرة من الأرض، قفل عملاق يلتف حول العجلة الأمامية لسيارة أجرة صغيرة وسفرطاس صدئ مرمي على الإسفلت بجانب أشولة رمل نصف مفتوحة، جاثمة على صدر الأرض. بعد ذلك، هبت ريح خفيفة فأثارت حبات الرمل وتطايرت في الهواء، انقبضت ملامحها، وتقطب جبينها وهي تغلق عينيها ثم شعرت بدوار خفيف، فوجهت أصابع الاتهام للشمس العامودية الساخنة معتقدةً بأنها تواطأت ضدها مع كل الشخوص والأشياء والعوالم التي تسكن تحتها.

قطعت تحليلاتها لسبب الدوار قهقهة مجلجلة، فبحثت عن مصدرها فإذا هو شاب عشريني ينفث دخان سيجارته بانتشاء غريب، مندمجًا في حديث ودي مع شاب يماثله في العمر، يبدو كما لو أنه صديقه القديم، امتعضت وشعرت وكأنه يسخر منها، حدقت في ملامحه الطليقة البشوشة، وتساءلت باستنكار: لماذا لا يشاطرني نفس الشعور ونحن نقف في الموقف ذاته؟ أم أنه لا يبصر ويصغي إلى ما حولنا! وبخها ضميرها فنهرت نفسها قائلة: إنه شاب غض في غيدان شبابه فلا تستعجلي عليه أوجاع الحياة، ستتكفل الأيام بذلك، واأسفاه!

بعد ذلك، تفقدت الشارع بأكمله، وكأنها تبحث عن منظر يبهج الخاطر ويؤنسه فلمحت لوحة مقهى في الجهة المقابلة، فانطلقت وعبرت الشارع ركضًا إليه، وكأنها تهرب من فك حيوان مفترس يلاحقها، لقد تولت هاربة من متوالية المشاهد القاسية، ولكنها تفاجأت بانفجار بركان الأسئلة في رأسها: لماذا يبدو يومها سخيًا بالمظاهر المؤلمة؟ لماذا تغزو التفاصيل الموجعة عينيها؟ لماذا يبدو كل ما في هذا العالم قاسيًا وقاتمًا وثقيلًا؟ لماذا شعرت بأن كل شيء حولها يكاد ينطبق عليه مقولة الشاعر العراقي مظفر النواب: “في تلك الساعة حيث تكون الأشياء بكاء مطلق”؟ ولماذا وجدت نفسها تهز رأسها أسفًا مؤمنةً على كلامه أيضًا:” العالم آلة إيذاء “؟ في حين كانت في الماضي البعيد تستنكر رؤيته التشاؤمية للحياة، وكأنها بدأت تعطيه بعضًا من عذر في هذا اليوم بالتحديد، وقررت العودة إلى سيرة حياته وقراءتها بتمعن؛ عساها تفهم منطقه!

في الآونة الأخيرة، لا تعلم ما الذي دهاها؟ فقد لاحظت أن الخروج من المنزل أصبح مهمة عسيرة تستثقلها، فالشارع في كل مرة يبدو لها زاخرًا بالإيحاءات المنهكة، إن مبارحة المنزل تعني اضطرارها للتعامل مع طوفان من المشاهد، والمشاعر، والمواقف المربكة، كما تنبهت أن ثمة تغير في طريقة نظرتها لمعطيات الوجود حولها، فقد صارت تمسح الأشياء بنظرة عتاب طويلة مليئة بالتساؤلات، حتى أنها في بعض الأحايين تغلق بصرها لتتحاشى بعض الأمور التي تمر أمام عينها وهي تسير في طرقات الحياة؛ كي لا يتسلل إليها أي شعور مزعج، وكأنها تحاول درء ألم متوقع!  ثم حادثت نفسها قائلة: مغادرة جدران بيتي الآمنة فخ حقيقي، وأضافت مؤكدة: المقص المرعب فخ، المرآة المشروخة فخ، شجار الأيادي الخشنة فخ، الأصابع اليافعة المسودة فخ، القفل العملاق فخ! نعم كل شيء فخ، كل شيء فخ فج وظلت تكرر: فخ فج، فخ فج!

وصلت لاهثة، فتوقفت لالتقاط أنفاسها، وحاولت أن تبتسم ثم دخلت إلى المقهى، أحست وكأنها انتقلت من عالم إلى عالم آخر مختلف تمامًا، رحب الموظفون بها بابتسامة دافئة، وبادرها أحدهم بالاستفسار عن عدد الأشخاص فردت: شخص واحد فقط، رفع حاجبيه وفاجأها بنظرة إشفاق تقول: كم أنتِ وحيدة يا سيدتي! كادت تنطق لتبرر له: لستُ وحيدة، ليتك تعلم كم أشعر بالمتعة أحيانًا بقضاء وقت خاص مع نفسي! تقدمها نحو منطقة الجلوس، اختارت طاولة جانبية، ثم ارتمت على المقعد بعد أن أفلتت حقيبتها اليدوية من يمينها فوق الطاولة، وراقبته وهو يتحرك إلى الجهة الأخرى، وسمعته يهمس لزميله الذي رمى نظرة سريعة متسائلة ناحيتها: إنها وحدها؟!

دعكت ودلكت معصمها النابض وهي تتأمل الأثر الوردي الذي خلفه حمل الحقيبة الجلدية ذات المقبض العلوي السميك، وبدا لها كأثر كلبش تحررت منه. نهضت فجأة ثم رفعت جذعها واشرأبت بعنقها ناحية الواجهة الزجاجية، وأخذت تقلب طرفها بين معصمها والكلبش العملاق المقيد ليمين المركبة، هذه المرة لمحت صاحبها الذي كان يضرب كفًا بكف وعلامات الغضب تحتل ملامحه! قعدت وهي تعمل ذهنها في الصفدين وأنواع الأصفاد الأخرى في هذه الحياة ثم أطلقت حكمتها: لكل إنسان صفده الخاص.

ولكنها قررت نفض حكاية الأصفاد هذه عن فكرها، فهربت بنظرها إلى الحائط المقابل لها، وتأملته قليلًا ثم بدأت عيناها تتجولان في المكان، شدها دانتيل رفيع يزين حواف فستان سماوي لطفلة كانت تقف بجانب أمها أمام الزجاج، وتشير بسبابتها الصغيرة باتجاه كعكة دائرية، تعلوها حبات من الفراولة الطازجة. يقطع تأملاتها نادل يتقدم ويضع كوب القهوة وكيكة التيراميسو أمامها، ثم يسكب الماء في الكوب الكريستالي، فتصغي بتركيز لصوت انسكاب الماء البارد وهي تتبع الفقاعات التي تتكون بداخله ثم تختفي، وخطر لها تساؤل جديد: ترى هل لصوت انسكاب الماء في الكوب اسم معين في لغتنا؟ ووعدت نفسها بأن تبحث في الأمر.

دست في فمها ملعقة مغمورة بغيمة باردة طرية من الطبقات المتجانسة من البسكويت والجبنة والكاكاو والبن، فانتشت بالطعم الغني وهي تستحضر بابتسامة ناعمة معنى كلمة تيراميسو في اللغة الإيطالية، وتحرك رأسها بالإيجاب كأنها تقول: حقًا، حقًا هذه الحلوى اسم على مسمى! ثم تسحب المنديل الورقي المطوي بعناية من طرف الطاولة، وتتحسس نعومته ببشرة خديها المتوردين، ثم تنتقل ببصرها إلى فازة شفافة تحمل زهور الجيبسوفيلا، وهي تتمعن الزهور البيضاء الصغيرة، وأغصانها الرقيقة، وتتساءل بفضول: لماذا سميت هذه الزهور بـ(زهور نفس الطفل)؟ يجب أن تبحث عن هذه المعلومة أيضًا.

تعود بعينيها إلى الجدار المقابل وتتأمله طويلًا هذه المرة، تحدق في ورق الجدران الذي يكسوه بالكامل، ثم تتحرك بخطوات صغيرة وتلتصق به، فتتوحد مع الجدار الذي ما كان إلا لوحة فنية مرسومة بألوان زاهية، تبدو اللوحة وكأنها حديقة قصر عثماني فاره.

تستمر في تحديقها فيتلاشى كل شيء حولها، وتنزلق قدمها لتسقط داخل اللوحة، تغمس أطراف أناملها في ماء النافورة المتمركزة في ساحة الحديقة، وتسلي عينيها بألوان الورود البهيجة التي تحف رخام النافورة، ثم تمد يدها عاليًا تحاول لمس السماء عبثًا، فتضحك وهي تتذكر حلمها الطفولي الساذج بأن تلمس السماء يومًا ما. تواسي نفسها باقتباس قرأته مؤخرًا يقول:” فقط من قلبك يمكنك أن تلمس السماء” وترى في الحال جناحين أبيضين ينبتان من أطراف قلبها ويحلقان بها عاليًا عاليًا، يتناهى إلى سمعها صوت رفرفة رهيفة فتُنزل يدها حالما ترى عصفورًا ظريفًا بأجنحة رقيقة للغاية يقترب ويتقدم بحركات حذره، ثم يمد رأسه ليحسو من الماء مرة بعد مرة.

أدركت أنها كانت تتبع ببصرها مواطن الجمال، منغمسة في التفاصيل الدافئة، وكأنها تحاول إطراب حواسها وأحاسيسها، ابتسمت نصف ابتسامة، وهي تعي تطبيقها التلقائي لنصيحة سمعتها قبل يومين، تحث على أهمية الانغماس كليًا في اللحظة الآنية التي يعيشها الإنسان وتقدير الواقع الراهن الذي نقف بين يديه بامتنان بالغ.

ولكن في لحظة مباغتة يهجم عليها صوت شنيع يزجرها ويسحبها من شعرها خارج اللوحة الغناء، حركت رأسها صوب مصدر الصوت فإذ هو صوت شحذ السكاكين منبعثًا من غرفة داخلية في المقهى. آه، ذلك الصوت الذي طالما استقبحته منذ أول صباها!

أسدلت جفنيها وهي تكاد تطلق صرخة رجاء ليتوقف شيف الحلويات الأكرش، الذي كان يقف بمئزره الأبيض وقبعته الطويلة، خلف منضدة واسعة، عن تكرار شحذ السكاكين المرصوصة بجانبه، فوق قطعة من القماش مستطيلة الشكل!

وضعت يمينها ناحية قلبها، وعادت إلى مكانها وهي لا تدري لماذا أحست بأنه يسن السكين الحاد على حافة قلبها؟! ما إن استوت فوق الكرسي حتى عادت بنظرها إلى العصفور الذي كان لا يتجاوز حجمه قبضة يد طفلة لم تبلغ عامها الثالث بعد، ذكرها صغر حجمه بعصفور الزيبرا الذي يقطن في قفص ذهبي مع رفيقته ببيتها منذ قرابة العامين أو أكثر، كانت بين الفينة والأخرى تقف عند باب المطبخ تتأمل حجميهما، وتشبه عصفور الزيبرا بزهرة الأقحوان وهي تقول في نفسها: عصفور الزيبرا الصغير يقابله في عالم الزهور زهرة الأقحوان الرقيقة، ثم دققت النظر في الجناح الأيمن للعصفور في اللوحة وسمعت صوت أحمد بخيت يندفع من أعماقها مُحتجًا:” أكلُّ رياح هذي الأرض ضدّ جناح عصفور؟!”

بصعوبة استطاعت تحويل بصرها إلى زاوية تجملها طاولة دائرية جُعل فوقها أباجورة خشبية، قاعدتها على هيئة كتب ملونة مصفوفة فوق بعضها، ويعلوها شعلة ضوء، فتذكرت فورًا كتابها الصغير الذي أودعته حقيبتها قبل المغادرة صباحًا.

قلَّبت الكتاب بين كفيها وأطلَّت سريعًا على صفحاته القليلة، ثم شرعت في القراءة وما إن انتصفت في الصفحة الأولى حتى شعرت بالكلمات وهي تدنو منها، وتمد أصابعها الحنونة لتلاعب خصلات شعرها. أمعنت النظر في أسراب الكلمات وهي تنتقل بين السطور، واستحضرت في تلك اللحظات الشاعر التونسي محمد الصغير أولاد أحمد الذي أثار تعجبها باصطفائه اسم (كلمات) لابنته الوحيدة، وأحست وكأنها فهمت سر هذه التسمية الغريبة!

غادرت المقهى وهي تدس أنفها في رسغها لتَعبَّ من رائحة عطر القهوة العالقة بأكمامها، هبطت درجاته الثلاث وخلايا خيالها تعمل على مقابلة بعض المشاهد التي مرت بها بمشاهد معاكسة من اليوم ذاته: الدرجات الكونكريتية، تقابلها درجات المقهى المطلية بالبياض، بزة الشرطي القميئة تتلاشى أمام فستان الطفلة السماوي، الأب الذي كان يضرب ابنه يغيب عند مشهد حنو أب كان يحمل رضيعه النائم في سلام ذراعيه، محفوفًا بنظراته الوادعة، والسفرطاس الصدئ يزول بموازاة لمعة طبق تقديم حلويات زجاجي بثلاث طبقات! وقفز هنا إلى ذهنها فجاءة عنوان كتاب للأطفال (كيف تُحَوّل غولة إلى فراشة؟).

كانت تمشي في طريقها وتتفكر في منسوب السعادة المجتباة في حال انقرضت وانقضت بعض الصور والمظاهر، وتذكرت كلمتيْ: فخ، فج، وتساءلت بجدية: ماذا لو تمرس الإنسان على القفز فوق فخاخ الألم المحتملة بفعل العصا السحرية لخياله؟!

في طريق العودة، أرخت رأسها على ظهر المقعد، ثم نزعت حزام الأمان، وألصقت خدها بزجاج نافذة السيارة البارد. بعدها بدقيقة أو أقل، أنزلت الزجاج وكأنها أرادت أن تكون أكثر قربًا من السماء، كانت عيناها ترتفعان تدريجيًا حتى تتعلقان بالأعلى، وهكذا قضت مسافة الطريق وهي ترنو إلى زرقة السماء، أما قلبها فكان يمد كفيه متضرعًا بانتظار إمطار السحاب المُسبحات لتتحول حقوله من الهشيم إلى الربيع:

يا خالقي يا خافقي

يا سيدي يا سندي

يا مُعيني يا مَعيني

يا مُرادي يا مَردي

يا مأمني يا مأملي

اللهم قومني وقوني

اللهم قومني وقوني

حينما انعطفت المركبة باتجاه الشارع المؤدي إلى مسكنها، استجمعت تركيزها وخاطبت نفسها بصيغة الأمر: لا تنسي واجب الليلة يا سُهى، ابحثي عن أربع نقاط: صوت انسكاب الماء في الزجاج، تسمية زهور نفس الطفل، أبجديات لغة الرصيف، والسيرة الذاتية للراحل النواب.

في ختام اليوم، دخلت غرفتها، وأقفلت بابها مرتين، انزلق الكتاب من بين يديها وسقط أثناء إقفالها للباب، فانحنت لتلتقطه ولكنها تهاوت على الأرض، وواتاها شعور غير متوقع في هذه اللحظة وكأنها فتاة يافعة انفرط من عنقها فجاءة عقدها اللؤلوي النفيس، الذي أهداها إياه والدها للتو، فأخذت تلتقط حباته المتناثرة في كل الجهات، وهي تتحسر بحرقة.

سالت دموعها حين أحست ببرودة السيراميك تسري في أطرافها، وتنفذ إلى أوصال قلبها، فيما كانت الكلمات التالية تتناوب على القفز فوق حلبة رأسها: بكاء مطلق، العالم آلة إيذاء، بكاء مطلق، العالم آلة إيذاء.

زفرت زفرة طويلة وارتسمت صورتها في مخيلتها وهي تنهض لترتمي في حضن رجل نبيل، محتمية بحصن صدره الحريز، متخففة من أتعابها الأرضية، مغمضة عينيها بشدة في محاولة لاستحضار بقية دموعها، وكأنها تحاول سحب آخر دمعة عالقة في زوايا روحها البعيدة لعلها ترتاح ولو قليلًا، فيما كان وجه النواب المنهك يتجه جهتها وصوته يعلو مستنجدًا: “جئتك من كل منافي العمر أنام على نفسي من التعب”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى