عام

عن التفكير ونحن في أزمة كورونا

  • فريد أكوزال
  • تحرير: البراء بن محمد

 

صرامة الموقف تستدعي منا أقساطاً مستوفيّة من الآنية والاستشراف المستقبلي. ولكن فلنعد التفكير للحظات في ما قبل الأزمة، ونستحضر ما أمكن من مقارنات بين الحالة العموميّة من التفكير أثناء الأزمة وقبلها. إن ما يحياه الإنسان اليومَ، على تفاوت درجات الحرج والخطورة من منطقة لأخرى، من مقابلة مصيرية أمام جائحة كورونا، بعدَ أن تجاوزت حدود المئة ألف حالة والانتقال من قارة إلى قارات = ليسَ مساءَلة له واختباراً على جميع المستويات كما يُقال، وإنما دروسٌ دقيقةٌ في مناحٍ خاصّة من حياتِه الحديثة، ثمّ إن هذه المساءلة وإن كانت مرتبطةً على وجه خاصّ بالشأن الصّحي، إلا أنها تستجوبه -بخلاف المعهود قبل الأزمة- مستحضرةً الشؤون العلميّة والاقتصاديّة والدّوليّة. أقصد أن الأسئلة المطروحة، موجّهة بشكلٍ أكثر دقّة وأكثر التماساً للحياةِ الفعليّة للنّاس. إن هذا التجاوز لأسئلة كثيرة مما كان يُراج قبلَ الجائحة، ثمّ نفسَ الأسئلة المنتقاة من ركامٍ ضخم ولائحة طويلةٍ من الاستشكلات = يتطلّب تفسيراً (أو على الأقل وصفا وتقييداً) ، باعتبارِ الانتقال على هذا النحو انتقالا مدفوعا من تغيّر في إطار التفكير المعهود، وإذا تغيّر الإطار وتغيّر معَه التفكير، كان اختبار وتحليل الماضي على ضوء ما جدّ خلال الأزمة حاملاً لشيء من الفقه المحمود.

فلتكن شهادَتنُا الأولى على المنحى الذي تفاعلت به الشعوب تجاه الكورونا من كونِه خبراً إلى استقباله حدَثا. الصورة العامّة عن مسار وشكلِ تطوّر التفكير الجماعيّ لدى النّاس حولَ الوباء، أنه عندَ شيوع النبأ قادما من الصّين، انحصر التصوّر في كونه مجرّد خبر دوليّ في خانة الأخبار العالميّة. لم يكُن التفاعل آنذاك تفاعُلاً فكريّا دافعًا لتصوّر سيناريوهات أن نعيش بدورنا نفسَ ما نراه على الشّاشة. فالناس منشغلون بحياتهم الروتينيّة العاديّة، بل كان بعضهم يدعونا -في نفسِ هذا الوقت- لأن نجعل تفاهات تفكيره مركزاً لتفكيرنا : نعيش والكلّ يريد أن يجبرنا على اقتسام همومه، وإن كانت من أحقر ما يكون. ولكن مع هجرة الحدث -شيئا فشيئا- إلى المستوى الوطني، تطوّر التفكير من مجرّد الإخبار العالمي إلى التنبّه للتأثّر القهري والانعكاس السلبي على الحالة الاقتصاديّة، وتسيير الحالات القليلة (قلّة كمّية، بطبيعة الحال). نجد -على سبيل المثال- أن “تقرير آفاق الاقتصاد” الذي أصدره صندوق النقد الدولي بتاريخ 20 يناير 2020، لم يأخذ هذا الحدث بعين الاعتبار رغم أن الصين قد أعلنته منذ أواخر ديسمبر من العام المنصرم. وإنما كانت ردّة الفعل الكبرى ببداية آثار وانعكاسات الحدث على التجارة العالميّة، بحكم ما للصين من مكانة فيه، واتسعت كثيرا لما بدأ سيناريو الانتقال الفعلي للفيروس : فبعد 31 يناير 2020، لم يخل بلد من البلدان الأكثر تقدّما من حالات مصابة. ومع تفاقم الأوضاع، إلى يوم كتابة هذه الأحرف، بدأت نهاية الرحلة لنصل إلى درجات التصوّر الكامِل للخطورة، فانزاحت كلّ الأسئلة الخفيفة تاركةً الإنسانَ أمام معلمة واحِدة هي الصّحة أو الموت.

ما الذي يُمكن أن نراه في هذا المسار الجماعي من النظر للوباء ؟ يُمكن أن نقول أنه يعلمّنا -بأدنى تقدير- ثلاثة أشياء إذا ما قارنّا كلّ اهتمام مرحليّ منها بما كان يروج من مغالطات قبل الأزمة : أولى هذه الأكاذيب أن ما لا نشهده بمرآنا لا تأثير له على حياتنا، وأن كلّ ما هو بعيد عن سعينا اليوميّ لا يستدعي منا شيئا من الانتباه؛ فالشأن الإنساني -حسب هذا التصور- بمجملِه  وعمومه لا يحملُ في طياتِه أي أثر علينا كدولٍ أو كأفراد، ولطالما كان استدعاء الحدث البعيد علينا زمانيا أو مكانياً يؤخذ على وجهِ أقرب ما يكون إلى المطالعة منه إلى الدرس والمحاورة. نقول -ونحن نعيش ما نعيشه- ليس الدرسَ ههنا درساً جغرافيا دوليّا وحسب، بل تاريخيّاً أيضا، يهضم هذه المغالطة : إن انتقال وتحوّل الإشكاليات من موطن لآخر، ومن زمن لآخر، -رغم الفارق الزمني الضئيل بين الصين وبقية الدّول- صورة مصغّرة مما نعيشُه من انعكاسات تحرّكات تاريخيّة طويلة الأمد، ربّما يكون تصوّرها أصعب بكثير، بحكم التباعد الزمنيّ، إلا أن لها انعكاسا على أيامنا كأثر هذا الحدث المباعد لنا جغرافيا. فعندما نطالب العرب -مثلا- بتصوّر تاريخهم الاقتصاديّ العربي، فلا ينبغي أن يُؤخذ على أنه دعوة مطالعة وتنزه فكري في أخبار السابق، وإنما وعيٌ بسلسة الأحداث والأنظمة والمشاكل والأزمات التي عاشها العالم العربي والعالمي والتي تفرز إلى يومنا هذا جملةً من الإشكالات التي تمسّ بشكل مباشر معاشات الناس وتنظيمهم المالي والاجتماعي بنفسِ شكل مسّ هذا الفيروس لصحّة الناس. وليسَ هذا التّصور صعباً في نفسِه، وإنما يُصعّبُه ما نعانيه من جهلٍ بتاريخنا : فلتتخيّل على سبيل المثال، أننا نعيش في دولةٍ لا خبرَ لها بما هو موجود خارج بقاعها، وإذ بها تكتشف ذيوع فيروس كورونا في أبدان مواطينها، دون أن تعلَم مصدَره ولا حديث البلدان الأخرى عنه ولا تجاربهم ولا ما عانوه من ويلاته. تخيّل بدايةً كم سيكون الأمر مكلّفا لهذه الدولة الجاهلة بالتاريخ الحالي المحيط بها من جهة تحديد هذا الفيروس أولا، ثمّ تصوّر خطورته ثانياً، وأخيرا محاولة القضاء عليه : لابدّ أن تكون تكلفة عملٍ كهذا، أكبر بكثير من تعامل الدوّل العالميّة اليوم، من جهة تبادُلها للأخبار والمعلومات الطبّية والنصائح الوقائية، واستفادة بعضها من بعض. وبالمثل فإن الجهلَ بالتاريخ من جهةٍ، والواقع الحاليّ من جهةٍ أخرى، من كافة الجوانب الممكنة، مكلّفٌ للغايةِ. على أن تصوّر الفائدة المباشرة لما يقوم به الباحثون في شؤون كهذه غير ظاهر من الوهلة الأولى، وذلك لمن لم يعتد النظر الشمولي للواقع وتصوّر اتساع قائمة الأزمات التي يُمكن أن تقع دون أن تخطر على بالنا.

الدرسُ الثاني الذي تلقننا إياه هذه الأزمة هو تحطيم فكرة أخرى مغلوطة عن الشأن الاقتصادي، ألا وهي أن ما يقوم به علماء الاقتصاد من اهتمام بالشأن الاقتصادي المحلّي والدّولي لا يعرفُ إلا أسئلةً أكثرُها من ضروبِ الإنتاج المتعلّقة بالتنظيمات الرأسمالية الكبرى، وأنه لا يمس الحياةَ المعيشيّة اليوميّة الفعليّة للناس. انتشر الفيروس فبدأ الناس -رغم اختلاف البلدان ودرجات النمو أو الفقر- في تصوّر سلسلة الانعكاسات في أدقّ تفاصيلها المرتبطة بحياتهم اليوم؛ بدايةً من أسئلة التجارة العالميّة (حيثُ رُبطت بانتقال البضائع مثلاً من الصين؛ من إمكانيّة تنقّل السلع وظروفها إلى حال توقف الاستيراد)، مروراً بأسئلة المجال الزراعي/الفلاحي والأمن الغذائي (فبدأت محاولات تقدير الناتج والمخزون الوطني، وتقييمه حسب ظروف الأزمة في أقصى أحوالها)، وصولاً إلى أسئلة المعاشات والرواتب والأسعار وتأثّرها بدرجة الحركة الإنتاجية في الشركات والمصانع (كسؤال تمكّن الشركات من أداء رواتب عمالها). فضلًا عن التساؤل المستمر عن إمكانيات البنية التحتية للجهاز الصّحي -كعدد الأسرة المتاحة والمتوفرة للمصابين بالمرض)-. كلّ هذا يُبيّن لنا كيفَ أن أزمة كهذه، تأخذ الناس من تصور سطحي عن الإمكانيات الاقتصاديّة وتنظيمها في مجتمات حديثة معقدة للغاية، إلى تصوّرات -في غاية السلامة والدّقة- عن تفاصيل ملموسة وواقعية يجب استحضارها ولو خارج الأزمة. صارت مفاهيم كـ”الندرة” و”الإنتاج” و”حركة الأسعار” -مما كان حبيسا في المخيال الجماعي ومؤشرات لا تتجاوز الرقميّة- تسترعي همّ المواطن العاديّ بطريقة قريبة لفهمه ومعاشه. هذا إن لم نتحدث عمّا ظهر في خطابات الناس من تشكيك طالَ شكل التنظيمات القائمة اليوم، وتصوّر شيء من التناقضات الداخليّة الكامنة فيها. فنحنُ نرى هذه الأيام حوارات ونقاشات تدور -مثلًا- حول ما إذا أمكن أن نستمرّ في نظامٍ حيثُ درجة ضمان وحفظ العمال فيه تحوم حولَه شكوك من حيث أنه مرهون بما هو مطلوب من الدّولة كأدوار شتى، في مقابل حاملي رؤوس الأموال. فبعد أن كان كثير من الناس يرى توازناً -بشكل غير واعٍ- بين العمل ورأس المال، صارَ الكثير يرى أن ثمة في السوق ما يستدعي التفسير وإزالة الغموض. وهذا كافٍ لبيان ما تستدعيه المشكلة الاقتصادية من اهتمام. وأن السهو العربي عن هذا الشأن -منذ قرون- يطرح أكثر من علامة استفهام.

أما المغالطة الثالثة التي تمحوها هذه الأزمة فهي أن التفكيّر الذي يُمكن أن نُسمّيه بـ”التفكير الأولويّ” -على مستوى الجماعات والدّول- (أي وجوب وضع أولويات، وإزاحة كثير من القضايا عن الشأن الوطني إلى إشعار آخر) طريقة خاطئة من الإقصاء والإنغلاق أو التشدّد المذموم. وقد بيّنت هذه الأزمة بما أزاحته من أسئلة شتى -ليس لها أي فائدة لها في برامج التنمية والوقاية-= أن جميع أولئك المفكرين الذين لطالما دعوا إلى توجيه بوصلة التفكير الوطنية والبحث والاشتغال التنموي إلى جهات معيّنة وأولويّة كانوا على حقّ. فالأزمات لا تنتظر. وحلولُها قد يخلط كافة الأوراق لمن يحاول الريادة في كلّ مجال. وليسَ حديثي هنا إطلاقا عن المجالات التافهة التي لا تستحق أن تذكر. فهي -قبلَ الأزمة- شعار تعاسة التفكير محلّيا، وإشارة إلى ما فيه من مساوئ وعيوب. ودولة تصرّ على وضع اهتمامات حقيرة في برنامجها التنموي، يستحيل أن تتجاوز أزمة كهذه إلا بخسائر لا تقدّر. ويكفي أن تروا كيف تنزاح بسهولة تخميمات الناس من أمور تافهة إلى أمور أولويّة، لنفهم ضرورة استعادة التفكير الأولويّ والإبقاء عليه إلى بعد الأزمة، ولما في هذه المنهجية العملية والحوارية من تأكيد حقيقة أن العلم دفعٌ قبلَ أن يكون طلباً، وأن دفع الأزمات لا يكون إلا بتصوّر ما ينبغي أن يكون أولا، وأن نفهم -أيضا- أننا نعيش تحت مطرقات عوائق كثيرة : أخصها الوقت.

هذا ما تأتي به الأزمة من حركةٍ بلغت الطبقات السفلى من الشعوب. فإن كانت الأزمات تدفع أبعد الناس عن إرادة تنظير واقع المجتمعات والتنبؤ بمستقبلها = للتفكير، فالمفروض أن نفهم أن التفكير في جوهره مرتبط بالمشاكل والأزمات، بعبارة أخرى، إننا لا نفكّر إلا ونحن في أزمة؛ كأن جوهر الأزمة التفكير وحملُ الهمّ. فعندما يُعلّق مصيرنا الحياتي بقضية ما -كيفما كانت طبيعتها- يكون همّنا متوجّها -بكلّ ما أوتي من قوة- للبحث عن حلول ومخارج. وهذا بالمناسبة من الأسباب التي تفسّر ضعف التفكير على المستوى العربي، ذلك أننا لا نستطيع التفكير وسط الأزمة، مع أننا عائمون فيها طول الوقت قبل هذا الفيروس وبعده. أو لنقل بأننا لا نقوى على استبطان الأزمة إلى غايَتِها. وعندما تبلغ الأزمة غايتها، يكون تأخّراً لا رحمة فيه : حيث ترتكب فيه الجرائم، وتعمّ فيه الذنوب، وتصير مسؤولية كلّ واحد منا أكبر من مسؤولية الآخر. وعندما نقول أن التفكير تفكيرٌ كأننا في أزمة، أعني “تفكيراً كأننا في غايةِ وعمقِ وقمّة الأزمة”. ونحن نرى ما يستدعيه هذا الإطار من دعوة جادة وصارمة للتفكير. فاستحضار “الموت” -باعتباره مثالا على “غاية الأزمة وقمّتها”- الذي جدّ لدى كثيرين مع حلول أزمة هذا الفيروس، لا ينبغي أن يكون إطلاقا عابراً في أطُر تفكيرنا اليوميّ، بل ينبغي أن يكون لدى المفكرين -خاصة- من صميم دوافع تحريك عقولنا نحوَ خدمة المجتمع والقيام بمهامنا على كافة الأصعدة الممكنة. فالموت، الذي وصفه النبي -صلى الله عليه وسلم- بـ”هادم اللَّذات”، هو هادمٌ لا لشهوات الأفراد وما يزيحهم عن تطوير ذواتهم والاشتغال بما ينفعهم وحسب، بل هو أيضا هادمٌ للذات المفكّر وهو يجوب بفكره أرجاء المجتمع : كلّما كان تصوّره قريباً من غاية الأزمة -أي الموت-، كان أصدق وأعقل في التفكير.

اقرأ ايضاً: هل يكفي الدعاء وحده لإيقاف جائحة مثل جائحة فايروس كورونا؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى